الإثنين, يناير 25, 2021

ملامح الشخصية العراقية 2- 2 قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث . وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية “لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث” تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون . فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي ، وكانت له أبحاث أخرى مثل “شخصية الفرد العراقي” و “الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي” .

الصراع الثقافي في العراق:

يرى الوردي أن العراق بقي بلداً مفتوحاً على الصحراء ، ومنها تسللت إليه القبائل البدوية واستقرت فيه تدريجياً ، حتى غدا العراق بودقة إجتماعية تتفاعل فيها القبائل الجديدة القادمة من الصحراء مع سكان العراق القدماء . وعندما تأتي هذه القبائل تحمل معها قيمها وأخلاقها وعاداتها ، وتتفاعل مع السكان وقيمهم وعاداتهم فتتأثر بهم ، كما أن السكان يتأثرون بالقبائل . هذا التأثير المتبادل يسمى في علم الإجتماع بصراع الثقافات Clash of Cultures . ويؤكد الوردي بأنه دون التعمق في دراسة هذا الصراع لا نستطيع أن نفهم طبيعة المجتمع العراقي . ثم يأخذ في تقسيم العراق إلى مناطق جغرافية-ثقافية وهي :

1- المنطقة الجبلية : التي يسكنها الأكراد ، وفيها أقلية تركمانية تسكن في مدن وقرى واقعة في خط مستقيم تقريباً ، هو الخط الذي يكاد يفصل بين هذه المنطقة وبقية مناطق العراق . وفي المنطقة أقليات دينية كالآشوريين والايزيدية وبعض الطوائف المسيحية . وتأثرت هذه المنطقة بالقبائل الجبلية أكثر من القبائل الصحراوية .

2- منطقة ديالى : وتقع جنوب المنطقة الجبلية إلى الشرق من بغداد . وهي منطقة لها أهمية اجتماعية واقتصادية على الرغم من صغر حجمها . وهي منطقة زراعية تشبه من بعض الوجوه غوطة الشام ودلتا مصر . وقد امتاز سكانها بأنهم أقرب إلى قيم الحضارة من جيرانهم . فهم لا يستنكفون من زراعة الخضر . وهذا أمر له دلالة إجتماعية لأن زراعة الخضراوات تعد حرفة (وضيعة) في العرف القبلي .

3- منطقة الجزيرة : وهي المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات إلى الشمال من بغداد . وهي شبه صحراوية ، وتعد من الناحية الجغرافية امتداداً لبادية الشام. والقبائل التي تسكنها أشد تمسكاً بالقيم البدوية من القبائل الجنوبية ، إذ أنها أقرب منها عهداً بحياة الصحراء . فلهجتها قريبة من اللهجة الصحراوية ، كما أنها تعتنق المذهب السني السائد في صحراء العرب . أما القبائل الجنوبية فهي شيعية في الغالب .

   يشير الوردي إلى أن التشيع من العلامات التي نستدل بها على قدم السكنى في العراق ، حيث أن أكثر القبائل البدوية أخذت تعتنق المذهب الشيعي بعد مجيئها إلى العراق بزمن قصير أو طويل أمثال قبائل تميم والخزاعل و زبيد وكعب و ربيعة والخزرج والجبور وبنى لام . ويعلل الوردي هذه الظاهرة الإجتماعية بأن الظروف النفسية والإجتماعية التي تحيط بالقبائل هي التي جعلتها تتأثر بالدعاية الشيعية القادمة من المراكز الشيعية كالحلة والنجف وكربلاء ، والتي تبعث بالخطباء والدعاة في مواسم محرم وصفر ، وجذب الزوار إليها لزيارة المراقد المقدسة لأئمة أهل البيت (ع) .

4- منطقة الصحراء : وهي منطقة واسعة تقع إلى الغرب والجنوب الغربي من العراق . ولم تكن جزءً من العراق قديماً ، ولكنها أعتبرت جزءً منه في العهد العثماني لأغراض إدارية . وهذه المنطقة ذات طابع بدوي شامل ، وليس فيها من الصراع الثقافي إلا قليل .

5- المنطقة الرسوبية : وتشمل وسط العراق وجنوبه . وهي أكثر مناطق العراق أهمية من الناحية الإجتماعية والتاريخية. وأن القدماء إذا ذكروا العراق عنوا به هذه المنطقة . ويرى الوردي أن هذه المنطقة “هي التي أعطت العراق طابعه الإجتماعي الذي اشتهر به منذ قديم الزمان . وهي البودقة الرئيسة للمجتمع العراقي ، وفيها تبلورت الشخصية التي تميز بها الفرد العراقي بوجه عام” ( ص 145 ) . وهي المنطقة التي احتضنت الحضارة ، وتحمل مقوماتها إذا ما ازدهرت الزراعة فيها .

6- منطقة البصرة : وتقع أقصى جنوب العراق ، وتضم مزارع النخيل الكبيرة . ويمتاز سكان هذه المنطقة بأنهم أضعف من غيرهم في العراق في نزعتهم القبلية وفي تمسكهم بالقيم البدوية . وقد سماها الباحث الأنثربولوجي هنري فيلد Henry Field إسم “البقعة غير القبلية” . ويبدو أن طبيعتها البستانية قد أثرت فيها تأثيراً يفوق ما حدث في ديالى .

هذه التقسيمات تبدو بحاجة إلى مراجعة بسبب ما أصابها من تغيير ديموغرافي واجتماعي واقتصادي جراء سياسة نظام صدام حسين خلال ثلاثين عاماً ، من حروب وتهجير وقصف وتدمير قرى وإزالة أخرى من الوجود ، وسياسة الحصار وتجفيف الأهوار وغيرها من النكبات التي أصابت الشعب العراقي . كما حدثت تغييرات أخرى بعد سقوط النظام في 2003 ودخول عناصر ثقافية وسياسية جديدة فيها. 

مكونات الشخصية في الريف:

الشخصية بمعناها العلمي عبارة عن تركيب نفسي يتألف من صفات مختلفة ، وهو يميل نحو الإنسجام والتوافق مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فكل إنسان يملك شخصية خاصة به تميزه عن غيره من الناس . والناس يختلفون في نمط شخصياتهم تبعاً لتفاوت مقدرتهم على التجاوب مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فمنهم من ينجح ومنهم من يخفق. والإنسان هو صنيعة ظروفه وعوامله النفسية والاجتماعية . والشخصية هي نتاج الظروف الواقعية .

بقي الريف العراقي يحافظ على القيم البدوية حيث أن الفرد من القبائل العراقية يتمسك بهذه القيم التي هي مناط المفاخرات والمشاتمات . ويشعر كل فرد بميل قوي نحو الإتصاف بصفات الفخار والابتعاد عن صفات الشتيمة . والمشكلة أن الفرد في الريف يعاني من ضغوط غير موجودة في الصحراء مثل سيطرة الحكومة ، وجود الأسواق والمرابين ، تحول رؤساء القبائل إلى بداية حالة من الإقطاع بسبب تعسفهم في معاملة أتباعهم ، ظهور دوافع الربح وحب المال لدى بعض الريفيين و استغلال المرأة الريفية ، وأساليب الزواج وامتهان المرأة وقتلها لمجرد الشبهة .
فالفرد الريفي يبقى يعاني من ضغط الواقع عليه تجعله غير قادر على الإستمرار في التمسك بالقيم البدوية التي يحترمها ويعتز بها . وتضطره الظروف إلى الانحراف عن بعض الخصال البدوية ، ما يؤدي إلى ظهور الصراع في تكوين الشخصية الريفية . 

الوضع الإجتماعي في المدن :

أغلب مدن الوسط والجنوب تأسست في النصف الأخير من القرن التاسع عشر كقلعة صالح ، العمارة ، المجر الكبير ، علي الغربي ، الكميت ، شيخ سعد ، الكوت ، النعمانية ، الصويرة ، العزيزية ، الناصرية ، الشطرة ، الرفاعي ، قلعة سكر ، الحمزة ، الشامية ، أبو صخير ، المسيب ، الهندية والمحمودية . وهناك ثلاث مدن تأسست في القرن الثامن عشر هي الديوانية وسوق الشيوخ والزبير . أما الحي فقد تأسست في بداية القرن التاسع عشر ، والهاشمية تأسست في بداية القرن العشرين . ويعزو الوردي هذه الحالة إلى تغير مجاري الأنهار حيث تختفي مدن وتظهر أخرى على ضفاف النهر. 

هذه الظاهرة جعلت أغلب سكان هذه المدن من أبناء القبائل المجاورة ، فهم (لملوم) حسب المصطلح القبلي . أما في منطقة الجزيرة أو ديالى فالمدن باقية على قدمها بسبب ثبات مجاري الأنهار . فلم يطرأ عليها تغيير كبير من حيث مواقعها وأسمائها . ويعتقد الوردي أن الكثيرين من سكان هذه المدن هم من بقايا الأقوام القديمة ، وأنهم قد استعربوا في لغتهم وقيمهم الإجتماعية من جراء احتكاكهم بالقبائل المجاورة لهم .
وتعاني المدن من الصراع الثقافي حيث بقيت بعض العادات والقيم البدوية تتصارع مع القيم الحضرية ومظاهر المدنية من بنايات ودوائر ودور فارهة وسيارات حديثة وأجهزة كهربائية ومدارس وروضات أطفال ودور سينما وغيرها .

عادات بدوية باقية :

بقيت بعض القيم البدوية تأخذ أشكالاً متنوعة في السلوك ، فمثلاً نجد الكرم البدوي بالإهتمام بالضيوف وإكرام وفادتهم وتهيئة الطعام الجيد لهم . وإذا كان أهل المدن يفتقدون للمضايف ( الديوان المفتوحة سابقاً) فإن عادة إكرام الضيف بقيت جزءً من شخصية العراقي . وتتصاعد وتيرة الإطعام في المواسم الدينية كمحرم وصفر ورمضان . وما زالت عادة (الوير) أي دفع ثمن الشاي في المقهى أو ثمن التذكرة في الباص وغيرها . 
وهناك عادة أخرى هي عندما تزور بيتاً وقدم لك صاحب البيت شيئاً من الشراب والطعام ، وجب عليك أن تتمنع وتتعزز ، ووجب عليه أن يصر ويلح . وصاحب البيت لا يرحمك ، ويدفع الطعام إليك بالقوة ، وهو يقسم عليك بأكلها.

وعندما يزورك أحد ويقدم لك هدية ، فينبغي أن تتظاهر بقلة الإكتراث ، أو تقول له (ليش هالزحمة) حتى تقبلها باشمئزاز أو ترميها في زاوية من البيت . كما أن الزائر يدرك ذلك فلا يسلمك الهدية بنفسه بل يضعها في مدخل الدار أو في ركن من الدار كي لا يحرجك بتقديم الهدية ، فتشعر أنه صنع لك معروفاً ، فهو أحسن منك ، فتصعد عندك القيم البدوية المتأصلة . 
ويفاخر بعضهم بالموائد التي يمدها أثناء وجبات الطعام ، أو يتباهى بأنه يشتري أفخر أنواع الأطعمة والفواكه والملابس وغيرها . وقد يتكلف البعض في الولائم فوق طاقته من أجل أن يطريه الناس .
وبعضهم تقدم له الشاي أو الطعام فيقول لك لقد شربت أو أكلت للتو ، في حين أنه يرغب بتناول ما تقدمه له . هذه العادات مستمدة من قيم الأنفة والعزة والإباء التي هي من خصال الثقافة البدوية .
ويتميز المجتمع العراقي عموماً بالتماسك العائلي القوي ، ويمتاز أفراد العائلة بالتضامن وقوة الرابطة والوقوف مع بعضهم البعض أثناء الأزمات والمشاكل . فالعائلة تشعر كأنها عشيرة صغيرة تجاه غيرها . وكل عار أو فخار يصاب به أحد أفرادها لابد أن يصيب بقية الأفراد فيها . 

ظاهرة الإزدواجية في الشخصية العراقية :

إزدواج الشخصية ظاهرة اجتماعية موجودة في كثير من المجتمعات البشرية ، وهي قد تكون ضعيفة أو قوية تبعاً لتفاوت الظروف في كل مجتمع . وسببها وقوع المجتمع تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم ، فيضطر بعض الأفراد من جراء ذلك إلى الإندفاع وراء أحد النظامين تارة ، ووراء الآخر تارة أخرى . فهم يناقضون أنفسهم دون اكتراث ظاهر . والفرد العراقي يعاني من هذه الظاهرة بشكل كبير ، فهو يهيم بالمثل العليا والدعوة إليها في خطابه ومجادلاته وكتاباته ، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس بعداً عن تلك المثل في سلوكه وواقعه .

وهنا لابد من الإشارة إلى الإختلاف الواضح بين تعريف إزدواجية الشخصية لدى علماء النفس وعلماء الإجتماع . فالإزدواجية تعتبر من الناحية النفسية مرضاً نادراً يعتري بعض الأفراد . وهذا المرض شذوذ في تكوين الشخصية حيث يتقمص صاحبه شخصية معينة تارة ، وتارة شخصية أخرى . ويدعى أيضاً بإنقسام أو فصام الشخصية .

أما إزدواج الشخصية بالمعنى الإجتماعي فهو ليس مرضاً نفسياً ، بل هو ظاهرة اجتماعية . ويحدث لدى كثير من الناس الذين يعانون صراعاً ثقافياً . وقد تسمى هذه الحالة بـ(الثنائية الثقافية) . ويفسر بعض علماء الإجتماع هذه الظاهرة بأنه عندما يتعرض الفرد لمطاليب ثقافات اجتماعية متناقضة ، لاسيما في مراحل  نموه الأولى ، قد لا يتمكن من تكوين شخصية متكاملة في نفسه . فهو يحاول أن يوفق بين تلك المطاليب المتناقضة دون جدوى . ولهذا فهو قد يصبح ذا شخصية مزدوجة قليلاً أو كثيراً .

النزعة الجدلية في الشخصية العراقية :

يعلل الدكتور علي الوردي هذه الظاهرة بأن العراقيين يميلون إلى الجدل والولع به . وأن النزعة الجدلية قوية في الشخصية العراقية . ولعلها أقوى من أي بلد عربي أو إسلامي آخر . كما أن لها جذورها التاريخية ، حتى أن أمير المؤمنين علي (ع) قد قال عنهم أنهم ملأوا قلبه قيحاً . وبعد موته ازدادوا تعلقاً به وبمثله وقيمه حتى صار التراث الفكري في العراق مطبوعاً بطابع المثالية العلوية . وأخذوا يحلقون في تفكيرهم المثالي تحليقاً عالياً حين تخيلوا به نظاماً للحياة السياسية والإجتماعية مستمداً من السيرة الفاضلة لعلي (ع) . وهذه السيرة كان من الصعب تحقيقها بعد وفاة صاحبها .

كان تعرض العراقيين للظلم في العهدين الأموي والعباسي قد أدى إلى فجوة واسعة بين مثلهم العليا وواقعهم الإجتماعي والسياسي . وساعد على توسيع هذه الفجوة ظهور مذهب المعتزلة الذي يعتمد على الجدل المنطقي والأدلة العقلية في نشر عقائده . وحين كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها في القرن الرابع الهجري كانت النزعة الجدلية في أوج قوتها ، وكانت بغداد حينذاك عاصمة العالم الإسلامي ومركز الجدل المنطقي في آن واحد . 
وكانت النزعة الجدلية من أهم معالم النزاع الطائفي . فكان العوام يتحاربون بالخناجر والهراوات ، بينما كان الفقهاء يتحاربون بالأدلة العقلية . وعندما احتل العثمانيون العراق ، ازدادت النزعة الجدلية بسبب النزاع الطويل بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية . 

آثار النزعة الجدلية في الوضع المعاصر :

وبقيت النزعة الجدلية قوية حتى اليوم ، إلا أنها لم تقتصر على القضايا الدينية بل أخذت تدور حول مواضيع أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية . وللنزعة الجدلية جانب إيجابي حيث أنها تجعل الشعب أكثر ميلاً للإطلاع والقراءة وأوسع أفقاً من الناحية الذهنية ، ولكنها تحمل جانباً سلبياً هو أنها تجعله مشتت الأهواء والآراء ، لا يستقر على مبدأ واحد مدة طويلة ، ولا يعجب بزعيم أو يلتف حوله ويستمر على تأييده .

إن النزعة الجدلية تجعل الناس مثاليين في تفكيرهم أكثر مما ينبغي ، فإذا انتشر بينهم رأي أو ظهر زعيم ، فلابد أن يجدوا فيه نقصاً على وجه من الوجوه . فهم يتحمسون له في البداية ، ثم تقل حماستهم له شيئاً فشيئاً ، إذ أنهم يستخدمون تجاهه أقيستهم المنطقية ومثلهم العليا ، فيرونه أقل مما تصوروه في بادئ الأمر . وعند هذا يبدأون بالنفرة منه وبالإنفضاض من حوله .

من عيوب النزعة الجدلية أنها تعلّم الفرد أن يطلب من غيره أعمالاً لا يستطيع هو أن يحققها بنفسه . فهو يريد من غيره أن يكون مثالياً في أعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي ، ونراه عندئذٍ شديد النقد ، سليط اللسان ، يفترض في من ينتقدهم أن يكونوا معصومين من الخطأ . فإذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخّمها بأدلته العقلية . أما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها ، وقد يأتي بالأدلة ليبرهن على أنه لم يفعل سوى الصواب .

إن الفرد الجدلي يطالب بالحقوق أكثر مما يقوم بالواجبات ، وأدلته وانتقاداته جاهزة في كل الأحوال . فإذا تقاعس عن القيام بواجباته كما تقاعس غيره ، وضع اللوم على غيره وبرّأ نفسه منه . فهو قادر على أن يبرهن أنه قام بواجباته خير قيام ، وأن السبب في الآخرين .

من الجدير بالذكر القول أنه ليس جميع العراقيين على درجة واحدة في هذا الإزدواج . فالبعض منهم قد انصهروا في الثقافة الحديثة انصهاراً جعل ظاهرهم وباطنهم متقاربين . كما أن ظاهرة التدين قد هذبت قسماً كبيراً من حالة الإزدواج رغم أنها لم تختف بعد في أوساط المتدينين والمتمسكين بأهداب الدين .

وغالباً ما تكون مرحلة الطفولة هي التي تكسب الفرد شخصيته ، حيث تبقى الأسرة والوضع الإجتماعي والمستوى المعيشي وطبيعة العلاقات داخل الأسرة والمستوى التعليمي ذات تأثير على بناء شخصية الرجل أو المرأة .

إن المشكلة في أولئك الذين كانوا في طفولتهم أشقياء أو محرومين أو لم ينالوا قسطاً من الحنان والتربية السليمة ، ثم يصيرون رجالاً ، ويحصلون على الشهادات العالية أو يتسنمون مراكز النفوذ والسلطة . فهؤلاء المزدوجين يبقون يرددون المبادئ والقيم العليا أمام الناس ، بينما هم في سلوكهم الواقعي لا يختلفون عن غيرهم ، ولعلهم أكثر انحرافاً عن المبادئ التي ينادون بها .

إن المبادئ الحديثة التي جاءت إلى العراق طارئة ، إذ أنها لم تنبعث من طبيعة ثقافته الإجتماعية الأصيلة . فبقيت على شكل محفوظات وأناشيد وهتافات وشعارات . والفرد يتعلمها في المدارس ، ويقرأها في الصحف والمجلات والكتب ، ويسمعها في الإذاعة والتلفزيون ، وتلقى عليه في المظاهرات والإحتفالات . فتبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والإنتقاد فقط . ومن الصعب أن تتغلغل بتأثيرها في النفوس . فالفرد قد يجادلك على أساسها ، إنما هو لا يستطيع أن يغير سلوكه بها إلا في نطاق محدود جداً .
ولا ننسى أن الحكومات المتوالية على حكم العراق بقيت تردد الشعارات وتمارس عكسها ضد الشعب ، مما رسخ حالة الشعور بالتفاوت الفاضح بين القول والواقع .

ملامح الشخصية العراقية 1- 2 / قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

منهج الدكتور علي الوردي
يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث ، وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية “لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث” تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون ، فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي ، وكانت له أبحاث أخرى مثل “شخصية الفرد العراقي” و”الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي” .

يتميز أسلوب الوردي بسلاسة العبارة وبساطتها ، فهو يبتعد عن التكلف أو استخدام عبارات غامضة أو مصطلحات مبهمة على أذن القارئ العادي ، ويجعل الوردي من التاريخ مجموعة من القصص الممتعة التي تستهوي القارئ ، دون أن يخل ذلك بمادته العلمية أو سياقه التاريخي .هذا إضافة إلى توثيق ما يقوله بالوثائق وكتب الرحلات والدبلوماسيين ومذكرات السياسيين ومصادر تاريخية أخرى ، كما لا يفوته تدوين ملاحظة رجل عجوز أو زبون في مقهى أو غيرهم من الطبقات الشعبية . 

وكثيراً ما ينتقد الوردي الآراء النظرية التي تهدف إلى تثبيت منحى ايديولوجي معين حيث يجري التركيز على الدعاية السياسية أكثر مما تميل إلى كونها دراسة موضوعية واقعية . فينتقد مثلاً المنهج الوعظي في مخاطبة الشباب العربي بهدف خلق جيل من الشباب القومي الواعي أثناء المد القومي في بداية الستينات (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 9).

من المشاكل التي واجهها الوردي أثناء دراسته للمجتمع العراقي هي كيفية جمع المعلومات من أفراد الشعب . فيرى أن الأسلوب الغربي في الإستبيان أو طرق أبواب الناس لأخذ أرائهم في قضية ما غير ممكن لأن هناك “فجوة واسعة بين الشعب والحكومة . فالشعب يعتبر الحكومة عدوة له لا تأتي له بأية منفعة ، وكثيراً ما يأتي الضرر منها” . ويصف موقفه أمام الناس بقوله “وإذا جاءهم باحث إجتماعي حسبوه من جلاوزة الحكومة . فهو (أفندي) في ملابسه ، وبيده قلم ودفتر . أما إذا لبس الباحث ملابس اعتيادية (دشداشة) مثلهم ، ظنوا أنه جاسوس أرسلته الحكومة للتجسس عليهم . ولهذا كنت إذا أردت الدراسة أحاول نيل ثقتهم قبل أن أبدأ بالسؤال. وكنت أوجه إليهم الأسئلة تلقائياً ، وأحرضهم على الإجابة عن طريق إثارتهم وبعث الحماس والفخر فيهم”.

ولذلك يرى الوردي أن أفضل طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي وضعها العالم الألماني ماكس فيبر . وهي التي تعتمد على “التفهم” وتكوين “المثال النموذجي”. فهي ملائمة لمجتمعنا وظروفه الخاصة.
وينتقد الوردي ظاهرة التقليد التي كثيراً ما يقع فيها الباحثون والأكاديميون في تفكيرهم وأسلوب تنفيذهم لبرامجهم أو أرائهم . فيقول ” فنجد أحدهم مثلاً يدرس علم الإجتماع في جامعة أجنبية فيرجع إلى مجتمعه يريد أن يدرسه في ضوء ما درس هناك حرفياً ، ناسياً الفرق بين مجتمعه والمجتمع الذي درس فيه . إنه قد يظن أن الظواهر التي درسها هناك (قوانين عامة) تصدق على جميع الشعوب في العالم من غيرتفريق” (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 20 ).

تأثير البداوة في المجتمع العربي:

حاول الوردي تطوير نظرية قادرة على تحليل شخصية الفرد العراقي بشكل علمي مقبول . فقد تأثر ببعض الفلاسفة والمفكرين ، فكان يناقش أراءهم ويرى مدى إمكانية انطباقها على النموذج الذي يعنيه ، أي المجتمع العراقي ، وبلور آراءه في ثلاث فرضيات هي :

1- ازدواج الشخصية 2- التناشز الإجتماعي 3- صراع البداوة والحضارة . 

ويعترف الوردي بموضوعية أن هذه الفرضيات ليست من بنات أفكاره ، بل اقتبس كل واحدة منها من عالم اجتماعي معروف . فالأولى اقتبسها من (روبرت مريسون مكايفر1882-1970) والثانية من (وليم اوكبرن) والثالثة من (ابن خلدون) ، ثم وصف دوره هو بقوله “غير أني حورت وبدلت في كل واحدة منها ، قليلاً أو كثيراً ، لكي أجعلها أكثر انطباقاً وانسجاماً مع ظروف المجتمع العراقي وطبيعة تكوينه”. (صائب عبد الحميد / علي الوردي: عالم الإجتماع المثير للجدل ) / قضايا إسلامية معاصرة /العدد الثالث / ص 156).

ظل عنصر البداوة يحتل موقعاً هاماً في صياغة الوردي لنظريته . فهو يرفض النظرية التي تعتبر “البداوة مرحلة إجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها في مرحلة الحضارة” ، حيث يعتبرها مستمدة من نظرية التطور المشهورة التي صارت (موضة) علمية منذ ظهور داروين في منتصف القرن الماضي . فقد ظن العلماء يومذاك أن كل مجتمع بشري هو كالكائنات الحية لابد أن يمر في تطوره عبر التاريخ بسلسلة متتابعة من المراحل المحتومة . وهذه المراحل ، كما تخيلوها ، تبدأ بالمرحلة البدائية التي يعيش فيها الإنسان على الصيد و الإلتقاط  ، ثم تأتي من بعدها مرحلة البداوة التي يعيش فيها الإنسان على الرعي ، وتليها مرحلة الزراعة ثم مرحلة الصناعة.
ويستنتج الوردي “بأن البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الإجتماعي ، وليس من المحتوم على كل أمة أن تمر بها خلال تطورها عبر التاريخ . إن البداوة في الواقع نظام إجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء … وفي أكثر الأحيان لا تتخذ أمة ما نظام البداوة كنظام اجتماعي إذا كانت أرضها غير صحراوية”. ويعقب الوردي على أخطاء يتداولها بعض الباحثين مثل قولهم “أن العرب كانوا في جاهليتهم يعيشون في طور البداوة ، وهو طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم أثناء سيرها إلى الحضارة” . هذا ولم يشر الوردي إلى نشوء حضارات في المنطقة العربية قبل وأثناء عصر الجاهلية كاليمن والحضر وتدمر والمدائن . كما رد الوردي من يقول بأن أهم خصائص البداوة هو التنقل وقلة الإستقرار في الأرض ، فيعتبر ذلك خطئاً علمياً ينبغي تجنبه ، لأن ذلك يعني تشبيه البدو بالغجر وسكان الأسكيمو .

يصنف الوردي الوطن العربي إلى ثلاثة أصناف حسب تأثرها بالبداوة :

1- وجود الحضارة والبداوة جنباً إلى جنب ، فتسيطر الحضارة تارة والبداوة تارة أخرى ، كما في العراق والأردن والشام وتونس والجزائر والمغرب واليمن ، والصراع في هذه البلدان كبير وفي العراق أشد .
2- تكون البداوة أشد وأكثر تأثيراً من الحضارة . ولهذا فالصراع فيها ضعيف لا يظهر إلا في نطاق ضيق جداً . ويشمل هذا الصنف نجد والأحساء والعسير وليبيا ، والجزء الصحراوي من الجزائر وعمان والقسم الجنوبي من مصر (الصعيد) . ولم يذكر الوردي الكويت ودولة الإمارات والبحرين  مع أن الخصائص التي ذكرها تنطبق عليها مثل قلة السكان وكثرة البدو . ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الدول لم تتشكل بعد أو تظهر كدول أثناء تأليفه الكتاب في بداية ستينيات القرن الماضي .
3- والصنف الثالث هو الذي تكون فيه الحضارة أقوى أثراً من البداوة ، وأكثر تغلغلاً في الحياة الإجتماعية . ولا ينطبق ، برأي الوردي ، إلا على الوجه البحري أو القسم الشمالي من مصر . ونسي الوردي لبنان الذي يمكن تصنيفه ضمن هذه المجموعة الحضارية .

وقد مضى على هذا التصنيف حوالي ستين عاماً ، تغيرت فيه العديد من ملامح هذه الدول من ناحية أنظمتها الإجتماعية وأنماط حياتها الفكرية والسياسية والإقتصادية . وقد تبدو الحاجة إلى تقييم جديد .

يستمر الوردي في بحثه عن مكونات الحضارة في العراق وأسباب ضمورها وانتعاشها . فيؤكد أولاً على أن الحضارة تتميز بوجود الدولة فيها ، بينما تتميز البداوة بوجود العصبية القبلية . وأن العراق شهد في فترات كثيرة من تاريخه ظهور دول قوية تعمل على إنماء الحضارة فيه ، ولكن تلك الفترات لم تدم طويلاً ، إذ سرعان ما تحل الفوضى والنزاع كما في العهد العثماني . وبقي العراق متأثراً بالصحراء حيث لا يفصل بينها وبينه فاصل من بحر أو جبل . وبقيت الصحراء العربية من أعظم منابع البداوة في العالم .

الثقافة الإجتماعية:

حاول الوردي أن يحدد مفهوم البداوة ومفهوم الحضارة ، فهما متضادتان في الكثير من خصائصهما . لا يميل الوردي إلى استخدام لفظة الحضارة على الـ Culture أو Civilization، بل يفضل استخدام مصطلح “الثقافة الإجتماعية” لتدل على ذلك المصطلح الغربي .
يصف الوردي الثقافة الإجتماعية للأمة كالشخصية للفرد . فكما أن كل فرد له شخصيته الخاصة به ، إذ هو يتميز بها عن أي فرد آخر . كذلك تكون كل أمة من الأمم ، إذ أن لها ثقافة اجتماعية معينة ، لا تماثلها أية ثقافة أخرى في أية أمة .

تعرّف الثقافة الإجتماعية بأنها مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أية أمة من الأمم . وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها كالدين والأخلاق والقانون والفن والصناعة واللغة والخرافات وغيرها .

والثقافة الإجتماعية ليست مجموعة بسيطة مؤلفة من أجزاء متفرقة ، بل هي كلّ متماسك ومترابط ، بحيث تكون الأجزاء فيه متفاعلة فيما بينها تفاعلاً قوياً يجعلها ذات طبيعة جديدة لم تكن فيها عندما كانت منفردة . ويضرب مثلاً بظاهرة الكرم ، فطبيعة الكرم في المجتمع البدوي تختلف عن طبيعة الكرم في الحضارة ، فهي مطبوعة بطابع الثقافة البدوية . فقد نجد لها ما يشابهها في الثقافات الأخرى ، إنما هو تشابه بالإسم أو الشكل الظاهري فقط . ولذلك يقع الغربيون من مستشرقين أو رحالة في خطأ عند دراستهم للخصال البدوية ، إذ أنهم ينظرون فيها بمنظار ثقافتهم الأجنبية فيفهمونها على غير ما هي في الواقع .

وقد أشار بعضهم إلى أجزاء الثقافة البدوية دون أن يتعمقوا فيها . يقول المستشرق براون Eduard Browne : أن الفضائل الرئيسة في البداوة هي الشجاعة والكرم والضيافة والولاء للقبيلة والثأر . وحصرها مور في فضيلتين هما : الشرف والثأر . أما المستشرق الهنغاريا الأصل غولدزيهر Ignaz Goldziher فقد حصرها في واحدة ، هي المروءة ، ولكنه جعلها تشمل مظاهر شتى هي : الشجاعة الشخصية ، والشهامة التي لا حد لها ، والكرم إلى حد الإسراف ، والإخلاص التام للقبيلة ، والقسوة في الإنتقام ، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقولٍ أو فعل .

نظرية الوردي في البداوة:

يذكر الوردي أنه كان يقلب النظريات والفرضيات المعروضة أمامه ، فيناقش هذه ويرد تلك ، من أجل العثور على فرضية وافية تفسر هذه الظاهرة الإجتماعية ، وبعد بحث وتردد يتوصل إلى فرضية (التغالب) .
ويرى الوردي أن مركبات الثقافة البدوية هي ثلاث :

1- العصبية  : وهي الرابطة التي تربط الفرد بقبيلته ، ويحصل منها على ما يقوّم حياته فهي التي توفر له الأمن والحماية في مجتمع الصحراء الذي يحتد فيه الصراع على البقاء . 

2- الغزو : حيث تكون المنافسة على المكانة العالية في القبيلة تتحدد بالشجاعة والقوة والبأس في القتال ، فالحياة في الصحراء لا تحتمل الضعيف الجبان الذي يبقى ذليلاً محتقراً في قومه .

3- المروءة : وهي الصفة التي تضفي على شخصية البدوي صفات الشهامة ونجدة الضعيف أو حماية من يلجأ إليه في حالات السلم . كما أنه يقري الضيف ويساعد الجار أو المسافر بأقصى ما يستطيع .

ويختصر الوردي صفات الرجل البدوي بأنه يجب أن يكون “نهّاباً وهّاباً” أي تقاس شجاعته بغنائمه التي يحصل عليها من الغزو والنهب ، وبمقدار كرمه وبذله للآخرين . لذلك يصبح البخل دليلاً على الجبن والضعف ، لأن الشجاع لا يبخل . إنه واثق بأنه سينال بشجاعته غنائم أخرى ينفقها في خدمة ضيوفه واللاجئين إليه .
وفي نهاية بحثه يبدي الوردي تواضعه العلمي حين يقول “لست أدعي أن هذا البحث الذي قمت به حول البداوة كان بحثاً علمياً . والجدير بي أن أسميه (محاولة علمية) . والرجاء من زملائي الباحثين أن يعينوني فيه ويكشفوا عن أوجه الخطأ والصواب منه” . (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ ص 115)

صفات الشخصية البدوية:

ويحاول الوردي إثبات نظريته هذه (التغالب) من خلال استشهاده بأبيات من الشعر الجاهلي مثل قصيدة عمرو بن كلثوم التي يتفاخر فيها بالشجاعة وطعن الخصوم ثم يعرّج على التفاخر ببذل الطعام للآخرين .
ويبدأ في تحليل شخصية البدوي حيث يقول : البدوي يحب أن يكون غالباً لا مغلوباً في كل شأن من شؤون حياته ، إنه يريد أن يغلب بقوته وقوة قبيلته ، ويغلب بمروءته . ولهذا كان من الصعب على البدوي أن يكون موضع عطف أو رعاية أو تفضل من قبل أحد ، فذلك يعني في نظره دليلاً على الهوان والضعف . وعلى النقيض من ذلك ، نراه يشعر بالفخر حين يأتيه أحد يطلب منه فضلاً أو حماية . فهو يعد ذلك من علامات القدرة والمكانة في المجتمع .

إن نزعة التغالب تسيطر على شخصية البدوي وتجعله ينظر في كل الأمور حسبما توحي إليه . إنه يود أن يكون ناهباً لا منهوباً ، معتدياً لا معتدى عليه ، معطياً لا قابضاً ، مقصوداً لا قاصداً ، مغيثاً لا مستغيثاً ، مجيراً لا مستجيراً ، قادراً لا مقدوراً عليه ، حامياً لا محمياً ، مسؤولاً لا سائلاً ، مرجواً لا راجياً ، مشكوراً لا شاكراً …
وقد تفسر هذه المحدّدات العديد من السلوك التي تتميز بها الشخصية العراقية التي ورثت الكثير من هذه الصفات ، وتمارسها في شؤونها اليومية وحياتها الإجتماعية . 
ويأخذ الوردي في مناقشة صفات الشخصية البدوية وردود أفعالها ومواقفها تجاه الفضائل والرذائل ، فيذكر نزعة الحرب ، وعدم الإنضباط للدولة ، وأهمية النسب ، وصيانة المرأة وشرفها ، واحتقار المهن كالحدادة والنجارة والدباغة والحلاقة والحياكة ، والحساسية المفرطة للكرامة ، وحب الرئاسة والأمرة ، والنفرة من الطاعة والإنصياع ، والحسد والنفاق والإنتهازية والوفاء بالوعد . 

وحول قضية النزعة الدينية في البداوة ، يرد الوردي الآراء التي تقول بأن البدو لا يميلون كثيراً إلى دين ، ويرى الوردي أن هؤلاء يقيمون التدين البدوي من خلال معاييرهم الحضرية . ويعزو التدين في معناه الإجتماعي العام إلى وجود ثلاثة أركان هي : 1- العقيدة 2- الشعائر 3- الأخلاق . ويرى أن الركنين الأولين من التدين واضحين فيهم ، أما من حيث الركن الثالث أي الأخلاق فهم قد يختلفون فيه عن الحضر، فمن جانب نجدهم ذوي صدق وعفة وأمانة ، ومن جانب آخر نجدهم ذوي عصبية وثأر وغزو واعتداء ، وهي أبعد عن الأخلاق الدينية .

قضية تأريخية :

يطرح الوردي قضية خروج مجموعتين بدويتين ، هما خروج بدو العرب إلى العالم إثر الدعوة الإسلامية ، وخروج بدو المغول إليه ، بعد ذلك بستة قرون ، فنشأت من جراء هذين الخروجين إمبراطوريتان كبيرتان . ويعترض الوردي على آراء بعض المستشرقين الذين عقدوا مقارنة بين هذين الخروجين ، وانتهوا إلى القول بأنهما من طبيعة متشابهة ، وأن محمداً (ص) لا يختلف عن جنكيزخان كثيراً . فيقول:

هذا خطأ فادح لا نقرهم عليه ، وأن هناك فرقاً شاسعاً بين الخروجين ، والرجلين . ولا مجال للقياس بينهما

ويذكر الوردي آراء كبار المؤرخين وعلماء الإجتماع أمثال غوستاف لوبون والمستشرق أدوارد براون الذي يقول عن العرب بأنهم كانوا على حد تعبير أعدائهم الإسبان ” فرساناً وأبطالاً ، يمتازون بكثير من الرقة والدماثة”) على عكس المغول الذين كانوا متعطشين لسفك الدماء والقتل والتدمير والتخريب. 

لوحة عن جرائم المغول عند غزوهم بغداد

وفي الوقت الذي يرد فيه الوردي على آراء الذين يعللون تميز العرب عن المغول لأسباب قومية أو بما يسميه التعليل القائم على أساس من “الغرور القومي” ، يميل إلى “التعليل الديني” الذي يرى بأن الدين الإسلامي الذي حمله العرب عند فتوحهم جعلهم أقل قسوة وأكثر مروءة من المغول . وأن محمداً (ص) قد بعث في أصحابه وأهل بيته روحاً فياضة بمبادئ العدل والمساواة . وقد سار هؤلاء مع الجيوش البدوية الفاتحة ، فكانوا بمثابة (صمام أمان) فيها يردعونها عن السفك والظلم والتخريب جهد إمكانهم .

بالصور.. طبيعة ايران خالية من المواطنين في “يوم الطبيعة”

متابعة : وكالة نخلة

يحتفل الايرانيون في اليوم الثالث عشر من كل سنة جديدة بـ “يوم الطبيعة” والمعروف باسم “سينزده بدر”، حيث يخرجون من الصباح الباكر الى الحدائق والمتنزهات والمناطق الطبيعية والمنتجعات السياحية وتخلو معظم المنازل من ساكنيها ، خصوصا مع وجود اعتقاد في اوساط المجتمع الايراني من ان البقاء في المنزل بمثل هذا اليوم الذي يحمل الرقم (13) يجلب النحس لساكنيه.

غابة جبلية ترفيهية مغلقة
مدينة الالعاب الرئيسة في طهران مغلقة
متنزه مغلق

لكن الصورة هذا العام اختلفت كثيرا عن الاعوام السابقة ، بسبب تفشي فيروس كورونا ، فلم يحتفي الايرانيون بعيد النوروز كالاعوام السابقة وتقلصت مشترياتهم وتسوقهم الذي كان عادة يبدأ قبل شهر من حلول العام الجديد ، الى مستويات ملحوظة وتعرض اصحاب معظم المتاجر الى خسائر بسبب شحة الزبائن ، واضطروا الى اغلاق متاجرهم اما لعدم وجود حركة في السوق او تلبية للاوامر الحكومية التي قضت بغلق جميع المحلات والمتاجر باستثناء الصحية والغذائية والخدمية.

(جوجه كباب) الاكلة التقليدية في احضان الطبيعة
رقص تقليدي في يوم الطبيعة (السنوات الماضية)
تجمع الاهالي في المتنزهات (السنوات الماضية)

وخيم الصمت والسكون على معظم الحدائق والمتنزهات والغابات التي يلجأ اليها الملايين من اهالي طهران والمدن المحيطة بها في يوم الطبيعة ، بعد ان نشرت قوى الامن الداخلي افرادها على مداخل جميع الحدائق والمتنزهات والغابات ومدن الالعاب مانعة اي تجمع فيها او الدخول اليها، وكانت وزارة الداخلية الايرانية وخلية الازمة الصحية اصدرت قرارا يقضي بغلق كل الحدائق والمتنزهات والمناطق الطبيعية ، وناشدت المواطنين بالاحتفال بـ “يوم الطبيعة” في منازلهم ، كما ان الرئيس الايراني حسن روحاني ، حض مواطنيه على البقاء في المنازل والاحتفال بيوم الطبيعة في وقت لاحق. اما التلفزيون الايراني الرسمي فانه واصل نشر الاعلانات التي تؤكد “ان الاحتفال بيوم الطبيعة في خارج المنازل = تفشي اوسع لفيروس كورونا”.

نصب الخيام في المتنزهات (السنوات الماضية)

وفي يوم الطبيعة من كل عام كان الايرانيون يجلبون معهم ، الى اماكن الترفيه، مستلزمات الجلوس على الارض وعدة الشواء والخيام، وعادة تكون قطع الدجاج المشوية المعروفة باسم “جوجه كباب” هي سيدة المائدة في احضان الطبيعة، الى جانب المكسرات ، كما يحرص الايرانيون في مثل هذا اليوم على تناول الخس بعد غمسه في شراب السكنجبيل الذي يحضر من تركيب الخل مع العسل مع نكهة النعناع .

عمل عقدة في الاعشاب لتحقيق الاماني
فتيات طهرانيات يعملن عقدة في الاعشاب لتحقيق الاماني في العام الجديد

ومن النادر ان يرى المرىء في مثل هذا اليوم موائد الطعام بعدد قليل من الافراد ، لكون الاهل والاقرباء كلهم يتواعدون مسبقا للاجتماع حول مائدة واحدة تمتد على العشب لعدة امتار وبالوان مختلفة من الاطعمة . ويتخلل اجتماع افراد العائلة ، الغناء واحيانا الرقص على انغام الموسيقى . كما يتضمن برنامج الاحتفال زرع الشجيرات في المناطق العامة. ومن التقاليد الطريفة في هذا اليوم ، يقوم الفتيان والفتيات عادة بعمل عقدة في الاعشاب وذلك لتحقيق الاماني المرجوة في العام الجديد.

المصدر : وكالة نخلة للانباء 1 ابريل 2020

العالم الايراني الذي اطلقت امريكا سراحه يعلن عن نتائج واعدة لعقار جديد مضاد لكورونا

اعداد: وكالة نخلة

كشف العالم الإيراني الأستاذ في جامعة “تربيت مدرس”، البروفيسور مسعود سليماني، عن حصول نتائج ايجابية لاختبار أول عقار وطني الصنع مضاد لکورونا.

وأعلن سليماني في العاصمة طهران ، ان “الاختبارات الاولية على العقار الجديد كانت واعدة” ، واضاف “لقد تم صنع هذا العقار باستخدام الخلايا الجذعية ، وقد أعلن کثير من الأطباء عن رضاهم من الآثار الايجاية التي تركها هذا العقار على المصابين بفيروس كورونا”.

وتابع قائلا “ان هذا العقار هو ناتج جهد جماعي ساهم فيه كبار المسؤولين في وزارة الصحة الايرانية وكذلك مستشفى شريعتي ومستشفى مسيح دانشوري ، وانه الان في مرحلة الاختبار السريري”.

واوضح “لقد تم اختبار هذا العقار على المرضى الذين هي في المرحلة الاولى من الاصابة ، وان الاختبار تم على ثلاث مراحل ، وكانت النتائج تعافي المصابين خلال فترة من 3 الى 6 أيام”.

وشدد على “ان الامر المهم اليوم هو ان العقار المضاد لفيروس كورونا مازال في مرحلة الاختبار السريري، ويحدونا الامل بان نتوصل لنتائج مقبولة خلال الايام المقبلة، وان الابحاث النهائية والتكميلية لاجل اعتماد هذا العقار متواصلة ، وان النتائج النهائية لهذه الاختبارات سيتم الاعلان عنها في المستقبل المنظور من قبل وزارة الصحة الايرانية”.

وتعرض الدكتور مسعود سليماني، و هو من علماء الطب في تخصص الطب الترميمي وعلوم الدم، ومن النخب العلمية المعروفة عالميا، للاعتقال من قبل السلطات الامنية الاميركية عند وصوله الى مطار شيكاغو في 25 تشرين الاول/اكتوبر 2018، مستفيدا من تأشيرة معتبرة من نوع J-1. الا ان السلطات الاميركية اتهمته بالدخول غير القانوني لامريكا ومحاولته كسر الحظر المفروض على ايران، وتم نقله من مطار شيكاغو الى سجن في جورجيا . وقالت طهران ان الاميركيين تعمدوا ابطال تأشيرة سليماني وهو على متن الطائرة. وفي ديسمبر 2019 افرجت السلطات الاميركية عن سليماني ، وسلمته لسويسرا التي سلمته لوزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ، وذلك في عملية تم فيها الافراج عن باحث امريكي من اصول صينية يدعى شيو وانغ كان معتقلا في ايران بتهمة التجسس للولايات المتحدة.وكانت السلطات الإيرانية، أوقفت وانغ، طالب الدكتوراة بقسم التاريخ بجامعة برينستون، بتهمة التجسس حينما جاء إلى إيران لإجراء أبحاث تتعلق بتخصصه عام 2016.

الافراج عن مسعود سليماني ومارفقته لظريف من سويسرا

وحينما وصل البروفيسور سليماني الى طهران ، صرح قائلا “كنت اتحدث عن قضايا علمية في اميركا وكان الشرطة والسجانون والقضاة يغضبون بشدة ولقد ادركت بان السبب الاساس وراء غضبهم هذا هو منجزات ايران العلمية… ان الاميركيين يخشون من امتلاكنا العلم ولهذا السبب يجب ان نعمل على تقوية ابحاثنا العلمية كي تكون لنا مكانة في العالم ولاشك ان علماءنا يمكنهم تقديم خدمات قيمة للبلاد”.

وتابع “حينما قادوني الى السجن قالوا للسجناء انني إرهابي وجئت الى اميركا لكي اقوم بعملية تفجير كي لا يقترب السجناء مني الا ان ان هؤلاء لم يصدقوا هذه المزاعم ، كما ان الدناءة بلغت لديهم (السلطات الاميركية) حدا بحيث حينما كنت اقول لهم ان العديد من المرضى ينتظروني لمعالجتهم كانوا يقولون لي؛ لا مشكلة في ذلك، فليموتوا”.

المصدر : وكالات + فارس 28 مارس 2020

بسبب كورونا.. الايرانيون يستقبلون عامهم الجديد مقابل المرقد المغلق للامام الرضا في مشهد

متابعة : وكالة نخلة

في اول يوم من كل عام ايراني جديد ، كان الايرانيون ومعهم مسلمون شيعة من بلدان مختلفة، يستقبلون العام الجديد واعياد النوروز باقامة برامج واحتفالات خاصة في مرقد الامام علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد (شمال شرق) ، ومن ضمن هذه البرامج الاستماع الى كلمة للمرشد الاعلى السيد علي خامنئي ، الذي يصل الى مرقد الامام الثامن للشيعة ، لمشاركة مئات الالاف من المؤمنين باحتفالات دخول السنة الايرانية الجديدة.

لكن السنة الايرانية الجديدة التي بدأت يوم الجمعة ، اختلفت عن سابقاتها وذلك بسبب تفشي فيروس كورونا ، وقد اكد خامنئي للشعب الايراني بانه لن يشارك في المراسم السنوية التي تقام لهذه المناسبة في مرقد الامام الرضا ، حفاظا على صحة المواطنين في ظل الظروف الصحية الخطيرة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا ، في حين بادرت السلطات في مدينة مشهد الى اغلاق مرقد الامام الرضا بوجه الزائرين للحؤول دون تفشي الفيروس القاتل.

ومع ذلك فان مئات المواطنين تجمعوا في الشوارع والازقة المقابلة لمرقد الامام الرضا ، واستقبلوا العام الجديد بالدعاء والتضرع ، وشكّل تجمعهم صورا مؤلمة لاسيما ان الكثير منهم كان يقف امام مرقد الامام جاهشا بالبكاء لكونه حرم في لحظات دخول العام الجديد من “بركة” زيارة قبر الامام الثامن .

المصدر : وكالات + فارس 20 مارس 2020

قصور العباسيين في بغداد 2-2 القصر العباسي .. القصر الوحيد الذي بقي يطاول الزمن

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

6- دار الشجرة :

في الوقت الذي كان الأمراء الأتراك يحكمون بغداد ، كان الخلفاء العباسيون المغلوبون على أمرهم يقضون أوقاتهم في إنشاء القصور والتفنن في تنظيم البساتين والبرك والنافورات وغيرها للهوهم وأنسهم. ففي عهد المقتدر ، دار الشجرة – نسبة إلى الشجرة المصنوعة من الفضة كانت فيها- وقد وضعت الشجرة في وسط بركة كبيرة مدورة فيها ماء صاف . وللشجرة ثمانية عشر غصناً ، لكل غصن منها فروع كثيرة عليها الطيور والعصافير (المعدنية) من كل نوع مذهبة ومفضضة. وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها ذهب. وفي جانب الدار على يمين البركة تماثيل خمسة عشر فارساً على خمسة عشر فرساً قد ألبسوا الديباج وغيره،  وفي الجانب الأيسر مثل ذلك). 
وقد أنشيء بالقرب من قصر الفردوس (الجوسق المحدث) وهو دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة. 

7- القصر الحسني :

الذي بناه جعفر بن يحيى البرمكي، وكان يعرف باسم القصر الجعفري، وقصر الفردوس الذي شيده المعتضد في جوار القصر الحسني. وقد بناه ليكون موضع لهوه بعيداً عن مقر الخليفة وعيون الناس. وكان يعرف بالقصر الجعفري ثم أقام فيه المأمون فسمي بقصر المأموني . كما سميت المحلة الواقعة بجواره بالمأمونية نسبة إلى هذا القصر.
قال ياقوت (ثم انتقل القصر إلى المأمون ، فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه. واقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحير (حظائر) لجميع الوحوش). وقال تاج الدين ابن الساعي المؤرخ ، إن “هذا القصر صار إلى المأمون وكان من أكمل القصور وأبهاها، وأحب المواضع إليه وأشهاها، لاطلاله على دجلة وكماله في النظر، واشتماله على الروض والشجر، واكتسائه بالنور المشرق النائر، والزهر المونق الزاهر، فنزل بساحته ، وحلّ به حبى راحته ، وجرّر على رياض ذيوله، وطارد في ميدان سروره خيوله ، ملتذاً بسكناه، معتداً بهواه ، وصار منزل صيده وقنصه، ومحل نزهه وفرصه، واقتطع جملة من البرية فعملت ميداناً لركض الغلمان ، واللعب بالكرة والصولجان”. ومحلة المأمونية اليوم محلة عقد القشل والدهانة والهيتاويين وصبابيغ الآل. ثم أقام فيه الوزير الحسن بن سهل فسمي الحسني.
ويقال أن المعتضد وسّع القصر الحسني وأضاف اليه دوراً عديدة ، ثم ابتنى بين القصر الحسني وقصر الثريا لتمشي جواريه فيها وحرمه وسراريه. وكان قصر الثريا على مسافة ميلين عربيين (الميل العربي يساوي 2 كيلومتر) من القصر الحسني.  

8- قصر الرصافة للمهدي :

أمر المأمون ببنائه في شرقي نهر دجلة عام 151هـ، وهو أول مبنى أنشئ في هذا الجانب، وبنى له المنصور سوراً وخندقاً، فاتخذه الخليفة المهدي مقاماً له عام 151هـ وجعل ما حوله معسكراً لجنده، وبنى كبار القوّاد منازل لهم حول القصر. ثم تكاثرت المباني وتألفت من مجموعها محلة الرصافة جوار مشهد الإمام أبي حنيفة.

9- قصر الوضاح :

وقد بني للخليفة العباسي المهدي قرب رصافة بغداد وقد تولى النفقة رجل من أهل الأنبار يقال له وضاح فنسب إليه، وقيل الوضاح من موالي الخليفة أبوجعفر المنصور.  وذكر الخطيب البغدادي انه عند بناء بغداد أمر الخليفة المنصور باخراج الاسواق من المدينة إلى الكرخ، وان يبنى ما بين نهر الصراة إلى نهر عيسى، وان يبنى لأهل الأسواق مسجداً يجتمعون فيه يوم الجمعة لكي لا يدخلون المدينة ويفرد لهم ذلك، وقلد لهم ذلك رجلاً يقال له الوضاح بن شبا فبنى القصر الذي يقال له قصر الوضاح. ويقع في المنطقة التي سميت بالشرقية لأنها تقع شرق الصراة فهذا يدل على ان القصر بالكرخ.
وقد أشارت المصادر التاريخية إلى قصر الوضاح في الكرخ في الفتنة بين الأمين وأخيه المأمون والتي حدثت قرب سوق الكرخ في الجانب الغربي حيث ان قائد جيش المأمون طاهر بن الحسين حاصر قصر الوضاح وطارد الأمين حتى أسره وأمر حرسه من الأعاجم بقتله، فذبحوه من الخلف وذلك سنة 198ه‍. وذكر المؤرخ اليعقوبي 🙁 والكرخ السوق العظمى مادة من قصر وضاح إلى سوق الثلاثاء طولاً بمقدار فرسخين، ومن قطيعة الربيع إلى دجلة عرضاً مقدار فرسخ( .

10- القصر العباسي :

وهو القصر العباسي الوحيد الذي بقي من العهد العباسي. وقد بناه الخليفة الناصر لدين الله عام 576 هج/ 1181 م . ويذكر ابن جبير في رحلته  بأنه عندما زار بغداد عام 580 هج /    شاهد الخليفة الناصر لدين الله وهو يصعد من منظرته في الشاطئ الغربي لنهر دجلة إلى قصره في أعلى الجانب الشرقي.
وهناك رأي بأن المبنى في الأصل بناه قائد الجيوش شريف الدين إقبال الشرابي سنة 628 هج/   ليكون مدرسة تحمل اسمه، لكن الأدلة التاريخية لا تساند هذا الرأي لأن المدرسة الشرابية ليست في هذا المكان. 
وسمي القصر بدار المسناة ليكون للتنزه والمتعة ، ولذلك وضعت فيه نقوش وزخارف بديعة نحتت من الآجر . وتذكر بعض المصادر بأنها أول دار فرشت بالطابوق الملون. وكان الخليفة ملازماً لها. وقد تم تأثيثها بالأثاث الفاخر والفرش والسجاد والأواني الذهبية والفضية. وعين لها جيشاً من الحراس والخدم والطباخين وغيرهم. 
يتكون القصر من طابقين ، الطابق الأرضي أكثر ارتفاعاً من الطابق العلوي ، وكل منهما يضم مجموعة من الغرف الصغيرة نوعاً ما ، عدا أربع قاعات كبيرة. ويوجد رواق أمام أبواب الغرف من جهة ،  ويشرف على الباحة من الجهة الأخرى. ويستخدم عادة للمشي والانتقال بين الغرف بعيداً عن الشمس والمطر. يستند الرواق على ثمان دعامات في كل طابق إلا في القسم الشرقي حيث تم بناء إيوان كبير بارتفاع الطابقين معاً . والسقوف معقودة بالطابوق ، حيث لم يستخدم روافد من أي نوع ، بل جرى توزيع أحمال السقف لتصل إلى الجدران ثم إلى الأسس. 
توجد باحة وسطية مفتوحة على الهواء الطلق بأبعاد 21,5 × 20 متراً. وتوجد في وسط الباحة نافورة دائرية ترتفع عن الأرض. 

ولم ينس المهندس الذي شيد القصر تفاصيل كثير مثل فتحات التهوية والانارة.  وفيه من الزخرفة البديعة وجمال المقرنصات المنحوتة من الطابوق البغدادي بشكل فني بديع وتداخلات ذكية وماهرة تتناغم مع الاطار العام لمفردات البناء. وعلى بوابة القصر المرتفعة يوجد في إعلاها قسم تمت إزالته ، ولعله كان يضم كتابة تتحدث عن القصر واسم بانيه وسنة تشييده ، كعادة القصور والمدارس والجوامع العباسية. 
يقع القصر العباسي في الزاوية الجنوبية من مبنى وزارة الدفاع في منطقة باب المعظم وبجوار بيت الحكمة الحالي. يقع القصر على ضفة نهر دجلة لكنه لا يطل مباشرة على النهر بل توجد حديقة واسعة تبعده عن النهر بأكثر من 30 متراً . وهي مربعة ، مرصوفة حالياً بالطابوق ، تنمو الحشائش بين الطابوقات. وتوجد فيها بضعة أشجار بينها نخلات. ولعلها كانت جنة جميلة يقضي فيها الخليفة أوقاته متمتعاً بجمال النهر المنساب تحته.  

في العهد العثماني عانى المبنى من الاهمال وسوء الاستخدام ، مثل المدرسة المستنصرية التي نتحولت إلى دائرة كمارك ومخزن لملابس الجنود العثمانيين. ولم تصله يد الاعمال والصيانة إلا في العهد الملكي العراقي. ففي عام 1934 قامت مديرية الآثار القديمة والتراث العراقية عندما بدأت حملة لرفع الأنقاض والأوساخ والأتربة . كما أزيلت الأبنية المستحدثة التي أضيفت إلى البناء الأصلي في فترات مختلفة. وأجريت حفريات في بعض أجزائه ، وأظهرت أسس الأقسام المتهدمة منه . وتوصلت إلى معرفة مخطط  كامل للبناء ، وعليه جرت أعمال الصيانة التي أظهرته بالشكل الحالي عام 1980، (بحسب أستاذ الآثار ضياء نعمة).

قصور العباسيين في بغداد 1-2

كتب وتحقيق: الدكتور صلاح عبد الرزاق

قصور باب الذهب والخلد والتاج أولى صروح في مدينة السلام

تأسيس بغداد

في عام 145 هج/ 762 م قام الخليفة أبو جعفر المنصور بتأسيس مدينة بغداد. وامتازت المدينة الجديدة بكونها مدورة ، وهو شكل غريب في المدن الاسلامية، لكن بعض الباحثين (مصطفى جواد وأحمد سوسة) يرى أنها تقليد للتصميم البنائي لمدينة الحضر المدورة ، من حيث الشكل والمساحة، وآثارها ما تزال قائمة. كما أنها تشبه مدينة مأرب التي كانت مستديرة، وكذلك مدينة طيسفون (سلمان باك) جنوب بغداد. وكانت المدينة المنورة تقع في جانب الكرخ ، في موضع محلتي العطيفية والشالجية، وقريبة من الكاظمية. وقيل أن قطر المدينة من باب إلى باب مقابل كان يبلغ (2000) متراً ، ومساحتها تبلغ (180,000) متراً مربعاً . وقيل بأن مساحتها بلغت 3 ملايين متر مربع أو 3 كيلومتر مربع، وهو الأقرب. وبلغ عدد نفوس بغداد في أوجها بحدود مليون نسمة. وهو رقم كبير في تلك الفترة لم تبلغه أية مدينة في العالم طوال قرنين. وأصبحت بغداد مركزاً للحضارة العالمية والتمدن الاسلامي ومقراً للعلوم والفنون والآداب ، وزهت بالعلماء والأدباء والشعراء والكتاب والمترجمين وارباب الفنون والصناعات. وأنشئت فيها المساجد والمستشفيات والمراصد الفلكية والمدارس والمعاهد والكتاتيب وخزائن الكتب والمستشفيات ومعامل الزجاج والنسيج والورق. وفي بغداد وضعت أول خارطة للعالم سميت بالصورة المأمونية ، نسبة إلى المأمون. وقد فاقت ما قدمه اليونان من دراسات في الجغرافيا.

عمارة مدينة السلام

أحيطت المدينة بسورين وخندق ماء يفصل بينهما ، والخندق مدعم بمسناة ضخمة بنيت بالآجر . وعلى الأسوار توجد أبراج للمراقبة والتحصينات الدفاعية. وكان عرض السور الخارجي أو السور الأعظم كما يسمى في أساسه يبلغ 45 متراً ثم يصغر حجمه حتى يبلغ 12 متراً ونصف في أعلاه، وبارتفاع 30 متراً . ومن يدخل المدينة لابد ان يجتاز أحد الأبواب ، ثم يعبر فوق الخندق المائي.
كان لمدينة السلام أربعة أبواب: باب الشام، باب الكوفة ، باب البصرة، باب خراسان. والأخير كان يسمى أيضاً باب الدولة أو باب الاقبال ، لاقبال الدولة العباسية من خراسان. وعلى كل باب قبة معقودة عظيمة مذهبة ، وحولها غرف وممرات للجند والمشرفين على حركة الدخول والخروج.
وفي وسط المدينة خصص منطقة في الوسط هي الرحبة ، شيد المنصور فيها مسجداً كبيراً سمي بجامع المنصور. وحول الرحبة بنى الدوائر الحكومية كديوان الجند وبيت المال وديوان الرسائل وديوان الخراج وديوان الخاتم وديوان الحوائج وديوان الأحشام وديوان الفقات ومطبخ العامة. وقام بفرز الأراضي وفتح الشوارع وقسمها إلى محلات ، ورصف الشوارع بالحجر.

القصور العباسية:

كان المنصور قد قرر أن يسكن في المدينة فبنى قصوراً له ولأولاده وأقاربه وأمرائه مثل:

1- قصر باب الذهب:

المشهور بقبته الخضراء التي قلد بها خضراء الحجاج في واسط. وكان القصر معزولاً عن أي جوار سوى دار الحرس الذين يحرسون الخليفة وأسرته. وكانت هناك سقيفة كبيرة ، وممتدة على أعمدة مبنية من الطابوق والجص. وحول الرحبة تم بناء منازل أولاد المنصور الصغار ، ولعبيده القريبين منه.
كانت مساحة القصر 200متر في 200 متر . وكانت القبة الخضراء في وسطه ، وكانت ترى من أطراف بغداد لأنها كانت بارتفاع 40 متراً أي بارتفاع بناية ذات 12 طابقاً. وكان على رأس القبة تمثال على صورة فارس بيده رمح. وتحت القبة أنشئ مجلس كبير، في صدره إيوان عظيم على الطراز الفارسي، عرضه عشرة أمتار وارتفاع قوسه عن الأرض 15 متراً.
وكان قصر باب الذهب هو المقر الرسمي للمنصور والخلفاء الأوائل من بعده . ولم يقم الرشيد فيه ، لكن ابنه الأمين اتخذ منه بلاطاً له ولعائلته وحاشيته وخدمه. وكان الأمين قد تحصن بهذا القصر عندما هاجمته قوات أخيه المأمون عام 198 هج/ 814 م ، وتحصن رجاله بأسوار المدينة المدورة. وأصيب اللقصر بأضرار كبيرة بسبب قذائف المنجنيق. أما القبة الخضراء فظلت قائمة حتى سقطت عام 329 هج/ 941 م بسبب أمطار غزيرة مصحوبة برعد وبرق شديد، وقيل أنها أصيبت بصاعقة أحرقتها.


2- قصر الخلد:

وقد بناه المنصور بعد بضع سنين على نهر دجلة قرب باب خراسان. وسمي بالخلد نسبة إلى حدائقه الواسعة وتشبيها بجنة الخلد ، و (ما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق وغرض غريب ومراد عجيب ) على حد وصف الخطيب البغدادي. وتم بناء قصر الخلد عام 159 هج / 776 م وأختير ليطل على نهر دجلة ، بعكس قصر باب الذهب بعيد عن النهر. وقد أقام الرشيد في هذا القصر وعاش فيه طول إقامته في بغداد. ولم يبق شيء من هذا القصر.

3- قصر عيسى:

وقد بناه الأمير عيسى بن علي عم المنصور على نهر الرفيل فصار يسمى نهر عيسى. ويذكر ياقوت الحموي: إن قصر عيسى هو أول قصر بناه الهاشميون في أيم المنصور ببغداد.

4- قصر القرار

وهو مشابه لقصر الخلد ، واسمه مستعار من القرآن الكريم ( وإن الآخرة هي دار القرار) ، كما أطلق على الخلد من قوله تعالى (لهم فيها دار الخلد) .
وقامت زبيدة بنت جعفر العباسية ببناء القصر وكان يعرف باسم قصر زبيدة، وسكنه ابنها الخليفة الأمين. وكان يقع على ضفة دجلة ، وتم فرشه بأفخر الستائر والسجاد ، وتم تذهيب السقوف والجدران . وكان الأمين يخصص له يوماً يجمع فيه الندماء والشعراء والمغنين والعازفين، و كانوا يشربون النبيذ فيه تحيط بهم الجواري والقيان والولدان، وورد أن أبي نؤاس كان يحضر هذه المجالس.
كانت جدران القصر بيضاء اللون تحيط بها إزارة ذهبية . أما أبوابه فكانت ضخمة مزدانة بمسامير الذهب المرصعة بالجواهر النفيسة . وأما الفرش فكانت حمراء عليه صور للصقور من الذهب . وكانت أنواع الطعام الفاخر تقدم للضيوف وصنوف الفاكهة والبطيخ .
وقد قتل الأمين في قصرالقرار وبعث برأسه إلى أخيه المأمون فبكى، وتم حرق القصر من قبل الطاهر بن الحسين عام 197 هج/ 812 م ، حتى قال الشاعر عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثي الأمين فقال:
أقول وقد دنوت من القرار سقيت الغوث يا قصر القرار
رمتك يد الزمان بسهم عين فصرت ملوحاً بدخان ونار

5- قصر التاج

فقد وضع أسسه المعتضد وأتم بناءه ابنه علي المكتفي. وقد أصبح أهم مركز رسمي.وكان قصر التاج يطل على نهر دجلة جنوب القصر الحسني. وأنشئت له مسانة عظيمة لصد تيار النهر ومنع تأثير مياهه فيه. وكانت المسناة على هيأة خاصة لقصر التاج. وكان القصر يشرف على هذه المسناة كأنه التاج. وكان المعتضد قد أمر بهدم القصر الأبيض الكسروي في المدائن، وجلب آجره في مشارف التاج. وبنى المكتفي إلى جانب القصر قبة دعيت قبة الحمار لأنه كان يصعد إليها في سلم حولها على حمار صغير ، وكانت عالية مثل نصف الدائرة. فكانت تشبه ملوية سامراء في الصعود إليها.
في عهد المقتدر (908-932م) أقيمت مبان أخرى حول قصر التاج من بينها اصطبلات كانت تسع لتسعة آلاف من الخيل والبغال والابل .
وكان ضمن حريم قصر التاج البستان الجميل الذي اعتنى بانشائه الخليفة القاهر أخو الخليفة المقتدر
وخلفه سنة (932-934 م) ، وقد وصفه المسعودي بقوله: (وكان للقاهر في بعض الصحون بستان نحو من جريب، قد غرس فيه من النارنج، وحمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند. وقد اشتبكت أشجاره ، ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر ، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر. وقد جعل في ذلك الصحن أنواع الأطيار من القماري والدباسي والشحارير والببغ ، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار. فكان ذلك في غاية الحسن. وكان القاهر كثير الشرب عليه والجلوس في تلك المجالس).
وفي عام 1154 م شب حريق في قصر التاج بسبب صاعقة أصابته ، فاستمرت النار تشتعل فيه لمدة تسعة أيام حتى تحول إلى ركام، لكن أعيد بناؤه في عهد المستضيء.

المرجعية وانتفاضة تشرين (5-6) عدم اجبار الاخرين على التظاهر والاعتصام

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

رافقت التظاهرات ظواهر وسلوكيات مخالفة للأعراف الديمقراطية، مثل منع دوام الموظفين والطلاب عبر إغلاق الدوائر الحكومية والجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية للبنين والبنات. وبادرت مجموعات من المتظاهرين إلى إجبار العاملين فيها على الخروج، وكتابة (مغلق بأمر الشعب) على أبواب وواجهات تلك الأبنية.

إن منع الدوام وإجبار الموظفين والطلاب على الذهاب إلى ساحات التظاهر يؤدي إلى ضرر أخلاقي ومعنوي في إكراه مواطن على فعل أمر لا يريده . وهذا مخالف للدستور ( المادة 42) التي تضمن حرية الفكر والضمير والعقيدة لكل فرد، و(المادة 44) التي تضمن للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه، و(المادة 46) التي تمنع تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور.

إن إغلاق الجامعات والمدارس يسبب الخلل في العملية التربوية والتعليمية ، وعدم تمكن الطلاب من إكمال المناهج الدراسية . فتضيع الجهود ، وتقل فرص النجاح في الامتحانات، فتزداد نسبة الرسوب أكثر مما هي عليه في المحافظات الوسطى والجنوبية . من جانب آخر اشتكى أولياء الطلاب بأن تعطيل الدراسة سيكلفهم أموالاً إضافية على الدروس وتعويض ما فات أبناءهم من دروس.
إن إغلاق الدوائر الحكومية وإجبار الموظفين على عدم الدوام يعني تعطيل مصالح الناس ومعاملاتهم ، وبالتالي قد تسبب خسائر مالية أو ماشكل في مجالات عديدة.

إن غلق الطرق والشوارع منع من تنقل المواطنين والسيارات من مكان إلى آخر سواء لمراجعة دائرة أو مستشفى أو سوق أو أي نشاط آخر ، وبالتالي تعطل مصالح الناس بشكل غير مقبول إطلاقاً. وقد حدثت حوادث مؤسفة منها تلك السيدة التي احترقت سيارتها بعد سيرها على إطار محترق ، فاحترقت السيارة بسرعة، وفيها طفلة صغيرة، فيما تمكنت السيدة من إنقاذ نفسها وطفلها الآخر. وكذلك تلك السيدة المريضة التي كانت مع ذويها بطريقها إلى المستشفى في حالة طارئة. وبسبب إغلاق الطريق ، وتوقف حركة السيارات ، ففارقت الحياة لتأخرها عن الوصول إلى المستشفى وإنقاذها.

لذلك حرصت المرجعية على أهمية سير العملية التربوية ومصالح المواطنين. ففي خطبة جمعة كربلاء في 8 تشرين الثاني /نوفمبر 2019 أشارت المرجعية إلى أهمية مراعاة حرية المواطن في مشاركته من عدمها في التظاهرات . فهذا يمثل حقه وحريته ، ولا يجبره أحد على فعل أمر لا يريده ، فقالت “إن التظاهر السلمي حق لكل عراقي بالغ كامل، به يعبّر عن رأيه ويطالب بحقه، فمن شاء شارك فيه ومن لم يشأ لم يشارك، وليس لأحد أن يلزم غيره بما يرتئيه، ولا يليق أن تكون المشاركة أو عدم المشاركة مثاراً لتبادل الاتهامات بين المواطنين عند الاختلاف في الرأي، بل ينبغي أن يحترم كلٌ رأي الآخر ويعذره فيما يختاره”.

_______________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

المرجعية وانتفاضة تشرين (3-6) عدم الاعتداء على القوات الأمنية

كتابة واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

بهدف حماية المتظاهرين ، وممارسة حقهم الدستوري في التعبير عن الرأي والتظاهر ، فقد حرصت المرجعية على توفير كل السبل في تحقيق هذا الهدف دون خوف من اعتداء أو غيره. لذلك كررت خطابها إلى الحكومة وإلى القوات الأمنية بضرورة الامتناع عن استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 4 تشرين الأول/اكتوبر 2019 حذرت المرجعية من استخدام القوة ضد المتظاهرين بقولها “نأمل أن يعي الجميع التداعيات الخطيرة لاستخدام العنف والعنف المضاد في الحركة الاحتجاجية الجارية فيتفادون ذلك في كل الأحوال”. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 11 تشرين الأول/اكتوبر 2019 نددت المرجعية بـ “تصاعد أعمال العنف بصورة غير مسبوقة ، واستهداف أعداد متزايدة من المتظاهرين بإطلاق النار عليهم”. 


– في خطبة جمعة كربلاء في 25 تشرين الأول/اكتوبر 2019 ذكّرت المرجعية “القوات الأمنية بأن التظاهر السلمي بما لا يخلّ بالنظام العام حق كفله الدستور للمواطنين، فعليهم أن يوفّروا الحماية الكاملة للمتظاهرين في الساحات والشوارع المخصصة لحضورهم، ويتفادوا الانجرار إلى الاصطدام بهم، بل يتحلّوا بأقصى درجات ضبط النفس في التعامل معهم، في الوقت الذي يؤدون فيه واجبهم في اطار تطبيق القانون وحفظ النظام العام بعدم السماح بالفوضى والتعدي على المنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة”.
–   في خطبة جمعة كربلاء في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أشارت المرجعية إلى “اصطدامات جديدة مؤلمة ومؤسفة بين الأحبة المتظاهرين والمعتصمين وبين رجال الأمن وغيرهم، وقد أسفرت عن سفك مزيدٍ من الدماء البريئة وتعرض أعداد كبيرة من الجانبين لإصابات مختلفة، وتزامن ذلك مع الاعتداء بالحرق والنهب على العديد من الممتلكات العامة والخاصة”.


– “انّ الدماء الزكية التي سالت خلال الأسابيع الماضية غالية علينا جميعاً ومن الضروري العمل على منع إراقة المزيد منها، وعدم السماح ابداً بانزلاق البلد الى مهاوي الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب، وهو ممكن إذا تعاون الجميع على حلّ الأزمة الراهنة بنوايا صادقة ونفوس عامرة بحب العراق والحرص على مستقبله”.
–  “إنّ المرجعية الدينية تجدد التأكيد على موقفها المعروف من إدانة التعرض للمتظاهرين السلميين وكل أنواع العنف غير المبرر، وضرورة محاسبة القائمين بذلك، وتشدّد على الجهات المعنية بعدم الزجّ بالقوات القتالية بأيّ من عناوينها في التعامل مع الاعتصامات والتظاهرات السلمية، خشية الانجرار إلى مزيد من العنف”. 
– في خطبة جمعة كربلاء في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ألقت المرجعية بمسؤولية المحافظة على المتظاهرين على القوات الأمنية بقولها “إنّ المحافظة على سلمية الاحتجاجات بمختلف أشكالها تحظى بأهمية كبيرة، والمسؤولية الكبرى في ذلك تقع على عاتق القوات الأمنية بأن يتجنبوا استخدام العنف ـ ولا سيما العنف المفرط ـ في التعامل مع المحتجين السلميين فانه مما لا مسوغ له ويؤدي الى عواقب وخيمة، وقد لوحظ أن معظم المشاركين في الاحتجاجات يراعون سلميتها ويتجنّبون عن التعرض للقوات الأمنية والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة، فينبغي توجيه القلّة التي لا تزال تتعرض لها بالكفّ عن ذلك، ليبقى مشهد الاحتجاجات نقياً من كل ما يشينه”.


– في خطبة جمعة كربلاء في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 حذرت المرجعية المتظاهرين من الاعتداء على القوات الأمنية وحرق الممتلكات العامة والخاصة، وعبرت عن “ادانة الاعتداء على القوات الأمنية والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة. ويجب ملاحقة ومحاسبة كل من تورّط في شيء من هذه الاعمال ـ المحرّمة شرعاً والمخالفة للقانون ـ وفق الاجراءات القضائية ولا يجوز التساهل في ذلك”.
– من جانب آخر سعت المرجعية إلى تعديل الصورة التي رافقت نقدها للقوات الأمنية سابقاً ، وأنها لن تنسى ما قدموه سابقاً في مواجهة الارهاب ، أو دورهم في حفظ الأمن للمجتمع، وأنه لا يجب الانتقاص من القوات الأمنية في كل الأحوال ، وقالت “إنّ اعزتنا في القوات المسلحة ومن التحق بهم في محاربة الارهاب الداعشي والدفاع عن العراق شعباً وأرضاً ومقدسات لهم فضل كبير على الجميع ولا سيما من هم مرابطون الى اليوم على الحدود وما يتبعها من المواقع الحساسة، فلا ينبغي أن ننسى فضلهم ولا يجوز أن يبلغ مسامعهم أي كلمة تنتقص من قدر تضحياتهم الجسيمة، بل اذا كان يتيسر اليوم اقامة المظاهرات والاعتصامات السلمية بعيداً عن أذى الارهابيين فإنما هو بفضل اولئك الرجال الأبطال، فلهم كل الاحترام والتقدير”. 


– في خطبة جمعة كربلاء في 6 كانون الأول/ديسمبر 2019 دعت المرجعية إلى “إن مساندة القوات الأمنية واحترامها وتعزيز معنوياتها وتشجيعها على القيام بدورها في حفظ الأمن والاستقرار على الوجه المطلوب واجب الجميع، فإنه لا غنى عن هؤلاء الاعزة في تفادي الفوضى والإخلال بالنظام العام، وقد لاحظ الجميع ما حلّ ببعض المناطق لما لم تستطع القوات الأمنية القيام بما يتوقع منها في هذا الصدد”. 


– أشادت المرجعية بدور رجال العشائر الذي لبوا نداء المرجعية بتمييز صفوف المتظاهرين عن المندسين والمخربين ، وضرورة وقف العنف وعمليات حرق الأبنية والمحلات. فكانت عشائر الناصرية قد خرجت إلى الشوارع لفرض الأمن والنظام. الأمر الذي أدى إلى هدوء الأوضاع بعد أيام دامية، فقدمت المرجعية شكرها إليهم بقولها “هبّ رجال العشائر الكرام فقاموا بدور مشهود في حماية السلم الاهلي ومنع الفوضى والخراب، فلهم كل الشكر والتقدير على ذلك، ولكن ينبغي العمل على أن ترجع الامور الى سياقها الطبيعي في جميع المناطق من تحمل القوى الأمنية الرسمية مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار وحماية المنشآت الحكومية وممتلكات المواطنين من اعتداءات المخربين، مع التزامها بالتصرف بمهنية تامة في التعامل مع كل الاعمال الاحتجاجية لئلا تتكرر مآسي الاسابيع الماضية”.

العتبة الكاظمية صرح يناطح الزمن (3-3)

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

إعمار الروضة الكاظمية عام 2004 :

بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وتأسيس ديوان الوقف الشيعي شهدت الروضة الكاظمية توسعات كبيرة واعمار جديد. إن أهم أهداف ديوان الوقف الشيعي هو إعمار وتأهيل وتوسعة العتبات المقدسة بشكل عصري وقادر على توفير مساحات مناسبة لتزايد عدد الزوار، وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وإدارة العتبات وفق أساليب علمية حديثة، ومنذ أيامه الأولى بدأ الديوان بحملة واسعة لإعمار العتبات والمراقد الدينية في أنحاء العراق ، وتم تخصيص موازنات كبيرة في الأعوام 2004 و2005 لهذا الغرض.

وخلال الفترة التي قضيتها في الوقف 2004 -2009 شهدت العديد من الإنجازات ، وشاركت في مناقشة خططها ، وقمت بزيارات عديدة لتلك المشاريع.

لقد كان ضيق المكان المحيط بالقبر الشريف للامامين الجوادين، أكبر معاناة يواجهها الزوار ، حيث كانت الجهتان الشرقية والغربية من الجدران تبعد مسافة 80 سنتمتراً فقط عن الشباك. إذ تستند القبتان ومن الجهتين على جدار سميك سمكه أكثر من مترين. وجاءت فكرة التوسعة من قبل الدكتور محمد علي الشهرستاني الذي أنجز توسعة مشابهة في الحرم الرضوي في مشهد. وتتلخص التوسعة في إزالة الجزء البارز من الجدار وعرضه 125 سنتمتراً ، وتقوية الجدار من خلال ثقبه وإنزال الحديد المسلح ثم صب الخرسانة داخله، ليكون قادراً على تحمل وزن القبتين. وكان بعض من يسمع بالفكرة  يعارضها ويقول إن فيها مجازفة بسبب احتمال انهيار القبتين ، وكان الدكتور الشهرستاني يعرض مخططاته وحساباته بشكل يدعو للإطمئنان. وقد أيدت الفكرة بقوة لأنها ستخدم زوار الإمام الكاظم (ع).

بدأ العمل في أعلى الجدار، وتم صب الخرسانة المسلحة، ثم بدأت عملية إزالة الجزء الزائد من الجدار. وكان على الجدار خط معرّق من أنفس ما تحويه العتبة الكاظمية من الخطوط العربية ، والخط يحيط بالروضة المطهرة بشكل أفقي كالحزام ، وكي لا يضيع هذا الكنز تم إعادته على الجزء الذي ظهر من الجدار، ولكن ارتفع نحو الأعلى ثم سار أفقياً ليعود بعدها أفقياً ، ومن يزور الروضة الشريفة يلاحظ ذلك.

في 20 نيسان 2004 أقمنا احتفالاً مهيباً في الصحن الكاظمي حضرته شخصيات أكاديمية ودينية وسياسية، إضافة إلى وسائل الإعلام التي سُمح لها بدخول الحرم المطهر. وتم تكريم الدكتور محمد علي الشهرستاني بدرع وشهادة تقديراً لجهوده الكبيرة في إعمار الروضة الكاظمية.

شباك جديد للروضة الكاظمية :

ومن انجازات الديوان في السنوات الأولى هو تبديل شباك المرقد الكاظمي. وكان الشباك قد صُنع في إيران وبتبرع من الإيرانيين ، في عام 1980 لكن غزو نظام صدام لأراضي إيران ونشوب الحرب بين البلدين ، جعل الحكومة الإيرانية تؤجل عملية الاستبدال إلى وقت آخر. بقي الشباك مخزوناً في إيران حتى سقوط صدام ، عندها فاتح الإيرانيون الوقف الشيعي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستبدال الشباك القديم بالجديد. تم شحن قطع الشباك ووصل إلى بغداد ، وتم خزنه في الرواق الشمالي للروضة الشريفة. كما وصل عدد من الفنيين والعمال الإيرانيين . وكان العمل كله بإشراف الدكتور المهندس محمد علي الشهرستاني (1932- 2011) وهو ذو خبرة طويلة في مجال الإعمار والبناء وخاصة العتبات والمراقد الدينية. في 17 نيسان 2005 تمت إزالة الشباك القديم وظهر صندوقان خشبيان ، أحدهما للإمام الكاظم (ع) والآخر للإمام الجواد (ع) .

مشاهداتي داخل الضريح المقدس :

أثناء العمل زرت الروضة الشريفة بعد إزالة الشباك الفضي.  وقفت بين الصندوقين وقمت بتقبيل الأرض من جهتي الرأس والرجلين. وكان الصندوقان من الخشب الساج عليهما نقوش وزخرفة وآيات قرآنية. وكتب عليهما تاريخ الصنع وهو عام 936 هج ( الموافق عام 1529 ميلادية) في عهد الشاه اسماعيل الصفوي . وهذا التاريخ يعني أن بغداد والعراق عموماً كان تحت السلطة الإيرانية بزعامة الشاه طهماسب (حكم 1524-1576م) والذي أولى رعاية خاصة للعتبات الشيعية. وتوجد كتابة أخرى توضح تاريخ تجديد الشباك من قبل الحاج عبد الهادي الجلبي عام 1363 هج الموافق عام 1944 ميلادي.

عندما أزيل الصندوقان شاهدت قبر الإمام الجواد (ع) مفتوحاً من خلال فتحة بأبعاد 20 × 20 سنتمتراً . وكان يُراد وضع قطع من المرمر. ويبدو أن أرض القبر الشريف التي يقف عليها الشباك ويطوف الزائرون عليها هي بمثابة سقف لسرداب عميق  تم دفن الجسدين الطاهرين فيه  قبل  اثني عشر قرناً.  كان المكان تغمره القدسية والروحانية والهيبة . وقد تشرفت بأداء صلاة ركعتين في مكان مقدس، ولا يتاح ذلك مرة أخرى ، ربما بعد قرن من الزمن في عملية إعمار قادمة. تم توسعة أساس الشباك لأن الشباك الجديد أوسع من الشباك القديم. كما تم حفر خندق حول القبر على عمق مترين وبسمك 25 سنتمترا ، ثم وضعت الخرسانة فيه مع مواد مانعة للرطوبة. والغرض من الجدار الخرساني هو حماية الضريح من الرطوبة حيث كانت آثارها بادية. وشاهدنا ثلاث قنوات من الضريح إلى الخارج، تقع تحت الأرضية المرمرية ، وهي على ما يبدو قنوات تهوية بنيت في العهد الصفوي كانت تقوم بتهوية القبر ، وعدم تجمع الرطوبة أو المياه الجوفية، لكن الذين جددوا البناء في الأربعينيات من القرن العشرين لم يعرفوا ماهية هذه القنوات فأغلقوها جهلاً بوظيفتها.

تم نصب الشباك الفضي ، والإزارة الذهبية في الأعلى ، ووجدت محفورا على الباب انه من إيران وتم إهداؤه في عهد زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992م). وعندما كان العمل يجري لإكمال الشباك اقترحت إنارة القبر من الداخل، لأننا اعتدنا أن تكون قبور الأئمة مظلمة ، أو ضوء أخضر خافت ، في حين يجب أن يشع القبر بنور الإيمان والهداية والقدسية التي يحتلها الأئمة (ع). كما وجدنا أن الزخرفة الداخلية للشباك والمرسومة في أعلى الشباك وعلى الخشب بسيطة جداً، وقد تم تكليف فنانين ونقاشين عراقيين لوضع نقوش وزخرفة جميلة ، فجاء عملهم آية في الفن والجمال ، وكان الشباك الجديد عالياً ، فبدت الثريا المتدلية على الشباك واطئة جداً ، فاقترحت رفعها متراً واحداً كي تظهر واضحة ، وأن يبرز جمال الشباك ، كما تم تبديل الأرضية بالمرمر الأخضر الفاخر ، وتم إيجاد مجرى لتصريف مياه غسل وتطهير الأرضية. وتم افتتاح نصب الشباك الجديد في حفل شاركت فيه شخصيات حكومية وسياسية ودينية.   

بعد مرور عقود على تذهيب القبتين ، أصبح لونهما باهتاً، وعلاهما الصدأ أو التأكسد جراء التأثر بالأجواء. فكان لابد من إعادة تذهيبهما ، وهناك حاجة لأكثر من سبعين كيلوغراما من الذهب ، قسم منه متوفر في حساب العتبة في مصرف الرافدين. إذ كانت الهدايا والمخشلات الذهبية تذوّب وتُخزن في المصرف. وتم شراء قرابة أربعين كيلوغراما من الذهب ، على ما أتذكر، لإكمال المخزون. تم استدعاء فنيين من إيران لديهم خبرة في طرق الذهب ليكون طبقة رقيقة جداً تُغلّف بها الكاشية المربعة التي ترصف بها القبتان والمنائر ، وأثناء العمل قمت بزيارة موقع العمل ، فصعدت سلماً ضيقاً حتى وصلت إلى سطح المرقد ، وتجولت في السطح ، كما قمت بإطلالة من خلال شبابيك القبة ، فشاهدت الزائرين من فوقهم. وهناك التفت إلى أن ارتفاع القبة التي تعلو المرقد أقل ارتفاعاً من القبة الظاهرة من الخارج. وسألت المهندسين فدلوني إلى سلم يصل إلى داخل القبة الذهبية ، وحينها عرفت بأنه توجد هناك قبتان: داخلية وهي التي يراها الزائرون من ألاسفل، ومنها تم تعليق الثريا الكبيرة فوق المرقد. وأخرى فوقها وأعلى منها بعدة أمتار، ومدعّمة بأعمدة وجدران من الآجر تمسك القبة الخارجية .

بدى لي أن من أنشأ العتبة كان في ذهنه بناء صرح ضخم يليق بالأئمة (ع) وليس تشييد مرقد أو ضريح. وذلك لأن الفخامة في ارتفاع السقف واستخدام أعمدة تتجاوز العشرة أمتار ارتفاعاً ، توحي بالعظمة والسمو. كما أن تزيين الجدران الداخلية بالمرايا الصغيرة لتغليف المقرنصات تعطي انطباعاً بالأبهة والفخامة. إن بناء قباب عالية كان يرمي لتحقيق هدف واضح ، وهو أن تُرى القباب من مكان بعيد أي في أطراف بغداد. فهي بالحقيقة أبراج ذهبية ، لو حسبنا ارتفاعها من الأرض، وليست مجرد قباب لضريح والله أعلم.

الجدير بالذكر قامت إدارة العتبة بمشاريع أخرى مثل:

1- صيانة شباكي ضريح الشيخ المفيد (رض) والشيخ الطوسي (رض).

2- استبدال أبواب الطارمات الفضية والخشبية بأبواب ذهبية، وعددها تسعة.

3- إنشاء صحن جديد من الجهة الشمالية بمساحة 7000 متر مربع تقريبا.

4- إكساء أرضية الصحن الشريف.

5- مشروع الكاشي المعرّق للأواوين وصيانة حجرات الصحن الشريف والغرف العليا وتأهيلها.

6- إعمار أبواب ومداخل الصحن واستحداث ثلاثة أبواب جديدة.

7- مشروع صحن الإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه) من الجهة الغربية وصحن الإمام علي (عليه السلام) المحاذي لصحن التوسعة ومشروع المرافق الصحية والحمامات.

8- مشروع إعمار مكتبة الجوادين (ع) التي أسسها السيد هبة الدين الشهرستاني (1884-1967)

9- نصب مظلات كبيرة في الصحن لحماية المصلين والزوار من أشعة الشمس.

ان هذه المشاريع المتوالية والمتعددة تهدف إلى إدامة هذا الصرح المقدس وصيانته وتطويره فهو الصرح الذي يؤمّه المسلمون من مختلف البلدان الذين ازدادت أعدادهم فأصبحت الحاجة إلى استحداث بعض المرافق الخدمية والصحية والإنشائية ــ والتي من أضخمها وأكبرها مشروع توسعة الصحن من الجهة الشمالية ــ لاستيعابهم وتقديم أفضل الخدمات لهم.

إدارة العتبة الكاظمية :

في الأول من تشرين الأول اكتوبر عام 2012 أقر مجلس النواب العراقي قانون الوقف الشيعي برقم (57) لعام 2012 . تنص المادة (9-ه) تشكيل دائرة إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية . وتم تأسيس إدارة لكل عتبة مقدسة يرأسها أمين العتبة الذي يرشحه رئيس الديوان بموافقة المرجع الأعلى في النجف الأشرف. يبقى الأمين العام لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط . وأمين العتبة موظف حكومي بدرجة مدير عام ، ويعاونه مجلس إدارة يتولى الاشراف على أعمال الاعمار والخدمات والمشاريع وغيرها.

تقدم إدارة العتبة الكاظمية الخدمات التالية:

1- توفير المياه وأنظمة التكييف المركزي والانارة والتنظيف .

2- أعمال الصيانة المستمرة للأبنية والسلالم والأروقة والأجهزة الكهربائية.

3- تجهيز منظومة كاميرات لمراقبة الزوار داخل الحرم وخارجه .

4- توفير المصاحف وكتب الزيارة والتربة الحسينية والرحلات للصلاة وفرش السجاد.

5- توفير الحراسات والحمايات والمفتشين من الرجال والنساء.

6- نقل الزوار كبار السن والمرضى والجنائز بسيارات كهربائية من وإلى العتبة.

7- إنشاء موقع ألكتروني لنشر الأخبار والمشاريع ومواقيت الصلاة . ويضم معرضاً للصور ومكتبة صوتية للأدعية والقصائد الحسينية . كما يوفر معلومات عن إنشاء العتبة وتاريخها عبر العصور.

8- إصدار كتب تاريخية وعقائدية ، ودوريات ومجلات ثقافية دورية مثل (ق والقرآن المجيد) و (منبر الجوادين) و (حشدنا أملنا) ، وللأطفال والشباب (براعم الجوادين) و (زهور الجوادين) و (شباب الجوادين).

9- توفير الكتب التاريخية والعقائدية وغيرها في مكتبة الجوادين (ع) الواقعة في الركن بين باب المراد وباب القبلة. وتضم المكتبة آلاف الكتب والموسوعات وقاعات للمطالعة للباحثين والدارسين.

10- تم افتتاح مركز الجوادين للوثائق الكاظمية الذي يضم وثائق تاريخية وصوراً قديمة. (انتهى)

اخر الاخبار

اعلان

ad