الأربعاء, مايو 5, 2021

قصور العباسيين في بغداد 1-2

كتب وتحقيق: الدكتور صلاح عبد الرزاق

قصور باب الذهب والخلد والتاج أولى صروح في مدينة السلام

تأسيس بغداد

في عام 145 هج/ 762 م قام الخليفة أبو جعفر المنصور بتأسيس مدينة بغداد. وامتازت المدينة الجديدة بكونها مدورة ، وهو شكل غريب في المدن الاسلامية، لكن بعض الباحثين (مصطفى جواد وأحمد سوسة) يرى أنها تقليد للتصميم البنائي لمدينة الحضر المدورة ، من حيث الشكل والمساحة، وآثارها ما تزال قائمة. كما أنها تشبه مدينة مأرب التي كانت مستديرة، وكذلك مدينة طيسفون (سلمان باك) جنوب بغداد. وكانت المدينة المنورة تقع في جانب الكرخ ، في موضع محلتي العطيفية والشالجية، وقريبة من الكاظمية. وقيل أن قطر المدينة من باب إلى باب مقابل كان يبلغ (2000) متراً ، ومساحتها تبلغ (180,000) متراً مربعاً . وقيل بأن مساحتها بلغت 3 ملايين متر مربع أو 3 كيلومتر مربع، وهو الأقرب. وبلغ عدد نفوس بغداد في أوجها بحدود مليون نسمة. وهو رقم كبير في تلك الفترة لم تبلغه أية مدينة في العالم طوال قرنين. وأصبحت بغداد مركزاً للحضارة العالمية والتمدن الاسلامي ومقراً للعلوم والفنون والآداب ، وزهت بالعلماء والأدباء والشعراء والكتاب والمترجمين وارباب الفنون والصناعات. وأنشئت فيها المساجد والمستشفيات والمراصد الفلكية والمدارس والمعاهد والكتاتيب وخزائن الكتب والمستشفيات ومعامل الزجاج والنسيج والورق. وفي بغداد وضعت أول خارطة للعالم سميت بالصورة المأمونية ، نسبة إلى المأمون. وقد فاقت ما قدمه اليونان من دراسات في الجغرافيا.

عمارة مدينة السلام

أحيطت المدينة بسورين وخندق ماء يفصل بينهما ، والخندق مدعم بمسناة ضخمة بنيت بالآجر . وعلى الأسوار توجد أبراج للمراقبة والتحصينات الدفاعية. وكان عرض السور الخارجي أو السور الأعظم كما يسمى في أساسه يبلغ 45 متراً ثم يصغر حجمه حتى يبلغ 12 متراً ونصف في أعلاه، وبارتفاع 30 متراً . ومن يدخل المدينة لابد ان يجتاز أحد الأبواب ، ثم يعبر فوق الخندق المائي.
كان لمدينة السلام أربعة أبواب: باب الشام، باب الكوفة ، باب البصرة، باب خراسان. والأخير كان يسمى أيضاً باب الدولة أو باب الاقبال ، لاقبال الدولة العباسية من خراسان. وعلى كل باب قبة معقودة عظيمة مذهبة ، وحولها غرف وممرات للجند والمشرفين على حركة الدخول والخروج.
وفي وسط المدينة خصص منطقة في الوسط هي الرحبة ، شيد المنصور فيها مسجداً كبيراً سمي بجامع المنصور. وحول الرحبة بنى الدوائر الحكومية كديوان الجند وبيت المال وديوان الرسائل وديوان الخراج وديوان الخاتم وديوان الحوائج وديوان الأحشام وديوان الفقات ومطبخ العامة. وقام بفرز الأراضي وفتح الشوارع وقسمها إلى محلات ، ورصف الشوارع بالحجر.

القصور العباسية:

كان المنصور قد قرر أن يسكن في المدينة فبنى قصوراً له ولأولاده وأقاربه وأمرائه مثل:

1- قصر باب الذهب:

المشهور بقبته الخضراء التي قلد بها خضراء الحجاج في واسط. وكان القصر معزولاً عن أي جوار سوى دار الحرس الذين يحرسون الخليفة وأسرته. وكانت هناك سقيفة كبيرة ، وممتدة على أعمدة مبنية من الطابوق والجص. وحول الرحبة تم بناء منازل أولاد المنصور الصغار ، ولعبيده القريبين منه.
كانت مساحة القصر 200متر في 200 متر . وكانت القبة الخضراء في وسطه ، وكانت ترى من أطراف بغداد لأنها كانت بارتفاع 40 متراً أي بارتفاع بناية ذات 12 طابقاً. وكان على رأس القبة تمثال على صورة فارس بيده رمح. وتحت القبة أنشئ مجلس كبير، في صدره إيوان عظيم على الطراز الفارسي، عرضه عشرة أمتار وارتفاع قوسه عن الأرض 15 متراً.
وكان قصر باب الذهب هو المقر الرسمي للمنصور والخلفاء الأوائل من بعده . ولم يقم الرشيد فيه ، لكن ابنه الأمين اتخذ منه بلاطاً له ولعائلته وحاشيته وخدمه. وكان الأمين قد تحصن بهذا القصر عندما هاجمته قوات أخيه المأمون عام 198 هج/ 814 م ، وتحصن رجاله بأسوار المدينة المدورة. وأصيب اللقصر بأضرار كبيرة بسبب قذائف المنجنيق. أما القبة الخضراء فظلت قائمة حتى سقطت عام 329 هج/ 941 م بسبب أمطار غزيرة مصحوبة برعد وبرق شديد، وقيل أنها أصيبت بصاعقة أحرقتها.


2- قصر الخلد:

وقد بناه المنصور بعد بضع سنين على نهر دجلة قرب باب خراسان. وسمي بالخلد نسبة إلى حدائقه الواسعة وتشبيها بجنة الخلد ، و (ما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق وغرض غريب ومراد عجيب ) على حد وصف الخطيب البغدادي. وتم بناء قصر الخلد عام 159 هج / 776 م وأختير ليطل على نهر دجلة ، بعكس قصر باب الذهب بعيد عن النهر. وقد أقام الرشيد في هذا القصر وعاش فيه طول إقامته في بغداد. ولم يبق شيء من هذا القصر.

3- قصر عيسى:

وقد بناه الأمير عيسى بن علي عم المنصور على نهر الرفيل فصار يسمى نهر عيسى. ويذكر ياقوت الحموي: إن قصر عيسى هو أول قصر بناه الهاشميون في أيم المنصور ببغداد.

4- قصر القرار

وهو مشابه لقصر الخلد ، واسمه مستعار من القرآن الكريم ( وإن الآخرة هي دار القرار) ، كما أطلق على الخلد من قوله تعالى (لهم فيها دار الخلد) .
وقامت زبيدة بنت جعفر العباسية ببناء القصر وكان يعرف باسم قصر زبيدة، وسكنه ابنها الخليفة الأمين. وكان يقع على ضفة دجلة ، وتم فرشه بأفخر الستائر والسجاد ، وتم تذهيب السقوف والجدران . وكان الأمين يخصص له يوماً يجمع فيه الندماء والشعراء والمغنين والعازفين، و كانوا يشربون النبيذ فيه تحيط بهم الجواري والقيان والولدان، وورد أن أبي نؤاس كان يحضر هذه المجالس.
كانت جدران القصر بيضاء اللون تحيط بها إزارة ذهبية . أما أبوابه فكانت ضخمة مزدانة بمسامير الذهب المرصعة بالجواهر النفيسة . وأما الفرش فكانت حمراء عليه صور للصقور من الذهب . وكانت أنواع الطعام الفاخر تقدم للضيوف وصنوف الفاكهة والبطيخ .
وقد قتل الأمين في قصرالقرار وبعث برأسه إلى أخيه المأمون فبكى، وتم حرق القصر من قبل الطاهر بن الحسين عام 197 هج/ 812 م ، حتى قال الشاعر عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثي الأمين فقال:
أقول وقد دنوت من القرار سقيت الغوث يا قصر القرار
رمتك يد الزمان بسهم عين فصرت ملوحاً بدخان ونار

5- قصر التاج

فقد وضع أسسه المعتضد وأتم بناءه ابنه علي المكتفي. وقد أصبح أهم مركز رسمي.وكان قصر التاج يطل على نهر دجلة جنوب القصر الحسني. وأنشئت له مسانة عظيمة لصد تيار النهر ومنع تأثير مياهه فيه. وكانت المسناة على هيأة خاصة لقصر التاج. وكان القصر يشرف على هذه المسناة كأنه التاج. وكان المعتضد قد أمر بهدم القصر الأبيض الكسروي في المدائن، وجلب آجره في مشارف التاج. وبنى المكتفي إلى جانب القصر قبة دعيت قبة الحمار لأنه كان يصعد إليها في سلم حولها على حمار صغير ، وكانت عالية مثل نصف الدائرة. فكانت تشبه ملوية سامراء في الصعود إليها.
في عهد المقتدر (908-932م) أقيمت مبان أخرى حول قصر التاج من بينها اصطبلات كانت تسع لتسعة آلاف من الخيل والبغال والابل .
وكان ضمن حريم قصر التاج البستان الجميل الذي اعتنى بانشائه الخليفة القاهر أخو الخليفة المقتدر
وخلفه سنة (932-934 م) ، وقد وصفه المسعودي بقوله: (وكان للقاهر في بعض الصحون بستان نحو من جريب، قد غرس فيه من النارنج، وحمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند. وقد اشتبكت أشجاره ، ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر ، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر. وقد جعل في ذلك الصحن أنواع الأطيار من القماري والدباسي والشحارير والببغ ، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار. فكان ذلك في غاية الحسن. وكان القاهر كثير الشرب عليه والجلوس في تلك المجالس).
وفي عام 1154 م شب حريق في قصر التاج بسبب صاعقة أصابته ، فاستمرت النار تشتعل فيه لمدة تسعة أيام حتى تحول إلى ركام، لكن أعيد بناؤه في عهد المستضيء.

المرجعية وانتفاضة تشرين (5-6) عدم اجبار الاخرين على التظاهر والاعتصام

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

رافقت التظاهرات ظواهر وسلوكيات مخالفة للأعراف الديمقراطية، مثل منع دوام الموظفين والطلاب عبر إغلاق الدوائر الحكومية والجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية للبنين والبنات. وبادرت مجموعات من المتظاهرين إلى إجبار العاملين فيها على الخروج، وكتابة (مغلق بأمر الشعب) على أبواب وواجهات تلك الأبنية.

إن منع الدوام وإجبار الموظفين والطلاب على الذهاب إلى ساحات التظاهر يؤدي إلى ضرر أخلاقي ومعنوي في إكراه مواطن على فعل أمر لا يريده . وهذا مخالف للدستور ( المادة 42) التي تضمن حرية الفكر والضمير والعقيدة لكل فرد، و(المادة 44) التي تضمن للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه، و(المادة 46) التي تمنع تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور.

إن إغلاق الجامعات والمدارس يسبب الخلل في العملية التربوية والتعليمية ، وعدم تمكن الطلاب من إكمال المناهج الدراسية . فتضيع الجهود ، وتقل فرص النجاح في الامتحانات، فتزداد نسبة الرسوب أكثر مما هي عليه في المحافظات الوسطى والجنوبية . من جانب آخر اشتكى أولياء الطلاب بأن تعطيل الدراسة سيكلفهم أموالاً إضافية على الدروس وتعويض ما فات أبناءهم من دروس.
إن إغلاق الدوائر الحكومية وإجبار الموظفين على عدم الدوام يعني تعطيل مصالح الناس ومعاملاتهم ، وبالتالي قد تسبب خسائر مالية أو ماشكل في مجالات عديدة.

إن غلق الطرق والشوارع منع من تنقل المواطنين والسيارات من مكان إلى آخر سواء لمراجعة دائرة أو مستشفى أو سوق أو أي نشاط آخر ، وبالتالي تعطل مصالح الناس بشكل غير مقبول إطلاقاً. وقد حدثت حوادث مؤسفة منها تلك السيدة التي احترقت سيارتها بعد سيرها على إطار محترق ، فاحترقت السيارة بسرعة، وفيها طفلة صغيرة، فيما تمكنت السيدة من إنقاذ نفسها وطفلها الآخر. وكذلك تلك السيدة المريضة التي كانت مع ذويها بطريقها إلى المستشفى في حالة طارئة. وبسبب إغلاق الطريق ، وتوقف حركة السيارات ، ففارقت الحياة لتأخرها عن الوصول إلى المستشفى وإنقاذها.

لذلك حرصت المرجعية على أهمية سير العملية التربوية ومصالح المواطنين. ففي خطبة جمعة كربلاء في 8 تشرين الثاني /نوفمبر 2019 أشارت المرجعية إلى أهمية مراعاة حرية المواطن في مشاركته من عدمها في التظاهرات . فهذا يمثل حقه وحريته ، ولا يجبره أحد على فعل أمر لا يريده ، فقالت “إن التظاهر السلمي حق لكل عراقي بالغ كامل، به يعبّر عن رأيه ويطالب بحقه، فمن شاء شارك فيه ومن لم يشأ لم يشارك، وليس لأحد أن يلزم غيره بما يرتئيه، ولا يليق أن تكون المشاركة أو عدم المشاركة مثاراً لتبادل الاتهامات بين المواطنين عند الاختلاف في الرأي، بل ينبغي أن يحترم كلٌ رأي الآخر ويعذره فيما يختاره”.

_______________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

المرجعية وانتفاضة تشرين (3-6) عدم الاعتداء على القوات الأمنية

كتابة واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

بهدف حماية المتظاهرين ، وممارسة حقهم الدستوري في التعبير عن الرأي والتظاهر ، فقد حرصت المرجعية على توفير كل السبل في تحقيق هذا الهدف دون خوف من اعتداء أو غيره. لذلك كررت خطابها إلى الحكومة وإلى القوات الأمنية بضرورة الامتناع عن استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 4 تشرين الأول/اكتوبر 2019 حذرت المرجعية من استخدام القوة ضد المتظاهرين بقولها “نأمل أن يعي الجميع التداعيات الخطيرة لاستخدام العنف والعنف المضاد في الحركة الاحتجاجية الجارية فيتفادون ذلك في كل الأحوال”. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 11 تشرين الأول/اكتوبر 2019 نددت المرجعية بـ “تصاعد أعمال العنف بصورة غير مسبوقة ، واستهداف أعداد متزايدة من المتظاهرين بإطلاق النار عليهم”. 


– في خطبة جمعة كربلاء في 25 تشرين الأول/اكتوبر 2019 ذكّرت المرجعية “القوات الأمنية بأن التظاهر السلمي بما لا يخلّ بالنظام العام حق كفله الدستور للمواطنين، فعليهم أن يوفّروا الحماية الكاملة للمتظاهرين في الساحات والشوارع المخصصة لحضورهم، ويتفادوا الانجرار إلى الاصطدام بهم، بل يتحلّوا بأقصى درجات ضبط النفس في التعامل معهم، في الوقت الذي يؤدون فيه واجبهم في اطار تطبيق القانون وحفظ النظام العام بعدم السماح بالفوضى والتعدي على المنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة”.
–   في خطبة جمعة كربلاء في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أشارت المرجعية إلى “اصطدامات جديدة مؤلمة ومؤسفة بين الأحبة المتظاهرين والمعتصمين وبين رجال الأمن وغيرهم، وقد أسفرت عن سفك مزيدٍ من الدماء البريئة وتعرض أعداد كبيرة من الجانبين لإصابات مختلفة، وتزامن ذلك مع الاعتداء بالحرق والنهب على العديد من الممتلكات العامة والخاصة”.


– “انّ الدماء الزكية التي سالت خلال الأسابيع الماضية غالية علينا جميعاً ومن الضروري العمل على منع إراقة المزيد منها، وعدم السماح ابداً بانزلاق البلد الى مهاوي الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب، وهو ممكن إذا تعاون الجميع على حلّ الأزمة الراهنة بنوايا صادقة ونفوس عامرة بحب العراق والحرص على مستقبله”.
–  “إنّ المرجعية الدينية تجدد التأكيد على موقفها المعروف من إدانة التعرض للمتظاهرين السلميين وكل أنواع العنف غير المبرر، وضرورة محاسبة القائمين بذلك، وتشدّد على الجهات المعنية بعدم الزجّ بالقوات القتالية بأيّ من عناوينها في التعامل مع الاعتصامات والتظاهرات السلمية، خشية الانجرار إلى مزيد من العنف”. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ألقت المرجعية بمسؤولية المحافظة على المتظاهرين على القوات الأمنية بقولها “إنّ المحافظة على سلمية الاحتجاجات بمختلف أشكالها تحظى بأهمية كبيرة، والمسؤولية الكبرى في ذلك تقع على عاتق القوات الأمنية بأن يتجنبوا استخدام العنف ـ ولا سيما العنف المفرط ـ في التعامل مع المحتجين السلميين فانه مما لا مسوغ له ويؤدي الى عواقب وخيمة، وقد لوحظ أن معظم المشاركين في الاحتجاجات يراعون سلميتها ويتجنّبون عن التعرض للقوات الأمنية والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة، فينبغي توجيه القلّة التي لا تزال تتعرض لها بالكفّ عن ذلك، ليبقى مشهد الاحتجاجات نقياً من كل ما يشينه”.


– في خطبة جمعة كربلاء في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 حذرت المرجعية المتظاهرين من الاعتداء على القوات الأمنية وحرق الممتلكات العامة والخاصة، وعبرت عن “ادانة الاعتداء على القوات الأمنية والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة. ويجب ملاحقة ومحاسبة كل من تورّط في شيء من هذه الاعمال ـ المحرّمة شرعاً والمخالفة للقانون ـ وفق الاجراءات القضائية ولا يجوز التساهل في ذلك”.
– من جانب آخر سعت المرجعية إلى تعديل الصورة التي رافقت نقدها للقوات الأمنية سابقاً ، وأنها لن تنسى ما قدموه سابقاً في مواجهة الارهاب ، أو دورهم في حفظ الأمن للمجتمع، وأنه لا يجب الانتقاص من القوات الأمنية في كل الأحوال ، وقالت “إنّ اعزتنا في القوات المسلحة ومن التحق بهم في محاربة الارهاب الداعشي والدفاع عن العراق شعباً وأرضاً ومقدسات لهم فضل كبير على الجميع ولا سيما من هم مرابطون الى اليوم على الحدود وما يتبعها من المواقع الحساسة، فلا ينبغي أن ننسى فضلهم ولا يجوز أن يبلغ مسامعهم أي كلمة تنتقص من قدر تضحياتهم الجسيمة، بل اذا كان يتيسر اليوم اقامة المظاهرات والاعتصامات السلمية بعيداً عن أذى الارهابيين فإنما هو بفضل اولئك الرجال الأبطال، فلهم كل الاحترام والتقدير”. 


– في خطبة جمعة كربلاء في 6 كانون الأول/ديسمبر 2019 دعت المرجعية إلى “إن مساندة القوات الأمنية واحترامها وتعزيز معنوياتها وتشجيعها على القيام بدورها في حفظ الأمن والاستقرار على الوجه المطلوب واجب الجميع، فإنه لا غنى عن هؤلاء الاعزة في تفادي الفوضى والإخلال بالنظام العام، وقد لاحظ الجميع ما حلّ ببعض المناطق لما لم تستطع القوات الأمنية القيام بما يتوقع منها في هذا الصدد”. 


– أشادت المرجعية بدور رجال العشائر الذي لبوا نداء المرجعية بتمييز صفوف المتظاهرين عن المندسين والمخربين ، وضرورة وقف العنف وعمليات حرق الأبنية والمحلات. فكانت عشائر الناصرية قد خرجت إلى الشوارع لفرض الأمن والنظام. الأمر الذي أدى إلى هدوء الأوضاع بعد أيام دامية، فقدمت المرجعية شكرها إليهم بقولها “هبّ رجال العشائر الكرام فقاموا بدور مشهود في حماية السلم الاهلي ومنع الفوضى والخراب، فلهم كل الشكر والتقدير على ذلك، ولكن ينبغي العمل على أن ترجع الامور الى سياقها الطبيعي في جميع المناطق من تحمل القوى الأمنية الرسمية مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار وحماية المنشآت الحكومية وممتلكات المواطنين من اعتداءات المخربين، مع التزامها بالتصرف بمهنية تامة في التعامل مع كل الاعمال الاحتجاجية لئلا تتكرر مآسي الاسابيع الماضية”.

العتبة الكاظمية صرح يناطح الزمن (3-3)

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

إعمار الروضة الكاظمية عام 2004 :

بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وتأسيس ديوان الوقف الشيعي شهدت الروضة الكاظمية توسعات كبيرة واعمار جديد. إن أهم أهداف ديوان الوقف الشيعي هو إعمار وتأهيل وتوسعة العتبات المقدسة بشكل عصري وقادر على توفير مساحات مناسبة لتزايد عدد الزوار، وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وإدارة العتبات وفق أساليب علمية حديثة، ومنذ أيامه الأولى بدأ الديوان بحملة واسعة لإعمار العتبات والمراقد الدينية في أنحاء العراق ، وتم تخصيص موازنات كبيرة في الأعوام 2004 و2005 لهذا الغرض.

وخلال الفترة التي قضيتها في الوقف 2004 -2009 شهدت العديد من الإنجازات ، وشاركت في مناقشة خططها ، وقمت بزيارات عديدة لتلك المشاريع.

لقد كان ضيق المكان المحيط بالقبر الشريف للامامين الجوادين، أكبر معاناة يواجهها الزوار ، حيث كانت الجهتان الشرقية والغربية من الجدران تبعد مسافة 80 سنتمتراً فقط عن الشباك. إذ تستند القبتان ومن الجهتين على جدار سميك سمكه أكثر من مترين. وجاءت فكرة التوسعة من قبل الدكتور محمد علي الشهرستاني الذي أنجز توسعة مشابهة في الحرم الرضوي في مشهد. وتتلخص التوسعة في إزالة الجزء البارز من الجدار وعرضه 125 سنتمتراً ، وتقوية الجدار من خلال ثقبه وإنزال الحديد المسلح ثم صب الخرسانة داخله، ليكون قادراً على تحمل وزن القبتين. وكان بعض من يسمع بالفكرة  يعارضها ويقول إن فيها مجازفة بسبب احتمال انهيار القبتين ، وكان الدكتور الشهرستاني يعرض مخططاته وحساباته بشكل يدعو للإطمئنان. وقد أيدت الفكرة بقوة لأنها ستخدم زوار الإمام الكاظم (ع).

بدأ العمل في أعلى الجدار، وتم صب الخرسانة المسلحة، ثم بدأت عملية إزالة الجزء الزائد من الجدار. وكان على الجدار خط معرّق من أنفس ما تحويه العتبة الكاظمية من الخطوط العربية ، والخط يحيط بالروضة المطهرة بشكل أفقي كالحزام ، وكي لا يضيع هذا الكنز تم إعادته على الجزء الذي ظهر من الجدار، ولكن ارتفع نحو الأعلى ثم سار أفقياً ليعود بعدها أفقياً ، ومن يزور الروضة الشريفة يلاحظ ذلك.

في 20 نيسان 2004 أقمنا احتفالاً مهيباً في الصحن الكاظمي حضرته شخصيات أكاديمية ودينية وسياسية، إضافة إلى وسائل الإعلام التي سُمح لها بدخول الحرم المطهر. وتم تكريم الدكتور محمد علي الشهرستاني بدرع وشهادة تقديراً لجهوده الكبيرة في إعمار الروضة الكاظمية.

شباك جديد للروضة الكاظمية :

ومن انجازات الديوان في السنوات الأولى هو تبديل شباك المرقد الكاظمي. وكان الشباك قد صُنع في إيران وبتبرع من الإيرانيين ، في عام 1980 لكن غزو نظام صدام لأراضي إيران ونشوب الحرب بين البلدين ، جعل الحكومة الإيرانية تؤجل عملية الاستبدال إلى وقت آخر. بقي الشباك مخزوناً في إيران حتى سقوط صدام ، عندها فاتح الإيرانيون الوقف الشيعي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستبدال الشباك القديم بالجديد. تم شحن قطع الشباك ووصل إلى بغداد ، وتم خزنه في الرواق الشمالي للروضة الشريفة. كما وصل عدد من الفنيين والعمال الإيرانيين . وكان العمل كله بإشراف الدكتور المهندس محمد علي الشهرستاني (1932- 2011) وهو ذو خبرة طويلة في مجال الإعمار والبناء وخاصة العتبات والمراقد الدينية. في 17 نيسان 2005 تمت إزالة الشباك القديم وظهر صندوقان خشبيان ، أحدهما للإمام الكاظم (ع) والآخر للإمام الجواد (ع) .

مشاهداتي داخل الضريح المقدس :

أثناء العمل زرت الروضة الشريفة بعد إزالة الشباك الفضي.  وقفت بين الصندوقين وقمت بتقبيل الأرض من جهتي الرأس والرجلين. وكان الصندوقان من الخشب الساج عليهما نقوش وزخرفة وآيات قرآنية. وكتب عليهما تاريخ الصنع وهو عام 936 هج ( الموافق عام 1529 ميلادية) في عهد الشاه اسماعيل الصفوي . وهذا التاريخ يعني أن بغداد والعراق عموماً كان تحت السلطة الإيرانية بزعامة الشاه طهماسب (حكم 1524-1576م) والذي أولى رعاية خاصة للعتبات الشيعية. وتوجد كتابة أخرى توضح تاريخ تجديد الشباك من قبل الحاج عبد الهادي الجلبي عام 1363 هج الموافق عام 1944 ميلادي.

عندما أزيل الصندوقان شاهدت قبر الإمام الجواد (ع) مفتوحاً من خلال فتحة بأبعاد 20 × 20 سنتمتراً . وكان يُراد وضع قطع من المرمر. ويبدو أن أرض القبر الشريف التي يقف عليها الشباك ويطوف الزائرون عليها هي بمثابة سقف لسرداب عميق  تم دفن الجسدين الطاهرين فيه  قبل  اثني عشر قرناً.  كان المكان تغمره القدسية والروحانية والهيبة . وقد تشرفت بأداء صلاة ركعتين في مكان مقدس، ولا يتاح ذلك مرة أخرى ، ربما بعد قرن من الزمن في عملية إعمار قادمة. تم توسعة أساس الشباك لأن الشباك الجديد أوسع من الشباك القديم. كما تم حفر خندق حول القبر على عمق مترين وبسمك 25 سنتمترا ، ثم وضعت الخرسانة فيه مع مواد مانعة للرطوبة. والغرض من الجدار الخرساني هو حماية الضريح من الرطوبة حيث كانت آثارها بادية. وشاهدنا ثلاث قنوات من الضريح إلى الخارج، تقع تحت الأرضية المرمرية ، وهي على ما يبدو قنوات تهوية بنيت في العهد الصفوي كانت تقوم بتهوية القبر ، وعدم تجمع الرطوبة أو المياه الجوفية، لكن الذين جددوا البناء في الأربعينيات من القرن العشرين لم يعرفوا ماهية هذه القنوات فأغلقوها جهلاً بوظيفتها.

تم نصب الشباك الفضي ، والإزارة الذهبية في الأعلى ، ووجدت محفورا على الباب انه من إيران وتم إهداؤه في عهد زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992م). وعندما كان العمل يجري لإكمال الشباك اقترحت إنارة القبر من الداخل، لأننا اعتدنا أن تكون قبور الأئمة مظلمة ، أو ضوء أخضر خافت ، في حين يجب أن يشع القبر بنور الإيمان والهداية والقدسية التي يحتلها الأئمة (ع). كما وجدنا أن الزخرفة الداخلية للشباك والمرسومة في أعلى الشباك وعلى الخشب بسيطة جداً، وقد تم تكليف فنانين ونقاشين عراقيين لوضع نقوش وزخرفة جميلة ، فجاء عملهم آية في الفن والجمال ، وكان الشباك الجديد عالياً ، فبدت الثريا المتدلية على الشباك واطئة جداً ، فاقترحت رفعها متراً واحداً كي تظهر واضحة ، وأن يبرز جمال الشباك ، كما تم تبديل الأرضية بالمرمر الأخضر الفاخر ، وتم إيجاد مجرى لتصريف مياه غسل وتطهير الأرضية. وتم افتتاح نصب الشباك الجديد في حفل شاركت فيه شخصيات حكومية وسياسية ودينية.   

بعد مرور عقود على تذهيب القبتين ، أصبح لونهما باهتاً، وعلاهما الصدأ أو التأكسد جراء التأثر بالأجواء. فكان لابد من إعادة تذهيبهما ، وهناك حاجة لأكثر من سبعين كيلوغراما من الذهب ، قسم منه متوفر في حساب العتبة في مصرف الرافدين. إذ كانت الهدايا والمخشلات الذهبية تذوّب وتُخزن في المصرف. وتم شراء قرابة أربعين كيلوغراما من الذهب ، على ما أتذكر، لإكمال المخزون. تم استدعاء فنيين من إيران لديهم خبرة في طرق الذهب ليكون طبقة رقيقة جداً تُغلّف بها الكاشية المربعة التي ترصف بها القبتان والمنائر ، وأثناء العمل قمت بزيارة موقع العمل ، فصعدت سلماً ضيقاً حتى وصلت إلى سطح المرقد ، وتجولت في السطح ، كما قمت بإطلالة من خلال شبابيك القبة ، فشاهدت الزائرين من فوقهم. وهناك التفت إلى أن ارتفاع القبة التي تعلو المرقد أقل ارتفاعاً من القبة الظاهرة من الخارج. وسألت المهندسين فدلوني إلى سلم يصل إلى داخل القبة الذهبية ، وحينها عرفت بأنه توجد هناك قبتان: داخلية وهي التي يراها الزائرون من ألاسفل، ومنها تم تعليق الثريا الكبيرة فوق المرقد. وأخرى فوقها وأعلى منها بعدة أمتار، ومدعّمة بأعمدة وجدران من الآجر تمسك القبة الخارجية .

بدى لي أن من أنشأ العتبة كان في ذهنه بناء صرح ضخم يليق بالأئمة (ع) وليس تشييد مرقد أو ضريح. وذلك لأن الفخامة في ارتفاع السقف واستخدام أعمدة تتجاوز العشرة أمتار ارتفاعاً ، توحي بالعظمة والسمو. كما أن تزيين الجدران الداخلية بالمرايا الصغيرة لتغليف المقرنصات تعطي انطباعاً بالأبهة والفخامة. إن بناء قباب عالية كان يرمي لتحقيق هدف واضح ، وهو أن تُرى القباب من مكان بعيد أي في أطراف بغداد. فهي بالحقيقة أبراج ذهبية ، لو حسبنا ارتفاعها من الأرض، وليست مجرد قباب لضريح والله أعلم.

الجدير بالذكر قامت إدارة العتبة بمشاريع أخرى مثل:

1- صيانة شباكي ضريح الشيخ المفيد (رض) والشيخ الطوسي (رض).

2- استبدال أبواب الطارمات الفضية والخشبية بأبواب ذهبية، وعددها تسعة.

3- إنشاء صحن جديد من الجهة الشمالية بمساحة 7000 متر مربع تقريبا.

4- إكساء أرضية الصحن الشريف.

5- مشروع الكاشي المعرّق للأواوين وصيانة حجرات الصحن الشريف والغرف العليا وتأهيلها.

6- إعمار أبواب ومداخل الصحن واستحداث ثلاثة أبواب جديدة.

7- مشروع صحن الإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه) من الجهة الغربية وصحن الإمام علي (عليه السلام) المحاذي لصحن التوسعة ومشروع المرافق الصحية والحمامات.

8- مشروع إعمار مكتبة الجوادين (ع) التي أسسها السيد هبة الدين الشهرستاني (1884-1967)

9- نصب مظلات كبيرة في الصحن لحماية المصلين والزوار من أشعة الشمس.

ان هذه المشاريع المتوالية والمتعددة تهدف إلى إدامة هذا الصرح المقدس وصيانته وتطويره فهو الصرح الذي يؤمّه المسلمون من مختلف البلدان الذين ازدادت أعدادهم فأصبحت الحاجة إلى استحداث بعض المرافق الخدمية والصحية والإنشائية ــ والتي من أضخمها وأكبرها مشروع توسعة الصحن من الجهة الشمالية ــ لاستيعابهم وتقديم أفضل الخدمات لهم.

إدارة العتبة الكاظمية :

في الأول من تشرين الأول اكتوبر عام 2012 أقر مجلس النواب العراقي قانون الوقف الشيعي برقم (57) لعام 2012 . تنص المادة (9-ه) تشكيل دائرة إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية . وتم تأسيس إدارة لكل عتبة مقدسة يرأسها أمين العتبة الذي يرشحه رئيس الديوان بموافقة المرجع الأعلى في النجف الأشرف. يبقى الأمين العام لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط . وأمين العتبة موظف حكومي بدرجة مدير عام ، ويعاونه مجلس إدارة يتولى الاشراف على أعمال الاعمار والخدمات والمشاريع وغيرها.

تقدم إدارة العتبة الكاظمية الخدمات التالية:

1- توفير المياه وأنظمة التكييف المركزي والانارة والتنظيف .

2- أعمال الصيانة المستمرة للأبنية والسلالم والأروقة والأجهزة الكهربائية.

3- تجهيز منظومة كاميرات لمراقبة الزوار داخل الحرم وخارجه .

4- توفير المصاحف وكتب الزيارة والتربة الحسينية والرحلات للصلاة وفرش السجاد.

5- توفير الحراسات والحمايات والمفتشين من الرجال والنساء.

6- نقل الزوار كبار السن والمرضى والجنائز بسيارات كهربائية من وإلى العتبة.

7- إنشاء موقع ألكتروني لنشر الأخبار والمشاريع ومواقيت الصلاة . ويضم معرضاً للصور ومكتبة صوتية للأدعية والقصائد الحسينية . كما يوفر معلومات عن إنشاء العتبة وتاريخها عبر العصور.

8- إصدار كتب تاريخية وعقائدية ، ودوريات ومجلات ثقافية دورية مثل (ق والقرآن المجيد) و (منبر الجوادين) و (حشدنا أملنا) ، وللأطفال والشباب (براعم الجوادين) و (زهور الجوادين) و (شباب الجوادين).

9- توفير الكتب التاريخية والعقائدية وغيرها في مكتبة الجوادين (ع) الواقعة في الركن بين باب المراد وباب القبلة. وتضم المكتبة آلاف الكتب والموسوعات وقاعات للمطالعة للباحثين والدارسين.

10- تم افتتاح مركز الجوادين للوثائق الكاظمية الذي يضم وثائق تاريخية وصوراً قديمة. (انتهى)

العتبة الكاظمية عمارة تطاول الزمن.. جهود صفوية وعثمانية لاعمار الروضة المقدسة (2-3)

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

عمارة العتبة :

في القرن الثامن عشر وما بعده-في سنة 1207 هـ /1792 م بدأ العمل في المشهد الكاظمي على قدمٍ وساق، تنفيذاً لأوامر آقا محمد شاه القاجاري ، بإكمال ما بدأه الصفويون في هذا المشهد، كإكمال تشييد المنائر الثلاث الكبيرة وإحداث صحنٍ واسعٍ يحفّ بالحرم من جهاته الثلاث: الشرقيّة والجنوبيّة والغربيّة، ويتّصل الجامع الكبير بالحرم من جهته الشمالية، وتمّ تخطيط الصحن بمساحته الموجودة اليوم.

– في سنة 1211 هـ/ 1796م  قام الشاه فتح علي شاه بأعمال إضافية أخرى بعد وفاة محمد شاه القاجاري، منها: نقش باطن القبّتين بماء الذهب والميناء وقِطع الزجاج الملوّن، وتزيين جدران الروضة كلّها من حدّ الكتيبة القرآنية المعرّقة المحيطة بجدران الحرم من الداخل إلى أعلى الجدار المتّصل بالسقف بقطع المرايا (آينة كاري) الجميل المثبت على الخشب،

– في سنة 1229 هـ/ 1813 م تم تذهيب القبّتين والمنائر الصغار الأربع وهي من أبرز أعمال هذا الشاه.

– في سنة 1255هـ/ 1839 م غُشِّي الإيوان الصغير الذي يشرع فيه باب الرواق في الطارمة الجنوبية بالذهب، بنفقة منوجهر خان الملقّب بمعتمد الدولة.

– في سنة 1255 هـ/ 1839 م أيضاً أهدى السلطان محمود الثاني إلى المشهد الكاظمي الستر النبوي، وهو من السندس المطرّز، فأُسدِل على الضريح في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك من السنة المذكورة.

– في سنة 1270هـ / 1853 م أرسل ناصر الدين شاه القاجاري ملك إيران أحد علماء عصره المعروفين، وهو الشيخ عبد الحسين الطهراني، المعروف بلقب شيخ العراقين إلى العراق، للإشراف على تنفيذ مخطّط عمراني واسع للعتبات المقدّسة، من تجديد وإصلاح وتجميل، وخوّله تخويلاً كاملاً في الصرف والتصرّف.

– في سنة 1281هـ / 1864 م بدأت الأعمال العمرانية في المشهد الكاظمي، وشملت تجديد الواجهة الخارجية من جدران الحرم وإكساءها بالطابوق الكاشاني وبناء سقف يقوم على 22 عمودا وقد سمي هذا البناء بـ (طارمة باب المراد) وتذهيب الايوان الكبير في وسط هذه الطارمة، كما تم تشييد وبناء سقف آخر يقوم على 14 عمودا من الجهة الجنوبية سميت بـ (طارمة باب القبلة) وانتهى العمل من كل ذلك سنة 1285 هـ/ 1868 م ، بعد إجراء سائر الإصلاحات المطلوبة في المشهد فأصبح آيةً في الفنّ والجمال والإبداع والإحكام.

– في سنة 1296 ه/ 1878 م  تطوّع الأمير فرهاد ميرزا القاجاري ، عمّ ملك إيران ناصر الدين شاه ـ للإنفاق على مشروعٍ ضخمٍ يشتمل على بناء سراديب منظّمة لدفن الموتى، وتذهيب المنائر الأربع الكبرى من حدّ وقوف المؤذّن إلى قمّتها، وتشييد سور مرتفع للصحن يتكوّن من طابقين، ويشتمل الأرضي على 76 حجرة تحيط بالصحن الشريف، ونصب برجين لساعتين كبيرتين فوق البابين الرئيسين (باب القبلة وباب المراد)، وقد تمّ جميع ذلك في سنة 1301هـ. وقد أزيلت هاتان الساعتان قبل عشرات السنين حفاظا على هذين البابين بسبب الاثقال الناتجة من البرجين واستعيض عنها ببرج الساعة الموجود حاليا على يمين الداخل من باب القبلة وهو من أبرز معالم العتبة الكاظمية المقدسة الذي يتكون من قاعدة مربعة الشكل ترتفع منها اربعة جدران كُسيت بالكاشي الكربلائي المنقوش بالآيات القرآنية والزخارف الاسلامية بألوانها الجميلة ووضع في كل وجه منها ساعة.

– في سنة 1332 هـ/ 1913 م شيدت الطارمة الغربية (طارمة قريش) حيث قامت على 18 عمودا وزين باطن سقفها بالنقوش والزخارف وكتبت سورة الأعلى بكاملها على الطابوق الكاشاني.وصف الروضة الشريفةللمسجد قبتان متساويتا الأبعاد وأربع مآذن كبيرة. ارتفاع السقف يبلغ 25م تعلوه القبتان المزينتان بالزخارف الإسلامية والآيات القرآنية من الداخل، من الخارج غلفت القبتان بتسعة آلاف طابوقة من الذهب الخالص وحولها المآذن الأربع المغلفة بالذهب أيضا والتي ترتفع إلى 35م فوق السقف، وحول القبب أيضا أربع منارات صغيرة بارتفاع 4.5م.خلال القرن الماضي بني سياج حديدي مشبك خارج الحضرة ويحيط بها فيه بوابتان حديديتان وذلك لتنظيم حركة الزوار، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق أصبحت هذه البوابتان الحديديتان تستخدمان للسيطرة وإجراء عمليات التفتيش على النساء والرجال، فرضت هذه الإجراءات نظرا للظروف الأمنية السيئة في العراق.الصحن والأروقة والأبوابيتكون الصحن من أربعة أقسام: (صحن قريش) هو القسم الغربي منه، (صحن باب القبلة) في القسم الجنوبي، (صحن باب المراد) في القسم الشرقي و (جامع الجوادين) في القسم الشمالي.

للصحن عشرة أبواب لها تسميات محلية للدلالة عليها، منها ثلاث رئيسية كبيرة للدخول وهي باب المراد، باب القبلة وباب صاحب الزمان، أما السبعة الأخرى فهي صغيرة الحجم بشمل باب قاضي الحاجات، باب الفرهادية، باب الجواهرية، باب قريش، باب الرجاء، باب المغفرة وباب الرحمة.للصحن ثلاث أروقة حوله سقوفها مزينه بالآيات الكريمة وتتدلى منها الثريات، تستخدم الأروقة للصلاة حين تضيق قاعة الصلاة في الداخل عن استيعاب المصلين.الجدار والغرف يحيط بالصحن جدار سميك وضخم بارتفاع 10م مزين من الخارج الطابوق الفرشي المنقوش بالآيات القرآنية وبعض النقوش الإسلامية. خلف الجدار طابقين من الغرف والأواوين مجموعها 62 غرفة منها 14 في الطابق العلوي وتستخدم لتدريس طلبة العلم، الغرف في الطابق السفلي بعضها للتدريس أيضا وبعضها دفن فيها بعض كبار العلماء ورجال الدين. الغرف مبلطة بالرخام وجدرانها مزينة بالطابوق القاشاني.

ساعة الكاظمية :

بين باب القبلة وباب المراد ساعة يبلغ ارتفاعها 20م ذات زخارف إسلامية ونقش عليها أيضا آيات قرآنية نصبت عام 1301هج / 1883 م عند بناء آخر توسعة للحضرة، ما زال الجدار والغرف والساعة كما كانت عام 1883 عدا عمليات الصيانة العادية.القاعاتللمسجد أربع قاعات في الداخل تحيط بالروضة الشريفة من جوانبه الأربع:

• القاعة الشمالية: تقع خلف قبر الإمام محمد الجواد وتتصل بالروضة عن طريق باب فضية. هناك أيضا شباك كبير يطل على الجانب الصفوي من الخلف، جدرانها وأرضيتها من الرخام ومسقوفة بالزجاج الأبيض بأشكال هندسية. في هذه القاعة عدة مكتبات للقرآن وكتب الأدعية والزيارة ويستخدم للصلاة ولأداء مراسيم الزيارة للرجال.

• القاعة الشرقية: من جهة رجلي الإمامين وموصول بالروضة بواسطة بابين، ذهبية أمام الإمام موسى وفضية أمام الإمام محمد، للقاعة ثلاثة أبواب تطل على الرواق الخارجي، واحدة ذهبية واثنتان فضيتان.

• القاعة الجنوبية: تتصل بالروضة عن طريق باب ذهبي من جهة الإمام موسى، لها ثلاثة أبواب تطل على الرواق الخارجي وقد دفن فيها بعض العلماء الكبار.

• القاعة الغربية: تقع من جهة رأسي الإمامين وتتصل بالروضة بواسطة بابين فضيين، للقاعة باب واحد إلى الخارج يطل على الرواق الخارجي. في هذه القاعة قبر العالم والفيلسوف نصير الدين الطوسي يعلوه شباك كبير.الروضة الشريفةتنقسم الروضة إلى قسمين، جنوبية وبها قبر الإمام موسى الكاظم، وشمالية وبها قبر الإمام محمد الجواد، ويصل بينهما ممران ضيقان. ويقع الضريحين وسط القسمين وفوق كل منهما قبة، وقد قطع جانب من كل ضريح بحاجز حديدي ليفصل بين الرجال والنساء أثناء الزيارة. وقد وضع على القبرين صندوقان من الخشب مغلفان بالزجاج السميك حماية لهما من الغبار، ومنقوش عليهما نقوش إسلامية جميلة. ويحيط بالقبر شُبَّاك فضي مطعم بالمينا تعلوه سورتي الدهر والفجر نقشت على المينا الأزرق، وكتبت بالذهب الخالص.

جدران الروضة وأرضيتها من الرخام وعلى الجدران نقشت آيات قرآنية ونقوش زجاجية إسلامية تصل إلى باطن القبتين. تتدلى من السقف عدد من الثريات النفيسة وعلى الجدران ساعات جدارية كبيرة.الصندوق الخشبيوهو الصندوق الموضوع فوق القبر ، ومصنوع من الخشب الفاخر. في عام 1949 كان وصف هذا الصندوق كالتالي:صندوق ضريح الإمام موسى بن جعفر الذي أمر بصنعه الخليفة المنتصر بالله العباسي. ولقد وجدت مديرية الآثار القديمة العامة هذا الصندوق على ضريح سلمان الفارسي في جامعة من ناحية سلمان باك التابعة للواء بغداد فنقلته من موضعه إلى دار الآثار العربية وعرضته فيما بعد، بعد أن رممته وأصلحت شأنه وتبين من الكتابات التي تزينه أنه صنع في عام 624 هج / 1226 م ووضعه على الضريح المخصص لموسى بن جعفر في الكاظمية بأمر الخليفة المستنصر بالله العباسي. ولم يتسن تعيين تاريخ نقله من موضعه الأول إلى ضريح سلمان الفارسي، ولكن التاريخ يذكر أن السلطان بويه الجلائري أمر بصنع صندوقين من الرخام لضريحي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد في عام 769 هـج / 1367م . وكذلك أمر الشاه إسماعيل الصفوي بصنع صندوقين من الخشب لهذين الضريحين في عام 926 هـج / 1519م ،  وهما الموجودان هناك الآن وفيهما تاريخ عملهما ولعل النقل تم في غضون هذه المدة.إن هذا الصندوق مصنوع من خشب التوت سمك الواجهة خمسة ونصف سم، وهو مستطيل الشكل منبسط السطح يبلغ طوله 255 سم أما عرضه فيبلغ 183 سم وعلوه 65 سم.  تزين حافات غطائه كتابة نثرية غير متداخلة نقشت داخل شبكة في زخارف نباتية متناظرة ومتشابكة. وزين هذا الصندوق بزخارف نباتية أيضاً، وهو يبرز بمقدار 3 سم عن مستوى وجهه الجنوبي، وفي الجنوب كتابات نثرية مشجرة متداخلة ومتناظرة كثيرة الحروف وفي غاية الجمال والإتقان، وقد حفرت داخل الشبكة زخارف شجرية تعرف الآن باسم سلمي وهي أرفع سطحاً من مستوى الكتابة، ويبلغ عرض السطر الواحد 43 سم أما طوله في الجنبين الصغيرين 2/91 سم وفي الجنبين الكبيرين 189 سم وكل سطر بداخل إطار مستطيل الشكل منقوش في أصل الخشب ومزخرف زخرفة نباتية عرضها 12 ملم، أما نص الكتابة النثرية التي حول الغطاء فتبتدئ من عند الرأس:

أ – بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) هذا ما تقرب إلى الله بعمله، خليفته في أرضه ونائبه في خلقه ومولانا إمام المسلمين المفروض الطاعة على الخلق أجمعين المستنصر بالله أمير المؤمنين ثبت الله دعوته سنة 624 هـج / 1226 م.

ب – الكتابة الكوفية في الجنوب: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ضريح الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي إلى أن ينتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب )، انتهى.

الكاظمية منارة الفكر والأدب والعلم :

أنجبت بلدة الكاظمية خلال عمرها الطويل عدداً كبيراً من الفقهاء والأدباء والشعراء والمفكّرين والأطباء. وضمّت المدينة بين جوانحها مجموعةً من المدارس الدينية التي تُعنى بتدريس العلوم الإسلاميّة، وكانت عامرةً زاهرةً بطلاّبها وأساتذتها. وضمّت المدينة أيضاً مجموعة من المكتبات الضخمة الحافلة بنفائس المخطوطات وأُمّهات الكتب.

وقيل: إنّ أوّل مطبعة عراقية حجرية كانت في الكاظمية سنة 1237 ه/ 1821م ، وذلك يُعَدّ في صدر قائمة النشاط العلمي لهذه المدينة في النصف الأوّل من القرن الثالث عشر. ومن شخصيات الكاظمية المهمة الشيخ المفيد ( 948-1022 م ) الشريف الرضي ( 969-1015م) وأخيه الشريف المرتضى ( 966- 1044 م ) والشيخ نصير الدين الطوسي (1201-1274 م )  الشيخ جعفر بن قولويه القمي  (توفي في 368 هج/ 978 م) والقاضي أبي يوسف يعقوب الأنصاري الكوفي (ت 182 هج/ 798 م ) و الشيخ عبد المحسن الكاظمي ( 1871- 1935 م ) والسيد مهدي الحيدري (1834- 1917 م) و السيد إسماعيل الصدر (1842- 1919 م) والشيخ مهدي الخالصي (1860- 1924 م)  والشيخ عبد الحسين آل ياسين المتوفى عام (1932 م) والسيد حسن الصدر (1856- 1935 م) والسيد عبد الحسين شرف الدين (1873- 1967 م) وغيرهم من الشخصيات المهمة.

العتبة الكاظمية عمارة تطاول الزمن .. من مقابر قريش إلى روضة للزوار 1/3

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

سميت بالكاظمية نسبة للأمام الثامن للشيعة الامامية موسى الكاظم (ع) ( توفي عام 183 هج/ 799 م ودفن فيها). وفي عام 220 هج / 835 م توفي الامام العاشر محمد الجواد (ع) فدفن إلى جانب جده.
كانت تسمى مقابر قريش التي تم اتخاذها مقبرة بعد تأسيس وبناء بغداد عام 145 – 149 هج / 762-766 م ، وسميت أيضاً مقابر بني هاشم. وكان جعفر ابن الخليفة المنصور أول من دفن فيها عام 150 هج/767 م . وكانت في بداية انشائها تقتصر على الموتى من قريش كالعلويين والعباسيين ، ودفن فيها أبو يوسف القاضي الأنصاري عام 182 هج / 798 م .
ويرى الدكتور مصطفى جواد أنها كانت مقبرة للشهداء وهم المسلمون الذين قاتلوا الخوارج قرب الكاظمية عام 37 هج / 657م  فدفنوا هناك.
وأخذ الناس يسكنون حول المقبرة تقرباً للامامين عليهما السلام ، وصارت تتتسع تدريجياً حتى أصبحت قرية خارج بغداد تفصلها عنها أراضي ومزارع وبساتين.

تاريخ إعمار العتبة الكاظمية :

-في عام 334 هج/ 945 م سيطر البويهيون بزعامة معز الدولة على السلطة في بغداد . وبادر إلى إعمار المرقد الكاظمي وتشييده لأول مرة ، ووضع جماعة من الجنود لحمايته وحماية الوزار القادمين اليه.
-لم تصمد تلك العمارة طويلاً بوجه الزمن حيث تعرضت إلى كوارث طبيعية وأهمها الفيضانات المتكررة في الأعوام 367 هج ، 466، 554 هج ، 569 هج، 614 هج ، 646 هج، 654 هج حيث تصدعت جدرانها وانهدمت أجزاء منها. وفي أعقاب فيضان سنة 614 هج/ 1217م قام الخليفة الناصر لدين الله ( 1158-1225 م ) بتعمير ما دمرته المياه، وشيد سوراً جديداً للروضة الكاظمية.
-في عام 647 هج/ 1249 م أمر الخليفة المستعصم ( 1213-1258 م ) بعمارة المشهد الكاظمي. وأثناء العمل وجد البناة جرة قديمة فيها ألف درهم بعضها يوناني والآخر ضرب في بغداد وواسط. فأمر الخليفة بانفاقها على العمارة ، فبيعت على الناس والتجار.
انتهى العصر العباسي وكانت الكاظمية بلدة عامرة بالبيوت والمحلات والأسواق والحمامات ولها سور وأبواب . وكان للبلدة نقباء لمحلاتها غير نقيب الطالبيين منهم الشريف الرضي ( 969-1015 م ).
-في عام 656 هج/ 1258 م تعرضت الكاظمية مع بغداد إلى الغزو المغولي حيث قاموا بحرق المشهد الشريف ، وتعرضت المدينة للتخريب والاتلاف والقتل واتلاف مكتباتها وتهديم أسواقها وعمارتها. مرت البلدة بفترة عصيبة لكنها تمكنت من الخروج من محنتها بعد زوال هيمنة المغول . فما أن جاء القرن الثامن الهجري حتى كانت عامرة بسكانها وبزوارها القادمين إليها من العراق والبلدان الاسلامية الأخرى. يصفها ابن المستوفي ( 1170-1239 م ) في أوائل القرن الثامن الهجري فيقول: (إنّها مدينةٌ صغيرة، يبلغ طول محيطها حوالي ستّة آلاف خطوة، وإنّ سكّانها ستّة آلاف نسمة).
-في أوائل القرن العاشر دخلت الكاظميّة عهدها الجديد، من حيث الاستقلال الإداري الداخلي، وأصبحت مدينة لها كيانها ودَورها في الشؤون العامّة.

عمارة العتبة في العصر العباسي :

بعد عمارة معز الدولة البويهي عام 336 هج/ 947 م ، وعمارة الناصر لدين الله عام 614 هج/ 1217 م التي كانت ترميم الأضرار التي أصابتها نتيجة الفيضان، تعرضت الروضة لحريق كبير عام 443 هج / 1051 م بسبب فتنة طائفية انتهت بحرق المشهد الكاظمي من قبل الجنود العثمانيين في زمن السلطان مراد الرابع ، جاءت إعادة بناءها من قبل المظفر أرسلان التركي البساسيري (توفي 1060 م) . وكان أحد قادة الجيش العباسي لكن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله استماله وأرسل إليه الأموال، فثار المظفر على الخليفة العباسي ، وأقام الخطبة ببغداد للمستنصر لمدة عام (1058 م).
-في عام 490 هج/ 1096م  قام مجد الملك القمي بإضافة مجموعة مرافق للعتبة.
وآخر عمارة في العهد العباسي  كانت عام 575 هج من قبل الناصر لدين الله  ( 553 هج/ 1158 – 622هج/ 1225 م) حيث تمت إضافة أبنية وملحقات حتى عدت من العمارات الفخمة. وكان الناصر لدين الله أول خليفة عباسي يستوزر رجلاً علوياً هو نصير الدين الرازي. وفي عهده اضمحل الصراع الطائفي والتعصب المذهبي. 

عمارة العتبة في القرون الوسطى وما بعدها :

-في سنة 769 هـ /1367م  قام السلطان أُوَيس الجلائري بتعمير المشهد، وذلك لتصدّعه من جراء تتابع الفيضانات. فبنى قبتين ومنارتين وأمر بوضع صندوقين من الرخام على القبرين الشريفين وزين الحرم بالطابوق الكاشاني الذي كتبت عليه سور من القرآن الكريم.
-في سنة 914 هـ / 1508 م وما بعدها قام الشاه إسماعيل الصفوي بعد دخوله بغداد بعمارة المشهد المقدّس وتجديده وتوسيع الروضة، وإكساء الأروقة بالرخام، وصنع صندوقين خشبيين يوضعان على المرقدين الشريفين. وقام بتزيين الحرم وأطرافه الخارجية بالطابوق القاشاني ذي الآيات القرآنية والكتابات التاريخية، كما أمر بأن تكون المآذن أربعاً بعد أن كانت اثنتين. وأمر بتشييد الجامع الصفوي وهو مسجد كبير في الجهة الشمالية من الحرم، متّصلٍ به يعرف اليوم بـ (جامع الجوادين)، هذا فضلاً عن تقديم ما يحتاجه المشهد من فرش وقناديل وتعيين الخدّام والحفّاظ والمؤذّنين، وهكذا تم تشييد هيكل الحرم وروضته وأروقته وهو الهيكل القائم الى يومنا هذا.
– في سنة 941 هـ / 1534 م دخل سليمان القانوني بغداد فاتحاً بعد ان أزال حكم الصفويين، فأصدر أمراً بإكمال بعض النواقص الصغيرة التي لم يكملها الصفويون.
– في سنة 978 هـ / 1570 م تم بناء المنارة الواقعة في شمال شرقيّ الحرم المطهر بعد أن كانت أسس المنائر الأربعة الكبرى قد بُنيت أيام الصفويين.

-في سنة 1032 هـ / 1622 م فتح الشاه عباس الكبير الصفوي بغداد ثانيةً، وزار المشهد الكاظمي، وأمر بإعادة وتشييد ما خرّبته الحروب والفتن، وما سبّبته من إهمال، وأمر بنصب ضريح ضخم من الفولاذ يوضع على الصندوقين ليقيهما من غوائل النهب والسلب أثناء معارك الفوضى أو هجوم العشائر على البلدة، ونتيجة لتأزّم العلاقات بين إيران وتركيا تأخّر وصول الضريح حتّى سنة 1115 هج / 1703 م .
– في سنة 1045 هـ / 1635 م قام الشاه صفي بن عباس الصفوي بإجراء بعض الإصلاحات في المشهد كإحكام قواعد المنائر الكبيرة.
-في سنة 914 هـ/ 1508 م سيطر الصفويون على العراق، وزار الشاه إسماعيل الصفوي الكاظمية، وأمر بتشكيل إدارة خاصّة بالبلدة ومحكمة شرعيّة يرأسها قاضٍ يحمل لقب «شيخ الإسلام»، وأمر بتشييد المشهد الكاظمي تشييداً رائعاً فخماً، وعيّن الرواتب لخدّام المشهد والمسؤولين عنه.
-في عام 1231 هج/ 1815 م قام السلطان فتح علي شاه القاجاري بإعمار الروضة ، وكسى الجدران بقطع المرايا الصغيرة وهو فن دقيق. ونقش باطن القبتين بالنقوش الجميلة وبالميناء وماء الذهب وأنواع الأصباغ الجميلة.
-في عام 1255 هج/ قام الوزير معتمد الدولة منوجهر خان بإكساء إيوان الروضة من جهة الجنوب بالذهب الخالص، وزين صدره بأسماء الائمة الاثنا عشر عليهم السلام. ثم قام ببناء الصفة الشرقية (طارمة باب المراد)، ثم بعدها أقيمت الصفة الجنوبية (طارمة باب القبلة).

-في عام 1282 هج / 1839 م تم إكساء الايوان الشرقي بالذهب مما بقي من الذهب بعد تذهيب قبة الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء ، بأمر من ناصر الدين شاه القاجاري. كما تم ترميم السقوف والمرايا والنقوش الموجودة داخل الروضة. وتم تزيين جدران الرواق الخارجية بالكاشي القاشاني.
-في عام 1278 هج / 1861 م قام اعتماد الدولة فرهاد ميرزا ابن فتح علي شاه ببناء الصحن الكاظمي وتجديد عمارته. إذ تم قلع البناء السابق ، وتم شراء الدور المجاورة بثمن باهض ، وأضيفت إلى الصحن ، فزادت مساحته طولاً وعرضاً وفرشه بالمرمر الفاخر. وقام بإنشاء أواوين بديعة وحجرات جميلة فوقانية وأرضية حول الصحن . كا قام بتنظيم السراديب تحت الصحن المستخدمة لدفن الموتى من كبار العلماء والوجهاء.
-في عام 1299 هج/ 1881 م قام فرهاد ميرزا بتجديد تذهيب المآذن ، ووكل الحاج عبد الهادي الأسترابادي بهذه المهمة. وتم التذهيب في عام 1301 هج / 1883م .
أما الشباك الذي فوق القبر الشريف فيعود الشباك السابق إلى الحاجة سلطانة بيكم بنت مشير الملك الشيرازي على يد التاجر الميرزا كاظم الطباطبائي الأصفهاني. وبذلت لصناعته 250 ألف مثقال . وقام بصياغته ثلاثة من الصاغة هم السيد محسن هاشم آل أبي الورد الكاظمي والسيد محمد علي الصائغ الكاظمي والميرزا محمد الشيرازي النجفي . وأما النجار الذي صنع الشباك الخشبي فكان الحاج محمد علي النجار. وتم نصب الشباك المذكور في 6 جمادى الأولى عام 1324 هج / 1906 م  ، في زمن الكليدار الشيخ عبد الحميد بن الشيخ طالب. 
-في نحو سنة 1302 هـ/ 1884 م أمر المشير هدايت باشا قائد الفيلق العسكري التركيّ السادس في بغداد بعمل جسر من الخشب عائم على نهر دجلة، يربط بين الكاظمية والأعظمية، وبذلك ارتبطت الكاظمية بالجانب الشرقي من بغداد أيضاً. وفي سنة 1318 ه/ 1900 م تمّ وضع حجر الأساس لبناء سراي الكاظمية.
-من أبرز المواقف السياسية لمدينة الكاظمية موقفها خلال الحرب العالمية الأولى، من الاحتلال البريطاني للعراق، فقد استنجد وجوه البصرة في 20 ذي الحجّة سنة 1332 هـ / الموافق 28 تشرين الثاني 1914 م بعلماء الكاظمية، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع المقدّس على كلّ مسلم، وفي يوم الثلاثاء 12 محرّم سنة 1333 هـ / الموافق 29 تشرين الثاني 1914 خرج السيّد مهدي الحيدري قاصداً ساحة الحرب وبصحبته جماعة من المجاهدين، وخرجت البلدة بأسرها لتشييع موكب الجهاد الزاحف، وكانت البلدة تستقبل وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف وكربلاء وغيرهما بمنتهى الترحاب والتكريم وتودّعهم إلى ساحة القتال بمثل ذلك.

احتلّ الجيش البريطاني مدينة الكاظمية في السابع عشر من جمادى الأُولى سنة 1335هـ / الموافق 11 آذار 1917، فطُويت صفحة احتلال عثماني طويل لتبدأ صفحة احتلال آخر، ولم تنقطع الكاظمية بعد الاحتلال البريطاني الغاشم عن العمل الجادّ في محاربة المحتلّين بكل ّما أُوتيت من طاقات وقوى مادية ومعنوية، ويدلّ على ذلك ما جاء في رسائل المس بيل: «الكاظمية المتطرّفة في إيمانها بالوحدة الإسلاميّة، والمتشدّدة في مناوأة الانكليز».وكتب فيليب آيرلاند البريطاني يقول: (و كان الشعور المعادي لبريطانيا في الكاظمية شعوراً قوياً جدّاً، فقد هدّد العلماء جميع من يصوّت للاحتلال البريطاني بالمُروق عن الدين).

واشنطن تحذر تل ابيب من اتخاذ خطوات “أحادية” في الضفة الغربية

متابعة : وكالة نخلة

حذر السفير الأمريكي لدى تل ابيب ديفيد فريدمان ، سلطات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الأحد ، من مغبة إعلان السيادة على أراض في الضفة الغربية دون موافقة واشنطن، في معارضة لدعوات من قوميين متشددين داخل ائتلاف رئيس وزراء تصريف الاعمال بنيامين نتنياهو باتخاذ إجراء فوري في هذا الشأن.

وتضع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، والتي تم الكشف عنها في 28 يناير كانون الثاني، تصورا لاحتفاظ كيان الاحتلال بمساحات أساسية من الأراضي المحتلة التي يسعى الفلسطينيون إلى أن تكون جزء من دولتهم المستقبلية. لكن توقيت تنفيذ الخطوة أثار خلافا نادرا بين واشنطن وتل ابيب.

وتعهد نتنياهو في البداية بسرعة ”تطبيق القانون الإسرائيلي“، بما يعني الضم العملي، في التكتلات الاستيطانية اليهودية وغور الأردن الأمر الذي أسعد قاعدة الناخبين من المتدينين اليمينيين قبل انتخابات يخوضها في الثاني من مارس آذار أملا في الفوز بولاية خامسة.

لكنه اضطر إلى التراجع بعد أن أوضح البيت الأبيض جليا رغبته في إتمام عملية رسم الخرائط في إطار لجنة أمريكية إسرائيلية أولا وهي عملية قد تستغرق أسابيع أو أكثر.

أما الفلسطينيون فقد رفضوا خطة ترامب ووصفوها بأنها محكوم عليها بالفشل.

وتدخل السفير الأمريكي إثر إطلاق وزير الدفاع نفتالي بينيت وقوميين متشددين آخرين دعوات لإجراء تصويت فوري في مجلس الوزراء على السيادة في الضفة الغربية.

وكتب السفير الأمريكي يوم الأحد على تويتر ”على إسرائيل أن تستكمل عملية رسم الخرائط في إطار لجنة إسرائيلية أمريكية مشتركة. أي إجراء من جانب واحد قبل استكمال العملية من خلال اللجنة سيهدد الخطة والاعتراف الأمريكي“.

وفي تصريحات منفصلة قال فريدمان إن رسالته مفادها ”القليل من الصبر لمراجعة العملية وتنفيذها بالشكل الصحيح وهو أمر لا نعتقد أن طلبه مبالغ فيه“.

* مسار معاكس

أضاف فريدمان في تصريحات أدلى بها في مركز القدس للشؤون العامة، وهو مركز بحثي، ”مع ورود أنباء عن أن مجلس الوزراء (الإسرائيلي) كان على وشك الانطلاق في مسار قد يكون مخالفا لوجهة نظرنا عن العملية، فنحن نحيط الناس علما بموقفنا فحسب… لم يكن الأمر تهديدا“.

وبالتزامن مع ذلك، أسس نتنياهو تصريحاته على موقف البيت الأبيض.

وقال نتنياهو لمجلس وزرائه يوم الأحد ”الاعتراف (الأمريكي) هو أهم شيء ولا نريد أن نجازف بذلك“.

وقال فريدمان في المركز إن تلك العملية لن تستكمل على الأرجح قبل الانتخابات الإسرائيلية التي تجرى في الثاني من مارس آذار. لكنه لم يستبعد احتمال تنفيذ الأمر حتى إذا لم تسفر الانتخابات عن فائز واضح مثلما كان الوضع في تصويتين العام الماضي.

وردا على سؤال عما إذا كانت واشنطن تريد حكومة إسرائيلية مستقرة، مقابل حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها نتنياهو منذ أشهر، قبل التنفيذ قال فريدمان ”لم نطلب مثل هذا الطلب“.

وتعتبر أغلب الدول أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراض تم الاستيلاء عليها وقت الحرب انتهاك للقانون الدولي. وخالف ترامب سياسة أمريكية متبعة منذ فترة طويلة وقرر سحب اعتراض بلاده على ذلك ما تسبب في إدانات واسعة لخطط إسرائيل لضمها.

ويقول الفلسطينيون إن المستوطنات تجعل دولتهم المستقبلية غير قابلة للاستمرار. ويتعلل كيان الاحتلال باحتياجاته الأمنية وبصلات دينية وتاريخية للأرض التي بنت عليها المستوطنات.

وقال نبيل أبو ردينة المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس ”أي خطوة أحادية الجانب مرفوضة سواء كانت قبل الانتخابات أو بعد الانتخابات… لا يمكن فرض الحقائق على الأرض ولن تكون أمرا واقعا“.

وأضاف ”الخارطة الوحيدة التي يمكن القبول بها هي خارطة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967‭ ‬والقدس الشرقية عاصمة لها“.

وقال نتنياهو لتجمع انتخابي يوم السبت إن عملية رسم الخرائط بدأت بالفعل مع الأمريكيين. وأضاف ”نحن ننتظر منذ 1967 والبعض يعتبر أن بضعة أسابيع أمر جلل“ في إشارة لخصومة من اليمين.

المصدر : وكالات + رويترز 9 فبراير 2020

“جحا” يتجول في شوارع إسطنبول

متابعة : وكالة نخلة

قبل عقود طويلة مضت، ذاع صيت نصر الدين هوجا (أو خوجا) المعروف باسم “جحا” في المشرق العربي بالطريقة ذاتها التي عرف فيها بأدب أطفال العثمانيين، لكن جحا نفسه ما زال حيا يرزق في شوارع إسطنبول من خلال تقمص بعض الأشخاص لهذه الشخصية، وما زالت نوادره تثير اهتمام الكبار والصغار رغم اختلاف الأزمان.

ففي محيط بازار “كايا شهير” بمدينة إسطنبول حضر جحا بين الناس بـ”لحمه ودمه” وجمازته الخضراء (جبة من الصوف) وعمامته الكبيرة حاملا سبحته الضخمة التي انتشرت صوره معها في كتب الحكايات، وتجمع حوله الأطفال للاستماع إلى نوادره الفكاهية التي تحمل الكثير من العِبَر المستترة بين سذاجة ما يروي من قصص وروايات.

رجل يقوم بدور نصر الدين هوجا (أو خوجا) المعروف باسم جحا ويتحدث إلى الأطفال في بازار كيا شهير باسطنبول 

الحكمة والخلود

قال جحا في رد على سؤال الجزيرة نت بشأن سبب عودته للحياة، “أنا لم أمت أصلاً حتى أعود” قبل أن يشرح الكثير من القيم التي يمكن تلخيصها في أن حياة الإنسان تبدأ بعد موته حين يترك ذكرا طيبا في العالمين.

وبدت شخصية الرجل منسجمة تماما مع شخصية جحا التي يتقمصها، فهو يتقن التنقل بين سطور القول لينقلك من عالم الفكاهة إلى حيز العِبَر التي يثبتها في الخواتيم حتى حين سألناه عن اسمه الحقيقي اكتفى بالقول، “أنا نصر الدين هوجا.. ألا تعرفونني”.

وروى جحا التركي أنه استعار ذات يوم من أحد جيرانه المعروفين بالجشع وعاء ماء فارغا لكنه أعاده له مع وعاء أصغر، وعندما سأله الجار عن الوعاء الصغير، قال له إن الوعاء كان حاملا حين استعاره وأنه قد وضع وليده في بيته فأعادهما معا.

وبعد عدة أيام، عاد جحا إلى جاره فطلب الوعاء منه مجددا، ففرح الجار علّ جحا يعود له مرة أخرى بوعاء جديد لكن جحا لم يُعد الوعاء هذه المرة لجاره الذي طال انتظاره حتى سأله عن سبب تأخره، فأجاب، “لقد كان وعاؤك مريضا فمات عندي”، فرد عليه الجار، “وهل يموت الوعاء؟؟”، فأجاب جحا ساخرا، “الوعاء الذي يحمل ويلد يمرض ويموت”.

ويقول الرجل إن في هذه الحكاية عِبَرا كثيرة في مقدمتها تطبيق للمثل القائل، “لا تصدق ما لا يقبله العقل”. كما أن فيها حثا للإنسان على الاستعداد لدفع ثمن سوء نواياه كما يدفع الثمن عن سوء أفعاله.. هذا ما حصل مع الجار.

تمثال لنصر الدين هوجا المعروف باسم جحا التركي يركب حماره بالمقلوب في إحدى المدن التركية 

مدرسة تعليمية

يتعرض طلبة منهاج تدريس اللغة التركية لقصة ملهمة عن نصر الدين هوجا الذي يبلغه جاره أنه يريد أن يستعير منه حماره “كاراكاتشان” فيخفيه جحا عن ناظريه، وحين حضر الجار سأل جحا عن حماره فأخبره أنه مات لكن الجار لم يصدق رواية نصر الدين وأخذ يسأل أفراد عائلته دون أن يجيبه أحد حتى علا صوت نهيق الحمار من داخل حظيرته فقال الجار لجحا، “هذا صوت كاراكاتشان فكيف تقول إنه مات؟”، لكن جحا أجابه مستنكرا “هل تصدقني أم تصدق الحمار؟”.

وكما هي الحال في الثقافة العربية، فإن قصص جحا وحكاياه ما زالتا تثير الضحك والفكاهة لدى متابعيه في تركيا خاصة عندما ترتبط بكاراكاتشان الحمار الذي بالكاد لا تجد طفلا تركيا لم يسمع عن حكاياه.

ويقال إن كاراكاتشان ضاع ذات يوم فأقسم نصر الدين أن يبيعه بدينار واحد إن وجده، فلما وجده أوفى بوعده بطريقة خبيثة وربط برقبة الحمار قطا وعرض الحيوانين للبيع بسعر دينار للحمار ومئة دينار للقط مشترطا أن يتم شراؤهما معا.

ورجحت المصادر أن شخصية جحا التاريخية حقيقية وتعود لواحد من رجلين، أحدهما التركي نصر الدين هوجا -الأستاذ نصر الدين- والثاني هو أبو الغصن بن ثابت اليربوعي البصري وينسب إلى قبيلة فزاعة.

وولد نصر الدين هوجا في قرية حورتو بمنطقة سيفير حصار بولاية إسكيشهير في عام 1208، وكان والده عبد الله أفندي يعمل إماما لمسجد القرية أما والدته فكان اسمها صديقة.

 رجل يقوم بدور نصر الدين هوجا المعروف باسم جحا خلال تجمع إفطار جماعي في شهر رمضان

قيمة أدبية

تلقى نصر الدين هوجا تعليما شرعيا دينيا على يد مجموعة من الأئمة في كتاتيب قريته وأصبح إماما بمسجدها بعد وفاة أبيه، ويقال إنه عمل قاضيا بينما تقول المراجع التركية إن الحقائق اختلطت في سيرة حياة الرجل بالأساطير والشائعات بسبب شهرته ومحبة الناس له، إذ يقال إنه التقى سلاطين السلاجقة وكان على علاقة بكبير الأئمة الصوفيين “مولانا” جلال الدين الرومي.

وتقول الباحثة في الأدب التركي بجامعة إسطنبول آيدين أونور حقي ألب للجزيرة نت، إن قيمة شخصية جحا التركي تحمل ثلاثة أبعاد، أولها سمعته التاريخية كأعظم رجل جمع بين الفكاهة والحكمة في الأناضول وتعلق الأطفال بما حملته قصصه من خيال ومغامرة ومرح.

ويكمن ثانيها -وفقا للباحثة- في توثيق كيفية حياة شعب الأناضول في الحقبة التاريخية التي عاشها بعدما عبر عن اهتمامات ذلك الجيل وأدواته، بعناصر الضحك ورموز السخرية وقيم المدح والذم.

أما الثالث، فيتمثل في انسجام كافة رموز عصره مع قيم التدين الإسلامية التي كانت تعد مرجع حياة الناس رغم تردي ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية مع بدء غروب عصر الدولة السلجوقية.

المصدر : الجزيرة 4 فبراير 2020

من معالم انتفاضة تشرين/12 حرق القنصليات الأجنبية ومنازل المسؤولين

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين/اكتوبر ودور المرجعية في دعمها وتسديدها. 

من مظاهر التظاهرات الاحتجاجية قيام بعض المتظاهرين أو المندسين والمخربين بإضرام النار في مئات المؤسسات التعليمية كالجامعات والمدارس في المحافظات، مثل جامعة واسط ومدارس في كربلاء ومدن أخرى. كما شمل مؤسسات نقابية مثل نقابة الصيادلة ونقابة العمال في ذي قار ، أو مفوضية الانتخابات ومبنى المحافظة القديم، ومقر فوج المهام الخاصة التابع للشرطة. 
وشمل سلوك الحرق محال تجارية في بغداد تجاوزت (900) محلاً ومخزناً للبضائع في مناطق شارع الرشيد والخلاني والشورجة ، وتقدر قيمتها بحوالي مليار دولار. الأمر الذي سبب خسائر جسيمة للمواطنين من التجار والكسبة ، إضافة إلى العاملين من عمال وسواق وتجار مفرد توقفت أعمالهم. كما تم إحراق عدد من المحال والمولات التجارية في شارع السناتر بكربلاء المقدسة. 

ولأول مرة يجري المساس بعائلات المسؤولين من خلال حرق منازلهم وترويع أطفالهم في ممارسة همجية ، وغريبة على المجتمع العراقي الذي يقدس حرمة العائلة والأسرة والنساء والأطفال. إذ تم حرق بيوت مسؤولين في بابل وذي قار وميسان وغيرها من المحافظات. 
وتم إحراق مقرات الأحزاب السياسية الشيعية ، عدا ما يخص التيار الصدري ، في أغلب المحافظات وخاصة في ذي قار والديوانية وميسان وكربلاء. 
وأصبح اللجوء للحرق وسيلة لحل الخلافات والانتقام حتى بين المتظاهرين أنفسهم. إذ تم إحراق المطعم التركي وكراج السنك بالزجاجات الحارقة إثر خلاف نشب بين المتظاهرين المقيمين فيهما. ووصل الأمر إلى إطلاق النار وقتل وجرح عدد من المتظاهرين في كراج السنك. 

ومن المظاهر الأخرى للحركة الاحتجاجية هي حرق القنصليات الدبلوماسية في كربلاء والنجف والبصرة. إذ تعرضت القنصليات الايرانية تحديداً للحرق والتدمير ، وبعضها أحرق أكثر من مرة. وتعرضت السفارة الأمريكية لحرق بوابتها من قبل المتظاهرين الغاضبين من الحشد الشعبي أثناء تشييع شهداء جريمة مطار بغداد الدولي. 
إن حرق البعثات الدبلوماسية عمل مخالف للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية ، ويسيء للعراق كدولة وحكومة وشعب، لأنه يعطي صورة سلبية عن أخلاق وسلوك المجتمع وعدم احترام الآخر والضيف والدبلوماسي الأجنبي، وأن العراقيين لا يعيرون أهمية للأعراف والمعاهدات الدولية.

غالباً ما يجري اتهام أطراف ثالثة ، أي لا من المتظاهرين ولا من القوات الأمنية، بأنها وراء حوادث القتل والخطف والحرق. وأن المتظاهرين السلميين بعيدون عن ارتكاب الأعمال التخريبية. وقد يكون ذلك صحيحاً لكن أغلب مشاهد الحرق والتخريب تظهر المندسين والمخربين مع المتظاهرين ، يتعاونون معاً ، ويحمي بعضهم بعضاً. وصفحات التواصل الاجتماعي للتظاهرات تدافع عن أعمالهم. 


من جانب آخر لا يقوم المتظاهرون السلميون بإبلاغ الجهات الأمنية عن المخربين بهدف منعهم من أعمال التخريب. كل ذلك قد يعطي انطباعاً بأن هناك توزيع أدوار فقسم يهتف ويحمل لافتات وصور ، وقسم يحرق ويدمر ليزرع الخوف في نفوس المواطنين والسلطة.

__________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

من معالم انتفاضة تشرين/ 11 جريمة الوثبة ستبقى في ذاكرة العراقيين

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين/اكتوبر ودور المرجعية في دعمها وتسديدها. 

جريمة الوثبة :

في يوم الخميس الموافق 12 كانون الأول/ديسمبر 2019 استفاق العراقيون على مشاهد جريمة وحشية مروعة ، لم يحدث لها مثيل منذ نصف قرن أي منذ عام 1969 عندما قامت سلطة البعث بتعليق جثث أشخاص تم إعدامهم بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. وهي واحدة من مسرحيات البعث العديدة التي تفنن في إعدادها وإخراجها، مثل جرائم أبو طبر  ومباريات عدنان القيسي وغيرها. 

بدأت الجريمة عندما اعترض المغدور ،الفتى هيثم علي اسماعيل البطاط، على جماعة من المتظاهرين كانوا يتجمعون أمام داره أو يتحرشون بنساء المحلة ومنها داره. حدثت مشادة بينه وبينهم ، فدخل إلى منزله ، وأطلق رصاصات في الهواء لتخويفهم وابعادهم. استفزهم هذا السلوك ، واتفقوا على الدخول إلى منزله وقتله ، وتنادوا بأنه مندس، وأنه قتل تسعة من المتظاهرين!!! دخلوا عليه ، وقتلوه طعناً بالسكاكين ، ثم جروه إلى الزقاق ، ووضعوه في سيارة بيك أب ، ثم قام أحدهم بذبحه من رقبته، وقامت فتاة بطعنه بسكين عدة طعنات.  
ثم طرحوه على الأرض ، وسحلوا جثته في الزقاق باتجاه ساحة الوثبة القريبة من الزقاق. 
وصلت الجثة المسحولة على اسفلت الشارع إلى ساحة الوثبة، فقام بعض المتظاهرين بوضع حبال على عمود إشارة المرور، ثم تم سحب الجثة من الرجلين ، لتعلق على العمود منكوسة الرأس ، أي الأيدي متدلية إلى الأسفل. 


وسرعان ما انتشرت بيانات الشجب والادانة للجريمة من مختلف الكتل والشخصيات السياسية والاعلامية من مختلف الفئات والمكونات. وكان مدونون واعلاميون دافعوا عن الجريمة ، وأن المقتول كان يتعاطى حبوب المخدرات ، وأنه سبق أن أطلق النار على متظاهرين. وظهر زيف هذه التعليقات ، خاصة بعد أن صرح مدير معهد الطب العدلي بأنه لم يستلم أية جثة أخرى في يوم الحادث أي في 12 كانون الأول 2019 ، عدا جثة الفتى المغدور. كما دافع مدونون عن الجريمة مبررين حدوثها بأن المجتمع العراقي اعتاد العنف والجريمة، واعتاد القتل والسحل منذ عام 1958 وما بعدها. وعندما دانت ممثلة الأمم المتحدة “جينين بلاسخارت” الجريمة ، تحولت مواقفهم إلى البراءة من الجريمة وإدانة مرتكبيها ، وأن لا علاقة للمتظاهرين بها. 
في خطبة جمعة كربلاء في 13 كانون الأول/ديسمبر 2019 ، دانت المرجعية جريمة الوثبة التي وصفتها بالجريمة البشعة والمروعة. ودعت المرجعية “الجهات المعنية إلى أن تكون على مستوى المسؤولية وتكشف عمن اقترفوا هذه الجرائم الموبقة وتحاسبهم عليها”. وحذرت المرجعية من “تبعات تكرّرها على أمن واستقرار البلد وتأثيره المباشر على سلمية الاحتجاجات”.


وشددت المرجعية على ضرورة “أن يكون القضاء العادل هو المرجع في كل ما يقع من جرائم ومخالفات، وعدم جواز ايقاع العقوبة حتى على مستحقيها الاّ بالسبل القانونية، وأما السحل والتمثيل والتعليق فهي بحد ذاتها جرائم تجب محاسبة فاعليها”. وأبدت المرجعية أسفها وألمها على موقف الجمهور المتفرج على الجريمة بقولها “ومن المحزن ما لوحظ من اجتماع عدد كبير من الاشخاص لمتابعة مشاهدها الفظيعة”.

___________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اخر الاخبار

اعلان

ad