الجمعة, فبراير 26, 2021

معسكر الهنيدي (الرشيد) في بغداد

متابعة : وكالة نخلة

يُعتبر معسكر الرشيد اول معسكر للجيش تأسس في بغداد في زمن العثمانيين حيث كانت تنطلق منه قوات الجيش والجندرمة لقمع الانتفاضات والحركات الشعبية في وسط وجنوب العراق ، كما انهُ اول معسكر ثابت تتجحفل فيه القوات البريطانية بعد دخولها العراق واطلق عليه اهالي بغداد اسم (معسكر الهنيدي) نسبة الى اصل الجنود الذين سيقوا مع الحملة العسكرية البريطانية المحتله وهم من الهنود.

الجيش (الهندي) البريطاني

وقد اهتم البريطانيون بتشجير المعسكر بنخيل الزينة او مايعرف بـ (جوز الهند) وقد بقي هذا المعسكر ضمن استخدامات الجيش البريطاني حتى عام 1932 عند دخول العراق الى عصبة الامم ، وقد تخلت القوات البريطانية عن معسكر الرشيد وصار معسكراً للجيش العراقي الذي بدأ ينمو ويكبر ويتوسع وتتوسع معه مساحة المعسكر حتى غطت مساحة (5000) متر مربع تنحصر بين نهر دجلة غرباً والسدة الشرقية شرقاً والزعفرانية جنوباً ومنطقة كمب سارة خاتون شمالاً.

فوج الامام موسى الكاظم نواة الجيش العراقي الحديث

وبحكم تطور الجيش العراقي على يد ضباطنا الاكفاء راح يرتقي الى مصاف الجيوش النموذجية المتقدمة، وكان المعسكر مفتوحاً من كل جوانبه حتى حرب حزيران 1967 ومابعدها حيث تم احاطته بسياج (B.R.C) بقصد ضبط حركة الجنود ومنعهم من الدخول او الخروج الا من ابواب محددة تسمى الابواب النظامية .

أطلالة على جانب مدينة بغداد عام 1924 م وتظهر في الصورة مباني معسكر الرشيد المسمى انذاك بـ (معسكر الهنيدي)

كازاخستان تسمح لعدد من شيوخ الخليج بصيد طيور الحبارى..لحمه يقوي الطاقة الجنسية

متابعة : وكالة نخلة

أعلنت كازاخستان السماح مجددا للشيوخ العرب بصيد طيور الحبارى الجميلة، في محمياتها الطبيعية، رغم أنها مسجلة في الكتاب الأحمر الخاص بالحيوانات المعرضة للانقراض.

وتم نشر قرار الحكومة الكازاخستانية، حول ذلك على موقع Open Law Enforcement website.

وبموجب القرار سيدفع الصياد الثري العربي، 1686 دولارا لقاء كل طير يصطاده من هذه الطيور، التي تسمى في كازاخستان “بالطيور الجميلة”.

وسيسمح للضيوف العرب، بممارسة الصيد المذكور في محميات كازاخستان، في الفترة من 10 أكتوبر إلى 15 نوفمبر 2019. وسيتوجب عليهم استخدام صقورهم خلال الصيد.

طائر الحبارى

ونشر موقع sputniknews ، أسماء بعض الشيوخ العرب الذين سمح لهم، بممارسة صيد الحبارى في كازاخستان، ومن بينهم الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، يمكنه اصطياد 43 طيرا داخل محميات في مقاطعة تركستان، ويمكنه كذلك صيد 90 طيرا، داخل المحمية الكازاخستانية الجنوبية الحكومية.

أما الشيخ سرور بن محمد آل نهيان (الإمارات العربية) فحصل على “الضوء الأخضر” لصيد 43 طيرا في أراضي المحمية البرية Kenderli-Kayasan في مانجستاو. ويستطيع الشيخ سيف بن محمد آل نهيان، اصطياد نفس العدد في نفس المنطقة.

يمكن للشيخ جاسم بن حمد بن خليفة آل ثاني (قطر) صيد 27 من الحبارى بواسطة الصقور في أراضي محمية أنداساي الطبيعية الحكومية، وكذلك 30 طيرا في محمية جوساندالينسكي الطبيعية في منطقتي ألماتي وزامبيل.

صيد الحبارى بالصقور

يشار إلى أنه منذ عام 2003 بدأت كازاخستان والدول العربية بالتعاون في مسألة الحفاظ على طيور الحبارى، التي اختفت بالكامل في عدة دول عربية.

وعلى مدى عقود من الزمن، دأبت بعثات صيد خليجية على السفر إلى أقاصي باكستان بحثاً عن طائر الحبارى، وهو طائر مهاجر يعتقد الصيادون أن لحمه يحتوي على قدرات مقوية للطاقة الجنسية.

ولا يبخل الصيادون بأي تكاليف على رحلات الصيد الشتوية الباذخة هذه. فطائرات الشحن تقوم بنقل الخيام وسيارات الجيب الفخمة إلى مطارات صحراوية مقامة خصيصاً لاستقبالها، ثم تعقبها طائرت خاصة تحمل على متنها أثرياء خليجيين، مصطحبين معهم مستلزماتهم الثمينة، بما في ذلك صقور الصيد غالية الثمن، والتي يتم استخدامها لقنص طيور الحبارى المشوبة بالبياض.

المصدر: sputniknews.kz+ صحيفة الراي الكويتية

12 اكتوبر 2019

من معالم انتفاضة تشرين / 5 الجوكر.. شخصية خيالية أم رمز إعلامي

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين ودور المرجعية في دعمها وتسديدها.

الجوكر :

الجوكر ( Joker)  أو المهرج ، هو شخصية خيالية عدائية شريرة ظهرت في القصص المصورة كعدو للرجل الوطواط . الشخصية من تأليف كل من جيري روبنسون وبيل فينغر ونوب كين. ويرتدي الجوكر ملابس المهرج الملونة ويلّون وجهه بأصباغ المهرج الأبيض والأحمر والأخضر. يعد الجوكر من أكثر الشخصيات الشريرة في الأدب والسينما رغم أنها شخصية خيالية.
وكان أول ظهوره في القصص المصورة عام 1940 في مجلات باتمان Batman الشهيرة . يظهر الجوكر كمجرم خبير يعاني من عقد نفسية تجعله يتلذذ بالتعذيب والقتل وتدمير المجتمع. يعاني الجوكر من انفصام الشخصية ، يتحدث أحياناً ، بعبارات فلسفية ، لكن ذلك لم ينف جنونه الواضح في أغلب تصرفاته.
فيما بعد تم تمثيل الشخصية في عدة أفلام قام بها الممثل “جاك نيكلسون” في فلم “باتمان” عام 1989 .

في أفلامه لا يبالي الجوكر بحياة البشر ، فهو مستعد لقتل أكبر عدد ممكن من الناس تلبية لأهدافه. ولا يتورع عن قتل رئيس عصابة ويسيطر على أتباعه، أو محقق الشرطة ، أو قاضية تحاكم العصابات. فتارة يحرق الأموال التي يسرقها ، وتارة يزرع قنبلة في أحشاء أحد أتباعه الذين قبض عليهم معه ، وفجّرها لتحرير نفسه من الحجز.
في فيلم “الجوكر محامي الشيطان” الذي أنجز عام 1996 ، قتل الجوكر أكثر من ألفي شخص.
يرتكب الجوهر جرائم وحشية وغريبة بمنطق وتفكير لهما معنى له وحده. ويترك الجوكر ابتسامات ماكرة على وجوه ضحاياه بعد موتهم. يستخدم الجوكر أسلحة كوميدية لقتل ضحاياه ، ولكن أخطرها هو “سم” الجوكر ، وهو سلاح غازي خطير حيث يجعل المصاب يضحك حتى الموت. كما يستخدم الجوكر السكاكين والأنصال وزر الكهرباء المخفي في يده دائماً وفخاخ المتفجرات .
ويتحدى الجوكر النظام والقانون الذي ينظم المجتمع وعلاقاته ، ويسعى دائماً لتخريب هذا النظام ولا تهمه النتائج في حجم الأضرار المادية والخسائر البشرية طالما يحقق أهدافه.
وقد ظهرت دراسات ومقالات لتحليل شخصية الجوكر ومدى ارتباطها بالفلسفات والنظريات السيكولوجية. يقول أحد الكتاب “يبدو لنا الجوكر وكأنه جاء من لا مكان، يظهر فجأة فى مدينة جوثام ليقلب فيها الأمور رأساً على عقب، ونحن لا نمتلك أى دليل محدد عن ماضى الجوكر، حتى أن كوميشينر جوردون عندما ألقى القبض عليه لم يستطع الوصول لأى معلومة عنه. وعلينا أن نتساءل: هل انعزل الجوكر مثل بوذا أو المسيح أو زرادشت (نيتشه) ليتأمل أو يقرأ، هذا ممكن، أم أن الأمر كله كان نتاج حياة وخبرات ممتلئة صاغت آراءه وأفكاره عن العالم؟ كل ما نستطيع الجزم به هو أنه من المستحيل أن يكون الجوكر بلا ماضِ، وطريقنا الوحيد لمعرفة ماضيه هو آراءه وأقواله نفسه، التى لا بد من تحليلها ومعرفة ما يدل منها على تاريخه” .
و يضيف “الجوكر ربط – بوعى أو بغير وعى – الآلام التى تعرض لها أثناء الجرح الذى حدث بفمه بالآلام التى تعرض لها من علاقته بأبيه وزوجته، ما جعله يضع المواقف الثلاثة على مستوى واحد فى الذاكرة، أذكر أننى قرأت رأياً للفيلسوف الأوروبي جان جاك روسو يقول فيه : إن الذاكرة هى الفيصل فى تأصيل الشعور بالألم، لأن الامتداد الزمنى الحاضر للألم الجسدانى يكون ضيقا للغاية. وأن اللعب وفقا للجدل الهيجلى عند الجوكر اتخذ شكلاً منحرفاً مثلما انحرف عن التحليل النفسى كما أوضحت سابقاً، الجوكر أوهم رجال العصابات أنه يريد خدمتهم مقابل المال، عرض عليهم أن يقتل باتمان، ولكنه فى الحقيقة كان يريد أن يستخدمهم، أن يستعبدهم، أو بمعنى أدق أن يشيّئهم لصالحه. الأحداث التى رأيناها فى مدينة جوثام جعلت الجوكر سيداً على كل أفراد المدينة (الذين كانوا يتحركون بأوامره أو كردود أفعال لتصرفاته عدا باتمان. ولكن هل كان الجوكر يريد قتل باتمان حقاً؟! قال الجوكر لباتمان وهو يضحك بشكل هيستيرى حتى أنك تتخيله يبكى : أنا لا أريد قتلك، ماذا يمكننى أن أفعل بدونك، أعود لأسرق رجال العصابات، لا .. فأنت تكملني!”.

هذه الشخصية العدوانية الشريرة تم اتخاذها رمزاً في بداية الانتفاضة ، وظهرت على مواقع الفيسبوك المرتبطة بالحركة الاحتجاجية. كما ظهر في التحرير وغيرها أشخاص ، منهم صحفيون واعلاميون ومدونون، يصبغون وجوههم على شكل الجوكر، ويتفاخرون بذلك.
هذا التبني الواضح للجوكر من قبل أدبيات وإعلام الحركة الاحتجاجية أثار استغراب المراقبين والباحثين متسائلين : ما الهدف من من جعل الجوكر معلماً وطنياً وهو يختزن الشر والحقد والجريمة؟ هل اتخاذ الجوكر رمزاً يمثل حركة طفولية متهورة أم تقف خلفه أهداف ونوايا عدوانية؟ هل يعقل أن شباب التظاهرات يتخذون من رمز أمريكي إجرامي أسوة لهم ويتركون الرموز العراقية والثقافية؟ كيف يمكن الربط بين شخصية الجوكر الأمريكي وتسمية المطعم التركي بجبل أحد؟
كل ذلك جعل وسائل التواصل الاجتماعي تطلق تسمية الجوكر أو عصابات الجوكر على منفذي أي عملية حرق أو تخريب لمبنى حكومي أو أهلي أو حزبي أو محال تجارية تعود لمواطنين لا علاقة لهم بالحكومة أو الأحزاب. ولا يطلقون التسمية على المتظاهرين السلميين.

من جانب آخر لوحظ أن المدونين المساندين للحركة الاحتجاجية صاروا يعارضون اطلاق تسمية الجوكر على من يقوم بعمليات حرق وتخريب أو الاعتداء على رجال الشرطة. وهذا يبدو تناقضاً صارخاً ، فمن جهة يتبنون الجوكر رمزاً للتظاهرات، ومن جهة يرفضون تسمية المخربين بها. كما لوحظ أن هؤلاء المدونين يردون على خصومهم باستخدام عبارة (جوكرات الأحزاب) على المسلحين أو القناصين و من يتعرض للمتظاهرين أو يحرقون الأسواق والمحال التجارية.

________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

من معالم انتفاضة تشرين/2 المطعم التركي.. جبل أحد في قلب بغداد

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين / اكتوبر ودور المرجعية الدينية العليا في دعمها وتسديدها.

المطعم التركي

يعود إنشاء المبنى المؤلف من (14) طابقاً الى عام 1983 ، من قبل شركة هندية. ويشغل موقف السيارات الطوابق السفلى من البناية، بينما تحتوي الطوابق الأخرى المحال التجارية ليصبح مركزا تجاريا كبيرا.
أما الطابق العلوي فقد انشيء فيه مطعم ، يطل بواجهاته الزجاجية ، على نهر دجلة وساحة التحرير في منظر بانورامي رائع. وقد سمي بالمطعم التركي بعد استثماره بهذا الاسم.
تعرض المبنى للقصف الأمريكي عام 1991 ، الأمر الذي أحدث أضراراً على هيكله الانشائي. في أواخر تسعينيات القرن الماضي تم تأهيلة من جديد واستغل عام 2001 من قبل هيئة الرياضة والشباب .
في عام 2003 تعرض المبنى لقذائف الدبابات الأمريكية لوجود مسلحين متمترسين بالمبنى. ومن هذا المطعم كان يمكن مشاهدة القوات الأمريكية تسير على جسر الجمهورية حين دخولها بغداد منتصرة على نظام صدام حسين.

بعد استقرار الوضع الأمنى عام 2010 وبدء حركة الاعمار والاستثمار تحرك بعض المستثمرين على المبنى لانشاء مطعم ومقهى (كافيه) فيه، إضافة إلى مكاتب ومحال تجارية. وقد عارضت وزارة البيئة استخدام المبنى لوجود تلوث اشعاعي  بسبب استخدام القوات الأمريكية لقنابل تحتوي مادة اليورانيوم المنضب ، لكن تقارير صحية ذكرت أن التلوث حدث في ثلاثة طوابق فقط وليس كل المبنى.

بعد أيام من التظاهرات الاحتجاجية في ساحة التحرير صعد إلى المبنى مجموعة من المتظاهرين واستقروا فيه ليلاً ونهاراً ، وقام آخرون بتأهيل المبنى وطلاء جدرانه وتأهيل مرافقه والتأسيسات الصحية ، كما تم إعادة تشغيل إنارته وتزويده بمولدة كهربائية ، ونصب إذاعة ومكبرات صوت لمخاطبة الجمهور في التحرير وبث بيانات المتظاهرين ، كما علقت على واجهاته صور ولافتات تحمل صور شهداء الانتفاضة وشعاراتها ومطالبها.
الجدير بالذكر أن تسمية (جبل أحد) قد سبق اطلاقها على المبنى قبل أكثر من عام على انطلاق الانتفاضة ، أي في عام 2018 حيث نشرت صورة المطعم واسم (جبل أحد) منذ ذلك الوقت.

جبل احد العراق
جبل احد الحجاز

إن اختيار جبل أحد انما هو استعارة اسلامية تاريخية حيث يوجد الجبل الحقيقي في أطراف المدينة المنورة ، ولم يعد جبلاً ، بل مرتفعاً صخرياً وترابياً واطئاً يطل على مقبرة شهداء أحد ومنهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي (ص) الذي قامت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بالتمثيل بجثته واخراج كبده فمضغته تشفياً به لقتل أبيها وأخيها وعمها في معركة بدر من قبل. والغريب أن المسلمين تعرضوا لهزيمة في معركة أحد عندما ترك الرماة أماكنهم، الذين أوصاهم الرسول (ص) بعدم تركها ، لكنهم خالفوه ونزلوا لأخذ الغنائم والمعركة لم تنته بعد. فقام خالد بن الوليد بالالتفاف حول الجبل وتسديد ضربة شديدة للمقاتلين المسلمين ، واستشهد منهم العشرات ، وجرح آخرين من بينهم الرسول (ص).
لقد صار المطعم التركي أيقونة وطنية ، ورمزاً للانتفاضة الشعبية ، يزوره عشرات من المواطنين والمتظاهرين ويلتقطون صوراً فيه وأمامه.

___________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

ملامح الشخصية العراقية 2- 2 قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث . وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية “لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث” تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون . فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي ، وكانت له أبحاث أخرى مثل “شخصية الفرد العراقي” و “الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي” .

الصراع الثقافي في العراق:

يرى الوردي أن العراق بقي بلداً مفتوحاً على الصحراء ، ومنها تسللت إليه القبائل البدوية واستقرت فيه تدريجياً ، حتى غدا العراق بودقة إجتماعية تتفاعل فيها القبائل الجديدة القادمة من الصحراء مع سكان العراق القدماء . وعندما تأتي هذه القبائل تحمل معها قيمها وأخلاقها وعاداتها ، وتتفاعل مع السكان وقيمهم وعاداتهم فتتأثر بهم ، كما أن السكان يتأثرون بالقبائل . هذا التأثير المتبادل يسمى في علم الإجتماع بصراع الثقافات Clash of Cultures . ويؤكد الوردي بأنه دون التعمق في دراسة هذا الصراع لا نستطيع أن نفهم طبيعة المجتمع العراقي . ثم يأخذ في تقسيم العراق إلى مناطق جغرافية-ثقافية وهي :

1- المنطقة الجبلية : التي يسكنها الأكراد ، وفيها أقلية تركمانية تسكن في مدن وقرى واقعة في خط مستقيم تقريباً ، هو الخط الذي يكاد يفصل بين هذه المنطقة وبقية مناطق العراق . وفي المنطقة أقليات دينية كالآشوريين والايزيدية وبعض الطوائف المسيحية . وتأثرت هذه المنطقة بالقبائل الجبلية أكثر من القبائل الصحراوية .

2- منطقة ديالى : وتقع جنوب المنطقة الجبلية إلى الشرق من بغداد . وهي منطقة لها أهمية اجتماعية واقتصادية على الرغم من صغر حجمها . وهي منطقة زراعية تشبه من بعض الوجوه غوطة الشام ودلتا مصر . وقد امتاز سكانها بأنهم أقرب إلى قيم الحضارة من جيرانهم . فهم لا يستنكفون من زراعة الخضر . وهذا أمر له دلالة إجتماعية لأن زراعة الخضراوات تعد حرفة (وضيعة) في العرف القبلي .

3- منطقة الجزيرة : وهي المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات إلى الشمال من بغداد . وهي شبه صحراوية ، وتعد من الناحية الجغرافية امتداداً لبادية الشام. والقبائل التي تسكنها أشد تمسكاً بالقيم البدوية من القبائل الجنوبية ، إذ أنها أقرب منها عهداً بحياة الصحراء . فلهجتها قريبة من اللهجة الصحراوية ، كما أنها تعتنق المذهب السني السائد في صحراء العرب . أما القبائل الجنوبية فهي شيعية في الغالب .

   يشير الوردي إلى أن التشيع من العلامات التي نستدل بها على قدم السكنى في العراق ، حيث أن أكثر القبائل البدوية أخذت تعتنق المذهب الشيعي بعد مجيئها إلى العراق بزمن قصير أو طويل أمثال قبائل تميم والخزاعل و زبيد وكعب و ربيعة والخزرج والجبور وبنى لام . ويعلل الوردي هذه الظاهرة الإجتماعية بأن الظروف النفسية والإجتماعية التي تحيط بالقبائل هي التي جعلتها تتأثر بالدعاية الشيعية القادمة من المراكز الشيعية كالحلة والنجف وكربلاء ، والتي تبعث بالخطباء والدعاة في مواسم محرم وصفر ، وجذب الزوار إليها لزيارة المراقد المقدسة لأئمة أهل البيت (ع) .

4- منطقة الصحراء : وهي منطقة واسعة تقع إلى الغرب والجنوب الغربي من العراق . ولم تكن جزءً من العراق قديماً ، ولكنها أعتبرت جزءً منه في العهد العثماني لأغراض إدارية . وهذه المنطقة ذات طابع بدوي شامل ، وليس فيها من الصراع الثقافي إلا قليل .

5- المنطقة الرسوبية : وتشمل وسط العراق وجنوبه . وهي أكثر مناطق العراق أهمية من الناحية الإجتماعية والتاريخية. وأن القدماء إذا ذكروا العراق عنوا به هذه المنطقة . ويرى الوردي أن هذه المنطقة “هي التي أعطت العراق طابعه الإجتماعي الذي اشتهر به منذ قديم الزمان . وهي البودقة الرئيسة للمجتمع العراقي ، وفيها تبلورت الشخصية التي تميز بها الفرد العراقي بوجه عام” ( ص 145 ) . وهي المنطقة التي احتضنت الحضارة ، وتحمل مقوماتها إذا ما ازدهرت الزراعة فيها .

6- منطقة البصرة : وتقع أقصى جنوب العراق ، وتضم مزارع النخيل الكبيرة . ويمتاز سكان هذه المنطقة بأنهم أضعف من غيرهم في العراق في نزعتهم القبلية وفي تمسكهم بالقيم البدوية . وقد سماها الباحث الأنثربولوجي هنري فيلد Henry Field إسم “البقعة غير القبلية” . ويبدو أن طبيعتها البستانية قد أثرت فيها تأثيراً يفوق ما حدث في ديالى .

هذه التقسيمات تبدو بحاجة إلى مراجعة بسبب ما أصابها من تغيير ديموغرافي واجتماعي واقتصادي جراء سياسة نظام صدام حسين خلال ثلاثين عاماً ، من حروب وتهجير وقصف وتدمير قرى وإزالة أخرى من الوجود ، وسياسة الحصار وتجفيف الأهوار وغيرها من النكبات التي أصابت الشعب العراقي . كما حدثت تغييرات أخرى بعد سقوط النظام في 2003 ودخول عناصر ثقافية وسياسية جديدة فيها. 

مكونات الشخصية في الريف:

الشخصية بمعناها العلمي عبارة عن تركيب نفسي يتألف من صفات مختلفة ، وهو يميل نحو الإنسجام والتوافق مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فكل إنسان يملك شخصية خاصة به تميزه عن غيره من الناس . والناس يختلفون في نمط شخصياتهم تبعاً لتفاوت مقدرتهم على التجاوب مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فمنهم من ينجح ومنهم من يخفق. والإنسان هو صنيعة ظروفه وعوامله النفسية والاجتماعية . والشخصية هي نتاج الظروف الواقعية .

بقي الريف العراقي يحافظ على القيم البدوية حيث أن الفرد من القبائل العراقية يتمسك بهذه القيم التي هي مناط المفاخرات والمشاتمات . ويشعر كل فرد بميل قوي نحو الإتصاف بصفات الفخار والابتعاد عن صفات الشتيمة . والمشكلة أن الفرد في الريف يعاني من ضغوط غير موجودة في الصحراء مثل سيطرة الحكومة ، وجود الأسواق والمرابين ، تحول رؤساء القبائل إلى بداية حالة من الإقطاع بسبب تعسفهم في معاملة أتباعهم ، ظهور دوافع الربح وحب المال لدى بعض الريفيين و استغلال المرأة الريفية ، وأساليب الزواج وامتهان المرأة وقتلها لمجرد الشبهة .
فالفرد الريفي يبقى يعاني من ضغط الواقع عليه تجعله غير قادر على الإستمرار في التمسك بالقيم البدوية التي يحترمها ويعتز بها . وتضطره الظروف إلى الانحراف عن بعض الخصال البدوية ، ما يؤدي إلى ظهور الصراع في تكوين الشخصية الريفية . 

الوضع الإجتماعي في المدن :

أغلب مدن الوسط والجنوب تأسست في النصف الأخير من القرن التاسع عشر كقلعة صالح ، العمارة ، المجر الكبير ، علي الغربي ، الكميت ، شيخ سعد ، الكوت ، النعمانية ، الصويرة ، العزيزية ، الناصرية ، الشطرة ، الرفاعي ، قلعة سكر ، الحمزة ، الشامية ، أبو صخير ، المسيب ، الهندية والمحمودية . وهناك ثلاث مدن تأسست في القرن الثامن عشر هي الديوانية وسوق الشيوخ والزبير . أما الحي فقد تأسست في بداية القرن التاسع عشر ، والهاشمية تأسست في بداية القرن العشرين . ويعزو الوردي هذه الحالة إلى تغير مجاري الأنهار حيث تختفي مدن وتظهر أخرى على ضفاف النهر. 

هذه الظاهرة جعلت أغلب سكان هذه المدن من أبناء القبائل المجاورة ، فهم (لملوم) حسب المصطلح القبلي . أما في منطقة الجزيرة أو ديالى فالمدن باقية على قدمها بسبب ثبات مجاري الأنهار . فلم يطرأ عليها تغيير كبير من حيث مواقعها وأسمائها . ويعتقد الوردي أن الكثيرين من سكان هذه المدن هم من بقايا الأقوام القديمة ، وأنهم قد استعربوا في لغتهم وقيمهم الإجتماعية من جراء احتكاكهم بالقبائل المجاورة لهم .
وتعاني المدن من الصراع الثقافي حيث بقيت بعض العادات والقيم البدوية تتصارع مع القيم الحضرية ومظاهر المدنية من بنايات ودوائر ودور فارهة وسيارات حديثة وأجهزة كهربائية ومدارس وروضات أطفال ودور سينما وغيرها .

عادات بدوية باقية :

بقيت بعض القيم البدوية تأخذ أشكالاً متنوعة في السلوك ، فمثلاً نجد الكرم البدوي بالإهتمام بالضيوف وإكرام وفادتهم وتهيئة الطعام الجيد لهم . وإذا كان أهل المدن يفتقدون للمضايف ( الديوان المفتوحة سابقاً) فإن عادة إكرام الضيف بقيت جزءً من شخصية العراقي . وتتصاعد وتيرة الإطعام في المواسم الدينية كمحرم وصفر ورمضان . وما زالت عادة (الوير) أي دفع ثمن الشاي في المقهى أو ثمن التذكرة في الباص وغيرها . 
وهناك عادة أخرى هي عندما تزور بيتاً وقدم لك صاحب البيت شيئاً من الشراب والطعام ، وجب عليك أن تتمنع وتتعزز ، ووجب عليه أن يصر ويلح . وصاحب البيت لا يرحمك ، ويدفع الطعام إليك بالقوة ، وهو يقسم عليك بأكلها.

وعندما يزورك أحد ويقدم لك هدية ، فينبغي أن تتظاهر بقلة الإكتراث ، أو تقول له (ليش هالزحمة) حتى تقبلها باشمئزاز أو ترميها في زاوية من البيت . كما أن الزائر يدرك ذلك فلا يسلمك الهدية بنفسه بل يضعها في مدخل الدار أو في ركن من الدار كي لا يحرجك بتقديم الهدية ، فتشعر أنه صنع لك معروفاً ، فهو أحسن منك ، فتصعد عندك القيم البدوية المتأصلة . 
ويفاخر بعضهم بالموائد التي يمدها أثناء وجبات الطعام ، أو يتباهى بأنه يشتري أفخر أنواع الأطعمة والفواكه والملابس وغيرها . وقد يتكلف البعض في الولائم فوق طاقته من أجل أن يطريه الناس .
وبعضهم تقدم له الشاي أو الطعام فيقول لك لقد شربت أو أكلت للتو ، في حين أنه يرغب بتناول ما تقدمه له . هذه العادات مستمدة من قيم الأنفة والعزة والإباء التي هي من خصال الثقافة البدوية .
ويتميز المجتمع العراقي عموماً بالتماسك العائلي القوي ، ويمتاز أفراد العائلة بالتضامن وقوة الرابطة والوقوف مع بعضهم البعض أثناء الأزمات والمشاكل . فالعائلة تشعر كأنها عشيرة صغيرة تجاه غيرها . وكل عار أو فخار يصاب به أحد أفرادها لابد أن يصيب بقية الأفراد فيها . 

ظاهرة الإزدواجية في الشخصية العراقية :

إزدواج الشخصية ظاهرة اجتماعية موجودة في كثير من المجتمعات البشرية ، وهي قد تكون ضعيفة أو قوية تبعاً لتفاوت الظروف في كل مجتمع . وسببها وقوع المجتمع تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم ، فيضطر بعض الأفراد من جراء ذلك إلى الإندفاع وراء أحد النظامين تارة ، ووراء الآخر تارة أخرى . فهم يناقضون أنفسهم دون اكتراث ظاهر . والفرد العراقي يعاني من هذه الظاهرة بشكل كبير ، فهو يهيم بالمثل العليا والدعوة إليها في خطابه ومجادلاته وكتاباته ، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس بعداً عن تلك المثل في سلوكه وواقعه .

وهنا لابد من الإشارة إلى الإختلاف الواضح بين تعريف إزدواجية الشخصية لدى علماء النفس وعلماء الإجتماع . فالإزدواجية تعتبر من الناحية النفسية مرضاً نادراً يعتري بعض الأفراد . وهذا المرض شذوذ في تكوين الشخصية حيث يتقمص صاحبه شخصية معينة تارة ، وتارة شخصية أخرى . ويدعى أيضاً بإنقسام أو فصام الشخصية .

أما إزدواج الشخصية بالمعنى الإجتماعي فهو ليس مرضاً نفسياً ، بل هو ظاهرة اجتماعية . ويحدث لدى كثير من الناس الذين يعانون صراعاً ثقافياً . وقد تسمى هذه الحالة بـ(الثنائية الثقافية) . ويفسر بعض علماء الإجتماع هذه الظاهرة بأنه عندما يتعرض الفرد لمطاليب ثقافات اجتماعية متناقضة ، لاسيما في مراحل  نموه الأولى ، قد لا يتمكن من تكوين شخصية متكاملة في نفسه . فهو يحاول أن يوفق بين تلك المطاليب المتناقضة دون جدوى . ولهذا فهو قد يصبح ذا شخصية مزدوجة قليلاً أو كثيراً .

النزعة الجدلية في الشخصية العراقية :

يعلل الدكتور علي الوردي هذه الظاهرة بأن العراقيين يميلون إلى الجدل والولع به . وأن النزعة الجدلية قوية في الشخصية العراقية . ولعلها أقوى من أي بلد عربي أو إسلامي آخر . كما أن لها جذورها التاريخية ، حتى أن أمير المؤمنين علي (ع) قد قال عنهم أنهم ملأوا قلبه قيحاً . وبعد موته ازدادوا تعلقاً به وبمثله وقيمه حتى صار التراث الفكري في العراق مطبوعاً بطابع المثالية العلوية . وأخذوا يحلقون في تفكيرهم المثالي تحليقاً عالياً حين تخيلوا به نظاماً للحياة السياسية والإجتماعية مستمداً من السيرة الفاضلة لعلي (ع) . وهذه السيرة كان من الصعب تحقيقها بعد وفاة صاحبها .

كان تعرض العراقيين للظلم في العهدين الأموي والعباسي قد أدى إلى فجوة واسعة بين مثلهم العليا وواقعهم الإجتماعي والسياسي . وساعد على توسيع هذه الفجوة ظهور مذهب المعتزلة الذي يعتمد على الجدل المنطقي والأدلة العقلية في نشر عقائده . وحين كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها في القرن الرابع الهجري كانت النزعة الجدلية في أوج قوتها ، وكانت بغداد حينذاك عاصمة العالم الإسلامي ومركز الجدل المنطقي في آن واحد . 
وكانت النزعة الجدلية من أهم معالم النزاع الطائفي . فكان العوام يتحاربون بالخناجر والهراوات ، بينما كان الفقهاء يتحاربون بالأدلة العقلية . وعندما احتل العثمانيون العراق ، ازدادت النزعة الجدلية بسبب النزاع الطويل بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية . 

آثار النزعة الجدلية في الوضع المعاصر :

وبقيت النزعة الجدلية قوية حتى اليوم ، إلا أنها لم تقتصر على القضايا الدينية بل أخذت تدور حول مواضيع أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية . وللنزعة الجدلية جانب إيجابي حيث أنها تجعل الشعب أكثر ميلاً للإطلاع والقراءة وأوسع أفقاً من الناحية الذهنية ، ولكنها تحمل جانباً سلبياً هو أنها تجعله مشتت الأهواء والآراء ، لا يستقر على مبدأ واحد مدة طويلة ، ولا يعجب بزعيم أو يلتف حوله ويستمر على تأييده .

إن النزعة الجدلية تجعل الناس مثاليين في تفكيرهم أكثر مما ينبغي ، فإذا انتشر بينهم رأي أو ظهر زعيم ، فلابد أن يجدوا فيه نقصاً على وجه من الوجوه . فهم يتحمسون له في البداية ، ثم تقل حماستهم له شيئاً فشيئاً ، إذ أنهم يستخدمون تجاهه أقيستهم المنطقية ومثلهم العليا ، فيرونه أقل مما تصوروه في بادئ الأمر . وعند هذا يبدأون بالنفرة منه وبالإنفضاض من حوله .

من عيوب النزعة الجدلية أنها تعلّم الفرد أن يطلب من غيره أعمالاً لا يستطيع هو أن يحققها بنفسه . فهو يريد من غيره أن يكون مثالياً في أعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي ، ونراه عندئذٍ شديد النقد ، سليط اللسان ، يفترض في من ينتقدهم أن يكونوا معصومين من الخطأ . فإذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخّمها بأدلته العقلية . أما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها ، وقد يأتي بالأدلة ليبرهن على أنه لم يفعل سوى الصواب .

إن الفرد الجدلي يطالب بالحقوق أكثر مما يقوم بالواجبات ، وأدلته وانتقاداته جاهزة في كل الأحوال . فإذا تقاعس عن القيام بواجباته كما تقاعس غيره ، وضع اللوم على غيره وبرّأ نفسه منه . فهو قادر على أن يبرهن أنه قام بواجباته خير قيام ، وأن السبب في الآخرين .

من الجدير بالذكر القول أنه ليس جميع العراقيين على درجة واحدة في هذا الإزدواج . فالبعض منهم قد انصهروا في الثقافة الحديثة انصهاراً جعل ظاهرهم وباطنهم متقاربين . كما أن ظاهرة التدين قد هذبت قسماً كبيراً من حالة الإزدواج رغم أنها لم تختف بعد في أوساط المتدينين والمتمسكين بأهداب الدين .

وغالباً ما تكون مرحلة الطفولة هي التي تكسب الفرد شخصيته ، حيث تبقى الأسرة والوضع الإجتماعي والمستوى المعيشي وطبيعة العلاقات داخل الأسرة والمستوى التعليمي ذات تأثير على بناء شخصية الرجل أو المرأة .

إن المشكلة في أولئك الذين كانوا في طفولتهم أشقياء أو محرومين أو لم ينالوا قسطاً من الحنان والتربية السليمة ، ثم يصيرون رجالاً ، ويحصلون على الشهادات العالية أو يتسنمون مراكز النفوذ والسلطة . فهؤلاء المزدوجين يبقون يرددون المبادئ والقيم العليا أمام الناس ، بينما هم في سلوكهم الواقعي لا يختلفون عن غيرهم ، ولعلهم أكثر انحرافاً عن المبادئ التي ينادون بها .

إن المبادئ الحديثة التي جاءت إلى العراق طارئة ، إذ أنها لم تنبعث من طبيعة ثقافته الإجتماعية الأصيلة . فبقيت على شكل محفوظات وأناشيد وهتافات وشعارات . والفرد يتعلمها في المدارس ، ويقرأها في الصحف والمجلات والكتب ، ويسمعها في الإذاعة والتلفزيون ، وتلقى عليه في المظاهرات والإحتفالات . فتبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والإنتقاد فقط . ومن الصعب أن تتغلغل بتأثيرها في النفوس . فالفرد قد يجادلك على أساسها ، إنما هو لا يستطيع أن يغير سلوكه بها إلا في نطاق محدود جداً .
ولا ننسى أن الحكومات المتوالية على حكم العراق بقيت تردد الشعارات وتمارس عكسها ضد الشعب ، مما رسخ حالة الشعور بالتفاوت الفاضح بين القول والواقع .

الحشد الشعبي وجماهيره يزمجرون غضبا والاميركيون يلوذون بجحورهم خوفا ورعبا

متابعة : وكالة نخلة

ردا على جريمة الجيش الاميركي بقصف مواقع الحشد الشعبي في منطقة القائم ، واستشهاد واصابة العشرات من ليوث العراق المرابطين على الثغور لضمان امن وسيادة الشعب والتراب العراقي ، خرجت قوات من الحشد الشعبي مدعومة بمئات الالاف من مناصيرها وعموم ابناء الشعب العراقي ، في بغداد ، للمشاركة بجنازة الشهداء الذين ارتقوا في تلك الضربة الصاروخية الغادرة . ولاول مرة تمكنت الجماهير العراقية الغاضبة من اجتياح المنطقة الخضراء والوصول الى مبنى السفارة والقيام باعتلاء اسوارها ورفع اعلام الحشد الشعبي واعلام كتائب حزب الله التي استهدف القصف الصاروخي الاميركي مواقع مقاتليها في القائم عليها.

ونصب المحتجون الخيام ، لتنفيذ اعتصام مفتوح يرمي للمطالبة باخراج القوات الاميركية من العراق . وفي تحول عده المراقبون بانه مفصلي ، فقد كتب المحتجون على اسوار السفارة الاميركية التي كان حتى كبار المسؤولين العراقيين ممنوعين من المرور بجوارها “مغلق بامر الشعب”.

وبادر محتجون الى اضرام النيران امام البوابة الخارجية للسفارة الاميركية ، واضرمت النيران ايضا في كابينات الحراسة الموضوعة في مدخل مجمع السفارة ، فيما اضرمت النيران ايضا بالعلمين الاميركي والاسرائيلي ، ووضع محتجون الاعلام الاميركية على الارض وداسوا عليها بالاقدام تعبيرا عن غضبهم من الدور الامريكي في العراق ، الذي اعتبروه “مخربا” في العراق.. كما رددوا شعار “الله اكبر.. امريكا الشيطان الاكبر” و “الموت لامريكا ..الموت لاسرائيل” ، كما رفعوا اصواتهم منادين بانهاء الحضور الاميركي في بلادهم، ودعوا مجلس النواب الى الاسراع بالاعلان عن الغاء الاتفاقية الامنية التي وقعتها بغداد وواشنطن عام 2008 .

احراق كابينات الحراسة في مدخل السفارة الاميركية
احراق اسوار السفارة الاميركية في بغداد

وشارك في موكب التشييع والاحتجاجات على الجريمة الاميركية ، كبار القادة في الحشد الشعبي ، وفصائل قادة المقاومة الاسلامية المنضوية تحت راية هذه القوات الجهادية الرسمية ، وممثلوا معظم القوى السياسية العراقية وانصارهم ونواب البرلمان ومسؤولون حكوميون رفيعو المستوى ، منهم وزير الداخلية. وكان من الملفت في هذه الحركة الاحتجاجية المشاركة الواسعة للمرأة العراقية.

وتناقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو تظهر مشيعي شهداء الحشد الشعبي الذين قضوا في الغارة الأمريكية، الأحد الماضي، وهم يدخلون المنطقة الخضراء من الجسر المعلق باتجاه السفارة الأمريكية في بغداد.

ونفى القيادي في كتائب “حزب الله” في العراق، جعفر الحسيني، نيتهم اقتحام السفارة الأمريكية ، مؤكدا “لا نية لدينا لإقتحام مبنى السفارة الأمريكية”.

وزلزلت شعارات وزمجرات فصائل الحشد الشعبي وانصاره والجماهير العراقية الغاضبة ، المنطقة الخضراء ومحيط مجمع السفارة الاميركية ، ما تسبب في ان ترتعد فرائص مئات الدبلوماسيين والعسكريين الاميركيين المتغطرسين الموجودين في مجمع السفارة ، ما دعاهم الى اللوذ بجحورهم كالجرذان مستنجدين بالسلطات العراقية ودعوتها الى العمل لتهدئة الاوضاع .

المحتجون في باحة السفارة
جنود امريكيون يختبئون في احدى قاعات السفارة

وكشف فيديو صوره احد المحتجين من خلف زجاج مضاد للرصاص خاص بقاعة في داخل مبنى السفارة ، عددا من الجنود امريكيين مدججين بالسلاح وهم يختبأون خلف جدران احدى الصالات. وبعد وصول المحتجين على بعد متر واحد من القاعة التي يحتمي بها هؤلاء الجنود ، تعرضوا لوابل من القنابل المسيلة للدموع ، ما دفعهم الى التراجع نحو سور المجمع.

وكالة نخلة – بغداد 31 ديسمبر 2019

مدحت باشا وإصلاحاته في العراق (3-4).. بناء المؤسسة العسكرية ومشاريع الصحة والنقل وتنمية التجارة الداخلية والخارجية

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعد مدحت باشا من أشهر الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد رغم أنه لم يستمر سوى ثلاث سنوات (1869-1872 م) لكنها كانت سنوات مفعمة بالإنجازات والإصلاحات بشكل غيّر من الحياة الرتيبة التي كان المجتمع العراقي والبغدادي قد اعتاد عليها.

مدحت باشا

المدرسة الرشدية العسكرية


بدأت الحاجة لإنشاء معهد عالٍ لتدريس العلوم الحديثة وتخريج طلاب يحملون شهادة متقدمة لإدارة مختلف الأمور والوظائف. قام مدحت باشا بتأسيس هذه المدرسة كبداية للّحاق بالأمم الأخرى التي أولت اهتماماً ملحوظاً بنظم التعليم العسكري وعلى مستويات مختلفة، فأنشأت المدارس الحديثة ، الابتدائية أو الرشدية والاعدادية.

يروي الضابط محمد رؤوف الشيخلي الذي كان أحد طلاب المدرسة الرشدية العسكرية فيقول: كانت مدرسة عسكرية صرفة ، مديروها ومأمورو الإدارة والانضباط فيها والمعلمون ، كلهم من الضباط إلا في بعض الدروس مثل الصرف والنحو العربيين وعلوم الدين واللغة الفارسية ، والفرنسية فمعلموها من العلماء والمتخصصين من المُلكيين (المدنيين)، يشتغلون بالراتب. وأما الضباط فراتبهم العسكري فقط. وكان يشترط في المتقدمين للمدرسة إجادة اللغة التركية (1).

المدرسة الرشدية

المدرسة الرشدية الملكية
كانت هناك مدرسة أو ما يسمى آنذاك (مكتب قراءت خانة) ، فقام مدحت باشا بتهديمها وبنى مكانها (المدرسة الرشدية الملكية) عام 1869 ، واستمرت الدراسة فيها ثلاثة عقود حتى عام 1902.
بدأت الرشدية الملكية بداية متواضعة ، وأساليب بسيطة. إذ أنها تدرّس العربية باللغة التركية من قبل مدرس تركي!! وهكذا بالنسبة لبقية فروع العلوم. يذكر المؤرخ عباس العزاوي أنه كان أحد خريجي هذه المدرسة (2) .
وعندما تولى نامق باشا الصغير ولاية بغداد (1902-1905) قام بتأسيس (دار المعلمين) . كانت الدراسة فيه سنتين ، واستمرت الدار بالعمل حتى إعلان الدستور عام 1908 (3).

مدرسة عثمانية

بعد إعلان الدستور أصبحت الحاجة ماسة إلى تأسيس مكتب (مدرسة الحقوق) ، فاتخذت بناية هذه المدرسة الرشدية ، وتم تحويلها إلى مدرسة الحقوق من عام 1908 حتى عام 1923-1924 عندما انتقلت إلى البناية الجديدة في عقد الدنكجية ، وهو شارع المأمون (بناية المتحف البغدادي حالياً). كانت الدراسة في مدرسة الحقوق ثلاث سنوات ، وبعد قدوم الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري إلى العراق ، وتسنمه منصب عمادة ، قام بتمديد الدراسة لتصبح أربع سنوات ، حتى تحولت إلى (كلية الحقوق) عام 1936 (4).          
ونظراً للإقبال المتزايد على دراسة الحقوق وزيادة عدد طلابها ، اتخذت البناية الجديدة بشارع المأمون متحفاً للآثار . جرى افتتاحها رسمياً من قبل الملك فيصل الأول في 14 حزيران1926 ، وقام الملك بتعيين عبد القادر الباجة جي مديراً للمتحف (5).
بقيت بناية المدرسة الرشدية مهملة حتى مطلع ثلاثينيات القرن العشرين حيث تم تهديمها ، وشيدت مكانها بناية وفق الطراز الحديث لتكون مقراً لمتصرفية بغداد . اتسمت واجهة البناية بنمط معماري إنكليزي من حيث الشكل والديكورات. بقيت البناية قائمة فيها حتى مطلع الستينيات حيث اتخذت مقراً لدائرة النفوس العامة (مديرية الأحوال الشخصية) ، بعد أن انتقلت متصرفية بغداد إلى إحدى بنايات السراي (مقر وزارة الداخلية في العهد الملكي). بقيت البناية قائمة حتى عام 2003 حيث تعرضت للحرق والتهديم.

متصرفية بغداد

دائرة العسكر البحري
وتسمى بالقشلة البحرية ، وكانت بجانب جامع القمرية في الكرخ على شاطئ دجلة. وقد أنشأها مدحت باشا لتدير أمور الملاحة البحرية العسكرية. إذ كانت تستخدم السفن البخارية لنقل الجنود والمعدات والمؤن والأسلحة والأعتدة والخيول وغيرها إلى المدن والقصبات العراقية لإمداد الثكنات العسكرية ومعسكراتها ودوائرها. كما تستخدمها في حالة وجود معركة أو حملة تأديبية لبعض المتمردين، لتصل من هناك إلى أقرب نقطة للمعركة أو الموقع المطلوب. وسبق أن تم استخدام السفن من قبل مدحت باشا عندما تم غزو الأحساء واحتلالها. كما أن السلطان مراد الرابع استخدم السفن لنقل قواته العسكرية إلى منطقة شمال بغداد ثم جعلها معسكراً له أثناء حصاره بغداد حتى دخلها محتلة. وتعد السفن أفضل وأسرع وأرخص وسيلة نقل آنذاك. وكانت أغلب تجارة بغداد مع الجنوب حتى البصرة ، وشمالاً حتى الموصل تتم من خلال استخدام السفن الشراعية. ولا تزال أرخص وسائل النقل خاصة بين القارات.

القشلة

دار الحدادة
اثر النهضة الحضارية التدريجية التي بدأها الولاة العثمانيون في بغداد وقيامهم باستيراد سفن بخارية وآلات زراعية ، بدأت الحاجة لتأسيس ورشة لصيانة هذه الآلات والمكائن. وكان الوالي الأسبق محمد رشيد باشا الكوزلكي قد أمر بشراء مكائن (تورنة) وآلات تثقيب وصقل تعمل بالبخار. وأسس ما عرف بـ (الحدادخانة) أو دار الحدادة التي أنشئت في الكرخ (6).
وفي عهد نامق باشا تم شراء آلات أخرى من أوربا لتوفير إمكانية تصليح المراكب البخارية العاملة بين بغداد والبصرة. وفي عهد مدحت باشا أمر بإجراء صيانة كاملة لأجهزة وآلات الورشة (الحداد خانة) وأن يجعلها صالحة لاستقبال وتصليح المكائن البخارية العاملة في الإدارة النهرية (7).
من جانب آخر أخذت الورشة تقدم خدماتها للقطاع العسكري. إذ صارت تقوم بصيانة البنادق القديمة المسماة (جاقما قلي قوال تفنك) وتعيد لها الحياة بحيث تكون قابلة للاستخدام من جديد . فالبنادق التي يتركها الجيش ويستبدلها ببنادق حديثة (شيشخان)، كانت القديمة تعاد صيانتها وتجهز بها قوات الشرطة (8).

بنادق عثمانية

دار الفقراء
بهدف توفير الرعاية للفقراء وحمايتهم من التشرد ، أنشأ مدحت باشا مأوى للفقراء سمي آنذاك بـ(التَنْبَلخانة) حيث تم إسكان الفقراء فيه. وقد تم بناؤها من أحجار سور بغداد. وبعد انتصار الانكليز في الحرب العالمية الأولى ودخولهم بغداد عام 1917 تحولت البناية إلى مرآب لتصليح السيارات (9).

من اسواق بغداد

بناء مستشفى ومنتزه
في أيام مدحت باشا كان عدد سكان بغداد يبلغ 150 ألف نسمة.وكانت تضم أجانب مقيمين فيها (أكثر من ألفي أجنبي من الإيرانيين والإنكليز والروس والنمساويين) لا يجدون فيها مكاناً يتطببون فيه، لا مستشفى ولا طبيب ولا صيدلية. كانت هناك قطعة أرض عبارة عن حديقة تابعة لوقف مدرسة سليمان باشا. تقرر إيجارها وبناء أول مستشفى سميت مستشفى الغرباء ، ولكن واجهت مشكلة تمويل بنائها. تمت دعوة المواطنين لهذا الهدف النبيل فاخذوا يتسابقون في التبرع لهذا المشروع الحيوي (10).
وقام مدحت باشا لأول مرة بإنشاء حديقة عامة سميت بـ (حديقة البلدية) تم افتتاحها لعامة الناس للتنزه فيها. وكانت تسمى (بستان نجيب باشا) أو (النجيبية) ، ثم صارت تسمى (المجيدية) (11).

حديقة المجيدية


وكانت الحديقة تستخدم لإقامة الاحتفالات أو داراً للضيافة لكبار الضيوف. ففي عام 1870 أقيم احتفال لاستقبال ناصر الدين شاه إيران في الحديقة تضمن استعراضاً عسكرياً ، وإلقاء قصائد شعر من قبل الشاعر محمد فيضي الزهاوي باللغة الفارسية (12).
في عهد الوالي رجب باشا تحولت الحديقة إلى مستشفى للجيش ، حيث استمرت إلى بداية القرن العشرين حيث كانت تسمى بالمستشفى العسكري، ثم تحولت إلى (المستشفى الملكي العسكري) بعد نشوء المملكة العراقية عام 1921 (13).
وكان الرحالة الأمريكي وليم فوك قد زار المستشفى عام 1874 فوصفها بقوله (وهي بناية واسعة ولطيفة, وهناك تم التعارف بيني وبين الجراح المقيم، فدار بي في الردهات ، حيث يلقى العناية مائة وثمانون مريضاً، كلهم جنود، وعلى درجات مختلفة من النقاهة. وقد لاحظت أن سقوف الغرف عالية، والتهوية فيها جيدة، والملابس نظيفة. وكانت جميع الترتيبات فيه مماثلة لأي مستشفى أوربي من نوعه. كما شاهدت الصيدلية والحمامات . ثم أخذت إلى مكتب الرئيس، قدمت لي القهوة والسكاير والشربت . وكان الطبيب الجراح يتقن الفرنسية جيداً، وقد دهشت كثيراً عندما أخبرني بأنه تركي ، درس وتثقف في الأستانة) (14).

مركب الخليفة

توسعة التجارة الداخلية والخارجية
أثناء تولي مدحت باشا السلطة في بغداد تم افتتاح قناة السويس في 16 تشرين الثاني 1869 فتحولت خطوط التجارة البحرية الدولية من رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا إلى قناة السويس التي اختصرت المسافة بين أوربا والشرق. وكان الإنكليز قد حصلوا على امتياز تسيير باخرتين في نهر الفرات من الحكومة العثمانية عام 1834 . وقد باشرت بالخدمة الفعلية عام 1842 بعد موافقة الوالي علي رضا باشا الذي منح موافقته في فرمان إلى السفير الإنكليزي (اللورد بونسويني) . وسرعان ما تحول الامتياز إلى شركة لينج (15) للبواخر لاستغلال الملاحة في نهري دجلة والفرات (16).
بدأت حكومة بغداد بالتفكير جدياً في دخول سوق التجارة الدولية ونقل البضائع والحبوب، وكذلك نقل الحجاج. فأوصت بشراء مركب (سمته بابل بقوة 350 حصاناً، وحمولته 1700 طن، ويتسع لمنام 280 راكباً) حيث دفعت مبلغاً قيمته 33500 ليرة. وقام خبراء الأسطول البحري البريطاني باختباره قبل تدشينه في الخدمة.
كما تم شراء مركب سمي بـ (مدحت باشا) من النوع الذي كان يسير في نهر الدانوب بأوربا. وقد استخدم للقيام برحلات بين القرنة والبصرة، والكويت وبندر بوشهر (الإيراني). إضافة إلى سفينة (بابل) تم تعزيز البواخر العثمانية بثلاثة مراكب سميت (نينوى) و (نجد) و (آشور).
كانت هذه السفن تقوم برحلات بحرية بين العراق وكل من اسطنبول وانكلترا. وتسير في مواعيد منتظمة سفرة كل ثلاثة أشهر. وكانت تعمل بالفحم ، وتتوقف في عدن ومسقط وبوشهر حيث تتزود بالفحم. الأمر الذي استدعى إنشاء مراكز ومخازن للفحم في تلك الموانئ. كما تم تأسيس شركة لإدارة عمليات النقل والشحن وخدمة الركاب، سميت (العمان العثماني) التي حققت أرباحاً بلغت ألف ليرة شهرياً (17).

الترامواي

ترامواي الكاظمية
يعد الترامواي  وسيلة نقل حديثة في القرن التاسع عشر. ويتألف من سكة حديدية تسير عليها عربات تجرها الخيول . وأصل كلمة ترامواي من لفظة Tram way الإنكليزية.
تضم مدينة الكاظمية مرقدي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد (ع) . وقد صارت حاضرة تضم المحلات السكنية والأسواق والفنادق وغيره. كما أصبحت مركزاً تجارياً وصناعياً ، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار سنوياً وخاصة في المناسبات الدينية. وكان الكثير التجار والعمال والكسبة والموظفين والزوار يترددون على الكاظمية بشكل يومي قادمين من بغداد أو المدن الأخرى.
ولم تكن وسائل النقل متوفرة آنذاك سوى ركوب الحيوانات أو المراكب النهرية. لذلك كانت هناك حاجة لتأسيس وسيلة نقل فعالة وسريعة وأمينة لنقل الناس والبضائع بين بغداد والكاظمية.

ترامواي الكاظمية

أراد مدحت باشا تخفيف معاناة الناس في التنقل، إضافة إلى نهجه في تحديث المدينة. فقام بتأسيس شركة ترامواي ، وباع أسهمها في السوق للحصول على تمويل لإنشاء السكة الحديدية والعربات والخيول والمحطات ، ودفع أجور السواق ونفقات إطعام الخيول وصيانة العربات وغيرها. لقيت الفكرة إقبالاً وحماسة لما يتوقع لها من أرباح طائلة، فأقبل الناس على شراء الأسهم (سعر السهم 250 قرشاً) حتى بلغت خلال أيام 784 سهماً (18).
وتم جمع مليون ونصف مليون قرش، في حين كانت كلفة الإنشاء 18 ألف ليرة أي ما يساوي قيمة ألف سهم فقط من مجموع 6 آلاف سهم تم بيعها. بلغت أرباح الشركة 18% إلى 20% من أصل رأس المال. تم توزيع الأرباح على حملة الأسهم. بقيت الشركة مستمرة في عملها قرابة سبعين عاماً حتى تم تصفيتها عام 1941 (19).
كان طول السكة الحديدية سبعة كيلومترات ، وقدمت خدمات جليلة لسكان العاصمة وضيوفها. كما بدأ الناس يعتادون على النظم الحديثة ومعالم الحضارة العصرية. فكما أنها وفرت للناس سفراً مريحاً وسريعاً ، كانت مشروعاً مربحاً ، ولم تنفق فيه الحكومة ليرة واحدة.

تنظيم الأوزان
بهدف تنظيم الأعمال التجارية وخاصة في الأسواق ومخازن الحبوب لتوازي حركة التعامل العالمي واستخدام نظام عشري ، أمر مدحت باشا بتوحيد وتنظيم الأوزان حيث أصبحت الحقة تساوي 400 درهم. وأن كل 10 حقات تساوي مناً واحداً ، وكل 10 أمنان تساوي وزنة واحدة ، وكل 10 وزنات تساوي تغاراً.
لم يتفاعل الناس مع النظام الجديد للاوزان ، لكن صدور القانون من الدولة العثمانية وطباعته باللغة العربية ، وتم تخيير الناس لاستخدامه خلال فترة سنتين حتى عام 1290 هـ حيث يمنع بعدها استخدام الأوزان القديمة.

خارطة بغداد في القرن التاسع عشر

بلدية بغداد
من أهم الدوائر الخدمية التي أنشئت في العهد العثماني (دار البلدية) . فقد تم إنشاء أول بلدية في بغداد عام 1868 في عهد الوالي تقي الدين باشا (1867-1869). وعند تولي مدحت باشا عام 1869 صدر قانون البلديات العثماني ، فقام بتشييد بناية خاصة لدائرة بلدية بغداد.
في عام 1870 قام بتعيين ابراهيم الدفتري أول رئيس للبلدية في بغداد ، الذي بقي في منصبه حتى وفاته عام 1876 . وبسبب التوسع العمراني والنمو السكاني والحاجة إلى مزيد من الخدمات تم إنشاء بلديات فرعية .
ففي عام 1878 أنشئت بلدية الرصافة ، وبلدية ثالثة في الكرخ , وعين رئيس لكل منهما. ثم قسمت بلدية الرصافة إلى بلديتين: الأولى تبدأ من باب المعظم إلى جامع مرجان. وحدود الثانية من جامع مرجان إلى الباب الشرقي (20).

بناء الناصرية
كانت منطقة المنتفق تعاني من مشاكل ونزاعات بين الأمراء ، إضافة إلى القسوة التي تمارس ضد الناس والفلاحين ومضاعفة رسوم إيجار الأراضي الزراعية. الأمر الذي دعا إلى هجرة أعداد كبيرة من العشائر ومغادرة العراق  إلى إيران، وهي تتحين الفرص للانتقام من ظالميهم (21).

شيوخ عدد من العشائر العراقية

فكر مدحت باشا بتحويل شيوخ العشائر إلى موظفين رسميين للسيطرة على تصرفاتهم وضمان وقوفهم إلى جانب الدولة العثمانية. وقد وقع اختياره على ناصر السعدون ليجعله نموذجاً لذلك الأسلوب الجديد. أرسل على السعدون يدعوه لزيارته في بغداد ، وشرح له فكرته بتحويل المشيخة إلى متصرفية وولاية. وأظهر له فوائد ومحاسن بناء مدينة جديدة تتمتع بالعمران الحضاري والتقدم العصري. اقتنع السعدون بعد أن وجد أنه ليس بإمكانه مقاومة التغيير القادم لا محالة، وأبدى موافقته للتنازل عن المشيخة وقبوله المتصرفية (22).
كانت سوق الشيوخ هي المركز التجاري الهام في المنتفق ، وكانت هي مركز اللواء، لكن مدحت باشا ارتأى اختيار موقع آخر ليكون المدينة الحديثة. فوقع الاختيار على مكان شمال سوق الشيوخ على بعد 25 كم ، على نهر الفرات.
أرسل مدحت باشا على المهندس البلجيكي (جولس تللي) وكلفه ببناء حاضرة الناصرية. وقد سميت على اسم ناصر السعدون الذي تم تعيينه أول متصرف لها.
إن الناصرية هي أول مدينة عراقية تشيد على طراز معماري حديث وبأسلوب التخطيط الحديث للمدن . إذ روعي في تصميمها أن تحتوي على شوارع عريضة مستقيمة، تتقاطع مع بعضها بأسلوب هندسي جميل. كما اجتنب المهندس تشكيل أزقة ضيقة وحارات مثل بقية المدن العراقية والشرقية عموماً.
في عام 1869 م وضع الحجر الأساس حيث بدأ ببناء دار الحكومة في الناصرية ، وهو بناء فخم آنذاك.


تبرع السعدون بمبلغ (4250) ليرة ذهبية لأكمال بناء المدينة . ثم تبرع بمبلغ (1000) ليرة لإنشاء جسر من القوارب الخشبية يربط جانبي المدينة. وقام نعوم سركيس أمين صندوق السعدون ببناء أول دار سكن، ثم بنى أسواقاً وخانات ومقاهي. وسرعان ما قلده الناس فبنوا دوراً سكنية ودكاكين حتى اتسعت المدينة (23). كما تم بناء مسجد جديد . تم تشكيل الوحدات الإدارية للواء المنتفق كالآتي:
1- الناصرية ، مركز اللواء ، ومتصرفها ناصر باشا السعدون .
2- قضاء الشطرة ، وقائممقامها فالح بك السعدون ابن ناصر السعدون.
3- سوق الشيوخ
4- قضاء الجبيلية

الهوامش
1- محمد رؤوف الشيخلي (مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها) / ج 1 / ص 35 ، مطبعة البصرة: 1972
2- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 7 / ص 240 ، الطبعة الأولى ، الدار الاسلامية للموسوعات، بيروت: 2004
3- سالم الآلوسي / المدرسة الرشدية الملكية / مجلة بغداد ، العدد : 60 ، الصادر في 30/10/ 2012 / ص 24
4- يذكر المؤرخ سالم الآلوسي أن السياسي العراقي عبد الرحمن البزاز كان آخر من تخرج من مدرسة الحقوق / ص 24
5- سالم الآلوسي /  ص 24
6- عباس العزاوي / ج 7 / ص 257
7- عباس العزاوي / ج 7 / ص 258
8- عباس العزاوي / ج 7 / ص 258
9- عبد الحميد عبادة ( العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) / ص 205، الطبعة الأولى، بغداد 2004
10- عباس العزاوي / ج 7 / ص 231-232
11- عباس العزاوي / ج 7 / ص 298
12- عباس العزاوي / ج 7 / ص 281
13- عباس العزاوي / ج 7 / ص 281
14- كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / رحلةوليم فوك / ص 169 ، الطبعة الأولى، دار الوراق، لندن: 2007
15- شركة بيت لنج شركة للملاحة في نهري دجلة والفرات . تأسست عام 1834 عندما تم تسيير باخرتين إنكليزيتين (دجلة والفرات) لخدمات القنصلية البريطانية في بغداد. بعد تعرض إحدى الباخرتين إلى الغرق قرب قرية عانة، تخلى الضابط الانكليزي فرانس جيسني عن إدارة الشركة، فتلى أحد مساعديه (هنري لنج) إدارة الشركة، ثم تولاها أخوه ستيفن لنج. استمرت بالعمل حتى العشرينيات من القرن العشرين حيث تراجعت بعد دخول القطارات. في عام 1924 تم افتتاح مكتبة مكنزي في البناية. ولا يزال مبنى مقر إدارة الشركة قائماً في شارع الرشيد.
16- عباس العزاوي / ج 7 / ص 69
17- عباس العزاوي / ج 7 / ص 219-220
18- عباس العزاوي / ج 7 / ص 277
19- عباس العزاوي / ج 7 / ص 278
20- صلاح عبد الرزاق /(التقسيمات الادارية في بغداد منذ سبعين عاماً)/ ص 36
21- عباس العزاوي / ج 7 / ص 273
22- علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 2 / ص 264، دار الكتاب الاسلامي، بغداد: 2005
23- علي الوردي / ج 7 / ص

وفاة مليونير “الألماس” الاسرائيلي ايهود لاندينو أثناء عملية لتكبير عضوه التناسلي!

متابعة : وكالة نخلة

توفي الملياردير الإسرائيلي البلجيكي، إيهود لاندينو، في باريس، خلال عملية لتكبير عضوه التناسلي.

وذكرت صحيفة “Le Point”، أن العيادة التي أجرى فيها ملياردير “الألماس”، العملية مشهورة بهذا النوع من العمليات، لكن الشيء الوحيد الذي أقلق الشرطة هو أن العملية نفذت في المساء بعد وقت من إغلاق العيادة.

ووفقا للمعلومات الأولية، فقد أصيب لاندينو (يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والبلجيكية) بالسكتة القلبية عندما حقن بمادة خاصة في قضيبه. وحاول الطبيب إنعاش المريض وإعادة قلبه للحياة لمدة ساعة تقريبا.

وأشارت صحيفة “The Mirror” إلى أن لاندينو حقق ثروة كبيرة من التنقيب وتعدين الألماس في أنغولا والكونغو. وباع ملياردير “الألماس” عام 2015 أغلى ألماسة في العالم سميت “القمر الأزرق”، مقابل 48.4 مليون دولار.

ماسة القمر الازرق

(موقع نون بوست) وتتهم المنظمات الدولية بشكل واضح “إسرائيل” بسرقة الألماس الإفريقي مقابل توريد الأسلحة والعتاد الحربي للأفارقة كي تغذي الصراعات والحروب الداخلية والعرقية والأثنية والمناطقية في القارة الإفريقية، ورغم الإدانات التي تصدرها كثير من الهيئات والمنظمات الدولية وتوجه أساسًا إلى كبار التجار الإسرائيليين، فإنه وحتى الآن لم يقدم أي من تجار الدم كما تسميهم هذه المنظمات إلى أي محاكمة.

الغالبية العظمى من هؤلاء التجار اليهود جنرالات في الجيش الإسرائيلي، وضباط من جهاز الموساد السابقين، وهم تجار سلاح يقومون بتمويل بناء عشرات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ويشكل هؤلاء التجار المصدر الرئيس للسلاح بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من المجموعات الإفريقية المسلحة.

وعادة ما تفضل هذه الدول وتلك الجماعات السلاح الإسرائيلي على سواه نظرًا لكفاءته، وأيضًا لمرونة “إسرائيل” في تعاملها المالي مع المشترين، حيث لا تشترط الحصول على أموال مقابل السلاح، لكنها تقبل بمبدأ المقايضة أيًا كانت، وعادة تمنح الشركات الإسرائيلية حقوقًا للتنقيب عن الثروات الباطنية والمواد الخام في هذه الدول الإفريقية.

الالماس عامل اساس في النزاعات الافريقية

ولأن الأسلحة التي تحصل عليها الدول الإفريقية مقابل سرقة الألماس منها تستخدم في الحروب الأهلية التي يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الناس خاصة في سيراليون والكونغو وأنغولا، فقد أطلقت الأمم المتحدة على التجارة الصهيونية للألماس “تجارة الألماس الدموي”، وقد اتهمت “إسرائيل” في العام 2009 رسميًا من قبل لجنة خبراء في الأمم المتحدة، بالتورط في استيراد الألماس بطريقة غير قانونية من إفريقيا.

واتهم التقرير التجار الإسرائيليين بعلاقة مباشرة بتجارة الألماس الدموي، خاصة في ساحل العاج وسيراليون، ورغم أن مجلس الأمن الدولي أصدر عدة قرارات في نهاية تسعينيات القرن الماضي، تمنع وتقيّد استيراد الألماس الخام من مناطق النزاعات في القارة الإفريقية، لمنع استخدام العائدات المالية في إطالة أمد الصراعات، فإن العمليات التي تقوم بها الصهيونية و”إسرائيل” لسرقته ما زالت متواصلة.

المصدر: لي بوينت + ذميرور

7 مارس 2019

بغداد في العهد العثماني (٢).. تعرض العراق للنفوذين الايراني والتركي يفرض استخدام عملتيهما

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

بقي العراق اربعة قرون تحت الاحتلال التركي مر خلالها بفترة مظلمة طويلة. كان الولاة العثمانيون معروفين بقسوتهم واهمالهم لبناء البلد الذي يحكمونه الا ما ندر. وهذا البحث يسلط الضوء على ابرز المعالم العمرانية في فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

الاسطة شكوري صاحب اول معمل ثلج في بغداد 1881

معمل الثلج :

وكان يعرف باسم (البوزخانة) ، وهو أول معمل ثلج في بغداد ، وقد أنشأ عام 1881 م، وكان المعمل يقع على شاطئ دجلة في منطقة شريعة الميدان، في الفسحة المقابلة لمكتب الصنائع (بيت الحكمة الحالية).

دار المحكمة الشرعية :

وتقع في شارع النهر (شارع المستنصر) مقابل جامع العدلية على شاطئ دجلة ، ويعتقد أنها بنيت في القرن الحادي عشر ، ثم قامت “عادلة خاتون” (ت 1768) ابنة والي بغداد “أحمد باشا” (1736-1748) ببنائها مجدداً ، وإضافت داراً لسكنى القضاة ، وتم هدم البناية عام 1934 وشيدت مكانها وزارة العدل سابقاً ، وتشغلها حالياً مديرية الأحوال الشخصية في الرصافة. (7)

شارع المستنصر (النهر)

بناية السبيل :

ويسمى أحيانا بـ (السقا خانة)، ويقصد بالسبيل لغلبة لفظة (أبناء السبيل) أي المسافرون. هو مكان يوفر الماء لأهل المدينة والمسافرين سواء للشرب أو غيره ، وعادة ما يتكون من خزان للماء وحوض تصب فيه المياه الجارية ، وتوجد فيه صنابير (حنفيات) لتزويد الناس بالماء. وكان الدفتردار “شوكت بك” أنشأ السقاية في منطقة الميدان ، إلى الشرق من جامع الأحمدية، في مدخل شارع الرشيد. وكانت تأخذ مياهها من قناة مرفوعة على أعمدة وعقود ، تزود من ماء دجلة بواسطة دولاب (كرد) (8) أو (دولاب) موجود في شريعة الميدان ، وتمضي القناة تنقل الماء بانحدار محسوب حتى تصل السقاية. كما تزود بطريقها سقايات أخرى بمياه الشرب، حتى تنتهي بسقايتين عند جامع الشيخ عمر السهروردي . وتسقي المياه الفائضة بستاناً هناك. وقد اندثرت هذه القناة تماماً في عهد مدحت باشا . كانت هناك سقايات أخرى تدور بواسطة البغال أو غيرها ، وكانت تستخدم دواليب مسننة عمودية وأفقية ، وبعدة طبقات وحسب الارتفاع المطلوب وشدة الماء وقوته ، إذ قد يراد تشغيل نافورة في أحد الأمكنة.

الجسر العتيك في بغداد

ينقل الباحث “عماد عبد السلام” أسماء ومواقع 43 سقاية في بغداد ، بعضها ينقل الماء إلى قصور وبساتين الأثرياء والتجار والوجهاء، وأخرى تنقل الماء للمساجد والمراقد ، وأغلب من يقوم ببناء السقايات العامة من الموسرين الذين يهدفون لفعل عمل البر والإحسان، وأن تكون وقفاً جارياً لخدمة الناس. (10)

إسالة الماء :

في عام 1895 وفي عهد الوالي “حسن رفيق باشا” (1891-1896) بدأ إنشاء أول مشروع لإسالة الماء في بغداد ، إذ تم نصب مضخة على ضفة النهر قرب شريعة الميدان ، ومدت الأنابيب المصنوعة من الحديد (آهين) الثقيل لتصل إلى محلتي الفضل والحيدرخانة ، وبذلك أصبح سكان المدينة يصلهم الماء بسهولة بعيداً عن السقائين والحيوانات وغيرها ، وخلال عشرين عاماً توسع المشروع ليشمل بقية محلات بغداد.

خان مرجان

ففي عام 1920 تم نصب مضخات أخرى لضخ الماء في محلتي المصبغة و السيد سلطان علي في جانب الرصافة، ومحلة خضر الياس في جانب الكرخ ، ولم تكن هناك محطات تصفية أو تعقيم ، بل تضخ الماء مباشرة من النهر ، وغالباً ما ترافقه الأطيان والشوائب والأوساخ ، إضافة إلى أن ضغط الماء كان قليلاً فيصل ضعيفاً إلى البيوت.

محلة المربعة في بغداد 1947

في عام 1924 تم تشكيل (لجنة إسالة الماء لمدينة بغداد) التي بدأت عملها بإنشاء مشروع جديد يضمن تصفية الماء وكذلك حجم التجهيز المطلوب للمحلات. في البداية تم حصر مصدر التجهيز بنقطة واحدة، إذ تم تأسيس أول محطة خارج المدينة في منطقة الصرافية ، عندها تحسنت نوعية الماء ، وازداد ضغطه من 15 إلى 37 قدماً.

الطريقة القديمة في ايصال المياه للبيوت البغدادية

في عام 1927 اشترت اللجنة جهازاً صغيراً لتصفية الماء في الكرادة ، وبتوسيع ذلك الجهاز عام 1932 تمكنت اللجنة من تجهيز منطقة الكرادة بأجمعها. (11)

السراي العثماني

الكرنتينة :

في عام 1853 م تم إنشاء الكرنتينة أي المحجر الصحي في عهد الوالي “عمر باشا” (1857-1859) ، وجاء ذلك لتفادي انتشار الأمراض المعدية كالكوليرا والطاعون التي كانت تفتك بالعراق وتحصد عشرات الألوف من الأنفس في كل وباء ، وكانت تشغل جانباً من بناية ثكنة عسكرية تسمى (ثكنة السوارية) أي الخيالة أو الفرسان. بقيت الثكنة قائمة ، وفيها تأسس أول تشكيل عسكري للجيش العراقي وهو فوج الإمام موسى الكاظم (ع) سنة 1921 . وفيما بعد شغلتها دوائر عسكرية عدة مثل دائرة التجنيد، موسيقى الجيش، الحوانيت العسكرية ، إضافة إلى دوائر مدنية مثل مديرية الري العامة. وفي تسعينيات القرن العشرين تم هدمها ، وأنشأت أبنية أخرى.

انواع العملات النقدية في العراق

النقود :

تأثرت النقود المستخدمة في العراق بطبيعة الدولة أو السلالة الحاكمة أو بالظروف التي تعرض لها العراق للغزو والاحتلال الأجنبي أو من خلال العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول المجاورة أو البعيدة. في القرن السادس عشر كان (الدينار البغدادي) يستخدم على نطاق واسع منذ أيام السلطان “سليمان القانوني” ، ثم السلطان “سليم الثاني” ، إلى السلطان “مراد الثالث” ، كما بقي يستخدم في القرن السابع عشر في عهد السلطان “محمد الثالث” ، ثم “السلطان مراد” . كما استخدم (الدرهم البغدادي) و (الفلس البغدادي) . (12)

أما العملة العثمانية وأشهرها (الشاهية السليمانية) فكانت من الذهب ، والآقجة العثمانية أو الدرهم العثماني، والفلوس العثمانية، والهشتي وهو ثُمُن الآقجة ، وقد استخدمت في بغداد أيضاً. كما استخدمت العملة الإيرانية منها (الدينار العباسي) الذهبي ، و(العباسية) الإيرانية من فضة، و(الفلس) العباسي من النحاس. كما استخدمت العملة الهولندية (الفلورين). (13)

الليرة (الهندية) البريطانية

من الواضح أن تعرض العراق للنفوذ العثماني أو الإيراني فرض استخدام عملة تلك الدولة ، وكان السلطان أو الشاه يضرب النقود باسمه ، ويفرض استعمالها في البلاد ، وقد بقي استعمال العملات الإيرانية والأوربية لأسباب تجارية وخاصة في الصفقات التجارية مع شركات وتجار من تلك الدول ، وكانت الدولة العثمانية لا مركزية في قضية سك العملة ، إذ كان لديها أكثر من 40 داراً لسك النقود موزعة في أنحاء الامبراطورية والبلدان المفتوحة ، وكانت تسك عملات كل منطقة تختلف عن عملات المناطق الأخرى في تنظيمها ونقوشها ، وكانت العملات الأجنبية متداولة مع العملة العثمانية ، وكانت هناك دار الضرب وتسمى (سكة خانة) ، وموقعها داخل القلعة عادة لتوفير الحماية والإشراف على عملية ضرب النقود ووزنها وشكلها وعددها. وفي عهد المماليك انتقلت دار الضرب إلى قرب خان مرجان في سوق السكة خانة، ثم اندثرت. (14)

الهوامش :

1- كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / رحلة باكنغهام / ص 105- 145 ، الطبعة الأولى ، دار الجيل ، بيروت .

2- هناك مبالغة في تصوير بغداد بأنها لا تتحدث العربية. إضافة إلى التركية كانت لغة الحكومة والدوائر الرسمية لكن الناس العاديين يتحدثون العربية في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم ونواديهم واجتماعاتهم. وجود كلمات أجنبية أمر طبيعي بسبب الانفتاح والاحتكاك مع الشعوب الأخرى.

3- الفارس تنكو مارتينوس ليكلاما نايهولت Jonkheer Tinco Martinus Lycklama Nijeholt ولد عام 1837. درس في هولندا وسويسرا وهوى السفر في شبابه فرحل إلى ألمانيا وإيطاليا وشمالي أفريقيا ومالطا ، ودرس اللغة العربية في باريس ثم قام برحلة إلى روسيا والقفقاس وإيران والعراق وسوريا وفلسطين وتركيا. استغرقت رحلته ثلاث سنوات نشر بعدها كتاباً في أربعة أجزاء بالفرنسية عام 1874 . 4- كناب (رحالة أوربيون في العراق) / ص 186-187 ، الطبعة الثانية ، دار الوراق، لندن: 2007.

5- محمود شكري الآلوسي ( أخبار بغداد وما جاورها من البلاد) / ص 125-127 ، الطبعة الأولى، بيروت : 2008 .

6- كتاب ( بغداد بأقلام رحالة ) / رحلة وليم فوك / ص 175.

7- عماد عبد السلام / هامش في كتاب ( أخبار بغداد) للآلوسي / ص 367.

8- (الكرد) بكسر الكاف، هو دولاب مثبتة فيه دلاء تنقل الماء من النهر إلى الأعلى ثم تصب الماء في ساقية لرفع مستوى الماء وسقي المناطق العالية. ومن لفظة كرد اشتقت لفظة (الكرّادة) وهي جمع (كرّاد) وهو الشخص المسؤول عن الدولاب. ومنه جاءت منطقتي (كرادة مريم) في جانب الكرخ ، و(الكرادة الشرقية) في جانب الرصافة ببغداد. 9- عماد عبد السلام / هامش في كتاب ( أخبار بغداد) للآلوسي / ص 128 . وهذه الطريقة كانت مستخدمة منذ العصور القديمة. ففي اسطنبول توجد أعمدة وعقود بعدة طوابق كانت تنقل الماء في العهد البيزنطي من عين ماء إلى أحد القصور. وفي مصر ما زالت قناة ماء قلعة صلاح الدين ، التي بناها محمد علي باشا ، لنقل الماء من النيل إلى القلعة التي تقع على هضبة. ويسمى مجرى القناة باسم (سور العيون) .

10- عماد عبد السلام / تاريخ مشاريع مياه الشرب القديمة في بغداد / مجلة المورد ، العدد : الرابع / ص 196 ، السنة 1979.

11- دليل المملكة: الدليل الرسمي للعراق لسنة 1936 / ص 279.

12- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 4 / ص 323 ، الطبعة الأولى ، الدار العربية للموسوعات، بيروت : 2004.

13- الفلورين عملة هولندية قديمة تم إلغاؤها عام 2002 بعد استخدام اليورو في دول الاتحاد الأوربي. وقيمة الفلورين أو الخُلدة تساوي نصف يورو تقريباً.

14- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 4 / ص 324.

________________

وكالة نخلة : كل المعلومات الواردة في الدراسة هي في عهدة الكاتب.

القشلة منارة بغداد الثقافية (1 – 2)

كتابة وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

في التاسع من تموز عام 2008 عندما كنت عضواً في مجلس محافظ بغداد قمت بزيارة إلى مبنى القشلة . كانت مفاجأة أن أشاهد هذا التراث البغدادي نهبا للاهمال والنفايات حتى كادت تسقط بعض أجزائه التاريخية. كانت أدغال النباتات والأشجار ، وبعضها يابسة ، تملأ المشهد، والأنقاض وبقايا أعمال إنشائية سابقة تتكدس في أركان المكان. نظرت للساعة وبرجها العالي فكأنها تستنجد بي وتقول: أيها السيد الذي تجشم عناء زيارتي وجاء يتطلع بأسى لما أعانيه، وتتأسف على تراثنا البغدادي الأصيل، جئت إلي رغم أن المسؤولين الآخرين لم يأتوا إلي أو السلام علي، لقد توقفت عن العمل منذ سنين، تعطلت عقاربي عن منح الناس التوقيت، كما تكدس التراب على أجراسي فصمتت ، ولم يعد يسمعني أحد، فهل ستأتي يوما لتنفض الغبار عني؟ وتزيل أثواب الاهمال عن برجي الذي يحتضنني منذ أكثر من قرن من السنين؟ سأنتظرك يوما .. هو حلمي.

كانت البناية مغلقة، لا يعرف أحد عن الكارثة التي تتراكم داخل أسوار القشلة ، وكنت أتحسر على إهمال هذا المبنى التراثي في قلب بغداد ، وصار أملي أن أعيد إليه الحياة في يوم ما.

كانت القشلة مقراً للحكومة في العهد العثماني ثم المملكة العراقية، ففيها كان يقرأ الفرمان السلطاني وبيانات الوالي، وتم فيها تتويج الملك فيصل الأول في 23 آب 1921 في حفل كبير حضره دبلوماسيون أجانب وموظفون وعسكريون بريطانيون من بينهم برسي كوكس والجنرال هالدين والمسز بيل، وسياسيون وشخصيات سياسية ودينية ووجهاء عراقيون.

في 24 حزيران 2011 قمت بزيارة أخرى لأرى هل امتدت إليها يد تنفض الغبار عنها، لكنني فوجئت بأن الحالة المزرية هي المشهد السائد ، وإذا لم نسرع لانقاذه فإنه سينهار ويندثر ، عندها سنفقد أثراً تاريخيا يشكل مرحلة من تاريخ بغداد العريق. خاطبت وزارة السياحة والآثار وطلبت أعمار القشلة لكن الوزارة لم ترد على كتابي.

قررت إدراج تأهيل القشلة في خطة محافظة بغداد لسنة 2012 ، وعرضت الأمر على الوزير الدكتور لواء سميسم فرحب بالمشروع الذي تموله المحافظة ، وبالفعل باشرنا العمل بإشراف دائرة صيانة الآثار التي يرأسها المهندس ظافر التميمي.

القشلة: البناء العثماني التقليدي

إن كلمة قشلة تركية الأصل من كلمة قشلاغ بمعنى أشتى أو (المشتى)، وصارت تطلق على منام الجنود أو المأوى . وتسمى بالحصن أو القلعة. فهي بمثابة ثكنة عسكرية ، تضاف إلى مكاتب وإدارات الحكومة ، وأحيانا تضم منزل الوالي وكبار الموظفين. وهي تشابه في وظيفتها قلعة (القصبة) الأندلسية والتي استخدمت في شمال أفريقيا.

وعادة ما يستخدم فيها الطراز المعماري المحلي بعد إجراء تغييرات تضمن الجانب الدفاعي باعتبارها ثكنة عسكرية يستوجب حمايتها من كل الأخطار أو هجمات الأعداء. ويجري استخدام المواد الانشائية المتوفرة في البيئة المحيطة. فتارة تبنى بالآجر، وتارة بالحجر . كما تستخدم الجص أو النورة كمواد تربط بين أجزاء الجدار. كما يجري تزيينها بزينة بسيطة تتناسب والصرامة العسكرية، عدا بعض المكاتب أو المنازل أو المسجد.

كما تتضمن القشلة أبراجاً مرتفعة للمراقبة والرصد المستمر. وتجهز أسوارها أو جدرانها العالية بفتحات ضيقة يمكن من خلالها توجيه السلاح ضد المهاجمين. ويجري اختيار القشلة في موقع طبيعي استراتيجي حيث يتحتم تأمين دفاعها في كل الأحوال ، لذلك تم اختيار بعض القشلات على تلال أو مرتفعات . أما في بغداد فكانت تتوسط المدينة وعلى جانب النهر ، حيث تتوفر لها عدة منافذ ومخارج.

قشلة أم قشلات ؟

قام العثمانيون بتشييد قشلة لهم في أغلب المدن التي خضعت لسلطتهم ، إذ كانت تدار أمور البلدة والمنطقة كلها من خلال القشلة، ولذلك تركوا العديد من القشلات في عدة مدن ودول نذكر منها:

1- قشلة بيروت أو السراي الكبير : وهو صرح أثري عثماني تم بناؤه عام 1840 م . وكان مقراً للولاة العثمانيين. وتحول اسمه من (القشلة) إلى (سراي الولاية) ثم أصبح (السراي الكبير). وفي عام 1865 أمر السلطان عبد العزيز (1861-1876) بتحويله إلى مستشفى فعرف باسم (العيادة العسكرية). وبعد الاحتلال الفرنسي للبنان تحول السراي إلى (محكمة) ، ثم تحول إلى مقر الحاكم الفرنسي أو المفوض السامي، فصار اسمه (المفوضية العليا). وعند استقلال لبنان عام 1943 حوّله الرئيس بشارة الخوري إلى مركز رئاسة الجمهورية لفترة قصيرة ، ثم استعمله رياض الصلح مقراً لرئاسة الوزراء . ويعرف كذلك باسم (القصر الحكومي)، وهو عبارة عن قصر بعدة طوابق ، مصمم لتوفير أجواء جيدة، وتلبية احتياجات الحاكم وجنوده وموظفيه وضيوفه، إذ يضم قاعات مختلفة الأحجام لمختلف الوظائف، إضافة إلى المكاتب والضيافة والمطبخ والمطعم والاسطبل وغيرها ، وهو مبني من الحجر مثل بقية الأبنية في لبنان. وخلال سنوات الحرب اللبنانية (1975-1990) أصيب السراي بأضرار كبيرة نتيجة القذائف التي سقطت عليه والحرائق التي اندلعت فيه وأتت على معظم أجزائه ، وفي عام 1990 بدأ تأهيل السراي في عملية ضخمة انتهت عام 1998 مع المحافظة على طابعه التراثي العثماني ، وعلقت على مدخله الشمالي لوحة جاء فيها (لو دامت لغيرك لما وصلت إليك). وقد وضعت من قبل رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري عندما بدأ إعادة إعمار بيروت بدءاً بالسراي.

2- قشلة صعدة في اليمن : وهو حصن تاريخي يقع وسط مدينة صعدة.

3- قشلة كويسنجق قرب أربيل : ويعود تاريخ بنائها إلى أيام المماليك. وتشير مصادر أخرى إلى أنها بنيت في عهد مدحت باشا ، وتبلغ مساحتها 2500 متر مربع تتوسطها حديقة ، ويحيط بها سور مربع يتضمن في أركانها أربع أبراج دفاعية .

4- قلعة كركوك : وكانت بمثابة المقر العسكري للقوات العثمانية في مدينة كركوك. ويرجع تاريخ بنائها إلى عام 1863 م . تقع القشلة في وسط مدينة كركوك ، ومبنية على تل ارتفاعه 18 متراً عن الأراضي المحيطة بها ، وتبلغ مساحتها 24 ألف متر مربع ، وكانت تسمى (عزيزية قيشلة سي) . وكانت تضم 73 غرفة، بالإضافة إلى تسع قاعات كبيرة، وسبعة أماكن خاصة ، ويتوسطها فناء واسع في وسطه حوض شيد عليه جامع عام 1912 بتبرعات الأهالي.

5- قشلة يافا في فلسطين .

6- قشلة ديريك في سوريا: وتسمى قشلة رغم أنها بنيت من قبل الاحتلال الفرنسي لسوريا ، وقد أنشئت على تل مرتفع يطل على ديريك من جهة الشرق ، وكانت بمثابة ثكنة عسكرية للجيش الفرنسي والسوريين المنخرطين في صفوفه. شهدت القشلة العديد من الأحداث العسكرية حيث تعرضت إلى مختلف الهجمات والغارات من قبل خصوم الجيش الفرنسي كالأكراد. وتضم مقبرة للقتلى الفرنسيين.

7- قشلة حائل : وهي قصر عمره 75 عاماً وقام بتشييده الملك عبد العزيز عام 1940 م على مساحة 20 ألف متر مربع ، بطول 142 متراً وعرضه 141 متراً، وارتفاعه 10 متر. وباعتبار أنه صمم على غرار القلاع العسكرية العثمانية فقد سمي بالقشلة أيضاً. يضم القصر 83 غرفة في الطابق الأرضي ، و59 غرفة في الطابق الأول. وفي أركانه توجد أربعة أبراج ، كما يضم بابين كبيرين ، وكان الغرض من البناء هو أن يكون سكناً لحامية عسكرية تشرف على استتباب الأمن في المنطقة ، وتم استخدامه من قبل الجيش لمدة 15 عاماً أي حتى عام 1955 ، ثم استخدم من قبل الشرطة السعودية لمدة عشرين عاماً أي حتى عام 1975 حيث استلمته وكالة الآثار والمتاحف التابعة لوزارة التربية.

8- قشلة بغداد : وتسمى (قشلة بيادة سي) أي ثكنة الجنود المشاة . تشير المصادر التاريخية إلى أن بناء القشلة الحالية يعود لعام 1851 م في عهد الوالي نامق باشا . وأنها لم تكتمل في عهده، فجاء مدحت باشا وأكملها ( 1). وهنا يطرح سؤال: أين كانت الثكنة العسكرية ومقر الحكومة قبل بناء القشلة في القرن التاسع عشر؟ إن محلة القلعة تقع في الركن الشمالي الغربي من بغداد مجاورة لنهر دجلة (2) . وكانت هناك بيوت وموقوفات خارج القلعة. وربما نسبت بعض العائلات مثل (القلعة لي) إليها (3). إن محلة القلعة كانت تقع في موقع وزارة الدفاع الحالية في منطقة باب المعظم. وهناك جامع آخر ضمن المحلة يدعى (جامع المرادية) نسبة إلى الوالي مراد باشا (1569-1570). وكان يحيط القلعة سور ذو أبراج نصف أسطوانية من ثلاث جهات، والنهر من الجهة الغربية. وتشير الخرائط المتعاقبة لبغداد في العهد العثماني إلى وجود القلعة في الجهة الشمالية بجانب نهر دجلة ، وكان سورها الخارجي هو سور بغداد الممتد شمالاً، ولها سور داخلي بينها وبين المدينة . وفي حوادث سنة 1831 م يرد ذكر (السراي) كمقر للحكومة ، فعندما عزم الوالي علي رضا باشا على القضاء على المماليك في مذبحة تشابه ما فعله محمد علي باشا في مصر. إذ دعا المماليك (إلى اجتماع في ديوان الباشا بحجة الاستماع لقراءة الفرمان الذي وصل مؤخراً من اسطنبول. وكان السراي حينذاك قد امتلأت سطوحه وشرفاته وأروقته بالجنود المسلحين) (4).يقع السراي شمال القشلة وكان مقراً للوالي.

من المرجح أن العثمانيين اتخذوا موقع القشلة الحالي مكاناً لإنشاء قلعة أو قشلة سابقة ، وبفعل عوامل الاستعمال والاندثار والحروب والأحوال الجوية، يتعرض البناء إلى الاندراس والانهيار تدريجياً، حتى يأتي من يهدم البناء القديم ويشيد بناء جديداً يدوم عدة عقود.

كما توجد مصادر تتحدث عن انهيار بعض الأبنية في موقع القشلة بسبب انجراف أسسها بسبب مياه نهر دجلة. يذكر الباحث عماد عبد السلام أنه ( كانت تشغل مكانها الحالي قصور المماليك . وبعد انقراض حكمهم عام 1831 تحولت تلك القصور إلى ثكنات عسكرية، ثم تم تهديم تلك القصور القديمة ، وشيد في أرضها ثكنة كبيرة من طابق واحد عام 1851) (5) .

بناء القشلة :

بدأ بناء القشلة عام 1851 م في عهد الوالي نامق باشا (1851-1852) . إذ قام بتشييد العديد من المباني في بغداد. فقد أعاد بناء السراي بعد الخراب الذي لحقه ، إضافة إلى بنائه القشلة. وكانت بناية بطابق واحد. تشير بعض المصادر إلى أن جزأ من مبنى القشلة وهو الجزء الذي كان بجانب النهر قد تعرض للسقوط والانجراف ، وكان المبنى من طابق واحد لكن تم الاستعاضة عنه بإضافة طابق آخر من قبل مدحت باشا.(6)

أكمل الوالي مدحت باشا (1869-1872) البناء من أنقاض سور بغداد من الجهة الشرقية حيث تم هدمه، واستخدم آجر السور في تعمير السراي . كما بنى برجاً عالياً وسطها (7) .

يتضح من ذلك بأن أبنية القشلة تمثل أكثر من بناء وأكثر من وظيفة، فهناك (السراي) الذي ما يكون عادة مكتب الوالي العثماني ومسكنه ، ومقر الحكومة والموظفين. وعندما زار بغداد المبعوث الأميركي وليم فوك عام 1874 في عهد الوالي رديف باشا (1873-1875) ، ذكر أن ( الوالي لم يعد يسكن السراي وإنما جعل سكنه في قصر أنيق يبعد ميلين شمال السراي. وذكر أن السراي لم يكن فخماً ، وإنما ذا موقع بديع على شاطئ دجلة حيث يرسو زورق الباشا أمامه. أما القشلة فهي مكونة من بناء ضخم يلاصق السراي ويستوعب عدة آلاف من الجنود )).

التصميم المعماري للقشلة:

وهي بناية مستطيلة الشكل بثلاثة أضلاع ، مفتوحة باتجاه النهر. وتشير بعض المصادر أنها كانت ذات شكل مستطيل مثل بقية القلاع والثكنات العثمانية، لكن حدث أن سقط الضلع الغربي المجاور للنهر بسبب الفيضان (8) ، فأصبح فناؤها مكشوفاً على النهر مباشرة. وتم تعويض ذلك ببناء طابق علوي وبرج عالٍ وساعة كبيرة. ويرجح أن سقوط الضلع النهري كان في الفترة بين إكمال بنائها (أي بعد 1851) وبين إضافة الطابق العلوي عام 1869 .

تمتد على مساحة واسعة وبأبعاد 250 × 50 مترا. وتتوسطها ساحة داخلية غرست فيها أشجار ونباتات، حتى تصل إلى ضفة النهر حيث تتصل بالمسناة. وهي مبنية بالآجر (الطابوق) والجص. يقع مدخلها الرئيس في وسط ضلعها الشرقي. ولها مدخل آخر يربطها بالزقاق الذي يقع بينها وبين بناية المحاكم القديمة (المركز الثقافي البغدادي حالياً).

تتألف القشلة من طابقين ، تم بناء الأول عند تشييدها في عهد الوالي نامق باشا، وأضاف الوالي مدحت باشا الطابق الآخر فيما بعد. ويمكن ملاحظة الفارق المعماري في واجهة الطابقين . إذ تم تدعيم الجدران الداخلية الطابق الأول بأعمدة نصف أسطوانية مبنية بالآجر وموزعة على مسافات متساوية . ويبدو شكلها إلى شكل الأبراج وأسوار القلاع حيث تبدو قمتها مسننة. أما الأبراج الخارجية فهي موزعة أيضاً على مسافات متساوية وترتفع هذه الأبراج إلى طابق واحد.

تتشكل القشلة من قاعات طويلة كانت تستخدم لمنام الجنود ، إضافة إلى قاعات وغرف أخرى للضباط وإدارة الثكنة ومستلزماتها الخدمية ومخازن الطعام والأعتدة ومشاجب السلاح وحمامات. وتنفتح واجهة المبنى من خلال رواق طويل مسقف ، وتتصل بالباحة الداخلية مباشرة. أما الرواق الفوقاني فهو أشبه بشرفة مسقفة طويلة تتخللها أعمدة ، وسياج الشرفة يطل على الباحة الداخلية. وتبدو شبابيك القاعات وأبوابها على الرواق. يمتاز مبنى القشلة بخلوه من أية زخرفة أو مقرنصات عربية أو نقوش إسلامية مما يستخدم عادة في الأبنية العثمانية في أسطنبول كالقصور والمساجد وحتى محطات القطارات والأسواق.

بعد جلاء القوات العثمانية ودخول القوات البريطانية بغداد عام 1917 تم اتخاذ القشلة مكاناً لسكن الضباط البريطانيين وأسرهم. كما استخدم بيت الوالي مسكناً خاصاً للمندوب السامي البريطاني، ثم استخدم سجناً للمعارضين السياسيين.

في عهد الدولة العراقية الحديثة تم تتويج الملك فيصل الأول بتاريخ 23 آب 1921 في حدائق القشلة وأمام برج الساعة، ثم شغلت هذا المبنى عدة مؤسسات حكومية مثل مجلس الوزراء، وزارة الداخلية، وزارة التربية، وزارة الخارجية، وزارة العدل، ودائرة البريد ثم أخلي المبنى في ثمانينيات القرن العشرين.

الهوامش

1- عباس بن جواد بن رجب البغدادي / نيل المراد في أحوال العراق وبغداد/ تحقيق عبد الحسين مجيد/ مجلة المورد ، المجلد الثامن، العدد: الرابع ، (ص 525- 552) / ص 544.

2- أنستاس ماري الكرملي / مزارات بغداد / ص 183 .

3- عباس العزاوي / تاريخ العراق بين احتلالين / ج 4 / ص 293.

4- علي الوردي / لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث / ج 1 / ص 290 .

5- محمود شكري الآلوسي / أخبار بغداد وما جاورها من البلاد / ص366.

6- محمود شكري الآلوسي / أخبار بغداد وما جاورها من البلاد / ص 366 ، تحقيق عماد عبد السلام.

7- شريف يوسف / تاريخ فن العمارة العراقية في مختلف العصور / ص 570

8- نوار سامي مهدي / الاحياء في العمارة/ ص 124 ، دار الشؤون الثقافية، بغداد: 1997م

اخر الاخبار

اعلان

ad