الجمعة, فبراير 26, 2021

مدحت باشا واصلاحاته في العراق (4-4)..إنشاء مدينة الناصرية وتنظيم الإدارة المحلية والأراضي الزراعية وضم الأحساء وقطر للعراق

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعد مدحت باشا من أشهر الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد رغم أنه لم يستمر سوى ثلاث سنوات (1869-1872 م) لكنها كانت سنوات مفعمة بالإنجازات والإصلاحات بشكل غيّر من الحياة الرتيبة التي كان المجتمع العراقي والبغدادي قد اعتاد عليها.

مدحت باشا

تنظيم الادارة المحلية:

مدحت باشا إلى أهمية تنظيم الإدارة المحلية ، وربطها بالحكومة المركزية لتسيطر على أبعد مدينة وقرية ، ولذلك قام بإجراء تغييرات إدارية تمثلت في استحداث لواء أو قضاء أو رفع مستوى قضاء وغير ذلك.

1- ولاية البصرة : وألويتها :

أ-مركز البصرة وأقضيته 1- القرنة.

ب- سوق الشيوخ (ثم تحول إلى قضاء بعد إنشاء الناصرية).

ت- العمارة.

ث- نجد ، لها قضاءان هما القطيف وقطر.

2- ولاية الموصل: وألويتها:

أ-لواء الموصل. وأقضيته : 1- مركز الموصل 2- العمادية 3- زاخو 4- سنجار 5- دهوك 6- عقرة.

ب- لواء كركوك ، ويسمى لواء شهرزور . وأقضيته: 1- راوندوز 2- أربيل 3- كفري (الصلاحية) 4- كويسنجق 5- رانية.

ت-لواء السليمانية . وأقضيته: 1- كل عنبر 2- بازيان  3- شهربازار 4- قرة داغ 5- مركة 6- الجاف.

3- ولاية بغداد . وألويتها :

أ- لواء بغداد وأقضيته : 1- قضاء خريسان (طريق خراسان) ثم أصبح (لواء ديالى) 2- قضاء خانقين 3- قضاء الكاظمية 4- قضاء سامراء 5- قضاء الدليم (ثم أصبح لواء) 6- قضاء عانة (ثم صار تابعاً للواء الدليم).

ب- لواء الحلة. وأقضيته : 1- مركز الحلة 2- الهندية 3- السماوة 4- الديوانية 5-النجف 6- الشامية.

ج- لواء كربلاء الذي تشكل بعد مدحت باشا .

كان الهرم الإداري في لواء بغداد يتكون من كل من :

1- الوالي، 2- معاون الوالي ، 3- متصرف المركز ، 4- قائممقام المركز.

أما الألوية الأخرى فكانت تتكون من: 1- المتصرف 2- معاون المتصرف.

وفي الأقضية : 1- القائممقام 2- النائب .

خارطة العراق في العهد العثماني

مشكلة الأراضي:

التفت مدحت باشا إلى أن التنازع على الأراضي هو واحد من أهم دوافع النزاعات العشائرية التي كانت تقلق الحكومة ، وتساهم في الإخلال بالأمن والاستقرار، وازدياد التوتر والاحتقان الاجتماعي ، وزرع العداوة والخصومة بين أبناء العشائر. كما لاحظ أن الهم الأكبر للعشائر هو الاستحواذ على الأرض دون الاهتمام بإصلاحها وإعمارها.

جاء في مذكرات مدحت باشا:

((تعرضت بلاد العراق للحروب والغارات وتهديد الأمن وكثر الثوار في جهات الهندية والحلة وغيرهما ، كما لا يخفى على أي عارف بأحوال تلك البلاد. وقد اختلفت الأفكار في شأن هذه الثورات. فمن قائل أن أهالي البلاد هم من الشيعة ، وسبب شقهم عصا الطاعة هو أن رجال الحكومة يخالفونهم في المذهب. ومن قائل أن رؤساء القبائل يحضون الأفراد على مقاتلة الحكومة للتخلص من الأموال الأميرية .

وهذه الأسباب غير كافية لأنه لا يعقل أن هذا العدد الكبير يثور ويهدر دمه بإشارة المشايخ ، والذي ينظر إلى حالة البلاد يتضح له أن سبب هذه المخاصمات هي مســألة الأراضي)) (1).

ولحل النزاعات حول حق التصرف في الأراضي ارتأى مدحت باشا تسجيل الأراضي بأسماء شيوخ العشائر مقابل أجر زهيد يدفعونه للحكومة ، فابتدع ما يعرف بحق (اللزمة) أو الالتزام أي حق التصرف بالأرض.

عشائر عراقية

يلاحظ أن مدحت باشا كان يهدف إلى أمور:

1- الحصول على عائدات مالية للحكومة ، حيث أنها كانت تعاني من عجز مالي. إذ حصلت على مبلغ يقدر بمائة ألف ليرة. وهو مبلغ ضخم آنذاك.

2- إبقاء ملكية الأراضي أو (رقبة الأرض) بيد الدولة وحسب القانون.

3- ربط زعماء العشائر ومصالحهم بالحكومة مباشرة ، وتأمن بذلك عدم ثورتهم ضدها.

إجراءات الطابو:

أعلنت الحكومة أنها بصدد تفويض الأراضي بالمزايدة. وبعد أن يتم التفويض لن يتم سماع أي دعوى عقارية. قبل إجراء التفويض تم الإعلان عن مهلة لمراجعة اللجنة المختصة والمشكّلة لهذا الغرض لكل من لديه سندات أو وثائق تثبت تملكه للأرض ، وبعد انتهاء المهلة لن تسمع الدعاوى كي تسير إجراءات التفويض بسهولة.

تم تأسيس دائرة التسجيل العقاري التي عرفت باسم (الطابو) تتولى تثبيت حدود الأراضي ومساحتها وعائديتها ، وتثبيت ذلك في سجلات وسندات رسمية لا تقبل التغيير إلا في حدود القانون.

وبقي الحال على ما هو عليه حتى أيامنا هذه ، إذ بقيت سندات وسجلات التسجيل العقاري العراقية محتفظة بأسلوب ومفردات العهد العثماني أمثال اسم المقاطعة ، مخطط الأرض، جنس الأرض، واستخدام وحدة قياس المساحة (الأولك) الذي يساوي مائة متر مربع. وكذلك (الدونم) الذي يساوي 2500 متر مربع.

فرسان من العشائر

صدر قانون تفويض الأراضي من خلال صدور الإرادة الملكية التي تضمنت:

((إن أغلب الأراضي للقطر العراقي تدار بالالتزام ولا تفوض إلى أحد ، ولذا ترى الملتزمين يهتمون بالاستفادة من مدة التزامهم فقط، ولا يبالون بإعمار الأراضي، فلم ترق الزراعة والفلاحة فيها.

وكان من النتائج المضرة لهذه الطريقة أن الأراضي الواسعة للقطر العراقي أصبحت خالية من آثار العمران ، ولاشك أن تكثير الثروة والعمران في الملك متوقف على تأمين حقوق الأهالي بالتصرف فيه. ولم يزل إيصال أمر الزراعة والفلاحة في ولاية بغداد إلى الدرجة المطلوبة منها مما ترغب فيه ذاتي الملكية .

وإن إحدى المسائل والأسباب المؤدية إلى ذلك الرقي هو إصلاح قضية التصرف بالأراضي ، ولذلك تقرر في البدء إقطاع الأراضي المذكورة وإحالتها إلى طالبها، ولكن الصدمات والتقلبات التي اعترت البلاد منذ مائتي سنة سلبت من السكان القوة المالية، والقدرة على الزراعة والفلاحة ، فحدث أن أخذت أغلب الأراضي من أصحابها بانضمام موافقتهم، وسلمت إلى جانب الميري (الحكومي) لتزرع الأراضي وتعمر ويستفيد أصحابها منها.

وهكذا صارت تدار زراعة تلك الأراضي بواسطة الميري على أن يترك لأصحابها في العشرين وفي الخمسة والعشرين وفي الثلاثين واحد باسم العقار.

ولم تزل هذه المعاملة تجري على الأراضي المذكورة حتى الآن، ثم انقرض بعد ذلك أصحاب الأراضي الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ، وأصبح حق التصرف عائداً إلى الميري ، ولم تبق على الأرض إلا الحصة العقارية .

ولما كان أصحاب العقار لا يتعرضون في المتصرف بالأراضي وتملكها بل يأخذون حصصهم العقارية كما هي. ولما كانت هذه الحصة تزداد بنسبة عمران الأراضي ورقيها، فاستفادتهم ستزداد طبعاً بالتدابير الاعمارية التي يتصور اتخاذها ..)) (2).

علي الوردي

يرى الدكتور علي الوردي أن مشروع تفويض الأراضي قد اخفق ، وعده من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها مدحت باشا لأنه لم يراع ملائمته للظروف الاجتماعية التي أحاطت به، رغم النجاح البسيط في بعض مناطق العراق ، ثم يرى أن اخفاق المشروع يعزى إلى سببين:

الأول: تفسخ الجهاز الإداري والموظفين الذين أوكل إليهم مهمة تسجيل الأراضي.

وذلك لأنهم بتأثير الرشاوى والمحاباة لهذا الشخص أو تلك العشيرة، قاموا بتسجيل الأراضي بأسماء أشخاص غير أصحابها ، كما بالغوا في حدود الأرض ، حيث سجلوا مساحات شاسعة من الأراضي بعد أن قبضوا رشاوى عالية ، وقد أدى ذلك نشوء اختلافات ونزاعات ودعاوى معقدة لا نهاية لها.

الثاني: العداء الدائم بين الشعب والحكومة.

فقد اعتادت العشائر العراقية منذ زمن بعيد على اعتبار الحكومة عدواً لها. ولذلك كانت نظرتها مريبة تجاه مشروع الأراضي لأنه بنظرها لا يمكن أن تقوم الحكومة بعمل نافع لها.

وظلت العشائر تشكك بمشروع مدحت باشا وأنه لابد أن يخفي قصداً آخر ، وأنه مثل بقية الولاة الأتراك أو الحكام لا يـــريد بها غير السوء (3).

ويشير الوردي إلى أن العشائر لم تتفاعل مع المشروع ولم تسارع إلى تسجيل الأراضي. غير أن المستفيد الأول كان أغنياء المدن وبعض رؤساء العشائر وخاصة عشيرة السعدون في المنتفق الذي سجلت أراضي واسعة باسمه وبأسماء أفراد عشيرته (4).

المسز بيل

وترى المسز “غيرترود بيل” أن نظام الطابو مع الأسف، على ما فيه من مزايا واضحة، مثل غيره من الأشياء التركية ، جميعها شيء نظري وليس حقيقة ملموسة. من الناحية العملية نجد أن نسبة كبيرة من معاملات نقل الملكية لم تكن مسجلة ، أو أنها كانت سجلت دون إجراء التدقيق المطلوب فيما يتعلق بها من المعلومات، أو أنها كانت قد استحصلت برشوة موظفي الطابو ، يضاف إلى ذلك أن الحدود قد رسمت بكثير من عدم الدقة والاهمال ، فلم تبذل أية عناية في تعيين حدود العقار ، وكثيراً ما تظهر عند تدقيق السندات حالات يذكر فيها (الهور) حدوداً من الجهات الأربع ، وكان هذا خطأ يتعرض للتغييرات الموسمية والدائمة كلما تغير مستوى المياه (5).

وتضيف المسز بيل “ومع هذا كله ، فقد كان نظام الطابو حيوياً للمحافظة على القواعد التي كانت تستند إليها عملية تملك الأرض. وقد بقيت جزءاً من القانون العراقي السائد”.

إن تسوية مدحت باشا لشؤون الأرض كانت مبنية على أسس مغلوطة (6).

أما بعد احتلال العراق من قبل الانكليز، فقد استمر جهاز الطابو التركي بالعمل لكن على درجة من الارتباك والنقص، بحيث تم إغلاق دائرة طابو البصرة لمدة سبعة أشهر حتى يمكن تنظيم سجلاتها والقضاء على الفوضى التي كانت مستفحلة فيها. وحينما أعيد فتحها صارت تتعاطى فقط بشؤون البساتين وممتلكات المدن.وقد منعت من تسجيل المعاملات المختصة بالأراضي الزراعية لأن مشاكل ملكيتها كان لها مساس بأسس النظـــام الزراعي التركي (7).

فتح الأحساء:

بعد وفاة حاكم نجد الأمير فيصل ، وترك أولاده يتنازعون على السلطة ، كان مدحت باشا يراقب الوضع الداخلي في منطقة نجد، وكان يعلم أن ستراتيجية الدولة العثمانية متوجهة للقضاء على إمارة نجد، وضمها للدولة وإعادتها كما كانت في عهد السلطان سليمان القانوني ثم انتزعها منهم آل سعود (8).

حاكم نجد الامير فيصل

ثم تم انتزاعها من قبل الخديوي محمد علي باشا حاكم مصر عندما أرسل ولده إبراهيم باشا فاحتلها ودخل عاصمتها الدرعية (مركز الوهابية) وضمها إلى مصر.

في عام 1870 حدثت معركة بين الأمير عبدالله وأخيه سعود الذي استولى على الأحساء ، وكانت معركة خسر فيها الطرفان خسائر بشرية جسيمة. استنجد الأمير عبدالله بمدحت باشا لمساعدته في استعادة الأحساء. أرسل مدحت باشا جيشاً بقيادة نافذ باشا الذي تمكن من احتلال الأحساء بسهولة نظراً للفارق الكبير بين تسليح وتدريب الجيش العثماني ورجال سعود.

كان الجيش العثماني يتألف من خمسة أفواج من الفيلق السادس ، إضافة إلى الخيالة والمدافع بكامل تجهيزاتها وأعتدتها. أرسلها على ظهر ثمانين سفينة حربية كبيرة وصغيرة تحركت من البصرة .

وتطوع بعض أهالي الكويت للقتال مع الجيش العثماني. نزل الجيش أولاً في ميناء رأس تنورة، ثم توجه براً نحو القطيف التي احتلها بلا قتال لأن أعوان سعود فروا منها، ثم استولى على كل الأحساء (9).

ثورة بغداد ضد مدحت باشا:

في أوائل شهر أيلول من عام 1869م -أي بعد انقضاء أربعة أشهر على ولاية مدحت باشا في بغداد- شبت ثورة شعبية في بغداد، وكان السبب المباشر لتلك الثورة هو ما عزم عليه مدحت باشا من فرض التجنيد الإجباري على سكان بغداد.

أمر مدحت باشا تشكيل لجان للتجنيد قوامها ضباط عسكريون على أن يعاونهم مختارو المحلات.ويبدو أنه كان واثقاً من طاعة أهل بغداد لوجود القوات الحكومية بالقرب منهم.

التجنيد الاجباري في بغداد

أصابت القرعة ثلاثمائة مكلف، ولكن هؤلاء رفضوا الإنصياع عندما استدعوا إلى الخدمة، وأخذت بوادر النقمة والتحفز تظهر هنا وهناك في بعض المحلات، وكان على رأس المحلات الثائرة محلة باب الشيخ تتلوها محلة قنبر علي.

وحمل الكثير من الأهالي أسلحتهم وقاموا بمظاهرة تتقدمهم الطبول وهم يصرخون تحدياً للحكومة، وتوجهت بعض العصابات المسلحة نحو الأسواق تنهب الدكاكين، ثم سارت نحو محلات اليهود والنصارى بغية العبث فيها.

كان مدحت باشا جالساً في مقره قبيل غروب الشمس فسمع اطلاق الرصاص، ولم يكد يتبين جلية الخبر حتى أسرع بنفسه إلى ثكنات الجيش فصار يوزع السلاح بيده على الجنود، وأرسل قوة منهم إلى محلات اليهود و النصارى وبيوت الأجانب لحمايتها خشية حدوث المذابح. ثم أمر بقطع الجسر ومنع عبور النهر بأية وسيلة، وأرسل قوة من الخيالة لكي تحيط ببغداد وتلقي القبض على كل هارب منها أو داخل اليها بغية النهب.

محلة باب الشيخ

وركز مدحت باشا اهتمامه على محلتي باب الشيخ وقنبر علي، فوجه إلى الأولى منها أربع سرايا من الجنود مع مدفع تحت قيادة اللواء سامح باشا، وكما وجه إلى الثانية مثل ذلك تحت قيادة اللواء فيضي باش.

والظاهر أن الأهالي أدركوا وخامة العاقبة فتفرقوا قبل أن يطلق الجنود طلقة واحدة. وعندما حل الظلام ألقت الحكومة القبض على مائة وثمانين رجلاً اتهموا بأن لهم ضلعاً في اثارة الجمهور، فمن كان يحترف “الشقاوة” أدخل في سلك التجنيد، أما الباقون فقدموا للتحقيق والمحاكمة.

ثم استدعي بعدئذٍ المكلفون الثلاثمائة الذين كانت القرعة قد أصابتهم فلبوا الدعوة طائعين. وكان ذلك ايذاناً ببدء تطبيق التجنيد الإجباري على العراق كله، فصارت الحكومة تستدعي المكلفين من جميع الألوية ولم يستثن منها سوى ألوية المنتفق والدليم والعمارة باعتبار أن أكثر السكان فيها هم من العشائر الرحالة. (10)

الهوامش:

1- علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 2 / ص 261 دار الكتاب الاسلامي، بغداد: 2005

2- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين)/ ج 7/ ص 284-285 الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات، بيروت: 2004

3- علي الوردي / ج 2/ ص 262-263

4- علي الوردي / ج 2/ ص 264

5- المسز بيل (فصول من تاريخ العراق القريب)/ ص 54-55  ترجمة جعفر الخياط، الرافدين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت: 2010

6- المسز بيل (فصول من تاريخ العراق الحديث)/ ص 55

7- المسز بيل / ص 250

8- عباس العزاوي / ج 7/ ص 295

9- عباس العزاوي / ج 7/ ص 296-297

10- موسوعة ويكيبيديا

ليفي ..مهندس الخراب من البوسنة إلى كردستان العراق وبلدان “الربيع العربي”

متابعة : وكالة نخلة

فى حديث لقناة RT الروسية ، قال الباحث المصري المتخصص في الأمن القومي أحمد رفعت، تعقيبا على زيارة “برنارد هنري ليفي” لمدن ليبية، إن الأخير “مهندس الخراب من البوسنة إلى كردستان (العراق) إلى سوريا ومصر وليبيا وتونس”.


وأضاف الباحث أن ليفي لم يلعب في ليبيا إلا “دورا مشبوها في خرابها إلى حد دمارها الشامل وقتل رئيسها وسلب أموالها وبنكها المركزي فحسب ،بل بلغ من كشف الوجه إلى حد تأليف كتاب (الحرب بغير أن نحبها) عن ذلك يعترف فيه بدوره في جلب الجيش الفرنسي إلى ليبيا والذي انتهى إلى قتل مئات الألوف وتشريد أضعافهم خارج البلاد وداخلها وأصبحت مهددة بخطر التقسيم!”.

ليفي مع قادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
ليفي مع قادة قبائل ليبية عند الثورة على القذافي

وتابع قائلا: “الآن ليفي الذي لا يخفي صهيونيته في ليبيا.. لا يصل إلى هناك إلا كمقدمة لمؤامرة جديدة… واختياره لمصراتة مع مدن أخرى كلها خاصته لحكومة السراج دون إعلان عن وساطة أو زيارة لبني غازي يوحي كما لو كانت زيارة لـ “الجبهة” يطمئن بها على قواته وكأنه أحد قيادات طرابلس يؤكد أبعاد المؤامرة، وأن أجواء 2011 عادت من جديد مع ما يجري من دعم كامل لمعسكر تركيا قطر الإخوان لدعم بايدن في الانتخابات الأمريكية كلها اشارات لعودة المباراة من جديد بين قوي تقسيم ونهب الوطن العربي وبين القوى الشريفة التي لن تقبل بذلك ولن تقبل بغير هزيمته”.

ليفي معانقا نيجرفان بارزاني خلال الاستفتاء على استقلال كردستان العراق
ليفي في كردستان العراق عام 2017 تزامنا مع الاستفتاء على الاستقلال
ليفي ياكل الطعام مع قوات مكافحة الارهاب العراقية

وكان ليفي ظهر في قاعة يصوت فيها نيجيرفان البارزاني نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارازاني وعائلته ، على استفتاء الانفصال الذي جرى في 25 سبتمبر/أيلول 2017.

ليفي الذي يثير حضوره في كل مكان تحل فيه موجة عارمة من التساؤلات ، لقبه فلاسفة فرنسيون بـ “الخديعة الثقافية”، ولقبه بعض العرب بـ “عراب الثورات العربية”.

ليفي في ميدان التحرير بالقاهرة عند الثورة على مبارك
ليفي في تونس

ولد ليفي في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1948 في مدينة بني صاف في شمال الجزائر ثم انتقل مع عائلته إلى فرنسا. ودرس الفلسفة وتخصص فيها. ويعد مفكرا وفيلسوفا وأكاديميا ومنتجا سينمائيا.

ذاع صيته حين كان مراسلا حربيا في بنغلاديش خلال حرب انفصالها عن باكستان عام 1971. ثم حين دعا إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوغسلافيا السابقة.

وفي عام 2006 وقّع بيانا مع 11 مثقفا ، بينهم سلمان رشدي (مؤلف كتاب آيات شيطانية المسيء للرسول الكريم) ، بعنوان “معا لمواجهة الشمولية الجديدة”، ردا على المظاهرات الشعبية التي اجتاحت العالم الإسلامي احتجاجا على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الرسول الاعظم محمد (ص) والتي نشرتها آنذاك صحيفة دانماركية.

المصدر : ار تي + وكالات 25 يوليو 2020

قصور العباسيين في بغداد 2-2 القصر العباسي .. القصر الوحيد الذي بقي يطاول الزمن

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

6- دار الشجرة :

في الوقت الذي كان الأمراء الأتراك يحكمون بغداد ، كان الخلفاء العباسيون المغلوبون على أمرهم يقضون أوقاتهم في إنشاء القصور والتفنن في تنظيم البساتين والبرك والنافورات وغيرها للهوهم وأنسهم. ففي عهد المقتدر ، دار الشجرة – نسبة إلى الشجرة المصنوعة من الفضة كانت فيها- وقد وضعت الشجرة في وسط بركة كبيرة مدورة فيها ماء صاف . وللشجرة ثمانية عشر غصناً ، لكل غصن منها فروع كثيرة عليها الطيور والعصافير (المعدنية) من كل نوع مذهبة ومفضضة. وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها ذهب. وفي جانب الدار على يمين البركة تماثيل خمسة عشر فارساً على خمسة عشر فرساً قد ألبسوا الديباج وغيره،  وفي الجانب الأيسر مثل ذلك). 
وقد أنشيء بالقرب من قصر الفردوس (الجوسق المحدث) وهو دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة. 

7- القصر الحسني :

الذي بناه جعفر بن يحيى البرمكي، وكان يعرف باسم القصر الجعفري، وقصر الفردوس الذي شيده المعتضد في جوار القصر الحسني. وقد بناه ليكون موضع لهوه بعيداً عن مقر الخليفة وعيون الناس. وكان يعرف بالقصر الجعفري ثم أقام فيه المأمون فسمي بقصر المأموني . كما سميت المحلة الواقعة بجواره بالمأمونية نسبة إلى هذا القصر.
قال ياقوت (ثم انتقل القصر إلى المأمون ، فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه. واقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحير (حظائر) لجميع الوحوش). وقال تاج الدين ابن الساعي المؤرخ ، إن “هذا القصر صار إلى المأمون وكان من أكمل القصور وأبهاها، وأحب المواضع إليه وأشهاها، لاطلاله على دجلة وكماله في النظر، واشتماله على الروض والشجر، واكتسائه بالنور المشرق النائر، والزهر المونق الزاهر، فنزل بساحته ، وحلّ به حبى راحته ، وجرّر على رياض ذيوله، وطارد في ميدان سروره خيوله ، ملتذاً بسكناه، معتداً بهواه ، وصار منزل صيده وقنصه، ومحل نزهه وفرصه، واقتطع جملة من البرية فعملت ميداناً لركض الغلمان ، واللعب بالكرة والصولجان”. ومحلة المأمونية اليوم محلة عقد القشل والدهانة والهيتاويين وصبابيغ الآل. ثم أقام فيه الوزير الحسن بن سهل فسمي الحسني.
ويقال أن المعتضد وسّع القصر الحسني وأضاف اليه دوراً عديدة ، ثم ابتنى بين القصر الحسني وقصر الثريا لتمشي جواريه فيها وحرمه وسراريه. وكان قصر الثريا على مسافة ميلين عربيين (الميل العربي يساوي 2 كيلومتر) من القصر الحسني.  

8- قصر الرصافة للمهدي :

أمر المأمون ببنائه في شرقي نهر دجلة عام 151هـ، وهو أول مبنى أنشئ في هذا الجانب، وبنى له المنصور سوراً وخندقاً، فاتخذه الخليفة المهدي مقاماً له عام 151هـ وجعل ما حوله معسكراً لجنده، وبنى كبار القوّاد منازل لهم حول القصر. ثم تكاثرت المباني وتألفت من مجموعها محلة الرصافة جوار مشهد الإمام أبي حنيفة.

9- قصر الوضاح :

وقد بني للخليفة العباسي المهدي قرب رصافة بغداد وقد تولى النفقة رجل من أهل الأنبار يقال له وضاح فنسب إليه، وقيل الوضاح من موالي الخليفة أبوجعفر المنصور.  وذكر الخطيب البغدادي انه عند بناء بغداد أمر الخليفة المنصور باخراج الاسواق من المدينة إلى الكرخ، وان يبنى ما بين نهر الصراة إلى نهر عيسى، وان يبنى لأهل الأسواق مسجداً يجتمعون فيه يوم الجمعة لكي لا يدخلون المدينة ويفرد لهم ذلك، وقلد لهم ذلك رجلاً يقال له الوضاح بن شبا فبنى القصر الذي يقال له قصر الوضاح. ويقع في المنطقة التي سميت بالشرقية لأنها تقع شرق الصراة فهذا يدل على ان القصر بالكرخ.
وقد أشارت المصادر التاريخية إلى قصر الوضاح في الكرخ في الفتنة بين الأمين وأخيه المأمون والتي حدثت قرب سوق الكرخ في الجانب الغربي حيث ان قائد جيش المأمون طاهر بن الحسين حاصر قصر الوضاح وطارد الأمين حتى أسره وأمر حرسه من الأعاجم بقتله، فذبحوه من الخلف وذلك سنة 198ه‍. وذكر المؤرخ اليعقوبي 🙁 والكرخ السوق العظمى مادة من قصر وضاح إلى سوق الثلاثاء طولاً بمقدار فرسخين، ومن قطيعة الربيع إلى دجلة عرضاً مقدار فرسخ( .

10- القصر العباسي :

وهو القصر العباسي الوحيد الذي بقي من العهد العباسي. وقد بناه الخليفة الناصر لدين الله عام 576 هج/ 1181 م . ويذكر ابن جبير في رحلته  بأنه عندما زار بغداد عام 580 هج /    شاهد الخليفة الناصر لدين الله وهو يصعد من منظرته في الشاطئ الغربي لنهر دجلة إلى قصره في أعلى الجانب الشرقي.
وهناك رأي بأن المبنى في الأصل بناه قائد الجيوش شريف الدين إقبال الشرابي سنة 628 هج/   ليكون مدرسة تحمل اسمه، لكن الأدلة التاريخية لا تساند هذا الرأي لأن المدرسة الشرابية ليست في هذا المكان. 
وسمي القصر بدار المسناة ليكون للتنزه والمتعة ، ولذلك وضعت فيه نقوش وزخارف بديعة نحتت من الآجر . وتذكر بعض المصادر بأنها أول دار فرشت بالطابوق الملون. وكان الخليفة ملازماً لها. وقد تم تأثيثها بالأثاث الفاخر والفرش والسجاد والأواني الذهبية والفضية. وعين لها جيشاً من الحراس والخدم والطباخين وغيرهم. 
يتكون القصر من طابقين ، الطابق الأرضي أكثر ارتفاعاً من الطابق العلوي ، وكل منهما يضم مجموعة من الغرف الصغيرة نوعاً ما ، عدا أربع قاعات كبيرة. ويوجد رواق أمام أبواب الغرف من جهة ،  ويشرف على الباحة من الجهة الأخرى. ويستخدم عادة للمشي والانتقال بين الغرف بعيداً عن الشمس والمطر. يستند الرواق على ثمان دعامات في كل طابق إلا في القسم الشرقي حيث تم بناء إيوان كبير بارتفاع الطابقين معاً . والسقوف معقودة بالطابوق ، حيث لم يستخدم روافد من أي نوع ، بل جرى توزيع أحمال السقف لتصل إلى الجدران ثم إلى الأسس. 
توجد باحة وسطية مفتوحة على الهواء الطلق بأبعاد 21,5 × 20 متراً. وتوجد في وسط الباحة نافورة دائرية ترتفع عن الأرض. 

ولم ينس المهندس الذي شيد القصر تفاصيل كثير مثل فتحات التهوية والانارة.  وفيه من الزخرفة البديعة وجمال المقرنصات المنحوتة من الطابوق البغدادي بشكل فني بديع وتداخلات ذكية وماهرة تتناغم مع الاطار العام لمفردات البناء. وعلى بوابة القصر المرتفعة يوجد في إعلاها قسم تمت إزالته ، ولعله كان يضم كتابة تتحدث عن القصر واسم بانيه وسنة تشييده ، كعادة القصور والمدارس والجوامع العباسية. 
يقع القصر العباسي في الزاوية الجنوبية من مبنى وزارة الدفاع في منطقة باب المعظم وبجوار بيت الحكمة الحالي. يقع القصر على ضفة نهر دجلة لكنه لا يطل مباشرة على النهر بل توجد حديقة واسعة تبعده عن النهر بأكثر من 30 متراً . وهي مربعة ، مرصوفة حالياً بالطابوق ، تنمو الحشائش بين الطابوقات. وتوجد فيها بضعة أشجار بينها نخلات. ولعلها كانت جنة جميلة يقضي فيها الخليفة أوقاته متمتعاً بجمال النهر المنساب تحته.  

في العهد العثماني عانى المبنى من الاهمال وسوء الاستخدام ، مثل المدرسة المستنصرية التي نتحولت إلى دائرة كمارك ومخزن لملابس الجنود العثمانيين. ولم تصله يد الاعمال والصيانة إلا في العهد الملكي العراقي. ففي عام 1934 قامت مديرية الآثار القديمة والتراث العراقية عندما بدأت حملة لرفع الأنقاض والأوساخ والأتربة . كما أزيلت الأبنية المستحدثة التي أضيفت إلى البناء الأصلي في فترات مختلفة. وأجريت حفريات في بعض أجزائه ، وأظهرت أسس الأقسام المتهدمة منه . وتوصلت إلى معرفة مخطط  كامل للبناء ، وعليه جرت أعمال الصيانة التي أظهرته بالشكل الحالي عام 1980، (بحسب أستاذ الآثار ضياء نعمة).

ملامح الشخصية العراقية 1- 2 / قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

منهج الدكتور علي الوردي
يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث ، وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية “لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث” تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون ، فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي ، وكانت له أبحاث أخرى مثل “شخصية الفرد العراقي” و”الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي” .

يتميز أسلوب الوردي بسلاسة العبارة وبساطتها ، فهو يبتعد عن التكلف أو استخدام عبارات غامضة أو مصطلحات مبهمة على أذن القارئ العادي ، ويجعل الوردي من التاريخ مجموعة من القصص الممتعة التي تستهوي القارئ ، دون أن يخل ذلك بمادته العلمية أو سياقه التاريخي .هذا إضافة إلى توثيق ما يقوله بالوثائق وكتب الرحلات والدبلوماسيين ومذكرات السياسيين ومصادر تاريخية أخرى ، كما لا يفوته تدوين ملاحظة رجل عجوز أو زبون في مقهى أو غيرهم من الطبقات الشعبية . 

وكثيراً ما ينتقد الوردي الآراء النظرية التي تهدف إلى تثبيت منحى ايديولوجي معين حيث يجري التركيز على الدعاية السياسية أكثر مما تميل إلى كونها دراسة موضوعية واقعية . فينتقد مثلاً المنهج الوعظي في مخاطبة الشباب العربي بهدف خلق جيل من الشباب القومي الواعي أثناء المد القومي في بداية الستينات (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 9).

من المشاكل التي واجهها الوردي أثناء دراسته للمجتمع العراقي هي كيفية جمع المعلومات من أفراد الشعب . فيرى أن الأسلوب الغربي في الإستبيان أو طرق أبواب الناس لأخذ أرائهم في قضية ما غير ممكن لأن هناك “فجوة واسعة بين الشعب والحكومة . فالشعب يعتبر الحكومة عدوة له لا تأتي له بأية منفعة ، وكثيراً ما يأتي الضرر منها” . ويصف موقفه أمام الناس بقوله “وإذا جاءهم باحث إجتماعي حسبوه من جلاوزة الحكومة . فهو (أفندي) في ملابسه ، وبيده قلم ودفتر . أما إذا لبس الباحث ملابس اعتيادية (دشداشة) مثلهم ، ظنوا أنه جاسوس أرسلته الحكومة للتجسس عليهم . ولهذا كنت إذا أردت الدراسة أحاول نيل ثقتهم قبل أن أبدأ بالسؤال. وكنت أوجه إليهم الأسئلة تلقائياً ، وأحرضهم على الإجابة عن طريق إثارتهم وبعث الحماس والفخر فيهم”.

ولذلك يرى الوردي أن أفضل طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي وضعها العالم الألماني ماكس فيبر . وهي التي تعتمد على “التفهم” وتكوين “المثال النموذجي”. فهي ملائمة لمجتمعنا وظروفه الخاصة.
وينتقد الوردي ظاهرة التقليد التي كثيراً ما يقع فيها الباحثون والأكاديميون في تفكيرهم وأسلوب تنفيذهم لبرامجهم أو أرائهم . فيقول ” فنجد أحدهم مثلاً يدرس علم الإجتماع في جامعة أجنبية فيرجع إلى مجتمعه يريد أن يدرسه في ضوء ما درس هناك حرفياً ، ناسياً الفرق بين مجتمعه والمجتمع الذي درس فيه . إنه قد يظن أن الظواهر التي درسها هناك (قوانين عامة) تصدق على جميع الشعوب في العالم من غيرتفريق” (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 20 ).

تأثير البداوة في المجتمع العربي:

حاول الوردي تطوير نظرية قادرة على تحليل شخصية الفرد العراقي بشكل علمي مقبول . فقد تأثر ببعض الفلاسفة والمفكرين ، فكان يناقش أراءهم ويرى مدى إمكانية انطباقها على النموذج الذي يعنيه ، أي المجتمع العراقي ، وبلور آراءه في ثلاث فرضيات هي :

1- ازدواج الشخصية 2- التناشز الإجتماعي 3- صراع البداوة والحضارة . 

ويعترف الوردي بموضوعية أن هذه الفرضيات ليست من بنات أفكاره ، بل اقتبس كل واحدة منها من عالم اجتماعي معروف . فالأولى اقتبسها من (روبرت مريسون مكايفر1882-1970) والثانية من (وليم اوكبرن) والثالثة من (ابن خلدون) ، ثم وصف دوره هو بقوله “غير أني حورت وبدلت في كل واحدة منها ، قليلاً أو كثيراً ، لكي أجعلها أكثر انطباقاً وانسجاماً مع ظروف المجتمع العراقي وطبيعة تكوينه”. (صائب عبد الحميد / علي الوردي: عالم الإجتماع المثير للجدل ) / قضايا إسلامية معاصرة /العدد الثالث / ص 156).

ظل عنصر البداوة يحتل موقعاً هاماً في صياغة الوردي لنظريته . فهو يرفض النظرية التي تعتبر “البداوة مرحلة إجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها في مرحلة الحضارة” ، حيث يعتبرها مستمدة من نظرية التطور المشهورة التي صارت (موضة) علمية منذ ظهور داروين في منتصف القرن الماضي . فقد ظن العلماء يومذاك أن كل مجتمع بشري هو كالكائنات الحية لابد أن يمر في تطوره عبر التاريخ بسلسلة متتابعة من المراحل المحتومة . وهذه المراحل ، كما تخيلوها ، تبدأ بالمرحلة البدائية التي يعيش فيها الإنسان على الصيد و الإلتقاط  ، ثم تأتي من بعدها مرحلة البداوة التي يعيش فيها الإنسان على الرعي ، وتليها مرحلة الزراعة ثم مرحلة الصناعة.
ويستنتج الوردي “بأن البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الإجتماعي ، وليس من المحتوم على كل أمة أن تمر بها خلال تطورها عبر التاريخ . إن البداوة في الواقع نظام إجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء … وفي أكثر الأحيان لا تتخذ أمة ما نظام البداوة كنظام اجتماعي إذا كانت أرضها غير صحراوية”. ويعقب الوردي على أخطاء يتداولها بعض الباحثين مثل قولهم “أن العرب كانوا في جاهليتهم يعيشون في طور البداوة ، وهو طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم أثناء سيرها إلى الحضارة” . هذا ولم يشر الوردي إلى نشوء حضارات في المنطقة العربية قبل وأثناء عصر الجاهلية كاليمن والحضر وتدمر والمدائن . كما رد الوردي من يقول بأن أهم خصائص البداوة هو التنقل وقلة الإستقرار في الأرض ، فيعتبر ذلك خطئاً علمياً ينبغي تجنبه ، لأن ذلك يعني تشبيه البدو بالغجر وسكان الأسكيمو .

يصنف الوردي الوطن العربي إلى ثلاثة أصناف حسب تأثرها بالبداوة :

1- وجود الحضارة والبداوة جنباً إلى جنب ، فتسيطر الحضارة تارة والبداوة تارة أخرى ، كما في العراق والأردن والشام وتونس والجزائر والمغرب واليمن ، والصراع في هذه البلدان كبير وفي العراق أشد .
2- تكون البداوة أشد وأكثر تأثيراً من الحضارة . ولهذا فالصراع فيها ضعيف لا يظهر إلا في نطاق ضيق جداً . ويشمل هذا الصنف نجد والأحساء والعسير وليبيا ، والجزء الصحراوي من الجزائر وعمان والقسم الجنوبي من مصر (الصعيد) . ولم يذكر الوردي الكويت ودولة الإمارات والبحرين  مع أن الخصائص التي ذكرها تنطبق عليها مثل قلة السكان وكثرة البدو . ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الدول لم تتشكل بعد أو تظهر كدول أثناء تأليفه الكتاب في بداية ستينيات القرن الماضي .
3- والصنف الثالث هو الذي تكون فيه الحضارة أقوى أثراً من البداوة ، وأكثر تغلغلاً في الحياة الإجتماعية . ولا ينطبق ، برأي الوردي ، إلا على الوجه البحري أو القسم الشمالي من مصر . ونسي الوردي لبنان الذي يمكن تصنيفه ضمن هذه المجموعة الحضارية .

وقد مضى على هذا التصنيف حوالي ستين عاماً ، تغيرت فيه العديد من ملامح هذه الدول من ناحية أنظمتها الإجتماعية وأنماط حياتها الفكرية والسياسية والإقتصادية . وقد تبدو الحاجة إلى تقييم جديد .

يستمر الوردي في بحثه عن مكونات الحضارة في العراق وأسباب ضمورها وانتعاشها . فيؤكد أولاً على أن الحضارة تتميز بوجود الدولة فيها ، بينما تتميز البداوة بوجود العصبية القبلية . وأن العراق شهد في فترات كثيرة من تاريخه ظهور دول قوية تعمل على إنماء الحضارة فيه ، ولكن تلك الفترات لم تدم طويلاً ، إذ سرعان ما تحل الفوضى والنزاع كما في العهد العثماني . وبقي العراق متأثراً بالصحراء حيث لا يفصل بينها وبينه فاصل من بحر أو جبل . وبقيت الصحراء العربية من أعظم منابع البداوة في العالم .

الثقافة الإجتماعية:

حاول الوردي أن يحدد مفهوم البداوة ومفهوم الحضارة ، فهما متضادتان في الكثير من خصائصهما . لا يميل الوردي إلى استخدام لفظة الحضارة على الـ Culture أو Civilization، بل يفضل استخدام مصطلح “الثقافة الإجتماعية” لتدل على ذلك المصطلح الغربي .
يصف الوردي الثقافة الإجتماعية للأمة كالشخصية للفرد . فكما أن كل فرد له شخصيته الخاصة به ، إذ هو يتميز بها عن أي فرد آخر . كذلك تكون كل أمة من الأمم ، إذ أن لها ثقافة اجتماعية معينة ، لا تماثلها أية ثقافة أخرى في أية أمة .

تعرّف الثقافة الإجتماعية بأنها مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أية أمة من الأمم . وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها كالدين والأخلاق والقانون والفن والصناعة واللغة والخرافات وغيرها .

والثقافة الإجتماعية ليست مجموعة بسيطة مؤلفة من أجزاء متفرقة ، بل هي كلّ متماسك ومترابط ، بحيث تكون الأجزاء فيه متفاعلة فيما بينها تفاعلاً قوياً يجعلها ذات طبيعة جديدة لم تكن فيها عندما كانت منفردة . ويضرب مثلاً بظاهرة الكرم ، فطبيعة الكرم في المجتمع البدوي تختلف عن طبيعة الكرم في الحضارة ، فهي مطبوعة بطابع الثقافة البدوية . فقد نجد لها ما يشابهها في الثقافات الأخرى ، إنما هو تشابه بالإسم أو الشكل الظاهري فقط . ولذلك يقع الغربيون من مستشرقين أو رحالة في خطأ عند دراستهم للخصال البدوية ، إذ أنهم ينظرون فيها بمنظار ثقافتهم الأجنبية فيفهمونها على غير ما هي في الواقع .

وقد أشار بعضهم إلى أجزاء الثقافة البدوية دون أن يتعمقوا فيها . يقول المستشرق براون Eduard Browne : أن الفضائل الرئيسة في البداوة هي الشجاعة والكرم والضيافة والولاء للقبيلة والثأر . وحصرها مور في فضيلتين هما : الشرف والثأر . أما المستشرق الهنغاريا الأصل غولدزيهر Ignaz Goldziher فقد حصرها في واحدة ، هي المروءة ، ولكنه جعلها تشمل مظاهر شتى هي : الشجاعة الشخصية ، والشهامة التي لا حد لها ، والكرم إلى حد الإسراف ، والإخلاص التام للقبيلة ، والقسوة في الإنتقام ، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقولٍ أو فعل .

نظرية الوردي في البداوة:

يذكر الوردي أنه كان يقلب النظريات والفرضيات المعروضة أمامه ، فيناقش هذه ويرد تلك ، من أجل العثور على فرضية وافية تفسر هذه الظاهرة الإجتماعية ، وبعد بحث وتردد يتوصل إلى فرضية (التغالب) .
ويرى الوردي أن مركبات الثقافة البدوية هي ثلاث :

1- العصبية  : وهي الرابطة التي تربط الفرد بقبيلته ، ويحصل منها على ما يقوّم حياته فهي التي توفر له الأمن والحماية في مجتمع الصحراء الذي يحتد فيه الصراع على البقاء . 

2- الغزو : حيث تكون المنافسة على المكانة العالية في القبيلة تتحدد بالشجاعة والقوة والبأس في القتال ، فالحياة في الصحراء لا تحتمل الضعيف الجبان الذي يبقى ذليلاً محتقراً في قومه .

3- المروءة : وهي الصفة التي تضفي على شخصية البدوي صفات الشهامة ونجدة الضعيف أو حماية من يلجأ إليه في حالات السلم . كما أنه يقري الضيف ويساعد الجار أو المسافر بأقصى ما يستطيع .

ويختصر الوردي صفات الرجل البدوي بأنه يجب أن يكون “نهّاباً وهّاباً” أي تقاس شجاعته بغنائمه التي يحصل عليها من الغزو والنهب ، وبمقدار كرمه وبذله للآخرين . لذلك يصبح البخل دليلاً على الجبن والضعف ، لأن الشجاع لا يبخل . إنه واثق بأنه سينال بشجاعته غنائم أخرى ينفقها في خدمة ضيوفه واللاجئين إليه .
وفي نهاية بحثه يبدي الوردي تواضعه العلمي حين يقول “لست أدعي أن هذا البحث الذي قمت به حول البداوة كان بحثاً علمياً . والجدير بي أن أسميه (محاولة علمية) . والرجاء من زملائي الباحثين أن يعينوني فيه ويكشفوا عن أوجه الخطأ والصواب منه” . (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 115)

صفات الشخصية البدوية:

ويحاول الوردي إثبات نظريته هذه (التغالب) من خلال استشهاده بأبيات من الشعر الجاهلي مثل قصيدة عمرو بن كلثوم التي يتفاخر فيها بالشجاعة وطعن الخصوم ثم يعرّج على التفاخر ببذل الطعام للآخرين .
ويبدأ في تحليل شخصية البدوي حيث يقول : البدوي يحب أن يكون غالباً لا مغلوباً في كل شأن من شؤون حياته ، إنه يريد أن يغلب بقوته وقوة قبيلته ، ويغلب بمروءته . ولهذا كان من الصعب على البدوي أن يكون موضع عطف أو رعاية أو تفضل من قبل أحد ، فذلك يعني في نظره دليلاً على الهوان والضعف . وعلى النقيض من ذلك ، نراه يشعر بالفخر حين يأتيه أحد يطلب منه فضلاً أو حماية . فهو يعد ذلك من علامات القدرة والمكانة في المجتمع .

إن نزعة التغالب تسيطر على شخصية البدوي وتجعله ينظر في كل الأمور حسبما توحي إليه . إنه يود أن يكون ناهباً لا منهوباً ، معتدياً لا معتدى عليه ، معطياً لا قابضاً ، مقصوداً لا قاصداً ، مغيثاً لا مستغيثاً ، مجيراً لا مستجيراً ، قادراً لا مقدوراً عليه ، حامياً لا محمياً ، مسؤولاً لا سائلاً ، مرجواً لا راجياً ، مشكوراً لا شاكراً …
وقد تفسر هذه المحدّدات العديد من السلوك التي تتميز بها الشخصية العراقية التي ورثت الكثير من هذه الصفات ، وتمارسها في شؤونها اليومية وحياتها الإجتماعية . 
ويأخذ الوردي في مناقشة صفات الشخصية البدوية وردود أفعالها ومواقفها تجاه الفضائل والرذائل ، فيذكر نزعة الحرب ، وعدم الإنضباط للدولة ، وأهمية النسب ، وصيانة المرأة وشرفها ، واحتقار المهن كالحدادة والنجارة والدباغة والحلاقة والحياكة ، والحساسية المفرطة للكرامة ، وحب الرئاسة والأمرة ، والنفرة من الطاعة والإنصياع ، والحسد والنفاق والإنتهازية والوفاء بالوعد . 

وحول قضية النزعة الدينية في البداوة ، يرد الوردي الآراء التي تقول بأن البدو لا يميلون كثيراً إلى دين ، ويرى الوردي أن هؤلاء يقيمون التدين البدوي من خلال معاييرهم الحضرية . ويعزو التدين في معناه الإجتماعي العام إلى وجود ثلاثة أركان هي : 1- العقيدة 2- الشعائر 3- الأخلاق . ويرى أن الركنين الأولين من التدين واضحين فيهم ، أما من حيث الركن الثالث أي الأخلاق فهم قد يختلفون فيه عن الحضر، فمن جانب نجدهم ذوي صدق وعفة وأمانة ، ومن جانب آخر نجدهم ذوي عصبية وثأر وغزو واعتداء ، وهي أبعد عن الأخلاق الدينية .

قضية تأريخية :

يطرح الوردي قضية خروج مجموعتين بدويتين ، هما خروج بدو العرب إلى العالم إثر الدعوة الإسلامية ، وخروج بدو المغول إليه ، بعد ذلك بستة قرون ، فنشأت من جراء هذين الخروجين إمبراطوريتان كبيرتان . ويعترض الوردي على آراء بعض المستشرقين الذين عقدوا مقارنة بين هذين الخروجين ، وانتهوا إلى القول بأنهما من طبيعة متشابهة ، وأن محمداً (ص) لا يختلف عن جنكيزخان كثيراً . فيقول:

هذا خطأ فادح لا نقرهم عليه ، وأن هناك فرقاً شاسعاً بين الخروجين ، والرجلين . ولا مجال للقياس بينهما

ويذكر الوردي آراء كبار المؤرخين وعلماء الإجتماع أمثال غوستاف لوبون والمستشرق أدوارد براون الذي يقول عن العرب بأنهم كانوا على حد تعبير أعدائهم الإسبان ” فرساناً وأبطالاً ، يمتازون بكثير من الرقة والدماثة”) على عكس المغول الذين كانوا متعطشين لسفك الدماء والقتل والتدمير والتخريب. 

لوحة عن جرائم المغول عند غزوهم بغداد

وفي الوقت الذي يرد فيه الوردي على آراء الذين يعللون تميز العرب عن المغول لأسباب قومية أو بما يسميه التعليل القائم على أساس من “الغرور القومي” ، يميل إلى “التعليل الديني” الذي يرى بأن الدين الإسلامي الذي حمله العرب عند فتوحهم جعلهم أقل قسوة وأكثر مروءة من المغول . وأن محمداً (ص) قد بعث في أصحابه وأهل بيته روحاً فياضة بمبادئ العدل والمساواة . وقد سار هؤلاء مع الجيوش البدوية الفاتحة ، فكانوا بمثابة (صمام أمان) فيها يردعونها عن السفك والظلم والتخريب جهد إمكانهم .

طهران ترفض الضجيج الاسترالي على “جيلبرت”.. خفايا واسرار جيلبرت؟

متابعة : وكالة نخلة

صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية، عباس موسوي، ان “المواطنة الاسترالية كايلي مور جيلبرت معتقلة لادانتها بانتهاك الامن القومي الايراني، وهي تقضي فترة محكوميتها مع تمتعها بجميع حقوقها القانونية”، مؤكدا “ان طهران لن ترضخ للضجيج السياسي والدعائي المثار من قبل بعض وسائل الاعلام الاسترالية”.

وأضاف “لقد أثبتت التجربة ان ايران لن تستسلم للضجيج السياسي والدعائي، وان هذه المواطنة الاسترالية كاي مدان آخر صدر ضدها حكم قضائي، وهي تقضي فترة محكوميتها مع تمتعها بجميع حقوقها القانونية”.

وقال موسوي “ان الرأي العام الايراني لن ينسى كيف تعاملت السلطات الاسترالية مع السيدة الايرانية نغار قدس كني، التي احتجزت وتلقت معاملة غير انسانية طيلة 28 شهرا دون ان ترتكب ادنى جريمة، حتى انها وضعت وليدها في السجن وفصلوا رضيعها عنها، وعارضت السلطات اقامتها الجبرية في المنزل بدل السجن، وحرموها من رؤية رضيعها بشكل منتظم، وبالتالي سلموها الى اميركا، منتهكين بذلك العديد من الالتزامات القنصلية وحقوق الانسان”.

اما ماذ تعرف عن انشطة “كايلي مور جيلبرت”؟

القضاء الإيراني دان جيلبرت، التي تحمل الجنسيتين الاسترالية والبريطانية ، بتهمة التجسس لمصلحة جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” وجمع معلومات عن أنشطة إيران الإقليمية ، كما دانها بجمع معلومات حول أنشطة المعارضة البحرينية في إيران. ونجت جيلبرت من عقوبة الإعدام إذ حكم عليها بالسجن عشر سنوات.

وذكر مصدر قضائي أن جيلبرت، ضابط بالمخابرات الإسرائيلية (الموساد)، ودخلت لإيران بغطاء البحث العلمي، وهي متورطة في جمع ونقل معلومات حساسة عن أنشطة إيران الإقليمية.

وقبض على جيلبرت قبل مغادرتها إيران في ايلول/ سبتمبر 2018، وبقي خبر القبض عليها طي الكتمان من قبل السلطات الاسترالية والبريطانية أملا في التوصل لحل دبلوماسي مع السلطات الإيرانية، حتى صدر حكم قضائي في سبتمبر الجاري بسجنها ليذاع خبر اعتقالها لأول مرة في وسائل الإعلام.

لمدة عام كامل جرت مفاوضات بين السلطات الاسترالية والبريطانية من جهة والسلطات الإيرانية من جهة لإطلاق سراحها دون الوصول لتوافقات تفضي لنتائج.

وفي ما يلي بعض من خفايا نشاط الجاسوسة كايلي مور جيلبرت في إيران، وأسرار تجسسها على المعارضين البحرانيين:

نبذة عن كايلي مور جيلبرت

الدكتورة كايلي مور جيلبرت، باحثة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط وبشكل خاص دول الخليج، وهي أكاديمية في جامعة ملبورن ومحاضرة دراسات إسلامية في معهد آسيا التابع للجامعة.

نشرت العديد من الدراسات في السياسة الخليجية والثورات العربية ودور تقنيات الإعلام الجديدة في النشاط السياسي.

ولديها عضوية في رابطة العلوم السياسية والدولية، وجمعية دراسات الخليج والجزيرة العربية، وجمعية الدراسات السياسية الاسترالية، والجمعية الإسترالية للدراسات الإسلامية.

تحمل جيلبرت، شهادة الدكتوراة من جامعة ملبورن 2017، كما حصلت على شهادة البكالوريوس والماجستر من جامعة كامبريدج عام 2013.

ومن أبرز دراساتها وكتاباتها، “وقائع المؤتمر إلى أين بالنسبة لمعارضة البحرين المنقسمة (2016)”، “من الدولة المحمية إلى مضرب الحماية: سياق الفجوة والحكم في البحرين (2016)”، “إئتلاف 14 فبراير في البحرين: تفكيك حركة شبابية (2018)”، “التعبئة بعد الربيع العربي: كيف يشكل النشاط على الإنترنت معارضة البحرين (2018)، “صعود وسقوط جمعية الوفاق في البحرين: إلغاء الديمقراطية والقمع في دولة الخليج المضطربة. معارضة جديدة في الشرق الأوسط (2018)”، ثورة بصرية: تأطير نشاط المعارضة الشيعية في البحرين على الإنترنت. وسائل الإعلام، الحرب والصراع (2019)”.

تدريبات خاصة بمجال المخابرات والتجسس في إسرائيل

كشفت التحقيقات مع كايلي مور جيلبرت، انها انجذبت للعمل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) عن طريق زوجها رسلان هودور وهو ضابط عسكري في إسرائيل، وتعرفت عليه في کلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن.

ومن بداية دراستها في جامعة كامبريدج عام 2009، سارت على خطى والدها واعتنقت الدين اليهودي.

والد كايلي مور جيلبرت

تعلمت اللغة العبرية في جامعة حيفا عام 2011 حتى 2012، وتلقت تدريبات خاصة في مجال المخابرات والتجسس في إسرائيل، وشاركت في دورة تدريبية في المخابرات في ثكنة كادنا حسب اعترافاتها. وتعلمت اللغة العربية والفارسية في استراليا.

جيلبرت بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس المحتلة

كما شاركت في دورة مدتها 40 يوم في مدينة هرتسيليا الإسرائيلية بالمعهد الدولي لمكافحة الإرهاب (مركز هرتسيليا)، وهو مركز أبحاث إسرائيلي متعدد التخصصات ويصف المعهد نفسه على أنه يقدم الخبرات في الإرهاب ومكافحة الإرهاب والأمن الداخلي والتحليل الاستخباري والأمن القومي والسياسة الدفاعية.

وجرى تكريم مور غيلبرت من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان) نظير خدماتها الكبيرة في جمع المعلومات عن نشاط تنظيمات المعارضة البحرينية.

وأحرز فريق التحقيق صوراً منوعة للجاسوسة كايلي مور جيلبرت، باللباس العسكري الصهيوني أثناء تلقيها التدريبات العسكرية المختلفة في إسرائيل.

جيلبرت أثناء مشاركتها في دورة خاصة بالمخابرات والتجسس في إسرائيل

اتضح أيضاً من خلال التحقيقات ارتباط جيلبرت الوثيق مع معهد دراسات الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب. والمرتبط بالمؤسستين الأمنية والعسكرية في الدولة العبرية.

لقاء سري مع ضابط من البحرين

ذكرت كايلي مور جيلبرت، في اعترافاتها المدونة في ملف القضية بالمحاكم الإيرانية، أنها التقت بضابط من البحرين في عام 2016، وأبلغها بمهمة الحضور إلى إيران، ووجهها لتعلم اللغة العربية والفارسية.

مهمة كايلي مور جيلبرت في إيران

أفصحت كايلي مور جيلبرت في اعترافاتها عن خمس مهام أساسية التي أوكلت لها قبل وصولها لإيران وهي:

  • بناء شبكة والتعرف على المعارضين البحرينيين في إيران.
  • التحقق من طريقة وصول الدعم المالي للبحرين من خلال المعارضين البحرينيين في إيران.
  • قياس مدى تأثير العقوبات الأمريكية على إيران والمعارضين البحرينيين.
  • جمع المعلومات عن أنشطة المعارضة البحرينية في إيران.
  • جمع معلومات عن المجموعات العسكرية الشيعية الناشطة في حرب سوريا.

التجسس وجمع المعلومات عن المعارضين البحرينيين في إيران

أمنت كايلي مور جيلبرت زيارتها لإيران بغطاء البحث العلمي ومشاركتها في جامعة الأديان والمذاهب بمدينة قم المقدسة عام 2018.

صحيفة التايمز نقلت عن مصدر مطلع ، أن جيلبرت “حضرت الحدث، ثم مكثت في إيران لبضعة أيام كسائح قبل احتجازها في المطار بينما كانت على وشك مغادرة البلاد”.

فيما كشفت التحقيقات معها، أنها أقدمت على التصوير في أماكن دينية وسياحية تحت عنوان السائحة تمهيداً للتقرب من المعارضين البحرينيين.

في جامعة الأديان والمذاهب بمدينة قم

ووفق ما ورد في ملف القضية، أقرت جيلبرت بأنها التقت بشخصيات مؤثرة من المعارضة البحرينية بغطاء البحث العلمي خلال فترة وجودها في إيران، وجمعت معلومات حساسة عن روابط إيران بالمعارضة البحرينية. وتولت جامعة اوربية مهمة التوجيه العملياتي لها بعنوان “محطة المعلومات”.

جيلبرت في جامعة الأديان والمذاهب بمدينة قم
جيلبرت في الأماكن الدينية المقدسة في ايران

وأكدت صحيفة ميل أون صنداي البريطانية، أن جيلبرت  “عقدت وأجرت أبحاثاً سياسية حساسة في إيران حول روابط البلاد بالانتفاضة الشيعية في البحرين”.

رسلان.. زوج كايلي مور جيلبرت

“رسلان هودور” ضابط عسكري في إسرائيل، من أصل روسي، يحمل الجنسية الاسترالية والإسرائيلية، تشير السجلات في فيسبوك قبل حذفها عن اجادته للغة العبرية والإنجليزية والروسية، كما أنه يهتم ويتابع القنوات الصهيونية والصفحات الإسرائيلية-الإسترالية.

كايلي مور جيلبرت مع زوجها رسلان

حسابات جيلبرت تختفي من وسائل التواصل الاجتماعي

أغلق موقع التدوين المصغر “تويتر” حساب كالي مور جيلبرت (@KMooreGilbert) بعد اعتقالها، كما اختفت في وقت متأخر صفحة زوجها رسلان من سجلات موقع فيسبوك (@russ.lan.h).

ويرجح مراقبون أن سلطات عليا قد طلبت من شركتي فيسبوك وتويتر إغلاق الحسابات لأنها قد تلعب دوراً مهماً في كشف المزيد من التفاصيل.

صفحة زوج كايلي مور جيلبرت على فيسبوك قبل اغلاقها

مفاوضات للإفراج عنها وتبادل أسرى محتمل قد يشمل أسرى في دولة خليجية

قالت وزيرة الخارجية الاسترالية ماريز باين أنها أثارت قضية “جيلبرت” مرات عديدة مع محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، ونفت أن يكون اعتقالها بدوافع سياسية.

فيما أفاد مصدر مسؤول عن محادثات رفيعة المستوى جرت من أجل إطلاق سراح جيلبرت، وعرضت أستراليا الإفراج عن الإيرانية “نغار قدس كني” التي احتجزت في أستراليا بتهمة تهريب التكنولوجيا لإيران، ثم رحلت لأمريكا وصدر ضدها حكماً قضائيا هناك بالسجن 27 شهراً.

وأكد المصدر أن إيران رفضت عرض الخارجية الاسترالية، وأشار لطلب إيراني أوسع قد يشمل أسرى محكومين في دولة خليجية دون تحديدها.

يذكر أن وزارة الخارجية الاسترالية أصدرت يوم السبت (14 ايلول / سبتمبر 2019) بياناً من عائلة مور جيلبرت، قالت فيه “لقد كنا وما زلنا على اتصال وثيق مع الحكومة الاسترالية”، وأضاف بيان العائلة ” تشكر عائلتنا الحكومة وجامعة ملبورن على دعمهم المستمر في هذا الوقت العصيب والحساس” ، وأكد البيان ”نعتقد أن أفضل فرصة لضمان العودة الآمنة لكايلي ، هي عبر القنوات الدبلوماسية”.

وأكمل البيان “لن نصدر أي تعليق آخر ونود أن نطلب احترام خصوصيتنا – وخصوصًا عائلتنا وأصدقائنا الأوسع – في هذا الوقت”.

وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بدعوة الرئيس الإيراني حسن روحاني لزيارة لندن ، وقال لروحاني في لقاء جمعهما في 25 أيلول / سبتمبر 2019 ، اننا “نحتفظ بمخاوف جدية بشأن احتجاز مواطنين يحملون جنسية مزدوجة في طهران”. وأضاف “نتطلع إلى إحراز تقدم في ذلك”.

روحاني وجونسون

وقال رئيس الوزراء جونسون، إن زيارته لطهران عام 2017 ، وزيرا للخارجية البريطانية ، كانت “مثمرة للغاية ولكنها غير حاسمة حتى الآن” ، مضيفاً “أعتقد أنه لا يزال أمامنا الكثير من التقدم”.

من جانب آخر قال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن المملكة المتحدة عرضت الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة منذ فترة طويلة تقدر بـ “400 مليون جنيه إسترليني” مقابل تدخله للمساعدة في إطلاق سراح مواطنين بريطانيين يحملون الجنسية المزودجة.

ظريف متحدثا عن جيلبرت

وقال ظريف أن إيران تجري مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة سويسرا بشأن تبادل محتمل للأسرى، لكن تلك المحادثات توقفت أيضاً، هناك اقتراح على الطاولة مع الولايات المتحدة، تبادلنا الأسماء من خلال السويسري. وقال ظريف “نحن مستعدون”.

وفي قضية البريطانيين مزدوجي الجنسية، قال ظريف أنه كان سيعرض على المحاكم الإيرانية تبادلاً، ووصفه بأنه تبادل لقرارات المحكمة.

وتابع قائلا “بريطانيا مدينة لنا بمبلغ 400 مليون جنيه إسترليني لمدة 40 عاماً. والبريطانيون محتجزون بناءً على قرار المحكمة“. من المفترض أن تقدم لنا المملكة المتحدة أموالاً بناءً على قرار من القضاء البريطاني. الآن يريدون منا نقض قرار المحكمة الخاص بنا لكنهم لا يريدون تنفيذ قرار المحكمة الخاصة بهم. هل ترون المفارقة؟”.

المصدر : ارنا + وكالات 29 ديسمبر 2019

تجربة هولندا الحضارية (3-4) الاستشراق الهولندي والاسلام

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

الاستشراق الهولندي وميزاته


لقد رسم الاستشراق الهولندي مسيراً مختلفاً عما عرف عن الإستشراق الغربي بأنه معادٍ للإسلام وللنبي (ص) وللمسلمين ، ففي القرن السابع عشر كان أول مستشرق هولندي هو ( أدريان ريلاندAdriaan Reland ) ( 1676 – 1718 م ) قد كتب عن سيرة الرسول (ص) كتابه الشهير (في الديانة المحمدية) من المصادر الإسلامية، بعيداً عن الروايات الغربية، وكتابات المستشرقين والمبشرين، وما تناقلته أوروبا تجاه الإسلام في القرون الوسطى وما بعدها، والتي كانت تشويهاً للإسلام وتاريخ الإسلام ولسيرة الرسول (ص) ، كما قدم النصوص العربية واستعرضها بشكل منهجي ، إلى جانب الترجمة باللغة اللاتينية.

وقد فند ريلاند عشرات المغالطات والافتراءات التي كانت تلصق بالإسلام ، كما أبطل الصورة النمطية بأن المسلمين أغبياء، وليس لديهم أدب يعتد به مثل بقية الحضارات ، وأوضح بأنه يجب فهم القرآن جيداً للتعرف على الإسلام لأن القرآن يلعب دوراً هاماً في الإسلام. وقد انتشر كتابه في أنحاء أوربا . الأمر الذي أغضب الكنيسة الكاثوليكية، فتم إدراج كتابه ضمن الكتب الممنوع تداولها.
ولا يعني ذلك عدم وجود مستشرقين هولنديين يحملون نظرة سلبية عن الإسلام، ولكن منذ منتصف الخمسينيات في القرن العشرين، اتخذ الاستشراق الهولندي مساراً متميزاً، اعتمد العلم والاعتماد على المصادر الإسلامية وعلى ما يؤمن به المسلمون ، وهذا ما لاحظته خلال وجودي في جامعة لايدن طوال ست سنوات. من جهة أخرى فإن المعهد لا يدرس العقائد الإسلامية أي أنه بعيد عن اللاهوت الإسلامي وغيره من الأديان، بل يدرس الإسلام كعلم مثل بقية العلوم الأخرى ، فلا يدرس قضية نزول الوحي وهل هو صحيح أم لا؟ وهل يوجد عالم الغيب؟ وهل توجد ملائكة وجن؟ وهل يوجد يوم قيامة وعدل؟ ولا ثواب الجنة ولا عقاب الجحيم، وغيرها . ولتقريب الصورة فإن المعهد يدرس الإسلام كنصوص وتفسير وآراء العلماء والفقهاء ، وأحداث سياسية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، وأنظمة وحكومات ودول وعلاقات وقرارات ومعاهدات ، كما يدرس تأثير النصوص الإسلامية (قرآن وحديث شريف وفتاوى) على حياة المجتمعات الإسلامية وأزماتها وظروفها.

جامعة لايدن

من جانب آخر تمتلك جامعة لايدن خبرة خمسة قرون من الاستشراق والبحوث والدراسات في شتى العلوم الإسلامية ، وأنجبت كبار المستشرقين أمثال كريستيان سنوك هيرخورني (1857- 1936) ، غيرلوف فان فلوتن (1866- 1903 م) ، رينهارت دوزي ( 1820- 1883 م) ، ميخيل يوحنا دي خويه (1836 – 1909م)، نيكولاس فان دام (1945- )، بيتر شورد فان كوننكزفيلد، وآخرين .
كما نشرت وتنشر مئات الكتب العربية والإسلامية في شتى المجالات منها تاريخ الطبري. كما تمتلك مكتبة تضم 25 ألف مخطوطة جمعت من العالم الإسلامي ، ومن بينها ، رأيت نسخة فريدة لكتاب (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي، وعمرها ألف عام. كما تشتهر الجامعة بعقد المؤتمرات العلمية ، واستضافة أساتذة من أنحاء العالم ، حيث يقطعون آلاف الكيلومترات من أجل إلقاء محاضرة واحدة، وقد حضرت الكثير من مثل هذه المحاضرات لأساتذة وباحثين قدموا من أمريكا وأستراليا وجنوب أفريقيا وكندا ، إضافة إلى أوربا وأفريقيا.

مسلمون هولنديون في شهر رمضان

الاسلام في هولندا

يعد الاسلام الديانة الثانية في هولندا بعد المسيحية ، ويوجد حاليا قرابة مليون مسلم هولندي أغلبهم من أصول أجنبية ، ويشكل العمال المغاربة والأتراك العمود الفقري للمسلمين في هولندا ، وهم قدموا في الستينيات والسبعينيات ثم تكاثروا فنشأ الجيل الثاني والثالث والآن الربع ، وفي التسعينيات أضيف إليهم مهاجرون ولاجئون من دول اسلامية ، وأضيف إليهم اللاجئون السوريون الذين بدأوا بالقدوم منذ عام 2016 ، وهناك قرابة عشرة آلاف مسلم هولندي من أهل البلاد.
وكان لسياسة الاندماج التي اتبعتها حكومات الثمانينيات والتسعينيات أثرها في تشجيع ازدياد عدد المسلمين ، إذ ارتفعت عملية تجنس المسلمين من 13.000 عام 1990 إلى 83.000 عام 1996 ، حيث يبلغ عدد الأتراك 30.000 ، والمغاربة 15.000 ، والإيرانيين 20.000 والعراقيين 10.000 . وخلال الأعوام 1995-1999 ارتفع عدد الأجانب المتجنسين إلى 335.657 ، نصفهم من المسلمين. إن الأعداد الحقيقية أكبر من ذلك لأن هذه الإحصائية لا توضح ديانة المتجنسين بل تذكر جنسياتهم كالعراقيين واللبنانيين والمصريين والتونسيين والأفغان والصوماليين.

مطعم للمسلمين في هولندا

لقد غادر معظم أبناء الجاليات المسلمة بلدانهم الأصلية طلباً للرزق وبحثاً عن العمل ، ولا يمكنهم البقاء عاطلين عن العمل معتمدين على مساعدات الضمان الاجتماعي الرسمي ، ولذلك عملوا في الشركات والمصانع والمزارع والخدمات وفي المؤسسات الحكومية أيضاً ، ولا تكاد مؤسسة يغيب عنها المسلمون حتى في الجيش والشرطة الهولندية والمحاماة والطب والتعليم.

هولندا لا تعترف بالاسلام رسمياً ، ويسري النموذج الفرنسي في فصل الدين عن الدولة. الجدير بالذكر أن الدستور الهولندي يضمن الحقوق لجميع الجماعات الدينية في البلاد. كما تمنح الحكومة، وحتى على المستوى المحلي، دعماً مالياً لجميع أنواع المنظمات الدينية الناشطة في المجالات التعليمية والثقافية والاجتماعية.

المدارس الاسلامية

تمنح الفقرة 23 من الدستور الهولندي الجماعات الدينية حق تأسيس مدارس خاصة بهم وتحظى بدعم مالي من الحكومة الهولندية ، وينطبق ذلك على الديانات من غير المسيحية حسبما ورد في مذكرة وزير التعليم الهولندي بصدد تأسيس مدارس ابتدائية مبنية على الإسلام أو الهندوسية. وقد أدى هذا الموقف الإيجابي إلى تأسيس 35 مدرسة إسلامية خلال عشر سنوات ، وكلها تعود إلى المذهب السني: المالكي (من قبل المغاربة) والحنفي (من قبل الأتراك). إن أول مدرسة إسلامية تأسست عام 1988 في كل من روتردام وأيندهوفن. وقد استطاعت المدارس الإسلامية في هولندا أن تجذب 3.7% فقط من مجموع التلاميذ المسلمين في المدارس الهولندية. الجدير بالذكر أن هذه المدارس الإسلامية تتبع نفس المناهج التعليمية الهولندية عدا درس الدين وأداء الصلاة في المدرسة والتعطيل يوم الجمعة عند الظهر، وحرية ارتداء الحجاب، والفصل بين الجنسين في دروس الرياضة.
من أجل أن تقوم المدارس الإسلامية بعملها بفعالية وأن تتمتع بجميع التسهيلات التي تتمتع بها المدارس المسيحية الأخرى، قامت وزارة التعليم الهولندية بتعديل المادة 42 من قانون التعليم الابتدائي (WBO) ، إذ تشترط هذه المادة بأن عمل لجنة التعليم ، التي ينتمي إليها الكادر التعليمي، أن تضم على الأقل 50 مدرسة مذهبية. في السنة الدراسة 1990/1991 لم يكن هناك سوى 14 مدرسة إسلامية ، وقام وكيل وزير التعليم بتقليص عدد المدارس المطلوب من 50 إلى 10 مدارس.
في عام 1999 وافق البرلمان الهولندي على تأسيس أول مدرسة إسلامية ثانوية، ابن خلدون، في مدينة روتردام، والتي بدأ الدوام فيها عام 2000 . في البداية في عام 1998 رفضت معظم الأحزاب السياسية الهولندية (VVD, CDA, D66) هذا الطلب، ولكنها وبعد عام واحد، وبعد مناقشات طويلة قبلت به ، وتزامن ذلك مع إغلاق المدرسة الثانوية الوحيدة للبنات في كل هولندا. في عام 1997 تم إغلاق مدرسة يوحنا ويسترمان Johanna Westerman الثانوية للبنات في مدينة لاهاي The Hague، لأن عدد الطالبات وصل إلى 240 طالبة، وهو أقل من الحد المسموح به لبقاء المدرسة، وكانت هذه المدرسة تأسست عام 1927، وكانت 25% من طالباتها من المسلمات.
في عام 1988، بدأت جامعة روتردام الإسلامية Islamic University in Rotterdam أعمالها لتدريس المواد الدينية على أساس الشريعة الإسلامية ، وهي جامعة أهلية وغير معترف بها من قبل الحكومة الهولندية ، ومن الصعب حصول هذه الجامعة على الاعتراف الرسمي ثم الدعم الحكومي لأن القانون الهولندي لا يسمح بتمويل التعليم الديني العقائدي لأي مذهب كان ، ولكن هذا لا يعني ، على أي حال، بأن الحكومة الهولندية تمانع في منح دعم مالي لمدارس دينية إسلامية بطريق غير مباشر بشكل مشابه للدعم الحكومي المقدم للمدارس الدينية المسيحية ، وتوجد مدرستان عليا تقوم بتخريج معلمين متخصصين بالتعليم الإسلامي على مستوى الابتدائية والثانوية.
ونجح المسلمون القادمون من دولة سورينام (مستعمرة هولندية سابقة تقع في أمريكا اللاتينية) في إقامة دورات تدريبية لأئمة المستقبل من خطباء وأئمة جماعة وجمعة. إذ تتولى جمعية (جامعة مدينة الإسلام) السورينامية مهمة تعليم الأئمة في مدينة لاهاي. كما نجحت الجالية التركية بتأسيس مدرسة دينية إسلامية خاصة في مدينة دوردريخت Dordrecht لتدريس الشباب المسلم .

المساجد في هولندا

في القرن السابع عشر بني أول مسجد في هولندا. إذ قامت جماعة من المسلمين الأسبان المهجرين قسرياً من مدنهم عام 1609 بالاستقرار في أمستردام ، وأسست أول مسجد في تاريخ هولندا ، وربما في أوربا الغربية. في عام 1955 قامت حركة الأحمدية بتأسيس أول مسجد لها في مدينة لاهاي The Hague.
في عام 1956 قامت السلطات الهولندية بتأسيس مسجد لأجل 500-600 مسلم من جزر المولوك Moluk الأندونيسية الذين هاجروا من بلدهم بعد انسحاب القوات الهولندية وحصول أندونيسيا المستعمرة السابقة على استقلالها عام 1949 ، وكان هؤلاء دعموا الجيش الهولندي أثناء الكفاح الأندونيسي في الفترة 1945-1949 ، وقد استقروا في البداية في مخيم ويلدميرك Wyldemerk قرب مدينة بار Baar في محافظة فريزلاند Friesland شمال هولندا ، وأقاموا في ما بعد بمدينة ريدركيرك Ridderkerk قرب روتردام، وفي مدينة والويك Waalwijk في محافظة نورث برابانت North Brabant، جنوبي هولندا.
يسمح القانون الهولندي للحكومة بتقديم دعم مالي لأماكن العبادة. بعد الحرب العالمية الثانية، قامت الحكومة الهولندية بتقديم دعم مالي لإنشاء كنيسة جديدة. في الفترة 1961-1975 قدمت الحكومة الهولندية مساعدات مالية قيمتها 112 خلدة ( 50 مليون دولار) إلى لجنة بناء الكنائس Wet Premie Kerkbouw المسؤولة عن تنفيذ ذلك المشروع.
في عام 1970 كتب وزير الشؤون الاجتماعية السيد رولفنك Roolvink (مذكرة العمال الأجانب Note of Foreigner Workers) التي جلب فيها انتباه الحكومة إلى “الاحتياجات الروحية لأتباع الديانات الأخرى كالمسلمين”. وفي عام 1976 صدرت مذكرة (التعليمات العامة المؤقتة فيما يخص دعم قاعات الصلاة ) التي جعلت بإمكان الجماعة المسلمة التي لا يقل عددها عن ألف عضو أن تطالب بدعم مالي حكومي يشكل 30% من كلفة التأسيس، بشرط أن لا يزيد المبلغ الممنوح للمسجد الواحد عن 30 ألف خلدة (14 ألف دولار). في بداية عام 1981، صدرت “تعليمات مؤقتة” أخرى ألغت شرط وجود ألف عضو من الجماعة كي تستطيع تقديم طلب بناء مسجد أو قاعة صلاة. لقد قدمت التعليمات السابقة واللاحقة دعماً مالياً لتأسيس 31 مسجداً و69 قاعة للصلاة في أنحاء هولندا.
إن الدعم المالي الحكومي للمساجد وصل نهايته من خلال حركتين من البرلمان الهولندي في عام 1984 و 1986. لقد تم رفض الاستمرار بتأمين دعم مالي لأماكن العبادة للأقليات على أساس قاعدة أنه “يجب تحديد مهمة الحكومة فيما يتعلق بالدين” ، وقاعدة “أنه من غير المقبول استمرار سياسة انتقائية لتشجيع جماعات دينية معينة كالمسلمين المغاربة والأتراك”. وقامت لجنة استشارية، سميت على اسم رئيسها: لجنة هيرش بالين Hirsch Ballin State Committee، بإصدار تقرير عام 1988 بإعادة التعليمات الخاصة بتقديم دعم مالي لبيوت العبادة للأقليات الدينية ، وبررت اللجنة ذلك بأن هذه الجماعات الدينية ، على العكس من تأسيس الكنائس، لا تستطيع بالكاد الاستفادة من أي دعم من الدولة. في آذار 1991 وبعد لقائها بمنظمات إسلامية، لاحظت وزيرة الداخلية السيدة داليس Dales أن هناك نقصاً كبيراً في أماكن العبادة. كما جلبت الانتباه إلى أهمية الأخذ بنظر الاعتبار وجود أماكن عبادة للمسلمين في خطط تطوير المدن الهولندية ، ولكن هذا لا يعني بأن البلديات مجبرة على تقديم أراضٍ للمسلمين لإنشاء مساجد عليها.

مصلون في احد مساجد المسلمين بهولندا

في منتصف التسعينيات كان عدد المساجد وقاعات الصلاة في هولندا يقدر بحوالي 350 مسجداً وقاعة، موزعة في 128 مدينة. وفي المدن الثلاث الكبيرة في هولندا توجد كثافة عالية من المساجد: في أمستردام 29، في روتردام 26 ، وفي لاهاي 21 .
وبموجب الدستور الذي يضمن الحرية الدينية والمعاملة المتساوية، قام عضو حزب العمل PvdA في البرلمان الهولندي فان أوترلو Van Otterlo بتقديم مقترح عام 1983 لتعديل يتم بموجبه التأكيد على المعاملة المتساوية بين السكان المسيحيين والمهاجرين المسلمين. وما عدا الأحزاب المسيحية الصغيرة، فقد أيدت الأحزاب السياسية الكبيرة هذا التعديل. لقد سمح القانون الجديد للسلطات المحلية باتخاذ قرار في السماح باستخدام مكبرات الصوت في المساجد للدعوة إلى الصلاة. لقد رفضت بلديات المدن الكبرى مثل أمستردام وأوتريخت ولايدن منح مثل تلك الرخصة، لكن بلدية مدينة بيفرويك Beverwijk سمحت بالجهر بالأذان في مكبرات الصوت في مسجد السوق الشرقي الشهير.
تستطيع السلطات المحلية دعم تأسيس مساجد لتلبية حاجة المسلمين في المدينة، ففي روتردام، عام 2000، حصل المسلمون على دعم مالي كبير لبناء مسجد جديد في ضاحية ديلفسهافن Delfshaven. وكان المتبرع هو تاجر من دولة الإمارات العربية المتحدة ، وكان اشترط مقابل تقديم تبرعه أن يكون المسجد دائمياً وليس مؤقتاً، وهذا ما يخالف القانون الهولندي الذي يضمن ملكية الأرض لفترة لا تزيد عن 99 عاما، وقد طلب المسلمون من مجلس البلدية حلاً قانونياً لهذه المشكلة ، وبدعم من ممثلي الأحزاب السياسية في المجلس، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بتعديل هذه المادة ، وفي النهاية حصل المسجد على وضع استثنائي ليكون بذلك دائمياً.
وهناك مساعدة أخرى حدثت في مدينة زولة Zwolle، شمالي هولندا، حيث حدث نزاع بين أعضاء اللجنة الإدارية لمسجد كلزار مدينة Golzar Madinah، عام 1999 ، وهي جماعة مسلمة سورينامية تتبع مولانا شاه أحمد نوراني صديقي رئيس البعثة الإسلامية العالمية World Islamic Mission ، وكانت اللجنة الإدارية قررت منع جماعة معارضة من دخول المسجد ، وطلب هؤلاء المساعدة من البلدية لأن المحكمة أصدرت حكماً لمصلحة اللجنة الإدارية.
في عام 1988 أوصت لجنة هيرش بالين بأنه من حق المسلمين والهندوس أن يحظوا برعاية روحية في المؤسسات العامة كالجيش والمستشفيات والسجون. في عام 1994 أصدرت الحكومة تعليمات تتضمن توفير رعاية روحية في المستشفيات ودور الحضانة ودور المسنين والمؤسسات القضائية.
وتقوم بعض المؤسسات بتخصيص غرفة خاصة لأداء الصلاة كما في بعض المستشفيات ومطار سخيبول Schiphol في أمستردام. في كانون الأول/ ديسمبر 1999 قام مدير مدرسة مسيحية هي College Henegouwen في مدينة روتردام، بتخصيص غرفة خاصة للطلاب المسلمين في المدرسة لأداء الصلاة فيها. وكان هذا العمل رد فعل على قرار مدير مدرسة عامة هي Calandlyceum في أمستردام، والذي رفض طلبا للطلاب المسلمين بتخصيص غرفة لهم لأداء الصلاة.
يلعب إمام المسجد دوراً هاماً في الحياة الدينية للجالية المسلمة، كما توجد مهام ووظائف لا يقوم بها إلا هو ، إذ يتولى شؤون الإمامة والخطابة وتدريس القرآن الكريم ، والإجابة على الاستفسارات الشرعية.
حتى عام 1986 لم يكن لأئمة المساجد اعتراف رسمي باعتبارهم أشخاص دينيين ، ولكن في ذلك العام أصدرت المحكمة العليا في هولندا قراراً في 30/5/1986 منحت فيه الأئمة نفس الوضع القانوني الممنوح للقساوسة والأساقفة والحاخامات ، واعتبرت المحكمة هؤلاء جميعاً موظفين في دوائر دينية حسبما نصت عليه المادة الثانية تحت عنوان (قرار خاص بعلاقات العمل Special Regulation Labour Relations).
عادة ما تقوم اللجنة الإدارية للمسجد بدفع راتب الإمام ، ويجري تعيين بعض الأئمة وخاصة الأتراك من قبل حكوماتهم الأصلية. إن إقامة الإمام في هولندا يجب أن تكون شرعية ومصادق عليها من الشرطة المحلية ، وقد قامت السلطات الهولندية بتنظيم هذا الأمر حيث تقوم إدارة المسجد بتقديم طلب باستقدام الإمام من بلده الأصلي إلى هولندا . وتعالج (تعليمات الأجانبCircular of Foreigners ) المتطلبات التي يجب توفرها من قبل الإمام قبل وأثناء إقامته في البلاد ، ويتمتع الأئمة المسلمون بنفس الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها رجال الدين الآخرين من المسيحيين وغيرهم. ومن هذه الحقوق هو العمل، ضمن وضعهم التقليدي كرجال دين، في الجماعات الدينية المحلية، مثلاً في الجيش والمستشفيات والسجون.
في آب/أغسطس 1998 أعلنت الحكومة الهولندية عن حاجتها إلى (40) إماماً للعمل في السجون وتقديم رعاية روحية Spiritual Care ، بالطبع تقوم الحكومة بدفع أجور هؤلاء الأئمة وفق القوانين والضوابط. وطلبت الحكومة بأن يكون لهؤلاء الأئمة منظمة خاصة بهم تمثلهم أمام الدولة وتكون مسؤولة عن تعيين الأئمة وتسيير شؤونهم الأخرى، وبالفعل قام الأئمة بتأسيس جمعية أئمة هولندا Vereniging Imams Nederland ، والتي انضم إليها (150) إماما. واقترحت الجمعية أن يكون هناك إمام لكل أربعين سجيناً مسلماً.

تمثال في لاهاي لفتاتين مسلمتين محجبتين

الحجاب الاسلامي

حسب تعاليم الإسلام فإن على أي امرأة مسلمة أو فتاة بالغة تغطية جسمها وشعرها، ولا توجد أحكام خاصة بموضة أو لون ملابسهن، لكن يجب أن لا تكون شفافة أو ضيقة. وكانت المشكلة دائماً حول غطاء الرأس Scarf لأنه من العادي ارتداء ملابس طويلة أو معطف لدى المجتمعات الأوروبية وخاصة في المناخ الأوروبي البارد.
إن قضية الملابس الإسلامية أصبحت مشكلة على مستوى الحوادث الفردية ، وفي بعض الدول الأوروبية ، ومحصورة في بعض المناطق فقط. في معظم الحالات لا تبدي إدارة المؤسسة التعليمية سياسة مرنة أو تعامل مناسب مع الفتيات المسلمات. في بعض الشركات والمحلات التجارية أو المكاتب المهنية كالعيادات الطبية والصيدليات والمحاماة جرى الاعتقاد بأن وجود موظفة مسلمة ترتدي الحجاب وتتعامل بشكل مباشر من الزبائن، قد يثير الاستفزاز والشعور بعدم الارتياح، وبالتالي عدم الرغبة بالتواصل معها.
حدث أول نزاع حول ارتداء غطاء الرأس في عام 1985 في مدينة ألفن أند رين Alphen aan de Rijen عندما منعت السلطة المحلية البنات المسلمات في المدارس الابتدائية العامة من تغطية رؤوسهن ، إثر ذلك قام اولياء امورهن بالاحتجاج ضد هذا القرار، مؤكدين بوضوح بأن ارتداءه يستند إلى أحكام إسلامية أساسية، ولذلك يجب احترام المبدأ الدستوري في احترام الحرية الدينية ، وقد نوقشت هذه القضية في البرلمان الهولندي ووصلت إلى نتيجة مفادها أنه على السلطات المحلية إلغاء ذلك المنع. وأثيرت قضايا مشابهة تتعلق بدروس الرياضة البدنية والسباحة المختلطة في المدارس الهولندية، إذ قامت بعض إدارات المدارس بإعفاء الطالبات المسلمات من دروس السباحة المختلطة، لكن الإعفاء لم يطبق في دروس الرياضة البدنية لأن هناك إمكانية ارتداء ملابس رياضية أثناء التدريبات، وهي تفي بالغرض نوعاً ما.
في مدينة سخرافنديل S’ Gravendeel ، في عام 1996 رفض مدير المسبح دخول طالبتين مسلمتين للمشاركة في دروس السباحة لأنهما كانتا ترتديان ملابس طويلة وغطاء رأس. عارض مدير المدرسة مثل ذلك القرار موضحاً أنهن حرتان في ارتداء ما يتناسب وعقيدتهما. يضاف إلى ذلك أن الطلاب الهولنديين يسبحون بملابسهم وخاصة في امتحان السباحة الذي يقتضي أن ينجو الطالب بنفسه وبملابسه حين يقع في النهر أو البحر. وتمكن عمدة المدينة من تسوية الخلاف عندما طلب من خياط خياطة ملابس خاصة بأكمام طويلة.
في مدينة زيست Zeist ، في أيلول/ سبتمبر 1999 ، مُنعت طالبة عراقية (زينب عدنان السعبري) مسلمة في مدرسة مسيحية (كامليون Kameleon) من ارتداء غطاء الرأس. لم يتمكن والديها من إقناع مدير المدرسة بأن غطاء الرأس هو جزء من الحرية الدينية. لم يكن أمام الفتاة سوى الانتقال إلى مدرسة أخرى، مدرسة عامة تدعى أوبدريف Opdreef على اعتبار أنها ليست مدرسة دينية، لكن مدير المدرسة الجديدة رفض أيضاً السماح لها بارتداء غطاء الرأس ، وكان يدافع عن رأيه بأن هناك حوالي 60 طالبة مسلمة، وإذا ما سمح لها، فإن الطالبات الأخريات سيتشجعن على ارتداءه أيضاً. لم يجد والدها سوى توكيل محام لمتابعة القضية قانونياً، فاتصل بدار البلدية حيث أبدى ممثل البلدية بأنه لا يستطيع إجبار المدرسة على قبول الفتاة. عرضت البلدية حلاً لهذه المشكلة: يمكن للفتاة الدوام في مدرسة إسلامية في مدينة مجاورة هي أميرسفورت Amersfoort ، وتتحمل البلدية جميع تكاليف النقل اليومي من وإلى المدرسة. لقد وجدوا أن هذا حل فردي لأن المشكلة قد تقع في أي مدرسة وفي أي وقت.
قمنا بزيارة المستشار القانوني للمدينة وناقشنا القضية معه ، وأن ذلك يخالف الحرية الشخصية وحرية التعليم الديني ، اقتنع المستشار وأصدر قراراً دان فيه تصرف المدرسة ومديرها ، ثم نقله إلى مدرسة أخرى. والأكثر من ذلك، قامت الإدارة التعليمية في زيست بإرسال رسالة (رقم 961 بتاريخ 17/11/1999) إلى الوالدين تؤكد فيها بأنها ” أبلغت رسمياً جميع مدراء المدارس العامة بأنه لا مشكلة بارتداء غطاء الرأس من قبل الطالبات المسلمات”.

مدرسة اسلامية في هولندا

إن رفض حضور الفتيات المسلمات بغطاء الرأس في المدارس الأوربية لا يقتصر على الطالبات المسلم بل يشمل المعلمات أيضاً. ففي مدينة هارلم Haarlem قررت إدارة مدرسة ابتدائية، تدعى الهرم De Piramide، في عام 1997 بإعفاء معلمة شابة مسلمة من التدريب في المدرسة، لأنها ترتدي غطاء الرأس. وجهت لجنة المعاملة المتساوية The Equal Treating Committee انتقاداً لقرار المدرسة، ووجهت اللوم لإدارة المدرسة بأنه “لم يكن صحيحاً اعتبار غطاء الرأس بأنه يمثل التطرف الديني والتعصب”.
إن هذه المشاكل لا تقتصر على المؤسسات التعليمية بل تحدث في الشركات والدوائر الحكومية أيضاً. إن بعض المؤسسات الهولندية تبدي تسامحاً كبيراً تجاه الطالبات والعاملات المسلمات ، وتضع أمامهن جميع التسهيلات والتعليمات المرنة التي تنسجم والأحكام الإسلامية. في هذا الصدد، قامت سندي فان بريمن Sindy van Bremen وهي مصممة أزياء نسائية بتصميم غطاء للرأس خاص بالفتيات المسلمات يمكنهن ارتداءه أثناء الرياضة البدنية. وهذا يعد حلاً عملياً لأولئك الطالبات اللائي يجدن أنفسهن مجبرات على نزع غطاء الرأس لأن إدارة المدرسة تعتقد أنه يعيق ممارسة الرياضة وأنه ضد السلامة البدنية للطالبات.

شرطيتان هولنديتان بالحجاب

في عام 2000 ، وفي محافظة فليفولاند Flevoland قدم مركز الشرطة خطة يسمح فيها للنساء المسلمات العاملات في سلك الشرطة بارتداء غطاء الرأس. جاء ذلك ضمن سياسة جذب الجالية المسلمة للمشاركة في المؤسسات الحكومية. أدى الإعلان عن تلك الخطة إلى مناقشات سياسية واجتماعية عامة حول دور رجال الشرطة والنساء في المجتمع. أكد المعارضون للفكرة على أن رجال الشرطة يجب أن يتمتعوا بمظهر حيادي، وأن ارتداء غطاء الرأس يحفز الشعور بالعنصرية في الشارع.
من جانب آخر كانت بعض الأوساط السياسية والإعلامية تثير قضية النقاب بين حين وآخر واعتبارها مظهراً متطرفاً يمنع التواصل بين من ترتديه والمجتمع الهولندي. كما أنه يثير عدم الارتياح لدى المتعاملين معها ، وأخذت بعض الصحف والمجلات تنشر رسوماً كاريكاتورية تسخر من اللائي يرتدين النقاب.

هولنديات بالنقاب

وفي تطور مثير وبتأثير واضح لما حدث في بريطانيا بصدد النقاب، استجابت الحكومة الهولندية لمقترح وزير الهجرة السيدة ريتا فيردونك وأصدرت قراراً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 بمنع ارتداء النقاب وغيره من أغطية الوجه الإسلامية في الأماكن العامة، وقد عللت الوزيرة صدور هذا القرار بأن (ارتداء غطاء الوجه في الأماكن العامة أمر غير مرغوب فيه لأسباب تتصل بالنظام والأمن العام وحماية المواطنين).
وكانت بعض وسائل الإعلام تحدثت عن حادثة إصرار شرطي استوقف سائقة سيارة ترتدي النقاب وطلب منها رخصة القيادة، وطلب رؤية وجه السائقة ليتأكد من هويتها لكنها رفضت إزالة النقاب. من جانب آخر أضافت الوزيرة (في هذا البلد نريد أن نكون قادرين على رؤية بعضنا البعض). وأوضح متحدث باسم الوزارة بأن الحظر يشمل الأماكن العامة وشبه العامة مثل المدارس والمحاكم والوزارات والقطارات.
وبذلك تكون هولندا أول دولة أوربية تفرض حظراً في جميع أنحاء البلاد على ارتداء النقاب، رغم أن بعض الدول منعت ارتداءه بالفعل في أماكن محددة. وكانت هولندا تعتبر واحدة من أكثر الدول تساهلاً في أوربا في ضمان الحريات العامة، وأصدرت قوانين تسمح بزواج المثليين ومنحهم حقوق التوارث والحضانة، وانخراط المثليون في الجيش والشرطة ، كما أصدرت قانون يسمح بقتل الرحمة، وتسمح قوانينها بالإجهاض.
وقد اعتبرت الجالية المسلمة في هولندا هذا القرار إساءة للمسلمين وليس لأسباب أمنية كما بررته الحكومة. وذكرت سيدة مسلمة عضو في المجلس الإقليمي لشمال هولندا أن (لكل شخص الحق في أن يرتدي ما يريد طالما ظل يحترم قوانين البلاد) ، وأشارت إلى قضية استغلال هذه القوانين لأغراض سياسية حيث أن القرار صدر قبل إجراء الانتخابات العامة بخمسة أيام، فذكرت: إن مسألة غطاء الرأس والبرقع يتم تناولها سياسياً وليس من أجل الأمن كما يدعون.

مسيرة في لاهاي رفضا لقانون حظر النقاب

بعد نقاش دام 14 عاماً ، في الأول من آب 2019 دخل قانون حظر ارتداء النقاب والبرقع أو تغطية الوجه كلياً أو جزئياً ، وحتى قبعات الدراجات النارية ، حيز التنفيذ. ولم يعد ارتداء النقاب مسموحاً به في المؤسسات العامة كالمدارس والمستشفيات والدوائر الحكومية ووسائل النقل العامة كالحافلات والقطارات ، وأصبح من حق مسؤولي الأمن مطالبة المنقبات بالكشف عن وجوههن ، وإذا رفضن يمنعن من دخول المباني العامة أو مواجهة غرامة مالية لا تقل عن 150 يورو. الجدير بالذكر أن هناك حوالي 150 سيدة ترتدي النقاب بشكل منتظم بعضهن من أهل البلاد.

ما دلالات العبارات المكتوبة على سلاح منفذ مذبحة مسجد النور؟

متابعة : وكالة نخلة

كتب منفذ الهجوم على مسجدين في مدينة “كرايست تشيرش” في “نيوزيلندا” يوم الجمعة، مجموعة من العبارات على الأسلحة التي استخدمها.

ونشرت قناة “TRT” التركية صورتين أوضحت فيهما دلالات العبارات المكتوبة على الأسلحة ومن أبرزها “شارل مارتيل” وهو قائد جيش الفرنكيين الذي انتصر على المسلمين في معركة بلاط الشهداء التي وقعت عام 732م، و”ماركو أنطونيو براغادينو” وهو قائد فينيسي قام بقتل الأسرى الأتراك وخالف اتفاقية “فاماغوستا”، و”ألكسندر بيسونت” وهو شخص قتل ستة مصلين في مسجد بكندا عام 2017.

كما كتب عبارات أخرى معناها بالعربي “ضد اللاجئين.. أهلاً بكم في جهنم”، وفقاً لما ذكرته TRT.

أما صحيفة “ديلي صباح”، نشرت صورة السلاح الثاني والذي كتب عليه اسم “توركو فاجوس” ويعني بالعربية “آكل الأتراك” وهو اسم مستعار لقوات يونانية كانت تحارب ضد الجيش العثماني.

وكذلك عبارة “1683 فيينا” في إشارة إلى تاريخ حصار فيينا الذي اضطر السلطان سليمان القانوني إلى رفعه والعودة إلى إسطنبول بعد أن تكبد الجيش العثماني خسائر كبيرة بسبب شدة البرودة والثلج، بحسب ديلي صباح.

وكان منفذ الهجوم “برينتون تارانت” نشر عبر الإنترنت بياناً مطولاً من 73 صفحة شرح فيه أهداف وخلفيات هجومه.

16 مارس 2019

بعد اختيار ريما بن بندر أول سفيرة… سعوديات يتوقعن تعيين وزيرات في المملكة

اعداد : وكالة نخلة

حالة من التفاؤل والترقب عبرت عنها سعوديات في حديثهن مع “سبوتنيك”، بعد تعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة للمملكة في واشنطن، وهي اول امرأة في تاريخ المملكة تتبوأ هكذا منصب.

الاميرة لمياء بنت بندر

وعبرت المتحدثات عن ترقبهن للمزيد من تمكين المرأة في العديد من المناصب والمهام خلال الفترة المقبلة، كما أكدن تفاؤلهن بالخطوة، وأنها جاءت تنفيذا للوعود التي قطعها ولي العهد محمد بن سلمان.

تقول الكاتبة الصحفية، سحر أبو شاهين، إن “القرار الملكي بتعيين الأميرة ريما بنت بندر كأول امرأة سعودية تتقلد منصب سفيرة وبمرتبة وزير، له دلالات بالغة الأهمية، كون مكان التعيين هو سفارة دولة بقوة أمريكا، وبعمق العلاقات بينها وبين السعودية، وأنه دليل على أن الحكومة السعودية ماضية قدما في إصلاحاتها في ما يتعلق بمنح المرأة السعودية المزيد من حقوقها”.

الكاتبة سحر ابو شاهين


وأضافت في تصريحات خاصة لـ “سبوتنيك”، أن “المملكة قامت بخطوات كثيرة ومتسارعة قبل هذه الخطوة، منها دخول المرأة مجلس الشورى، وإزالة العوائق أمام عملها في العديد من القطاعات بسوق العمل، وترشح المرأة واقتراعها وفوزها في الانتخابات البلدية، ومنحها المزيد من الاستقلالية في ما يتعلق بحضانة أطفالها ورعايتهم”.

وتابعت أبو شاهين، أن تلك الخطوات شملت تعيين المرأة في مناصب رفيعة بالبنوك والشركات والمستشفيات، وبعض الجهات الحكومية.

وأشارت إلى أن الفترة المقبلة ستشهد المزيد من الخطوات في هذا الإطار، مرجحة تعيين سفيرات أخريات، ووزيرات في جهات حكومية، وإسقاط نظام الولاية.

الاعلامية ايمان الحمود

من ناحيتها، تقول الإعلامية السعودية، إيمان الحمود، بإذاعة “مونت كارلو” الدولية، إن الخطوة تأخرت كثيرا، خاصة أن الكاتبات السعوديات كتبن أكثر مقال وناشدن بضرورة تمكين المرأة في السنوات السابقة، خاصة بعد دخولها لمجلس الشورى، وأنه كان من المتوقع تعيين المرأة سفيرة أو وزيرة في الفترات الماضية، إلا أن الخطوة تأجلت لعدة سنوات.

وأضافت في تصريحات خاصة لـ “سبوتنيك”، أن “الأكثر إيجابية في الخطوة في الوقت الراهن، هو تعيين الأميرة ريما في واحدة من أهم العواصم العالمية، وهو ما يعبر عن استدراج ما مضى بأسرع وقت ممكن، ويؤكد على الدور المستحق للمرأة”.

وعبرت عن أمل الجميع في تعيين وزيرات وسفيرات خلال الفترة المقبلة، وأن تلك الخطوة تؤكد على وفاء الأمير محمد بن سلمان بما وعد في السابق، وأن المملكة تؤكد على أنها تسير بخطى جادة في مسألة التغيير.

وأشارت الحمود إلى أن بعض القضايا لازالت عالقة، منها قضية الولاية التي تحدثت عنها الأميرة ريما أكثر من مرة، وهو ما يعني اقتراب الوصول إلى الوضع المثالي للتخلص من قانون الولاية.

ليست مفاجأة

الطبيبة لمياء البراهيم

من ناحيتها، قالت الطبية لمياء البراهيم، إن الخطوة لم تكن مستغربة أو مفاجئة، خاصة أنها سبقتها وعود ولي العهد بتمكين المرأة في المناصب القيادية، وأن الأميرة ريما بنت بندر مؤهلة للقيام بهذا الدور بشكل كبير، كونها بنت الأمير بندر بن سلطان السفير السابق في واشنطن، وحفيدة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السابق، وهو ما يجعلها الأنسب لهذا الموقع في واشنطن.

وأضافت في تصريحات خاصة لـ “سبوتنيك”، أن “الخطوة بالغة الأهمية في إطار تمكين المرأة، وأن الوعود التي قطعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في السابق تنفذ الآن على الأرض من خلال الأفعال، وأنها رسالة للعالم وللنساء بشكل خاص في المملكة، بأن هناك الكثير من المناصب والمهام ستتولاها المرأة في الفترة المقبلة”.

وشددت على أن السعودية مقبلة على مرحلة جديدة من تحسين وضع المرأة والمجتمع، وأن الفرصة ستكون للخبرات والقدرات دون النظر لمسألة الجنس، مما يسهم في تفعيل الشراكة الحقيقة بين الرجل والمرأة في عمليات التنمية.

المرشدة السياحية عبير ابو سليمان

فيما قالت المرشدة السياحية عبير أبو سليمان في تصريحات خاصة لـ “سبوتنيك”، إن تعيين الأميرة ريما بنت بندر سفيرة للمملكة في واشنطن، يؤكد على دور المرأة الحقيقي في “رؤية 2030”.

من معالم انتفاضة تشرين/ 11 جريمة الوثبة ستبقى في ذاكرة العراقيين

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين/اكتوبر ودور المرجعية في دعمها وتسديدها. 

جريمة الوثبة :

في يوم الخميس الموافق 12 كانون الأول/ديسمبر 2019 استفاق العراقيون على مشاهد جريمة وحشية مروعة ، لم يحدث لها مثيل منذ نصف قرن أي منذ عام 1969 عندما قامت سلطة البعث بتعليق جثث أشخاص تم إعدامهم بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. وهي واحدة من مسرحيات البعث العديدة التي تفنن في إعدادها وإخراجها، مثل جرائم أبو طبر  ومباريات عدنان القيسي وغيرها. 

بدأت الجريمة عندما اعترض المغدور ،الفتى هيثم علي اسماعيل البطاط، على جماعة من المتظاهرين كانوا يتجمعون أمام داره أو يتحرشون بنساء المحلة ومنها داره. حدثت مشادة بينه وبينهم ، فدخل إلى منزله ، وأطلق رصاصات في الهواء لتخويفهم وابعادهم. استفزهم هذا السلوك ، واتفقوا على الدخول إلى منزله وقتله ، وتنادوا بأنه مندس، وأنه قتل تسعة من المتظاهرين!!! دخلوا عليه ، وقتلوه طعناً بالسكاكين ، ثم جروه إلى الزقاق ، ووضعوه في سيارة بيك أب ، ثم قام أحدهم بذبحه من رقبته، وقامت فتاة بطعنه بسكين عدة طعنات.  
ثم طرحوه على الأرض ، وسحلوا جثته في الزقاق باتجاه ساحة الوثبة القريبة من الزقاق. 
وصلت الجثة المسحولة على اسفلت الشارع إلى ساحة الوثبة، فقام بعض المتظاهرين بوضع حبال على عمود إشارة المرور، ثم تم سحب الجثة من الرجلين ، لتعلق على العمود منكوسة الرأس ، أي الأيدي متدلية إلى الأسفل. 


وسرعان ما انتشرت بيانات الشجب والادانة للجريمة من مختلف الكتل والشخصيات السياسية والاعلامية من مختلف الفئات والمكونات. وكان مدونون واعلاميون دافعوا عن الجريمة ، وأن المقتول كان يتعاطى حبوب المخدرات ، وأنه سبق أن أطلق النار على متظاهرين. وظهر زيف هذه التعليقات ، خاصة بعد أن صرح مدير معهد الطب العدلي بأنه لم يستلم أية جثة أخرى في يوم الحادث أي في 12 كانون الأول 2019 ، عدا جثة الفتى المغدور. كما دافع مدونون عن الجريمة مبررين حدوثها بأن المجتمع العراقي اعتاد العنف والجريمة، واعتاد القتل والسحل منذ عام 1958 وما بعدها. وعندما دانت ممثلة الأمم المتحدة “جينين بلاسخارت” الجريمة ، تحولت مواقفهم إلى البراءة من الجريمة وإدانة مرتكبيها ، وأن لا علاقة للمتظاهرين بها. 
في خطبة جمعة كربلاء في 13 كانون الأول/ديسمبر 2019 ، دانت المرجعية جريمة الوثبة التي وصفتها بالجريمة البشعة والمروعة. ودعت المرجعية “الجهات المعنية إلى أن تكون على مستوى المسؤولية وتكشف عمن اقترفوا هذه الجرائم الموبقة وتحاسبهم عليها”. وحذرت المرجعية من “تبعات تكرّرها على أمن واستقرار البلد وتأثيره المباشر على سلمية الاحتجاجات”.


وشددت المرجعية على ضرورة “أن يكون القضاء العادل هو المرجع في كل ما يقع من جرائم ومخالفات، وعدم جواز ايقاع العقوبة حتى على مستحقيها الاّ بالسبل القانونية، وأما السحل والتمثيل والتعليق فهي بحد ذاتها جرائم تجب محاسبة فاعليها”. وأبدت المرجعية أسفها وألمها على موقف الجمهور المتفرج على الجريمة بقولها “ومن المحزن ما لوحظ من اجتماع عدد كبير من الاشخاص لمتابعة مشاهدها الفظيعة”.

___________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

العتبة الكاظمية عمارة تطاول الزمن .. من مقابر قريش إلى روضة للزوار 1/3

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

سميت بالكاظمية نسبة للأمام الثامن للشيعة الامامية موسى الكاظم (ع) ( توفي عام 183 هج/ 799 م ودفن فيها). وفي عام 220 هج / 835 م توفي الامام العاشر محمد الجواد (ع) فدفن إلى جانب جده.
كانت تسمى مقابر قريش التي تم اتخاذها مقبرة بعد تأسيس وبناء بغداد عام 145 – 149 هج / 762-766 م ، وسميت أيضاً مقابر بني هاشم. وكان جعفر ابن الخليفة المنصور أول من دفن فيها عام 150 هج/767 م . وكانت في بداية انشائها تقتصر على الموتى من قريش كالعلويين والعباسيين ، ودفن فيها أبو يوسف القاضي الأنصاري عام 182 هج / 798 م .
ويرى الدكتور مصطفى جواد أنها كانت مقبرة للشهداء وهم المسلمون الذين قاتلوا الخوارج قرب الكاظمية عام 37 هج / 657م  فدفنوا هناك.
وأخذ الناس يسكنون حول المقبرة تقرباً للامامين عليهما السلام ، وصارت تتتسع تدريجياً حتى أصبحت قرية خارج بغداد تفصلها عنها أراضي ومزارع وبساتين.

تاريخ إعمار العتبة الكاظمية :

-في عام 334 هج/ 945 م سيطر البويهيون بزعامة معز الدولة على السلطة في بغداد . وبادر إلى إعمار المرقد الكاظمي وتشييده لأول مرة ، ووضع جماعة من الجنود لحمايته وحماية الوزار القادمين اليه.
-لم تصمد تلك العمارة طويلاً بوجه الزمن حيث تعرضت إلى كوارث طبيعية وأهمها الفيضانات المتكررة في الأعوام 367 هج ، 466، 554 هج ، 569 هج، 614 هج ، 646 هج، 654 هج حيث تصدعت جدرانها وانهدمت أجزاء منها. وفي أعقاب فيضان سنة 614 هج/ 1217م قام الخليفة الناصر لدين الله ( 1158-1225 م ) بتعمير ما دمرته المياه، وشيد سوراً جديداً للروضة الكاظمية.
-في عام 647 هج/ 1249 م أمر الخليفة المستعصم ( 1213-1258 م ) بعمارة المشهد الكاظمي. وأثناء العمل وجد البناة جرة قديمة فيها ألف درهم بعضها يوناني والآخر ضرب في بغداد وواسط. فأمر الخليفة بانفاقها على العمارة ، فبيعت على الناس والتجار.
انتهى العصر العباسي وكانت الكاظمية بلدة عامرة بالبيوت والمحلات والأسواق والحمامات ولها سور وأبواب . وكان للبلدة نقباء لمحلاتها غير نقيب الطالبيين منهم الشريف الرضي ( 969-1015 م ).
-في عام 656 هج/ 1258 م تعرضت الكاظمية مع بغداد إلى الغزو المغولي حيث قاموا بحرق المشهد الشريف ، وتعرضت المدينة للتخريب والاتلاف والقتل واتلاف مكتباتها وتهديم أسواقها وعمارتها. مرت البلدة بفترة عصيبة لكنها تمكنت من الخروج من محنتها بعد زوال هيمنة المغول . فما أن جاء القرن الثامن الهجري حتى كانت عامرة بسكانها وبزوارها القادمين إليها من العراق والبلدان الاسلامية الأخرى. يصفها ابن المستوفي ( 1170-1239 م ) في أوائل القرن الثامن الهجري فيقول: (إنّها مدينةٌ صغيرة، يبلغ طول محيطها حوالي ستّة آلاف خطوة، وإنّ سكّانها ستّة آلاف نسمة).
-في أوائل القرن العاشر دخلت الكاظميّة عهدها الجديد، من حيث الاستقلال الإداري الداخلي، وأصبحت مدينة لها كيانها ودَورها في الشؤون العامّة.

عمارة العتبة في العصر العباسي :

بعد عمارة معز الدولة البويهي عام 336 هج/ 947 م ، وعمارة الناصر لدين الله عام 614 هج/ 1217 م التي كانت ترميم الأضرار التي أصابتها نتيجة الفيضان، تعرضت الروضة لحريق كبير عام 443 هج / 1051 م بسبب فتنة طائفية انتهت بحرق المشهد الكاظمي من قبل الجنود العثمانيين في زمن السلطان مراد الرابع ، جاءت إعادة بناءها من قبل المظفر أرسلان التركي البساسيري (توفي 1060 م) . وكان أحد قادة الجيش العباسي لكن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله استماله وأرسل إليه الأموال، فثار المظفر على الخليفة العباسي ، وأقام الخطبة ببغداد للمستنصر لمدة عام (1058 م).
-في عام 490 هج/ 1096م  قام مجد الملك القمي بإضافة مجموعة مرافق للعتبة.
وآخر عمارة في العهد العباسي  كانت عام 575 هج من قبل الناصر لدين الله  ( 553 هج/ 1158 – 622هج/ 1225 م) حيث تمت إضافة أبنية وملحقات حتى عدت من العمارات الفخمة. وكان الناصر لدين الله أول خليفة عباسي يستوزر رجلاً علوياً هو نصير الدين الرازي. وفي عهده اضمحل الصراع الطائفي والتعصب المذهبي. 

عمارة العتبة في القرون الوسطى وما بعدها :

-في سنة 769 هـ /1367م  قام السلطان أُوَيس الجلائري بتعمير المشهد، وذلك لتصدّعه من جراء تتابع الفيضانات. فبنى قبتين ومنارتين وأمر بوضع صندوقين من الرخام على القبرين الشريفين وزين الحرم بالطابوق الكاشاني الذي كتبت عليه سور من القرآن الكريم.
-في سنة 914 هـ / 1508 م وما بعدها قام الشاه إسماعيل الصفوي بعد دخوله بغداد بعمارة المشهد المقدّس وتجديده وتوسيع الروضة، وإكساء الأروقة بالرخام، وصنع صندوقين خشبيين يوضعان على المرقدين الشريفين. وقام بتزيين الحرم وأطرافه الخارجية بالطابوق القاشاني ذي الآيات القرآنية والكتابات التاريخية، كما أمر بأن تكون المآذن أربعاً بعد أن كانت اثنتين. وأمر بتشييد الجامع الصفوي وهو مسجد كبير في الجهة الشمالية من الحرم، متّصلٍ به يعرف اليوم بـ (جامع الجوادين)، هذا فضلاً عن تقديم ما يحتاجه المشهد من فرش وقناديل وتعيين الخدّام والحفّاظ والمؤذّنين، وهكذا تم تشييد هيكل الحرم وروضته وأروقته وهو الهيكل القائم الى يومنا هذا.
– في سنة 941 هـ / 1534 م دخل سليمان القانوني بغداد فاتحاً بعد ان أزال حكم الصفويين، فأصدر أمراً بإكمال بعض النواقص الصغيرة التي لم يكملها الصفويون.
– في سنة 978 هـ / 1570 م تم بناء المنارة الواقعة في شمال شرقيّ الحرم المطهر بعد أن كانت أسس المنائر الأربعة الكبرى قد بُنيت أيام الصفويين.

-في سنة 1032 هـ / 1622 م فتح الشاه عباس الكبير الصفوي بغداد ثانيةً، وزار المشهد الكاظمي، وأمر بإعادة وتشييد ما خرّبته الحروب والفتن، وما سبّبته من إهمال، وأمر بنصب ضريح ضخم من الفولاذ يوضع على الصندوقين ليقيهما من غوائل النهب والسلب أثناء معارك الفوضى أو هجوم العشائر على البلدة، ونتيجة لتأزّم العلاقات بين إيران وتركيا تأخّر وصول الضريح حتّى سنة 1115 هج / 1703 م .
– في سنة 1045 هـ / 1635 م قام الشاه صفي بن عباس الصفوي بإجراء بعض الإصلاحات في المشهد كإحكام قواعد المنائر الكبيرة.
-في سنة 914 هـ/ 1508 م سيطر الصفويون على العراق، وزار الشاه إسماعيل الصفوي الكاظمية، وأمر بتشكيل إدارة خاصّة بالبلدة ومحكمة شرعيّة يرأسها قاضٍ يحمل لقب «شيخ الإسلام»، وأمر بتشييد المشهد الكاظمي تشييداً رائعاً فخماً، وعيّن الرواتب لخدّام المشهد والمسؤولين عنه.
-في عام 1231 هج/ 1815 م قام السلطان فتح علي شاه القاجاري بإعمار الروضة ، وكسى الجدران بقطع المرايا الصغيرة وهو فن دقيق. ونقش باطن القبتين بالنقوش الجميلة وبالميناء وماء الذهب وأنواع الأصباغ الجميلة.
-في عام 1255 هج/ قام الوزير معتمد الدولة منوجهر خان بإكساء إيوان الروضة من جهة الجنوب بالذهب الخالص، وزين صدره بأسماء الائمة الاثنا عشر عليهم السلام. ثم قام ببناء الصفة الشرقية (طارمة باب المراد)، ثم بعدها أقيمت الصفة الجنوبية (طارمة باب القبلة).

-في عام 1282 هج / 1839 م تم إكساء الايوان الشرقي بالذهب مما بقي من الذهب بعد تذهيب قبة الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء ، بأمر من ناصر الدين شاه القاجاري. كما تم ترميم السقوف والمرايا والنقوش الموجودة داخل الروضة. وتم تزيين جدران الرواق الخارجية بالكاشي القاشاني.
-في عام 1278 هج / 1861 م قام اعتماد الدولة فرهاد ميرزا ابن فتح علي شاه ببناء الصحن الكاظمي وتجديد عمارته. إذ تم قلع البناء السابق ، وتم شراء الدور المجاورة بثمن باهض ، وأضيفت إلى الصحن ، فزادت مساحته طولاً وعرضاً وفرشه بالمرمر الفاخر. وقام بإنشاء أواوين بديعة وحجرات جميلة فوقانية وأرضية حول الصحن . كا قام بتنظيم السراديب تحت الصحن المستخدمة لدفن الموتى من كبار العلماء والوجهاء.
-في عام 1299 هج/ 1881 م قام فرهاد ميرزا بتجديد تذهيب المآذن ، ووكل الحاج عبد الهادي الأسترابادي بهذه المهمة. وتم التذهيب في عام 1301 هج / 1883م .
أما الشباك الذي فوق القبر الشريف فيعود الشباك السابق إلى الحاجة سلطانة بيكم بنت مشير الملك الشيرازي على يد التاجر الميرزا كاظم الطباطبائي الأصفهاني. وبذلت لصناعته 250 ألف مثقال . وقام بصياغته ثلاثة من الصاغة هم السيد محسن هاشم آل أبي الورد الكاظمي والسيد محمد علي الصائغ الكاظمي والميرزا محمد الشيرازي النجفي . وأما النجار الذي صنع الشباك الخشبي فكان الحاج محمد علي النجار. وتم نصب الشباك المذكور في 6 جمادى الأولى عام 1324 هج / 1906 م  ، في زمن الكليدار الشيخ عبد الحميد بن الشيخ طالب. 
-في نحو سنة 1302 هـ/ 1884 م أمر المشير هدايت باشا قائد الفيلق العسكري التركيّ السادس في بغداد بعمل جسر من الخشب عائم على نهر دجلة، يربط بين الكاظمية والأعظمية، وبذلك ارتبطت الكاظمية بالجانب الشرقي من بغداد أيضاً. وفي سنة 1318 ه/ 1900 م تمّ وضع حجر الأساس لبناء سراي الكاظمية.
-من أبرز المواقف السياسية لمدينة الكاظمية موقفها خلال الحرب العالمية الأولى، من الاحتلال البريطاني للعراق، فقد استنجد وجوه البصرة في 20 ذي الحجّة سنة 1332 هـ / الموافق 28 تشرين الثاني 1914 م بعلماء الكاظمية، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع المقدّس على كلّ مسلم، وفي يوم الثلاثاء 12 محرّم سنة 1333 هـ / الموافق 29 تشرين الثاني 1914 خرج السيّد مهدي الحيدري قاصداً ساحة الحرب وبصحبته جماعة من المجاهدين، وخرجت البلدة بأسرها لتشييع موكب الجهاد الزاحف، وكانت البلدة تستقبل وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف وكربلاء وغيرهما بمنتهى الترحاب والتكريم وتودّعهم إلى ساحة القتال بمثل ذلك.

احتلّ الجيش البريطاني مدينة الكاظمية في السابع عشر من جمادى الأُولى سنة 1335هـ / الموافق 11 آذار 1917، فطُويت صفحة احتلال عثماني طويل لتبدأ صفحة احتلال آخر، ولم تنقطع الكاظمية بعد الاحتلال البريطاني الغاشم عن العمل الجادّ في محاربة المحتلّين بكل ّما أُوتيت من طاقات وقوى مادية ومعنوية، ويدلّ على ذلك ما جاء في رسائل المس بيل: «الكاظمية المتطرّفة في إيمانها بالوحدة الإسلاميّة، والمتشدّدة في مناوأة الانكليز».وكتب فيليب آيرلاند البريطاني يقول: (و كان الشعور المعادي لبريطانيا في الكاظمية شعوراً قوياً جدّاً، فقد هدّد العلماء جميع من يصوّت للاحتلال البريطاني بالمُروق عن الدين).

اخر الاخبار

اعلان

ad