الأربعاء, مايو 5, 2021

مدحت باشا واصلاحاته في العراق (4-4)..إنشاء مدينة الناصرية وتنظيم الإدارة المحلية والأراضي الزراعية وضم الأحساء وقطر للعراق

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعد مدحت باشا من أشهر الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد رغم أنه لم يستمر سوى ثلاث سنوات (1869-1872 م) لكنها كانت سنوات مفعمة بالإنجازات والإصلاحات بشكل غيّر من الحياة الرتيبة التي كان المجتمع العراقي والبغدادي قد اعتاد عليها.

مدحت باشا

تنظيم الادارة المحلية:

مدحت باشا إلى أهمية تنظيم الإدارة المحلية ، وربطها بالحكومة المركزية لتسيطر على أبعد مدينة وقرية ، ولذلك قام بإجراء تغييرات إدارية تمثلت في استحداث لواء أو قضاء أو رفع مستوى قضاء وغير ذلك.

1- ولاية البصرة : وألويتها :

أ-مركز البصرة وأقضيته 1- القرنة.

ب- سوق الشيوخ (ثم تحول إلى قضاء بعد إنشاء الناصرية).

ت- العمارة.

ث- نجد ، لها قضاءان هما القطيف وقطر.

2- ولاية الموصل: وألويتها:

أ-لواء الموصل. وأقضيته : 1- مركز الموصل 2- العمادية 3- زاخو 4- سنجار 5- دهوك 6- عقرة.

ب- لواء كركوك ، ويسمى لواء شهرزور . وأقضيته: 1- راوندوز 2- أربيل 3- كفري (الصلاحية) 4- كويسنجق 5- رانية.

ت-لواء السليمانية . وأقضيته: 1- كل عنبر 2- بازيان  3- شهربازار 4- قرة داغ 5- مركة 6- الجاف.

3- ولاية بغداد . وألويتها :

أ- لواء بغداد وأقضيته : 1- قضاء خريسان (طريق خراسان) ثم أصبح (لواء ديالى) 2- قضاء خانقين 3- قضاء الكاظمية 4- قضاء سامراء 5- قضاء الدليم (ثم أصبح لواء) 6- قضاء عانة (ثم صار تابعاً للواء الدليم).

ب- لواء الحلة. وأقضيته : 1- مركز الحلة 2- الهندية 3- السماوة 4- الديوانية 5-النجف 6- الشامية.

ج- لواء كربلاء الذي تشكل بعد مدحت باشا .

كان الهرم الإداري في لواء بغداد يتكون من كل من :

1- الوالي، 2- معاون الوالي ، 3- متصرف المركز ، 4- قائممقام المركز.

أما الألوية الأخرى فكانت تتكون من: 1- المتصرف 2- معاون المتصرف.

وفي الأقضية : 1- القائممقام 2- النائب .

خارطة العراق في العهد العثماني

مشكلة الأراضي:

التفت مدحت باشا إلى أن التنازع على الأراضي هو واحد من أهم دوافع النزاعات العشائرية التي كانت تقلق الحكومة ، وتساهم في الإخلال بالأمن والاستقرار، وازدياد التوتر والاحتقان الاجتماعي ، وزرع العداوة والخصومة بين أبناء العشائر. كما لاحظ أن الهم الأكبر للعشائر هو الاستحواذ على الأرض دون الاهتمام بإصلاحها وإعمارها.

جاء في مذكرات مدحت باشا:

((تعرضت بلاد العراق للحروب والغارات وتهديد الأمن وكثر الثوار في جهات الهندية والحلة وغيرهما ، كما لا يخفى على أي عارف بأحوال تلك البلاد. وقد اختلفت الأفكار في شأن هذه الثورات. فمن قائل أن أهالي البلاد هم من الشيعة ، وسبب شقهم عصا الطاعة هو أن رجال الحكومة يخالفونهم في المذهب. ومن قائل أن رؤساء القبائل يحضون الأفراد على مقاتلة الحكومة للتخلص من الأموال الأميرية .

وهذه الأسباب غير كافية لأنه لا يعقل أن هذا العدد الكبير يثور ويهدر دمه بإشارة المشايخ ، والذي ينظر إلى حالة البلاد يتضح له أن سبب هذه المخاصمات هي مســألة الأراضي)) (1).

ولحل النزاعات حول حق التصرف في الأراضي ارتأى مدحت باشا تسجيل الأراضي بأسماء شيوخ العشائر مقابل أجر زهيد يدفعونه للحكومة ، فابتدع ما يعرف بحق (اللزمة) أو الالتزام أي حق التصرف بالأرض.

عشائر عراقية

يلاحظ أن مدحت باشا كان يهدف إلى أمور:

1- الحصول على عائدات مالية للحكومة ، حيث أنها كانت تعاني من عجز مالي. إذ حصلت على مبلغ يقدر بمائة ألف ليرة. وهو مبلغ ضخم آنذاك.

2- إبقاء ملكية الأراضي أو (رقبة الأرض) بيد الدولة وحسب القانون.

3- ربط زعماء العشائر ومصالحهم بالحكومة مباشرة ، وتأمن بذلك عدم ثورتهم ضدها.

إجراءات الطابو:

أعلنت الحكومة أنها بصدد تفويض الأراضي بالمزايدة. وبعد أن يتم التفويض لن يتم سماع أي دعوى عقارية. قبل إجراء التفويض تم الإعلان عن مهلة لمراجعة اللجنة المختصة والمشكّلة لهذا الغرض لكل من لديه سندات أو وثائق تثبت تملكه للأرض ، وبعد انتهاء المهلة لن تسمع الدعاوى كي تسير إجراءات التفويض بسهولة.

تم تأسيس دائرة التسجيل العقاري التي عرفت باسم (الطابو) تتولى تثبيت حدود الأراضي ومساحتها وعائديتها ، وتثبيت ذلك في سجلات وسندات رسمية لا تقبل التغيير إلا في حدود القانون.

وبقي الحال على ما هو عليه حتى أيامنا هذه ، إذ بقيت سندات وسجلات التسجيل العقاري العراقية محتفظة بأسلوب ومفردات العهد العثماني أمثال اسم المقاطعة ، مخطط الأرض، جنس الأرض، واستخدام وحدة قياس المساحة (الأولك) الذي يساوي مائة متر مربع. وكذلك (الدونم) الذي يساوي 2500 متر مربع.

فرسان من العشائر

صدر قانون تفويض الأراضي من خلال صدور الإرادة الملكية التي تضمنت:

((إن أغلب الأراضي للقطر العراقي تدار بالالتزام ولا تفوض إلى أحد ، ولذا ترى الملتزمين يهتمون بالاستفادة من مدة التزامهم فقط، ولا يبالون بإعمار الأراضي، فلم ترق الزراعة والفلاحة فيها.

وكان من النتائج المضرة لهذه الطريقة أن الأراضي الواسعة للقطر العراقي أصبحت خالية من آثار العمران ، ولاشك أن تكثير الثروة والعمران في الملك متوقف على تأمين حقوق الأهالي بالتصرف فيه. ولم يزل إيصال أمر الزراعة والفلاحة في ولاية بغداد إلى الدرجة المطلوبة منها مما ترغب فيه ذاتي الملكية .

وإن إحدى المسائل والأسباب المؤدية إلى ذلك الرقي هو إصلاح قضية التصرف بالأراضي ، ولذلك تقرر في البدء إقطاع الأراضي المذكورة وإحالتها إلى طالبها، ولكن الصدمات والتقلبات التي اعترت البلاد منذ مائتي سنة سلبت من السكان القوة المالية، والقدرة على الزراعة والفلاحة ، فحدث أن أخذت أغلب الأراضي من أصحابها بانضمام موافقتهم، وسلمت إلى جانب الميري (الحكومي) لتزرع الأراضي وتعمر ويستفيد أصحابها منها.

وهكذا صارت تدار زراعة تلك الأراضي بواسطة الميري على أن يترك لأصحابها في العشرين وفي الخمسة والعشرين وفي الثلاثين واحد باسم العقار.

ولم تزل هذه المعاملة تجري على الأراضي المذكورة حتى الآن، ثم انقرض بعد ذلك أصحاب الأراضي الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ، وأصبح حق التصرف عائداً إلى الميري ، ولم تبق على الأرض إلا الحصة العقارية .

ولما كان أصحاب العقار لا يتعرضون في المتصرف بالأراضي وتملكها بل يأخذون حصصهم العقارية كما هي. ولما كانت هذه الحصة تزداد بنسبة عمران الأراضي ورقيها، فاستفادتهم ستزداد طبعاً بالتدابير الاعمارية التي يتصور اتخاذها ..)) (2).

علي الوردي

يرى الدكتور علي الوردي أن مشروع تفويض الأراضي قد اخفق ، وعده من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها مدحت باشا لأنه لم يراع ملائمته للظروف الاجتماعية التي أحاطت به، رغم النجاح البسيط في بعض مناطق العراق ، ثم يرى أن اخفاق المشروع يعزى إلى سببين:

الأول: تفسخ الجهاز الإداري والموظفين الذين أوكل إليهم مهمة تسجيل الأراضي.

وذلك لأنهم بتأثير الرشاوى والمحاباة لهذا الشخص أو تلك العشيرة، قاموا بتسجيل الأراضي بأسماء أشخاص غير أصحابها ، كما بالغوا في حدود الأرض ، حيث سجلوا مساحات شاسعة من الأراضي بعد أن قبضوا رشاوى عالية ، وقد أدى ذلك نشوء اختلافات ونزاعات ودعاوى معقدة لا نهاية لها.

الثاني: العداء الدائم بين الشعب والحكومة.

فقد اعتادت العشائر العراقية منذ زمن بعيد على اعتبار الحكومة عدواً لها. ولذلك كانت نظرتها مريبة تجاه مشروع الأراضي لأنه بنظرها لا يمكن أن تقوم الحكومة بعمل نافع لها.

وظلت العشائر تشكك بمشروع مدحت باشا وأنه لابد أن يخفي قصداً آخر ، وأنه مثل بقية الولاة الأتراك أو الحكام لا يـــريد بها غير السوء (3).

ويشير الوردي إلى أن العشائر لم تتفاعل مع المشروع ولم تسارع إلى تسجيل الأراضي. غير أن المستفيد الأول كان أغنياء المدن وبعض رؤساء العشائر وخاصة عشيرة السعدون في المنتفق الذي سجلت أراضي واسعة باسمه وبأسماء أفراد عشيرته (4).

المسز بيل

وترى المسز “غيرترود بيل” أن نظام الطابو مع الأسف، على ما فيه من مزايا واضحة، مثل غيره من الأشياء التركية ، جميعها شيء نظري وليس حقيقة ملموسة. من الناحية العملية نجد أن نسبة كبيرة من معاملات نقل الملكية لم تكن مسجلة ، أو أنها كانت سجلت دون إجراء التدقيق المطلوب فيما يتعلق بها من المعلومات، أو أنها كانت قد استحصلت برشوة موظفي الطابو ، يضاف إلى ذلك أن الحدود قد رسمت بكثير من عدم الدقة والاهمال ، فلم تبذل أية عناية في تعيين حدود العقار ، وكثيراً ما تظهر عند تدقيق السندات حالات يذكر فيها (الهور) حدوداً من الجهات الأربع ، وكان هذا خطأ يتعرض للتغييرات الموسمية والدائمة كلما تغير مستوى المياه (5).

وتضيف المسز بيل “ومع هذا كله ، فقد كان نظام الطابو حيوياً للمحافظة على القواعد التي كانت تستند إليها عملية تملك الأرض. وقد بقيت جزءاً من القانون العراقي السائد”.

إن تسوية مدحت باشا لشؤون الأرض كانت مبنية على أسس مغلوطة (6).

أما بعد احتلال العراق من قبل الانكليز، فقد استمر جهاز الطابو التركي بالعمل لكن على درجة من الارتباك والنقص، بحيث تم إغلاق دائرة طابو البصرة لمدة سبعة أشهر حتى يمكن تنظيم سجلاتها والقضاء على الفوضى التي كانت مستفحلة فيها. وحينما أعيد فتحها صارت تتعاطى فقط بشؤون البساتين وممتلكات المدن.وقد منعت من تسجيل المعاملات المختصة بالأراضي الزراعية لأن مشاكل ملكيتها كان لها مساس بأسس النظـــام الزراعي التركي (7).

فتح الأحساء:

بعد وفاة حاكم نجد الأمير فيصل ، وترك أولاده يتنازعون على السلطة ، كان مدحت باشا يراقب الوضع الداخلي في منطقة نجد، وكان يعلم أن ستراتيجية الدولة العثمانية متوجهة للقضاء على إمارة نجد، وضمها للدولة وإعادتها كما كانت في عهد السلطان سليمان القانوني ثم انتزعها منهم آل سعود (8).

حاكم نجد الامير فيصل

ثم تم انتزاعها من قبل الخديوي محمد علي باشا حاكم مصر عندما أرسل ولده إبراهيم باشا فاحتلها ودخل عاصمتها الدرعية (مركز الوهابية) وضمها إلى مصر.

في عام 1870 حدثت معركة بين الأمير عبدالله وأخيه سعود الذي استولى على الأحساء ، وكانت معركة خسر فيها الطرفان خسائر بشرية جسيمة. استنجد الأمير عبدالله بمدحت باشا لمساعدته في استعادة الأحساء. أرسل مدحت باشا جيشاً بقيادة نافذ باشا الذي تمكن من احتلال الأحساء بسهولة نظراً للفارق الكبير بين تسليح وتدريب الجيش العثماني ورجال سعود.

كان الجيش العثماني يتألف من خمسة أفواج من الفيلق السادس ، إضافة إلى الخيالة والمدافع بكامل تجهيزاتها وأعتدتها. أرسلها على ظهر ثمانين سفينة حربية كبيرة وصغيرة تحركت من البصرة .

وتطوع بعض أهالي الكويت للقتال مع الجيش العثماني. نزل الجيش أولاً في ميناء رأس تنورة، ثم توجه براً نحو القطيف التي احتلها بلا قتال لأن أعوان سعود فروا منها، ثم استولى على كل الأحساء (9).

ثورة بغداد ضد مدحت باشا:

في أوائل شهر أيلول من عام 1869م -أي بعد انقضاء أربعة أشهر على ولاية مدحت باشا في بغداد- شبت ثورة شعبية في بغداد، وكان السبب المباشر لتلك الثورة هو ما عزم عليه مدحت باشا من فرض التجنيد الإجباري على سكان بغداد.

أمر مدحت باشا تشكيل لجان للتجنيد قوامها ضباط عسكريون على أن يعاونهم مختارو المحلات.ويبدو أنه كان واثقاً من طاعة أهل بغداد لوجود القوات الحكومية بالقرب منهم.

التجنيد الاجباري في بغداد

أصابت القرعة ثلاثمائة مكلف، ولكن هؤلاء رفضوا الإنصياع عندما استدعوا إلى الخدمة، وأخذت بوادر النقمة والتحفز تظهر هنا وهناك في بعض المحلات، وكان على رأس المحلات الثائرة محلة باب الشيخ تتلوها محلة قنبر علي.

وحمل الكثير من الأهالي أسلحتهم وقاموا بمظاهرة تتقدمهم الطبول وهم يصرخون تحدياً للحكومة، وتوجهت بعض العصابات المسلحة نحو الأسواق تنهب الدكاكين، ثم سارت نحو محلات اليهود والنصارى بغية العبث فيها.

كان مدحت باشا جالساً في مقره قبيل غروب الشمس فسمع اطلاق الرصاص، ولم يكد يتبين جلية الخبر حتى أسرع بنفسه إلى ثكنات الجيش فصار يوزع السلاح بيده على الجنود، وأرسل قوة منهم إلى محلات اليهود و النصارى وبيوت الأجانب لحمايتها خشية حدوث المذابح. ثم أمر بقطع الجسر ومنع عبور النهر بأية وسيلة، وأرسل قوة من الخيالة لكي تحيط ببغداد وتلقي القبض على كل هارب منها أو داخل اليها بغية النهب.

محلة باب الشيخ

وركز مدحت باشا اهتمامه على محلتي باب الشيخ وقنبر علي، فوجه إلى الأولى منها أربع سرايا من الجنود مع مدفع تحت قيادة اللواء سامح باشا، وكما وجه إلى الثانية مثل ذلك تحت قيادة اللواء فيضي باش.

والظاهر أن الأهالي أدركوا وخامة العاقبة فتفرقوا قبل أن يطلق الجنود طلقة واحدة. وعندما حل الظلام ألقت الحكومة القبض على مائة وثمانين رجلاً اتهموا بأن لهم ضلعاً في اثارة الجمهور، فمن كان يحترف “الشقاوة” أدخل في سلك التجنيد، أما الباقون فقدموا للتحقيق والمحاكمة.

ثم استدعي بعدئذٍ المكلفون الثلاثمائة الذين كانت القرعة قد أصابتهم فلبوا الدعوة طائعين. وكان ذلك ايذاناً ببدء تطبيق التجنيد الإجباري على العراق كله، فصارت الحكومة تستدعي المكلفين من جميع الألوية ولم يستثن منها سوى ألوية المنتفق والدليم والعمارة باعتبار أن أكثر السكان فيها هم من العشائر الرحالة. (10)

الهوامش:

1- علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 2 / ص 261 دار الكتاب الاسلامي، بغداد: 2005

2- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين)/ ج 7/ ص 284-285 الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات، بيروت: 2004

3- علي الوردي / ج 2/ ص 262-263

4- علي الوردي / ج 2/ ص 264

5- المسز بيل (فصول من تاريخ العراق القريب)/ ص 54-55  ترجمة جعفر الخياط، الرافدين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت: 2010

6- المسز بيل (فصول من تاريخ العراق الحديث)/ ص 55

7- المسز بيل / ص 250

8- عباس العزاوي / ج 7/ ص 295

9- عباس العزاوي / ج 7/ ص 296-297

10- موسوعة ويكيبيديا

تقرير فرنسي عن معاناة النازحين اليمنيين المستمرة

متابعة : وكالة نخلة

تطرقت وكالة فرانس برس (أ ف ب) إلى معاناة النازحين اليمنيين المستمرة، بسبب اشتداد المعارك بين الأطراف المتنازعة في اليمن.

ونقلت الوكالة الفرنسية معاناة أحد النازحين التي تجسد معاناة الآلاف من أمثاله، إذ “ينصب اليمني هادي أحمد هادي خيمة في خامس مخيم يفر إليه مع عائلته خلال العدد نفسه من السنوات بفعل الحرب، لكنه يخشى أن يدفعه اشتداد المعارك في مأرب الغنية بالنفط وآخر معاقل الحكومة في الشمال، إلى نزوح جديد”.

واشتدت المعارك في الأسابيع الأخيرة وأصبحت تهدد مخيم السويداء الواقع شمال مدينة مأرب، مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه.

وأصبح النزوح أمرا معتادا لأسرة هادي الفقيرة المكونة من تسعة أفراد “وتجد نفسها في كل مرة مضطرة لجمع حاجياتها، من الملابس إلى ثلاجة الطعام، والهرب نحو مخيم جديد في البلد الغارق في الحرب منذ منتصف 2014”.

ووصلت الأسرة في أواخر أغسطس الماضي إلى مخيم السويداء الممتد على مساحة كيلومتر واحد والذي يضم أكثر من 700 أسرة نازحة.

وقال هادي (46 عاما) لوكالة “فرانس برس” “حتى هذه اللحظة، نزحنا خمس مرات”، مضيفا “وصلنا إلى هذا المخيم الذي لا توجد فيه أي مقومات للحياة”.

وروى هادي كيف أنه “اضطر في عام 2015 للهروب مع أفراد عائلته من نهم (شمال صنعاء) بعدما اقتربت المعارك من منزلهم، قبل أن تبدأ رحلة التنقل من مخيم إلى آخر في عدة مناطق وصولا إلى مخيم السويداء في مأرب”.

وقال “في كل مرة ننزح فيها أحاول طمأنتهم بأننا سنستقر. نترك أغراضا في كل نزوح لأننا غير قادرين على حملها”.

وكانت مدينة مأرب بمثابة ملجأ للكثير من النازحين الذين فروا هربا من المعارك أو أملوا ببداية جديدة في مدينة ظلت مستقرة لسنوات، ولكنهم أصبحوا الآن في مرمى النيران مع اندلاع القتال للسيطرة عليها.

وحتى بداية 2020، استطاعت مدينة مأرب أن تعزل نفسها الى حد ما عن الحرب وآثارها بفضل النفط والغاز فيها، وقربها من الحدود الشمالية لليمن مع السعودية، والتوافق بين قبائلها.

وكان من بين الذين هربوا من مناطق النزاع وتوجهوا الى مأرب أطباء ورجال أعمال وأثرياء ازدادت بعيد وصولهم الاستثمارات وارتفعت أسعار العقارات.

وتقول مصادر عسكرية تابعة للحكومة المعترف بها دوليا إن المسلحين الحوثيين يضيقون الخناق على المدينة من ثلاث اتجاهات ويرسلون مئات المقاتلين يوميا لمواجهة قوات الحكومة المدعومة من تحالف عسكري بقيادة السعودية منذ مارس 2015.

ويرى ماجد المذحجي من مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن القتال الدائر حاليا في مأرب “يشكل أعلى معدل قتال في اليمن من ناحية عدد الاشتباكات”. وقال إن ما يحدث حاليا هو عبارة عن “حرب استنزاف”.

وكما هو الحال في المناطق الأخرى، فإن المدنيين هم الذين يدفعون الثمن الأكبر.

ويؤكد سيف مثنى مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب أن “الحرب التي تدور في أطراف مأرب أدت إلى تدفق آلاف من الأسر إلى مديريات اخرى وتم إنشاء مخيمات جديدة”.

المصدر: أ ف ب 25 سبتمبر 2020

بغداد في العهد العثماني (٢).. تعرض العراق للنفوذين الايراني والتركي يفرض استخدام عملتيهما

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

بقي العراق اربعة قرون تحت الاحتلال التركي مر خلالها بفترة مظلمة طويلة. كان الولاة العثمانيون معروفين بقسوتهم واهمالهم لبناء البلد الذي يحكمونه الا ما ندر. وهذا البحث يسلط الضوء على ابرز المعالم العمرانية في فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

الاسطة شكوري صاحب اول معمل ثلج في بغداد 1881

معمل الثلج :

وكان يعرف باسم (البوزخانة) ، وهو أول معمل ثلج في بغداد ، وقد أنشأ عام 1881 م، وكان المعمل يقع على شاطئ دجلة في منطقة شريعة الميدان، في الفسحة المقابلة لمكتب الصنائع (بيت الحكمة الحالية).

دار المحكمة الشرعية :

وتقع في شارع النهر (شارع المستنصر) مقابل جامع العدلية على شاطئ دجلة ، ويعتقد أنها بنيت في القرن الحادي عشر ، ثم قامت “عادلة خاتون” (ت 1768) ابنة والي بغداد “أحمد باشا” (1736-1748) ببنائها مجدداً ، وإضافت داراً لسكنى القضاة ، وتم هدم البناية عام 1934 وشيدت مكانها وزارة العدل سابقاً ، وتشغلها حالياً مديرية الأحوال الشخصية في الرصافة. (7)

شارع المستنصر (النهر)

بناية السبيل :

ويسمى أحيانا بـ (السقا خانة)، ويقصد بالسبيل لغلبة لفظة (أبناء السبيل) أي المسافرون. هو مكان يوفر الماء لأهل المدينة والمسافرين سواء للشرب أو غيره ، وعادة ما يتكون من خزان للماء وحوض تصب فيه المياه الجارية ، وتوجد فيه صنابير (حنفيات) لتزويد الناس بالماء. وكان الدفتردار “شوكت بك” أنشأ السقاية في منطقة الميدان ، إلى الشرق من جامع الأحمدية، في مدخل شارع الرشيد. وكانت تأخذ مياهها من قناة مرفوعة على أعمدة وعقود ، تزود من ماء دجلة بواسطة دولاب (كرد) (8) أو (دولاب) موجود في شريعة الميدان ، وتمضي القناة تنقل الماء بانحدار محسوب حتى تصل السقاية. كما تزود بطريقها سقايات أخرى بمياه الشرب، حتى تنتهي بسقايتين عند جامع الشيخ عمر السهروردي . وتسقي المياه الفائضة بستاناً هناك. وقد اندثرت هذه القناة تماماً في عهد مدحت باشا . كانت هناك سقايات أخرى تدور بواسطة البغال أو غيرها ، وكانت تستخدم دواليب مسننة عمودية وأفقية ، وبعدة طبقات وحسب الارتفاع المطلوب وشدة الماء وقوته ، إذ قد يراد تشغيل نافورة في أحد الأمكنة.

الجسر العتيك في بغداد

ينقل الباحث “عماد عبد السلام” أسماء ومواقع 43 سقاية في بغداد ، بعضها ينقل الماء إلى قصور وبساتين الأثرياء والتجار والوجهاء، وأخرى تنقل الماء للمساجد والمراقد ، وأغلب من يقوم ببناء السقايات العامة من الموسرين الذين يهدفون لفعل عمل البر والإحسان، وأن تكون وقفاً جارياً لخدمة الناس. (10)

إسالة الماء :

في عام 1895 وفي عهد الوالي “حسن رفيق باشا” (1891-1896) بدأ إنشاء أول مشروع لإسالة الماء في بغداد ، إذ تم نصب مضخة على ضفة النهر قرب شريعة الميدان ، ومدت الأنابيب المصنوعة من الحديد (آهين) الثقيل لتصل إلى محلتي الفضل والحيدرخانة ، وبذلك أصبح سكان المدينة يصلهم الماء بسهولة بعيداً عن السقائين والحيوانات وغيرها ، وخلال عشرين عاماً توسع المشروع ليشمل بقية محلات بغداد.

خان مرجان

ففي عام 1920 تم نصب مضخات أخرى لضخ الماء في محلتي المصبغة و السيد سلطان علي في جانب الرصافة، ومحلة خضر الياس في جانب الكرخ ، ولم تكن هناك محطات تصفية أو تعقيم ، بل تضخ الماء مباشرة من النهر ، وغالباً ما ترافقه الأطيان والشوائب والأوساخ ، إضافة إلى أن ضغط الماء كان قليلاً فيصل ضعيفاً إلى البيوت.

محلة المربعة في بغداد 1947

في عام 1924 تم تشكيل (لجنة إسالة الماء لمدينة بغداد) التي بدأت عملها بإنشاء مشروع جديد يضمن تصفية الماء وكذلك حجم التجهيز المطلوب للمحلات. في البداية تم حصر مصدر التجهيز بنقطة واحدة، إذ تم تأسيس أول محطة خارج المدينة في منطقة الصرافية ، عندها تحسنت نوعية الماء ، وازداد ضغطه من 15 إلى 37 قدماً.

الطريقة القديمة في ايصال المياه للبيوت البغدادية

في عام 1927 اشترت اللجنة جهازاً صغيراً لتصفية الماء في الكرادة ، وبتوسيع ذلك الجهاز عام 1932 تمكنت اللجنة من تجهيز منطقة الكرادة بأجمعها. (11)

السراي العثماني

الكرنتينة :

في عام 1853 م تم إنشاء الكرنتينة أي المحجر الصحي في عهد الوالي “عمر باشا” (1857-1859) ، وجاء ذلك لتفادي انتشار الأمراض المعدية كالكوليرا والطاعون التي كانت تفتك بالعراق وتحصد عشرات الألوف من الأنفس في كل وباء ، وكانت تشغل جانباً من بناية ثكنة عسكرية تسمى (ثكنة السوارية) أي الخيالة أو الفرسان. بقيت الثكنة قائمة ، وفيها تأسس أول تشكيل عسكري للجيش العراقي وهو فوج الإمام موسى الكاظم (ع) سنة 1921 . وفيما بعد شغلتها دوائر عسكرية عدة مثل دائرة التجنيد، موسيقى الجيش، الحوانيت العسكرية ، إضافة إلى دوائر مدنية مثل مديرية الري العامة. وفي تسعينيات القرن العشرين تم هدمها ، وأنشأت أبنية أخرى.

انواع العملات النقدية في العراق

النقود :

تأثرت النقود المستخدمة في العراق بطبيعة الدولة أو السلالة الحاكمة أو بالظروف التي تعرض لها العراق للغزو والاحتلال الأجنبي أو من خلال العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول المجاورة أو البعيدة. في القرن السادس عشر كان (الدينار البغدادي) يستخدم على نطاق واسع منذ أيام السلطان “سليمان القانوني” ، ثم السلطان “سليم الثاني” ، إلى السلطان “مراد الثالث” ، كما بقي يستخدم في القرن السابع عشر في عهد السلطان “محمد الثالث” ، ثم “السلطان مراد” . كما استخدم (الدرهم البغدادي) و (الفلس البغدادي) . (12)

أما العملة العثمانية وأشهرها (الشاهية السليمانية) فكانت من الذهب ، والآقجة العثمانية أو الدرهم العثماني، والفلوس العثمانية، والهشتي وهو ثُمُن الآقجة ، وقد استخدمت في بغداد أيضاً. كما استخدمت العملة الإيرانية منها (الدينار العباسي) الذهبي ، و(العباسية) الإيرانية من فضة، و(الفلس) العباسي من النحاس. كما استخدمت العملة الهولندية (الفلورين). (13)

الليرة (الهندية) البريطانية

من الواضح أن تعرض العراق للنفوذ العثماني أو الإيراني فرض استخدام عملة تلك الدولة ، وكان السلطان أو الشاه يضرب النقود باسمه ، ويفرض استعمالها في البلاد ، وقد بقي استعمال العملات الإيرانية والأوربية لأسباب تجارية وخاصة في الصفقات التجارية مع شركات وتجار من تلك الدول ، وكانت الدولة العثمانية لا مركزية في قضية سك العملة ، إذ كان لديها أكثر من 40 داراً لسك النقود موزعة في أنحاء الامبراطورية والبلدان المفتوحة ، وكانت تسك عملات كل منطقة تختلف عن عملات المناطق الأخرى في تنظيمها ونقوشها ، وكانت العملات الأجنبية متداولة مع العملة العثمانية ، وكانت هناك دار الضرب وتسمى (سكة خانة) ، وموقعها داخل القلعة عادة لتوفير الحماية والإشراف على عملية ضرب النقود ووزنها وشكلها وعددها. وفي عهد المماليك انتقلت دار الضرب إلى قرب خان مرجان في سوق السكة خانة، ثم اندثرت. (14)

الهوامش :

1- كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / رحلة باكنغهام / ص 105- 145 ، الطبعة الأولى ، دار الجيل ، بيروت .

2- هناك مبالغة في تصوير بغداد بأنها لا تتحدث العربية. إضافة إلى التركية كانت لغة الحكومة والدوائر الرسمية لكن الناس العاديين يتحدثون العربية في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم ونواديهم واجتماعاتهم. وجود كلمات أجنبية أمر طبيعي بسبب الانفتاح والاحتكاك مع الشعوب الأخرى.

3- الفارس تنكو مارتينوس ليكلاما نايهولت Jonkheer Tinco Martinus Lycklama Nijeholt ولد عام 1837. درس في هولندا وسويسرا وهوى السفر في شبابه فرحل إلى ألمانيا وإيطاليا وشمالي أفريقيا ومالطا ، ودرس اللغة العربية في باريس ثم قام برحلة إلى روسيا والقفقاس وإيران والعراق وسوريا وفلسطين وتركيا. استغرقت رحلته ثلاث سنوات نشر بعدها كتاباً في أربعة أجزاء بالفرنسية عام 1874 . 4- كناب (رحالة أوربيون في العراق) / ص 186-187 ، الطبعة الثانية ، دار الوراق، لندن: 2007.

5- محمود شكري الآلوسي ( أخبار بغداد وما جاورها من البلاد) / ص 125-127 ، الطبعة الأولى، بيروت : 2008 .

6- كتاب ( بغداد بأقلام رحالة ) / رحلة وليم فوك / ص 175.

7- عماد عبد السلام / هامش في كتاب ( أخبار بغداد) للآلوسي / ص 367.

8- (الكرد) بكسر الكاف، هو دولاب مثبتة فيه دلاء تنقل الماء من النهر إلى الأعلى ثم تصب الماء في ساقية لرفع مستوى الماء وسقي المناطق العالية. ومن لفظة كرد اشتقت لفظة (الكرّادة) وهي جمع (كرّاد) وهو الشخص المسؤول عن الدولاب. ومنه جاءت منطقتي (كرادة مريم) في جانب الكرخ ، و(الكرادة الشرقية) في جانب الرصافة ببغداد. 9- عماد عبد السلام / هامش في كتاب ( أخبار بغداد) للآلوسي / ص 128 . وهذه الطريقة كانت مستخدمة منذ العصور القديمة. ففي اسطنبول توجد أعمدة وعقود بعدة طوابق كانت تنقل الماء في العهد البيزنطي من عين ماء إلى أحد القصور. وفي مصر ما زالت قناة ماء قلعة صلاح الدين ، التي بناها محمد علي باشا ، لنقل الماء من النيل إلى القلعة التي تقع على هضبة. ويسمى مجرى القناة باسم (سور العيون) .

10- عماد عبد السلام / تاريخ مشاريع مياه الشرب القديمة في بغداد / مجلة المورد ، العدد : الرابع / ص 196 ، السنة 1979.

11- دليل المملكة: الدليل الرسمي للعراق لسنة 1936 / ص 279.

12- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 4 / ص 323 ، الطبعة الأولى ، الدار العربية للموسوعات، بيروت : 2004.

13- الفلورين عملة هولندية قديمة تم إلغاؤها عام 2002 بعد استخدام اليورو في دول الاتحاد الأوربي. وقيمة الفلورين أو الخُلدة تساوي نصف يورو تقريباً.

14- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 4 / ص 324.

________________

وكالة نخلة : كل المعلومات الواردة في الدراسة هي في عهدة الكاتب.

قصور العباسيين في بغداد 1-2

كتب وتحقيق: الدكتور صلاح عبد الرزاق

قصور باب الذهب والخلد والتاج أولى صروح في مدينة السلام

تأسيس بغداد

في عام 145 هج/ 762 م قام الخليفة أبو جعفر المنصور بتأسيس مدينة بغداد. وامتازت المدينة الجديدة بكونها مدورة ، وهو شكل غريب في المدن الاسلامية، لكن بعض الباحثين (مصطفى جواد وأحمد سوسة) يرى أنها تقليد للتصميم البنائي لمدينة الحضر المدورة ، من حيث الشكل والمساحة، وآثارها ما تزال قائمة. كما أنها تشبه مدينة مأرب التي كانت مستديرة، وكذلك مدينة طيسفون (سلمان باك) جنوب بغداد. وكانت المدينة المنورة تقع في جانب الكرخ ، في موضع محلتي العطيفية والشالجية، وقريبة من الكاظمية. وقيل أن قطر المدينة من باب إلى باب مقابل كان يبلغ (2000) متراً ، ومساحتها تبلغ (180,000) متراً مربعاً . وقيل بأن مساحتها بلغت 3 ملايين متر مربع أو 3 كيلومتر مربع، وهو الأقرب. وبلغ عدد نفوس بغداد في أوجها بحدود مليون نسمة. وهو رقم كبير في تلك الفترة لم تبلغه أية مدينة في العالم طوال قرنين. وأصبحت بغداد مركزاً للحضارة العالمية والتمدن الاسلامي ومقراً للعلوم والفنون والآداب ، وزهت بالعلماء والأدباء والشعراء والكتاب والمترجمين وارباب الفنون والصناعات. وأنشئت فيها المساجد والمستشفيات والمراصد الفلكية والمدارس والمعاهد والكتاتيب وخزائن الكتب والمستشفيات ومعامل الزجاج والنسيج والورق. وفي بغداد وضعت أول خارطة للعالم سميت بالصورة المأمونية ، نسبة إلى المأمون. وقد فاقت ما قدمه اليونان من دراسات في الجغرافيا.

عمارة مدينة السلام

أحيطت المدينة بسورين وخندق ماء يفصل بينهما ، والخندق مدعم بمسناة ضخمة بنيت بالآجر . وعلى الأسوار توجد أبراج للمراقبة والتحصينات الدفاعية. وكان عرض السور الخارجي أو السور الأعظم كما يسمى في أساسه يبلغ 45 متراً ثم يصغر حجمه حتى يبلغ 12 متراً ونصف في أعلاه، وبارتفاع 30 متراً . ومن يدخل المدينة لابد ان يجتاز أحد الأبواب ، ثم يعبر فوق الخندق المائي.
كان لمدينة السلام أربعة أبواب: باب الشام، باب الكوفة ، باب البصرة، باب خراسان. والأخير كان يسمى أيضاً باب الدولة أو باب الاقبال ، لاقبال الدولة العباسية من خراسان. وعلى كل باب قبة معقودة عظيمة مذهبة ، وحولها غرف وممرات للجند والمشرفين على حركة الدخول والخروج.
وفي وسط المدينة خصص منطقة في الوسط هي الرحبة ، شيد المنصور فيها مسجداً كبيراً سمي بجامع المنصور. وحول الرحبة بنى الدوائر الحكومية كديوان الجند وبيت المال وديوان الرسائل وديوان الخراج وديوان الخاتم وديوان الحوائج وديوان الأحشام وديوان الفقات ومطبخ العامة. وقام بفرز الأراضي وفتح الشوارع وقسمها إلى محلات ، ورصف الشوارع بالحجر.

القصور العباسية:

كان المنصور قد قرر أن يسكن في المدينة فبنى قصوراً له ولأولاده وأقاربه وأمرائه مثل:

1- قصر باب الذهب:

المشهور بقبته الخضراء التي قلد بها خضراء الحجاج في واسط. وكان القصر معزولاً عن أي جوار سوى دار الحرس الذين يحرسون الخليفة وأسرته. وكانت هناك سقيفة كبيرة ، وممتدة على أعمدة مبنية من الطابوق والجص. وحول الرحبة تم بناء منازل أولاد المنصور الصغار ، ولعبيده القريبين منه.
كانت مساحة القصر 200متر في 200 متر . وكانت القبة الخضراء في وسطه ، وكانت ترى من أطراف بغداد لأنها كانت بارتفاع 40 متراً أي بارتفاع بناية ذات 12 طابقاً. وكان على رأس القبة تمثال على صورة فارس بيده رمح. وتحت القبة أنشئ مجلس كبير، في صدره إيوان عظيم على الطراز الفارسي، عرضه عشرة أمتار وارتفاع قوسه عن الأرض 15 متراً.
وكان قصر باب الذهب هو المقر الرسمي للمنصور والخلفاء الأوائل من بعده . ولم يقم الرشيد فيه ، لكن ابنه الأمين اتخذ منه بلاطاً له ولعائلته وحاشيته وخدمه. وكان الأمين قد تحصن بهذا القصر عندما هاجمته قوات أخيه المأمون عام 198 هج/ 814 م ، وتحصن رجاله بأسوار المدينة المدورة. وأصيب اللقصر بأضرار كبيرة بسبب قذائف المنجنيق. أما القبة الخضراء فظلت قائمة حتى سقطت عام 329 هج/ 941 م بسبب أمطار غزيرة مصحوبة برعد وبرق شديد، وقيل أنها أصيبت بصاعقة أحرقتها.


2- قصر الخلد:

وقد بناه المنصور بعد بضع سنين على نهر دجلة قرب باب خراسان. وسمي بالخلد نسبة إلى حدائقه الواسعة وتشبيها بجنة الخلد ، و (ما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق وغرض غريب ومراد عجيب ) على حد وصف الخطيب البغدادي. وتم بناء قصر الخلد عام 159 هج / 776 م وأختير ليطل على نهر دجلة ، بعكس قصر باب الذهب بعيد عن النهر. وقد أقام الرشيد في هذا القصر وعاش فيه طول إقامته في بغداد. ولم يبق شيء من هذا القصر.

3- قصر عيسى:

وقد بناه الأمير عيسى بن علي عم المنصور على نهر الرفيل فصار يسمى نهر عيسى. ويذكر ياقوت الحموي: إن قصر عيسى هو أول قصر بناه الهاشميون في أيم المنصور ببغداد.

4- قصر القرار

وهو مشابه لقصر الخلد ، واسمه مستعار من القرآن الكريم ( وإن الآخرة هي دار القرار) ، كما أطلق على الخلد من قوله تعالى (لهم فيها دار الخلد) .
وقامت زبيدة بنت جعفر العباسية ببناء القصر وكان يعرف باسم قصر زبيدة، وسكنه ابنها الخليفة الأمين. وكان يقع على ضفة دجلة ، وتم فرشه بأفخر الستائر والسجاد ، وتم تذهيب السقوف والجدران . وكان الأمين يخصص له يوماً يجمع فيه الندماء والشعراء والمغنين والعازفين، و كانوا يشربون النبيذ فيه تحيط بهم الجواري والقيان والولدان، وورد أن أبي نؤاس كان يحضر هذه المجالس.
كانت جدران القصر بيضاء اللون تحيط بها إزارة ذهبية . أما أبوابه فكانت ضخمة مزدانة بمسامير الذهب المرصعة بالجواهر النفيسة . وأما الفرش فكانت حمراء عليه صور للصقور من الذهب . وكانت أنواع الطعام الفاخر تقدم للضيوف وصنوف الفاكهة والبطيخ .
وقد قتل الأمين في قصرالقرار وبعث برأسه إلى أخيه المأمون فبكى، وتم حرق القصر من قبل الطاهر بن الحسين عام 197 هج/ 812 م ، حتى قال الشاعر عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثي الأمين فقال:
أقول وقد دنوت من القرار سقيت الغوث يا قصر القرار
رمتك يد الزمان بسهم عين فصرت ملوحاً بدخان ونار

5- قصر التاج

فقد وضع أسسه المعتضد وأتم بناءه ابنه علي المكتفي. وقد أصبح أهم مركز رسمي.وكان قصر التاج يطل على نهر دجلة جنوب القصر الحسني. وأنشئت له مسانة عظيمة لصد تيار النهر ومنع تأثير مياهه فيه. وكانت المسناة على هيأة خاصة لقصر التاج. وكان القصر يشرف على هذه المسناة كأنه التاج. وكان المعتضد قد أمر بهدم القصر الأبيض الكسروي في المدائن، وجلب آجره في مشارف التاج. وبنى المكتفي إلى جانب القصر قبة دعيت قبة الحمار لأنه كان يصعد إليها في سلم حولها على حمار صغير ، وكانت عالية مثل نصف الدائرة. فكانت تشبه ملوية سامراء في الصعود إليها.
في عهد المقتدر (908-932م) أقيمت مبان أخرى حول قصر التاج من بينها اصطبلات كانت تسع لتسعة آلاف من الخيل والبغال والابل .
وكان ضمن حريم قصر التاج البستان الجميل الذي اعتنى بانشائه الخليفة القاهر أخو الخليفة المقتدر
وخلفه سنة (932-934 م) ، وقد وصفه المسعودي بقوله: (وكان للقاهر في بعض الصحون بستان نحو من جريب، قد غرس فيه من النارنج، وحمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند. وقد اشتبكت أشجاره ، ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر ، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر. وقد جعل في ذلك الصحن أنواع الأطيار من القماري والدباسي والشحارير والببغ ، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار. فكان ذلك في غاية الحسن. وكان القاهر كثير الشرب عليه والجلوس في تلك المجالس).
وفي عام 1154 م شب حريق في قصر التاج بسبب صاعقة أصابته ، فاستمرت النار تشتعل فيه لمدة تسعة أيام حتى تحول إلى ركام، لكن أعيد بناؤه في عهد المستضيء.

في ذكرى انقلاب 17 تموز

كتب : الدكتور اكرم الحكيم


1- تقييم عام لحزب البعث في العراق :

النتيجة الطبيعية لأي حزب سياسي يصل إلى السلطة في العراق ويبقى فيها اعتمادا على الانقلابات والمؤامرات وعلى الدعم الأجنبي وليس على القاعدة الانتخابية الشعبية، هو الاستخدام المبالغ فيه للقمع والقتل وكل أساليب انتهاك حقوق المواطن العراقي وحقوق الجماعات السياسية المعارضة، للتخلّص من المخاطر التي ربما تهدد السلطة يوما ما. 
عدم الحوار والاتفاق مع القوى المعارضة والقيادات الاجتماعية والدينية، إلاّ لأغراض تكتيكية ومؤقتة، لا تتيح الفرصة مطلقا لنمو مؤسسات دستورية وآليات ديمقراطية تتيح للشعب ممارسة دوره ونيل حريته وكسب حقوقه السياسية، وأدّى ذلك في العراق إلى بناء عشرات الأجهزة القمعية المرعبة والعديد من التشكيلات المسلّحة الرسمية وشبه الرسمية، والمئات من القوانين المجحفة التي تتحكّم بكل صغيرة وكبيرة بما فيها المسائل الشخصية من حياة المواطن العراقي.

من جرائم صدام

وأيضاً من مقتضيات تلك السياسة، السعي لتدمير القيم والمنظومات الفكرية والأخلاقية والعقائدية والتراثية للمجتمع العراقي (وحتى أنماط العمران للمحلات ومناطق المدن العريقة) لقطع الارتباط بالتاريخ الحضاري، ومحاولة إعادة تشكيل المجتمع العراقي لتحويله إلى مجتمع مسخ فاقد لأية هوية حضارية ومجتمع خانع وذليل ومُسـتعبد ومهيأ لخدمة سياسات وخطط يحددها النظام الحاكم لأهداف محلية أو خارجية والتركيز على الحرب النفسية ونشر الرعب والفقر وفرض الحصار الكامل على المواطن لتحقيق ذلك. 
وأكثر من ذلك السعي لتغيير التركيبة السكانية للشعب العراقي باستقدام الملايين من مواطني دول أخرى، وكذلك السعي لتغيير البيئة الجغرافية والطبيعية لمجموعات سكانية كاملة، خدمة لنفس الهدف ، كما في مثال تجفيف أهوار الجنوب. 

تجفيف الاهوار

اعتمد النظام البعثي البائد سياسات القصاص الجماعي والمحاسبة على النوايا، وتفتيت الحركات من الداخل وإثارة الصراعات العنصرية والطائفية والمناطقية في المجتمع، ووضع المواطن أمام خيارين لا ثالث لهما: 
اما الانتماء إلى حزب السلطة وخدمة سياساته وخططه وحتى الاشتراك في تنفيذ جرائمه، أو اعتباره عدوا للنظام يستحق أقصى درجات العقاب بما فيها الاعدام فيما لو أنتمى إلى حزب أو مارس نشاط لا يرتضيه النظام البعثي الحاكم. 
النظام البعثي كباقي النظم الدكتاتورية الشمولية أغلق على نفسه كل أبواب الاصلاح والتطور الذاتي في النظام السياسي ومنع سنن التغيير في المجتمع من ان تأخذ دورها الطبيعي في الحفاظ على استقرار الدولة ونمو وسلامة المجتمع، وبذلك فتح الباب واسعا أمام التـدخّـلات الخارجية حتى وصلت الأمور إلى الاجتياح العسكري الاجنبي، وربما تنحصر عملية إسقاط هكذا نظام بتدخّل العامل الخارجي بغض النظر عن نوايا وأهداف القوى الخارجية المساهمة فيه. 
كما أعتمد النظام البعثي للبقاء والتفـرّد بالحكم: تأجيج الانقسامات ،القومية والدينية والمذهبية والحزبية والمناطقيه وغيرها، والتحالفات المرحلية لتحييد فئة او اكثر وضرب الفئات الأخرى وهكذا حتى تتم تصفيـة كل القوى التي تهـدّد النظام، وتوظيف ما باليد من عناصر قوة، لبناء مركز قوة اكبر ، مثلا توظيف علاقات رأس النظام العائلية والعشائرية والمناطقية لبناء مركز قوة له داخل حزب السلطة (حزب البعث)، وتم توظيف مركز القوة في الحزب لبناء مركز قوة في الدولة وما يهمنا في هذا المنهج تأثيره السلبي في بناء الهوية الوطنية والمواطنة، أضافة إلى توظيف الشعارات الفكرية والأيدولوجية العامة لصالح نظام الحكم القمعي العائلي.
فمن شعارات الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة إلى حملة الايمان الكبرى إلى الدعوة للجهاد ضد الصليبية العالمية، وضد حكام العرب عملاء القوى الشريرة، والغريب أنهم نفس الحكام الذين دعموه في الحرب ضد إيران بل وأقام أتحادا مع بعضهم مثل، حكّام مصر والأردن، إلى الدعوة لتوزيع الثروة العربية على الفقراء..!! توظيف الشعار الفكري او الأيدولوجيا الصحيح لخدمة مصالح سياسية ضيـّقة لنظام الحكم يتحول بالطبع إلى عامل مضاف لضرب مقومات او عناصر الوحدة والانسجام في المجتمع، لأنه يتسبّب بفقدان تلك الشعارات لمصداقيتها، وبالتالي خلط الأوراق لدى الشعب. 

انتفاضة عام 1991

أما بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في آذار 1991، قام النظام البعثي وبهدف توظيف العصبيات الطائفية والمناطقية والعنصرية في ترميم ركائز النظام التي بدأت بالانهيار السريع، برفع شعارات انقسامية صريحة مثل: المحافظات البيضاء وكان يقصد بها المحافظات الغربية والمحافظات السوداء ويعني بها محافظات كردستان العراق والفرات الاوسط والجنوب، وشعار «لا شيعة بعد اليوم» .. والكرد المرتدّين .. وغيرها. 
وحتى الشريحة والمنطقة التي حاول النظام الظهور بمظهر المدافع عنها والممثّـل او المعبّـر عن مصالحها، كشفت زيف سياسات النظام وشعاراته ،كما رأينا في انتفاضة مدينة الرمادي 1995 ،بعد تسليم جثمان المرحوم الطيّار محمد مظلوم الدليمي وزملائه من ضباط القوة الجوية والجيش العراقي الذين تم اعدامهم والتمثيل بأجسادهم بعد أتّهامهم بالأعداد لانقلاب عسكري. 

صدام كامل وحسين كامل

وكما رأينا أيضاً في التصفيات التي تمت بعد فرار ثم عودة صهري رأس النظام ، الشقيقين حســين كامل وصدام كامل. خلال فترة حكم النظام البعثي الثانية (1968 – 2003)، بلغت سعة وعمق الانقسامات والصراعات الجانبية داخل المجتمع العراقي وداخل الكيان العراقي، الحد الأقصى بالمقارنة مع الحقب السياسية السابقة لانقلاب 17/7/1968، بسبب سياسات التمييز المنهجي والمنـظّم التي مارستها السلطة تجاه شرائح متعددة من ابناء العراق، وهي الخدمة الكبرى التي قـدّمها النظام البعثي للقوى الاجنبية المتربـِصة بالوطن والتي تم توظيفها جيدا في خطط الاجتياح العسكري عام 2003، بل وتم توظيفها أيضاً في خطط الولايات المتحدة بعد احتلالها للعراق لبناء معادلة سياسية واجتماعية زاخرة بالتناقضات تتمكّن من توظيفها لصالح نفوذها ومصالحها في العراق.

2- سمات عامة لحزب البعث في العراق: 

1- لم يُعرَف حزب البعث في العراق وهو خارج السلطة بكونه حزبا ذا قاعدة شعبية واسعة، وإنما كان يضم اعدادا محدودة موزعة في مناطق ذات توجهات قومية وعشائرية خاصة، ويقال بان عدد اعضائه عند قيامه بانقلاب 17 تموز 1968 كان قليلا لذا لجأ إلى التحالف مع مسؤول الاستخبارات العسكرية في عهد عبد الرحمن عارف ، عبد الرزاق النايف، وقائد قوات الحرس الجمهوري ،عبد الرحمن الداود. 

عبد الرحمن عارف

2- ولكن عندما يكون في السلطة يستخدم الحزب إمكانات الدولة وأجهزتها للضغط على المواطنين للانتماء بالترهيب والترغيب إلى صفوف الحزب، حتى وصلت الحال في الثمانينيات، هو إن حصول العراقي على حقوق المواطنة يمر من خلال الانتماء إلى حزب السلطة الذي هو حزب البعث. ويتم إرغام الموظفين في دوائر الدولة على شراء كتب الحزب من خلال استقطاع قيمتها من رواتبهم الشهرية.
3- من يدرس تاريخ البعث في العراق، يكتشف ان اهم الوسائل التي اعتمدها حزب البعث للوصول إلى السلطة، ليست صناديق الانتخاب أو الحركة الشعبية الواسعة أو السبل الدستورية المعروفة وإنما أهم وسائله هي الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية. 
4- الأمر الغريب الاخر هو ان المتابع لفترة حكم البعث الاخيرة (1968 – 2003) سيكتشف ان أغلب زعامات الحزب المدنية والعسكرية تم تصفيتها مباشرة او بطرق غير مباشرة بقرار مباشرمن قبل صدام , وأكبر مجزرة نفذها صدام بحق رفاقه كانت مجزرة حدائق القصر الجمهوري في تموز 1979 عندما أراد احتلال الموقع الاول في الحزب والدولة والجيش بدلاً من احمد حسن البكر ، حيث قام بقتل نحو ثلثي القيادة القطرية وعدد كبير من الوزراء البعثيين وعدد من القيادات العسكرية البعثية وعدد من اعضاء قيادة فرع بغداد وغيرهم بذريعة التآمر..! 

5- تميزت فترة حكم حزب البعث بقيادة صدام بما يلي: 

• حملة واسعة لتصفية زعامات وكوادر وقواعد القوى الوطنية العراقية بمختلف توجهاتها الفكرية، وهو الأمر الذي لم تشهد العهود السياسية السابقة (1920 – 1968) له مثيلاً. 

المفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر

• انتهاكات صارخة وواسعة لحقوق الانسان العراقي حتى بلغت عدد السجون المئات وأعداد المعدومين رسميا مئات الالاف واعداد المفقودين مئات الالاف واعداد العراقيين المهجرين والهاربين بالملايين. 

• شن حروب خارجية على الدول المجاورة للعراق (كشن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وغزو دولة الكويت وضرب الرياض بصواريخ أرض، أرض وغيرها). 

خسائر الجيش العراقي في غزو الكويت

• تأجيج الصراعات العنصرية والطائفية والاجتماعية والسياسية بين ابناء المجتمع العراقي العريق، وهو ما نشاهد نتائجه ومضاعفاته الخطيرة هذه الايام. 

• تدمير القدرة الاقتصادية للبلد من خلال الحروب وفتح الابواب واسعة امام التدخلات الخارجية التي وصلت ذروتها في لجان التفتيش الدولية التي أستباحت كل المنشآت والدوائر الرسمية وحتى بيوت المسؤولين، وأخيرا الاجتياح العسكري الامريكي للعراق عام 2003. 

جندي امريكي يضع علم بلاده على تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس

• تخصيص 5٪ من عائدات النفط (كانت تسمّى بحصة كولبنكيان) لحساب امين الحزب آنذاك (صدام) وهو ما ادى إلى هدر المليارات من اموال الشعب العراقي. 
بالطبع هناك بعثيون اعتنقوا فكر حزب البعث وناضلوا في صفوفه في الحقب السياسية المنصرمة وناضلوا أيضاً ضد دكتاتورية صدام (غالبيتهم كانوا مرتبطين بالقيادة القومية المرتبطة بالنظام السوري)، ودفعوا ثمناً باهضاً بسبب نضالهم ذاك وعملوا من اجل خدمة المبادئ والشعارات القومية التي رفعها الحزب للنهوض بواقع الامة العربية. 

أولئك البعثيون لا يعتبرون جناح صدام هو الممثل والوريث الحقيقي لحزب البعث الذي يعتبروه حزباً وطنياً وقومياً ساهم في صياغة نضالات الشعب العراقي والأمة العربية لعقود من الزمن، ويرون كذلك ضرورة إعطاء فرصة عادلة لهم ليبرزوا الوجه الاخر لحزب البعث .. ذلك الوجه الذي لا تعتقد غالبية القوى الوطنية العراقية بوجوده اصلاً لأن ممارسات صدام وأعوانه هي في الواقع نتاج الفكر البعثي الذي يصفه مناوؤه بالعنصرية والفاشية والتخلّف.

________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

تقرير: “حزب الله” يعيد انتشار قواته لشن حرب ضد إسرائيل على جبهتين

متابعة : وكالة نخلة

أفاد موقع Daily Beast الأمريكي بأن “حزب الله” اللبناني بدأ استعداداته للحرب مع إسرائيل، على خلفية تصعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الخليج.

وأكد الموقع في تقرير نشره أمس الجمعة أن “حزب الله” بدأ يعيد انتشار قواته نحو الحدود الإسرائيلية، ليس في لبنان، بل وفي سوريا، وخاصة في المناطق الملاصقة للجولان المحتل.

ونقل الموقع عن عناصر لـ”حزب الله” قولهم إن “الحزب” يعاني من العقوبات الأمريكية المفروضة عليه وحليفته طهران، ويستعد لبدء القتال عندما تأمر إيران بذلك.

وقال القيادي الذي دعى نفسه سمير، وذلك ليس اسمه الحقيقي، لأنه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام، وتحت قيادته 800 مقاتل عند الحدود بين لبنان وإسرائيل، إن العقوبات الأمريكية تجعل “حزب الله” يستعد للتصرف عند جبهة إسرائيل، مضيفا: “هذه المرة من سيطلق أول طلقة”.

وذكر سمير أن الحرب الجديدة ستختلف عن سابقاتها، موضحا أن المواقف التي يتخذها “حزب الله” في جزء الجولان الخاضع لسيطرة الحكومة السورية ستتيح له فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل.

كما أشار القيادي إلى رفع القدرات القتالية لـ”حزب الله” في السنوات الأخيرة، لاسيما عبر حصوله على طائرات مسيرة وأسلحة مضادة للجو والبحر، بالإضافة إلى الخبرات التي اكتسبها مقاتلوه في سوريا.

وتابع أن “حزب الله” سبق وأن رغب قبل اندلاع الحرب السورية بفتح جبهة ثانية في الجولان، لكن الحكومة السورية اعتبرت ذلك حينئذ “خطا أحمر”، وتابع: “والآن لم تعد هناك خطوط حمراء”.

وأقر القيادي بأن الحرب المزعومة ستلحق دمارا هائلا بإسرائيل ولبنان على حد سواء، لكن العقوبات الأمريكية تجعل هذا السيناريو محتملا، مشددا على أنه إذا استهدف أي صاروخ إيران فإنه سيتم التعامل معه كأنه إسرائيلي.

كما نقل الموقع عن العنصر في “حزب الله” الذي قاتل في سوريا ويدعى أسير (وهذا ليس اسمه الحقيقي أيضا على ما يبدو) تأكيده أن المقاتلين العائدين من سوريا، منذ بدء التصعيد في الخليج، لا يحالون إلى التقاعد بل يُنقلون إلى جنوب لبنان حيث يتولون وظائف جديدة.

وقال: “لا تزال هناك بعض الوحدات في سوريا، لكن كثيرين عادوا إلى لبنان أو إلى الجولان. الآلاف عادوا”.

وأكد أسير أن قيادة “حزب الله” ترى في التصعيد بالخليج مصدرا لنزاع جديد محتمل مع إسرائيل، وتابع: “القادة يتحدثون عن أن هناك شرارة في هرمز، وقد تكون هناك شرارة في لبنان”.

ونقل الموقع عن ثلاثة عناصر لـ”حزب الله” تأكيدهم أن رواتب مقاتلي “الحزب” انخفضت بضعفين بسبب العقوبات الأمريكية، لكنهم لا يزالون يثقون بقدراته العسكرية.

المصدر: Daily Beast

20 يوليو 2019

المرجعية وانتفاضة تشرين (5-6) عدم اجبار الاخرين على التظاهر والاعتصام

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

رافقت التظاهرات ظواهر وسلوكيات مخالفة للأعراف الديمقراطية، مثل منع دوام الموظفين والطلاب عبر إغلاق الدوائر الحكومية والجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية للبنين والبنات. وبادرت مجموعات من المتظاهرين إلى إجبار العاملين فيها على الخروج، وكتابة (مغلق بأمر الشعب) على أبواب وواجهات تلك الأبنية.

إن منع الدوام وإجبار الموظفين والطلاب على الذهاب إلى ساحات التظاهر يؤدي إلى ضرر أخلاقي ومعنوي في إكراه مواطن على فعل أمر لا يريده . وهذا مخالف للدستور ( المادة 42) التي تضمن حرية الفكر والضمير والعقيدة لكل فرد، و(المادة 44) التي تضمن للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه، و(المادة 46) التي تمنع تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور.

إن إغلاق الجامعات والمدارس يسبب الخلل في العملية التربوية والتعليمية ، وعدم تمكن الطلاب من إكمال المناهج الدراسية . فتضيع الجهود ، وتقل فرص النجاح في الامتحانات، فتزداد نسبة الرسوب أكثر مما هي عليه في المحافظات الوسطى والجنوبية . من جانب آخر اشتكى أولياء الطلاب بأن تعطيل الدراسة سيكلفهم أموالاً إضافية على الدروس وتعويض ما فات أبناءهم من دروس.
إن إغلاق الدوائر الحكومية وإجبار الموظفين على عدم الدوام يعني تعطيل مصالح الناس ومعاملاتهم ، وبالتالي قد تسبب خسائر مالية أو ماشكل في مجالات عديدة.

إن غلق الطرق والشوارع منع من تنقل المواطنين والسيارات من مكان إلى آخر سواء لمراجعة دائرة أو مستشفى أو سوق أو أي نشاط آخر ، وبالتالي تعطل مصالح الناس بشكل غير مقبول إطلاقاً. وقد حدثت حوادث مؤسفة منها تلك السيدة التي احترقت سيارتها بعد سيرها على إطار محترق ، فاحترقت السيارة بسرعة، وفيها طفلة صغيرة، فيما تمكنت السيدة من إنقاذ نفسها وطفلها الآخر. وكذلك تلك السيدة المريضة التي كانت مع ذويها بطريقها إلى المستشفى في حالة طارئة. وبسبب إغلاق الطريق ، وتوقف حركة السيارات ، ففارقت الحياة لتأخرها عن الوصول إلى المستشفى وإنقاذها.

لذلك حرصت المرجعية على أهمية سير العملية التربوية ومصالح المواطنين. ففي خطبة جمعة كربلاء في 8 تشرين الثاني /نوفمبر 2019 أشارت المرجعية إلى أهمية مراعاة حرية المواطن في مشاركته من عدمها في التظاهرات . فهذا يمثل حقه وحريته ، ولا يجبره أحد على فعل أمر لا يريده ، فقالت “إن التظاهر السلمي حق لكل عراقي بالغ كامل، به يعبّر عن رأيه ويطالب بحقه، فمن شاء شارك فيه ومن لم يشأ لم يشارك، وليس لأحد أن يلزم غيره بما يرتئيه، ولا يليق أن تكون المشاركة أو عدم المشاركة مثاراً لتبادل الاتهامات بين المواطنين عند الاختلاف في الرأي، بل ينبغي أن يحترم كلٌ رأي الآخر ويعذره فيما يختاره”.

_______________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

عملية “التفريغ”: الناقلة الإيرانية تحاول خداع الأمريكيين

متابعة : وكالة نخلة

تحت العنوان أعلاه، نشرت “أوراسيا ديلي” مقالا حول مناورات ناقلة النفط الإيرانية (أدريان داريا 1) في المتوسط، للهروب من الملاحقة الأمريكية وتفريغ حمولتها.

وجاء في المقال: أكثر ناقلة ملاحقة في العالم، تغير مسارها كل يوم تقريبا. فبعد الإفراج عنها في جبل طارق، غيرت أدريان داريا 1 (غريس 1 سابقا) نقطة توجهها عدة مرات، وهي تتابع إبحارها باتجاه شرق المتوسط. منذ أسبوع، بعد تحريرها في جبل طارق، أشارت الناقلة إلى وجهة كالاماتا اليونانية. ولكن، بعد تحذير أمريكي أرسل إلى جميع موانئ البحر المتوسط، غيرت مسارها نحو تركيا.

وفي السياق، كرر مستشار الرئيس الأمريكي، جون بولتون، تأكيده أن مساعدة الناقلة في التفريغ ستعد بمثابة مساعدة لمنظمة إرهابية. ونقلت مجلة Splash، عن مصادرها، أن الولايات المتحدة تجهز قوات خاصة لاحتمال احتجاز السفينة.

ووفقا لـTanktrackers ، هناك 1.35 مليون برميل من النفط- من 2 مليون ممكنة- على متن الناقلة. ويعتقد المدونون بأن الناقلة لن تأتي إلى تركيا، ولكنها ستفرغ من 0.7 إلى 1.35 مليون برميل في البحر الأبيض المتوسط إلى سفينة أخرى، وبعد ذلك ستتوجه إلى قناة السويس.
في البحر الأحمر، توجد الآن عدة ناقلات تحت العلم الإيراني، والعديد من السفن المجهولة الهوية التي عطلت نظام التعقب في قناة السويس. تلفت الانتباه، بشكل خاص، ناقلة بالقرب من الإسماعيلية المصرية. فهي، وفقا للخريطة، تنقل النفط إلى Concerto الإسبانية. وقد تم إطفاء الارسال عليها. كما تلفت النظر في البحر الأحمر، الناقلة Helm، تحت العلم الإيراني. ووفقا لـTanktrackers ، يتم تحميلها جزئيا فقط، وبناء على نظام التعقب، كان ينتظر أن تتجه من الصين إلى الإمارات العربية المتحدة، لكن بطريقة ما انتهى بها المطاف إلى البحر الأحمر.

جدير بالذكر أن طهران لم تسكت عن تصريحات واشنطن، بل حذرت من أن احتجاز Adrian Darya 1 ستكون له عواقب وخيمة. واليوم، لدى سلطات الجمهورية الإسلامية ورقة رابحة. فلا تزال الناقلة البريطانية Stena Impera محتجزة لديها، والتي، على ما يبدو، لن يفرج عنها قبل أن تنجح الناقلة الإيرانية في تفريغ حمولتها والعودة إلى الوطن.

المصدر : صحيفة اوراسيا ديلي

حالة التعايش في الدولة العراقية الحديثة 1921-2003 / 2-3

بقلم : د. صلاح عبد الرزاق

النظام السياسي في المملكة العراقية 1921 :

بعد احتلال الانكليز لبغداد، بدأ حكم العراق بشكل مباشر من قبل المندوب السامي والمستشارين البريطانيين في بغداد، والحكام السياسيين في المناطق العراقية الأخرى. وبعد إعلان الانتداب البريطاني على العراق من قبل عصبة الأمم في مايس 1920 والذي أدى إلى نشوب ثورة العشرين 1920 ، وتتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وتكليف عبد الرحمن النقيب بتشكيل أول حكومة عراقية للمملكة الوليدة، بدى واضحاً أن النهج العثماني بقي مترسخاً في التشكيلة الجديدة التي وضعت أساس النظام السياسي الجديد.

القوات البريطانية في العراق

بعد أن واجه الإنكليز مقاومة عنيدة من قبل الشيعة وخاصة القبائل والمرجعية الدينية عندما دخلوا في معارك مثل معركة الروطة في 20 كانون الثاني/يناير 1915 والشعيبة في 12 نيسان/ابريل 1915 ، ولكنهم في النهاية تمكنوا من القضاء على المقاومة الشعبية. بعد ذلك بدأ السعي لاستبعاد الشيعة عن السلطة والاعتماد على الأقلية السنية بهدف تأسيس دولة شديدة المركزية تستطيع ضبط الأوضاع.

لقد تمت التسوية السياسية بين الإدارة البريطانية والعناصر السنية المرشحة لتولي السلطة بمعزل عن الشيعة الذين كانوا يرفضون التسوية ويطالبون بالانسحاب البريطاني عن العراق (21) .رغم أن التوجه البريطاني كان يهدف إلى تأسيس نظام ديمقراطي بمقاييس ذلك الوقت، ورغم أن مثل ذلك النظام كان بإمكانه استيعاب المجموعات الأساسية من العراقيين ، الشيعة والسنة والكرد، من خلال إيجاد قواسم مشتركة تقضي على حالة القطيعة السياسية والاجتماعية التي سادت في العهد العثماني.

إن السعي لبناء دولة شديدة المركزية يتعارض مع التركيبة السكانية المتنوعة للمجتمع العراقي. وكان بالإمكان مراعاة التركيبة الخاصة للمجموعات العرقية وإعطائها الفرصة المناسبة للمشاركة السياسية والتي تؤدي إلى تماسك وترابط هذه المجموعات فيما بينها.

السير برسي كوكس

يرى أحد الباحثين العرب أنه قد اتفقت مصالح الدولة المركزية مع مصالح النخبة السنية . وحاول السنة أن يحققوا الاندماج في المجتمع بالقوة ، وساعدهم في ذلك قوة النظام الذي استلزمت بالتالي تركز الدولة في أيديهم (22). طلب السير برسي كوكس من الشيخ عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد أن يؤلف وزارة ، ويعرض أسماء المرشحين عليه للمصادقة عليها. قام الكيلاني بإعداد قائمة بالوزراء المرشحين مستبعداً زعماء الثورة عن المشاركة بالحكم. في 27 تشرين الأول 1920 وافق المندوب السامي على وزارة النقيب الأولى وهي حكومة غير منتخبة والتي ضمت تسعة وزراء (ثمانية من السنة وواحد يهودي) ، بالإضافة إلى إثني عشر وزير دولة (بلا وزارة) .

الملك فيصل الاول

يلاحظ في تركيبة أول وزارة إقصاء متعمد للشيعة . فالوزير الشيعي الوحيد هو السيد محمد مهدي بحر العلوم الذي لم يكن مرشحاً في أصل تشكيل الوزارة من قبل الكيلاني ، لكن المرشح لهذه الوزارة كان عزت الكركوكلي، وقد رفضها واستلم بدلها وزارة الأشغال ، فقام السير برسي كوكس بترشيح السيد بحر العلوم للوزارة لأن النقيب وبعض الوزراء المتنفذين لم يكونوا يوافقون على إسناد وزارة إلى واحد من الشيعة (23)، في حين لم يجدوا ضيراً في تعيين يهودي مع أن اليهود كانوا يشكلون أقلية صغيرة لا يمكن أن تقاس بنسبة الشيعة . مع العلم أن وزير المالية ساسون حسقيل اليهودي كان مناوئاً لتأسيس الحكم الوطني وتنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق. وكان رأيه أن يبقى العراق تحت الوصاية البريطانية. وعندما ذهب إلى مؤتمر القاهرة تحدث مع ونستون تشرشل قائلاً له (لقد جرت العادة في البلاد المنسلخة من الإمبراطورية العثمانية أن يأتيها أمراؤها من الشمال لا من الجنوب، فكيف حدث ضد هذه العادة في العراق؟) فأجابه تشرشل (إن ذلك صحيح، ولكن المستر كورنواليس ذاهب مع الأمير فيصل وهو من الشمال) (24).

الوزير ساسون حسقيل

لقد استقبل الشيعة وعلى رأسهم العلماء في النجف التركيبة الدينية المذهبية للحكومة وتعيين سياسيين سنة كحكام للمحافظات الشيعية بنوع من الارتياب وعدم الارتياح. ويشير عبدالله النفيسي إلى أنه لا يمكن تحليل قلة تمثيل الشيعة في مجلس الوزراء بعدم وجود متخصصين مناسبين، حيث أنه لم يكن من أعضاء المجلس متخصصاً في مهام منصبه باستثناء الخبير المالي ساسون حسقيل. كما أن المستشارين البريطانيين في الوزارات كانوا هم الذين يقومون بمهام المنصب الفعلية. كان السير برسي كوكس يعلم جيداً أن الطريق الوحيد للهروب من مطالب الشيعة بالاستقلال التام هو جعل السنة أغلبية في مجلس الدولة.

بالتأكيد لم يكن استبعاد الشيعة سببه فشل الانكليز في تحريك الصفوة الشيعية للتعاون معهم، حيث كان هناك من أبدى استعداده لذلك، ولكن سببه في الغالب أن المقاومة الشديدة للشيعة حتمت على الانكليز تسليم السلطة السياسية للأقلية السنية العربية والتي لا تشكل سوى 19% فقط من إجمالي السكان (25).

الشيخ عبد الرحمن الكيلاني

إن رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب نفسه لم يكن يمتلك كفاءات أكبر وأفضل من كثير من العلماء الشيعة. فهو ذو ثقافة محدودة، وتعليم ديني تقليدي، ولم يعرف عنه أنه كان سياسياً أو مفكراً ، ولم يترك كتاباً فقهياً أو سياسياً . إن تلك المعادلة التي يسميها أحد رجال العهد الملكي، عبد الكريم الأزري، بـ(صيغة 1921 السياسية) ويعتبرها العلة الأساسية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة (26) ، قد بقيت نافذة ومهيمنة على المشهد السياسي والحكومي والإداري والعسكري والقضائي والدبلوماسي في العراق. ولم تتغير المعادلة كثيراً رغم تعاقب الحكومات وتغير الأنظمة والأيديولوجيات الحاكمة، ورغم تبدل الولاءات والموازنات الإقليمية والدولية في العالم والمنطقة.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة والنظام السياسي العراقي في خلق روح وطنية ينتمي إليها كل أبناء العراق ويفتخرون بها ويدافعون عنها، مثل الروح الوطنية المصرية والسورية والتركية والإيرانية. وبقيت الأنانية والإثرة مهيمنة على سلوك ومواقف النخبة السياسية والدينية التي رفضت التنازل عن امتيازاتها الموروثة من العهد العثماني. كما فشلت الأحزاب السياسية والشخصيات الحكومية، التي يصفها البعض بالوطنية، في بناء شعور وطني مترسخ لدى جميع مكونات المجتمع العراقي. وقد كشفت الوثائق الرسمية العراقية والأجنبية ومذكرات الساسة العراقيين عن حجم التعصب الطائفي لدى العديد من الشخصيات السياسية والدينية والمسؤولين في الدولة العراقية من السنة. كما كشفت عن حجم الإقصاء والتهميش المتعمد للشيعة والكرد.

لقد فوت الساسة العراقيون عدة فرص كان يمكن أن تشكل منعطفاً جديداً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، وأن الحصول على المناصب والسلطة يكون وفق الكفاءات والفرص المتساوية دون تمييز.

ثورة العشرين

التعايش السياسي-الاجتماعي في العهد الملكي :

ساهم الغزو البريطاني للعراق 1914-1917 في تعزيز الشعور الوطني للعراقيين من خلال المساهمة الفعالة في أعمال المقاومة للغزو الإنكليزي، عندما التحمت عشائر الفرات مع القيادات الدينية الشيعية في محاربة الجيوش الزاحفة نحو بغداد. وقد التحمت معها في عدة معارك ، وساهمت قوات المجاهدين في تأخير سقوط بغداد ثلاث سنوات. وفي ثورة العشرين 1920 بلغ الشعور الوطني أوجه عندما اتحدت القيادات السنية والشيعية (وللمرة الأولى منذ قرون عديدة انضم الشيعة سياسياً إلى السنة وضمت عشائر من الفرات جهودها إلى جهود سكان مدينة بغداد. وأقيمت احتفالات شيعية سنية مشتركة لا سابق لها)(27). وكانت فكرة المجالس المشتركة قد جاءت من السيد صالح الحلي وهو شاعر وخطيب حسيني شيعي مشهور. وكانت تقام هذه المجالس في مساجد السنة والشيعة على التعاقب، ويشارك فيها أتباع المذهبين. فقد أقيم أول مجلس يوم الجمعة 14 مايس 1920 في جامع القبلانية الذي يقع في سوق البزازين. وقام أحد وعاظ السنة بإلقاء خطبة الجمعة، ثم أعقبه الشيخ مهدي البصير فتلا المولد النبوي والمجلس الحسيني معاً.

مهدي البصير

وقد اشتهر البصير بخطابه السياسي حتى سمي بـ(ميرابو العراق) (28) لشدة تأثيره على الناس.ولما حل شهر رمضان انتشرت المجالس المشتركة، وكانت توزع بطاقات الدعوة على الناس. وكان أحد هذه المجالس قد نجح إلى حد كبير عندما أقيم المجلس في ساحة الميدان وحضره عشرة آلاف من الجمهور. وتناوب الخطباء والشعراء على المنبر فذكروا جهاد النبي (ص) واستشهاد الإمام الحسين (ع) في كربلاء. وألقيت قصائد تحث على الوحدة بين المسلمين، حيث قوطعت بالهتاف والتصفيق والحماسة. وقد أدى اعتقال أحد الشعراء إلى تظاهرات وأحداث مواجهة مع الجنود ( 29). أدت الأحداث إلى مقتل أحد العراقيين، فزاد هياج الناس وخاصة أثناء تشييعه، وأغلقت الأسواق ورفعت الأعلام السوداء، وخرجت مواكب اللطم ترثي الشهيد. إثر ذلك تصاعدت المواجهة بين الزعامات الوطنية وموظفي الإدارة البريطانية،

جعفر ابو التمن

كتب الزعيم الوطني جعفر أبو التمن رسالة إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي يستغيث به للتدخل والمساعدة. وصلت الرسالة إلى الشيرازي الذي أكد على أهمية الوحدة الإسلامية واجتماع كلمة أهالي بغداد من السنة والشيعة في المطالبة بحقوقهم، وكذلك أهمية حفظ حقوق غير المسلمين من عراقيين وأجانب، إذ جاء فيها:(…فسرنا اتحاد كلمة الأمة البغدادية واندفاع علمائها ووجوهها وأعيانها إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة ومقاصدها المقدسة. فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقق المولى آمالنا وآمال علماء حاضرتكم الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية). كما أصدر الشيرازي رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي جميعاً يحثهم فيها على التماسك والتعاون بين السنة والشيعة والوحدة الوطنية، والمطالبة بحقوقهم المشروعة باستقلال العراق من خلال إرسال وفودهم إلى بغداد للتنسيق معاً في الضغط على الاحتلال البريطاني، جاء فيها:(إلى إخواني العراقيين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية قد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلمية. وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات مع المحافظة على الأمن طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية، وذلك بأن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق بغداد وفداً للمطالبة بحقه متفقاً مع الذين يتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد. فالواجب عليكم، بل على المسلمين، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف. وإياكم والإخلال بالأمن والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم. وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً. وفقكم الله جميعاً لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 10 رمضان 1338 هج – الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي) (30).

الشيخ محمد تقي الشيرازي

لقد خاطب الشيرازي أبناءه من السنة والشيعة، ولما كان مقلدوه من الشيعة عادة فقد أكد عليهم بـ(الاتفاق مع إخوانكم) السنة وتفادي أي صراع أو شجار فيما بينهم. كما اعتبر المطالبة باستقلال العراق (مبدأ شريفاً) يستوجب على جميع المسلمين التعاون من أجل بلوغه، إضافة إلى إرهاصاته بأن الوقت قد حان لنيل العراقيين حقوقهم لأنهم متحدون في مطالبهم ومتعاونون في تحركهم. اشتد التقارب الطائفي بشكل لم يشهد له مثيلاً في العراق، فعندما يصل وفد الكاظمية لحضور مجالس بغداد ، وكان يأتي بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، وعند وصوله إلى بداية محلات بغداد يخرج لاستقباله أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة (من السنة) حاملين الشموع ، يهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات إلى محطة بغداد كان في استقبالها جمهور غفير من أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانقان عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين. وعند ذلك يرتفع صوت الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد. ويحدث مثل ذلك أيضاً عندما يذهب وفد الأعظمية إلى الكاظمية أو العكس. وقام الملا عثمان الموصلي المنشد المعروف بدور كبير عندما كان ينشد القصائد في مدح النبي (ص) وأهل بيته (ع). وكان ينشد في صحن الكاظمية بقصائد بقي الناس يتذكرونها ويرددونها مدة طويلة من الزمن ( 32). وحين حلت ذكرى شهادة الإمام علي (ع) في 21 رمضان ، جاء موكب من أهالي الأعظمية إلى الكاظمية لمشاركة أهلها في العزاء. وأخذ الموكب الأعظمي يسير في صحن الكاظمية وهو يهزج قائلاً:أبو بكر وعمر حزنانين عالوصي حيدر وملائكة السما وجبرائيل لأجله تكــدّر وقام أهالي محلتي السوامرة والتكارتة بتأليف مواكب لطم قاصدين محلة الشيخ بشار لمشاركة أهاليها في العزاء. ولما حل شهر محرم استمرت المشاركة السنية في الشعائر الحسينية بشكل واضح. وفي اليوم العاشر من محرم ذهب الجميع إلى الكاظمية للمشاركة في ذكرى الإمام الحسين (ع).

يصف المؤرخ عبد الرزاق الحسني الدور الذي لعبه الشيرازي في التقارب الطائفي حيث يقول بأنه كان (يؤيد الصلات الأخوية بين المسلمين بكل قواه، ويحث على التآلف والتآزر بين السنة والشيعة ، ليقف الجميع صفاً واحداً بوجه الأجنبي. فوسّع مفكرو الطائفتين طرق وأساليب الاستعانة بنفوذه الديني الواسع لتحقيق مقاصدهم السياسية. ولما كانت رابطة رؤساء القبائل الدينية بمقام الإمام الشيرازي قوية جداً، فقد اتخذت صبغة سياسية واضحة، وأخذ الإمام يبث الدعوة بينهم إلى المطالبة باستقلال العراق بكل وسيلة ممكنة)(32).

خلال أحداث الثورة استجابت بعض عشائر السنة لدعوة علماء الشيعة في مقاومة الإنكليز، وإن كانت غالبيتهم قد ظلت بعيدة عن الثورة بسبب ارتباطات وتأثير زعماء عشائرهم. فقد كان السيد محمد الصدر يقوم بحملة تبليغية في لواء الدليم وسامراء لدعوة العشائر هناك إلى الانضمام إلى الثورة. وقد نجحت جهوده في إقناع بعض زعماء العشائر مثل حبيب الخيزران شيخ قبيلة عزّة وقبائل ألبو علقة وألبو حيازة. كما استجاب الشيخ ضاري رئيس عشيرة زوبع في الرمادي لحركة الثورة (33).

يحلل حنا بطاطو ذلك التطور الاجتماعي فيقول (في الواقع ، فإن المرء لن يذهب أبعد من اللازم في القول أن أحداث 1919-1920 ، وبشكل أخص الترابط الذي نشأ بين السنة والشيعة – مهما كان رقيقاً- قد أطلقت عملية جديدة، ألا وهي النمو الصعب الذي كان تدريجياً ولاهثاً أحياناً أخرى، لمجتمع وطني عراقي) ( 34).

رشيد عالي الكيلاني

لقد فشلت النخبة الحاكمة في دمج بقية مكونات المجتمع العراقي، وخاصة دمج الشيعة في الجسم السياسي للدولة. الأمر الذي أدى إلى تراكم المشكلات وتفاقمها، وازدياد حالة الشعور بالسخط والاستياء والغربة عن الحكومة. وقد انعكس هذا الشعور على شكل انتفاضات وثورات في كثير من الأحيان. ومرت عشرون عاماً لتتاح فرصة أخرى مشابهة عندما حدثت الحرب العراقية-البريطانية عام 1941 اثر الانقلاب الذي قادته مجموعة العقداء الأربعة بقيادة صلاح الدين الصباغ، وتزعم رشيد عالي الكيلاني الحكومة وفرّ الوصي عبد الإله إلى الخارج. لقد شجعت مواجهة عدو أجنبي حالة التماسك الوطني وضرورة الدفاع عن الوطن الذي يتمسك به الجميع باعتباره أرض آبائهم وأجدادهم. (لقد شكلت حرب الـ 1941 حافزاً كبيراً لمشاعرهم القومية. ولم يكن العراقيون موحدي الرأي حول تدخل الجيش في شؤون الدولة أو حول الاتجاهات السياسية لكبار الضباط. ولكنهم ما إن اندلعت الحرب حتى نسوا خلافاتهم ، واختلطت واندمجت مشاعر الشيعة والسنة والعرب والأكراد في بغداد والمدن الأخرى في تلك اللحظة وعلى امتداد أيام القتال. وسادت بين ذوي الحياة المتواضعة خصوصاً روحية لم يكونوا عرفوها منذ انتفاضة 1920 ) (35). ورغم الحيف الذي لحق بالشيعة ونسيان تضحياتهم ودمائهم في ثورة العشرين التي قطف ثمارها العسكريون الشريفيون من ضباط الجيش العثماني ومن النخبة السياسية السنية، لكنهم تفاعلوا مع انقلاب قومي يقوده مجموعة من الضباط السنة.

الشيخ عبد الكريم الجزائري

وتكرر مشهد حركة الجهاد عام 1914 ، حيث صدرت فتاوى علماء الشيعة بمقاتلة الإنكليز حيث أصدر الشيخ عبد الكريم الجزائري فتوى تساند الجيش وقادته ووصف الحركة بالحكومة الإسلامية. كما أصدر السيد أبو الحسن الأصفهاني فتوى توجب الدفاع عن الإسلام ومحاربة الكافرين (الإنكليز). وأصدر الشيخ محسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم حركة الاحتجاج ضد التمييز الطائفي ولاسيما في الفترة التي كان فيها رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، فقد أصدر فتوى اعتبر فيها الانقلاب بأنه (قاعدة للدين) من أجل حث العراقيين المسلمين على تأييد الحركة. ورفض آل كاشف الغطاء رشوة أرسلها الأمير عبد الإله من أجل إثارة القبائل ضد حكومة الانقلاب (36). وخرجت القبائل العربية في الفرات الأوسط إلى القتال، ونسيت ما فعلته الحكومة وقواتها العسكرية في ضرب ثورة العشائر عام 1935 بوحشية وهمجية عندما قتلت الأطفال والنساء وأحرقت البيوت والمزارع. وفي نفس العام عندما قررت الحكومة العراقية تشييد مبنى للبريد على مقبرة في الكاظمية، الأمر الذي استفز مشاعر أهالي الموتى، فقرروا الاعتصام في المقبرة. أرسل وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني مفرزة مسلحة من الشرطة بقيادة وجيه يونس الموصلي، وبسيارات مصفحة، ففتحت النيران فوراً على المعتصمين، مما أدى إلى مصرع ثلاثين شخصاً، دفنوا بصورة سرية ليلاً. أما المحتجين الباقين فقد حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة. لقد نسي الشيعة كل تلك الجرائم ووقفوا يقاتلون إلى جانب الجيش ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني شعوراً بالروح الوطنية وواجبات الدفاع عن الوطن. ومن المفارقات أن العشائر الشيعية وقفت مع حركة اعتبرتها تحررية ضد الاستعمار البريطاني، لكن هناك قبائل سنية عربية مثل الدليم وعنزة وقفت إلى جانب الجيش البريطاني الذي كان محاصراً في معسكر الحبانية. ورغم كل هذه المواقف الإيجابية لصالح الكيلاني لكنه لم يخرج عن المعادلة الثابتة عندما أعطى وزارات ثانوية كالمعارف للشيعة بينما استحوذ السنة على رئاسة الوزراء ووزارات الداخلية والدفاع والخارجية والاقتصاد. ولم يكن في القيادة العسكرية ضابط شيعي واحد.

الهوامش:

21- عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 1 22- فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 1323- عبد الرزاق الحسني ( تاريخ العراق السياسي الحديث) / ج 1 / ص 193 ، وعلي الوردي (لمحات اجتماعية) / ج 6 / ص 3024- فريق المزهر الفرعون (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها) / ص 50425- فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 94-9526- عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 127- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4128- الكونت دو ميرابو (1749-1791) Conte de Mirabeau سياسي وثائر فرنسي يُعرف بخطيب الثورة الفرنسية.29- علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 5/ ص 186 وما بعدها30- علي الوردي / مصدر سابق / ص 197 31- المصدر السابق/ ص 206 32- جعفر عبد الرزاق (الدستور والبرلمان) / ص 13933- حسن شبر / مصدر سابق / ص 222-22334- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4235- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4836- حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص189-191.

____________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

السيستاني وعراق ما بعد سقوط النظام (2-2)

بقلم : د. صلاح عبد الرزاق

ملامح سياسة السيستاني :

خلال ستة عشر عاماً كان للسيد السيستاني مواقفه وبياناته وتصريحاته التي عبر من خلالها عن رؤية ثاقبة ونظرة حكيمة . ويمكن تلمس أهم معالم هذه السياسة وتأثيرها في المشهد العراقي والدولي (تتمة):

1- وقفت المرجعية ضد توجه بعض النخب العلمانية العراقية التي أرادت إقصاء الإسلام عن لعب أي دور في الدستور والقوانين. إن تهميش الدين يؤدي إلى ظهور تمرد إسلامي يتمثل بالحركات الأصولية التي تنتهج العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، وللانتقام من الأنظمة التي تمنعها من العمل والحركة والتعبير. إذ يرى بعض الباحثين أن “الدين في الحقيقة وعلى مدى قرون عديدة، كان يمثل كابحاً للطغيان في العالم الإسلامي. إن تدمير المؤسسات الإسلامية التقليدية مثل المدارس الدينية والمساجد باسم التحديث يترك فراغاً اجتماعياً يتم ملؤه في آخر الأمر بازدهار التطرف في الفكر الإسلامي السياسي”. (6).

السيد علي السيستاني

2- أثبتت المرجعية أن الدين يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في الحياة العامة وفي عملية التحول نحو النظام الديمقراطي. وهذا على العكس مما تدعو إليه النخب العلمانية التي تؤكد على أن الدين يعيق التقدم السياسي والاجتماعي، وتنادي واجهاتها ومنظماتها وخاصة النسائية منها إلى فصل الدين تماماً عن الدولة والدستور والقانون. لقد أعطت المرجعية مصداقاً واضحاً على أن الإسلام لا يتقاطع مع الديمقراطية، كما يضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين. هذا في الوقت الذي يشهد العالم نمواَ في الأصولية الإسلامية التي تتمثل في الحركات الجهادية والجماعات الإسلامية التي تتبنى العنف والإرهاب سبيلاً لمواجهة خصومها، ولتحقيق أهدافها.

في نفس الوقت منعت المرجعية من تسيس الدين وجعله مجرد واجهة لأغراض سياسية ومنافع شخصية وحزبية. لقد حافظت المرجعية على التوازن الدقيق لدور الدين، وتجنيبه حالة الاستغراق والذوبان في العملية السياسية، وبين التهميش والاقصاء، أو التوظيف السلبي والاستغلال السياسي للرموز الدينية.

3- أعطت المرجعية زخماً كبيراً ودفعاً قوياً للتيار الإسلامي المعتدل في العراق، لقد بات التيار الإسلامي على هرم السلطة، يصنع القرار وتتولى شخصياته مسؤوليات عالية في الدولة، ويطرح برامج سياسية. هذا التبني المرجعي يقوي الخط المعتدل في التيار الإسلامي، ويحول دون نزول الجماعات الإسلامية إلى العمل تحت الأرض لتمارس نشاطاتها بعيداً عن الرقابة أو التقويم.

مقاتل تابع لجماعة متشددة

4- بذلت المرجعية جهوداً استثنائية في تخفيف اندفاع التيارات التي تميل للعنف بسبب ظروف تشكيلها وطبيعة قواعدها. فقد استطاع السيستاني استيعابها نوعاً ما لتصبح أكثر انسجاماً مع خط المرجعية ، ولتصبح أكثر هدوء وعقلانية، تفكر بالمنطق السياسي وتمارس العمل السياسي عبر قنواته المفتوحة، وتساهم بآرائها وتبني مواقفها السياسية حسب طبيعة الحدث، ووفق متبنياتها التي ربما تختلف عن بقية الأحزاب والحركات السياسية الأخرى (7). 5- أدركت المرجعية أن الديمقراطية في العراق لن تجد طريق النجاح دون استيعاب مطالب السنة العرب، لما لهم من تراث إداري وخبرة حكومية وقدرة مالية واقتصادية، وامتدادات عربية ودولية تؤيد مواقفهم ، وتضغط على الشيعة والأكراد لتلبية مطالب السنة. ولذلك منع السيد السيستاني أية مواجهة شيعية مسلحة ضد السنة رغم الجرائم الطائفية التي ارتكبتها جماعات سنية وتكفيرية وبعثية. كما استقبل السيد السيستاني شخصيات إسلامية وحكومية وسياسية سنية متفهماً لمواقفهم ، مسدداً إياهم بالنصح والمشورة من أجل المحافظة على وحدة الصف الوطني العراقي (8).

مشاركة المرأة العراقية في السلطة التشريعية

6- أكدت المرجعية على أهمية ضمان حقوق الأقليات الدينية والمذهبية والقومية في العراق. كما أكدت على دور المرأة في الحياة العامة، عندما أيدت مشاركتها في الانتخابات، ناخبات ومرشحات. كما دعمت دور المرأة في منظمات المجتمع المدني، وتولي مناصب حكومية، وتمثيل الشعب في الجمعية الوطنية ومجالس المحافظات والبلديات. يأتي ذلك ليؤكد نضج الفكر السياسي الشيعي وانفتاح الفقه الشيعي، مقارنة بالمؤسسات الإسلامية في بعض الدول العربية والإسلامية التي ما زالت تمنع منح المرأة حق التصويت أو الترشيح في المجالس التمثيلية.

7- حافظت المرجعية على الحوزة العلمية بكيانها وامتداداتها ورجالها ومؤسساتها لتكون دوماً في خدمة الأمة وطموحاتها وآمالها . كما حمت المؤسسة الدينية من التدخلات الداخلية والضغوط الخارجية من أي جهة كانت. وهذا لا يعني الانغلاق على الذات أو قطع الاتصالات مع الآخرين، بل على العكس مثلاً، أجاب السيد السيستاني على أسئلة وجهها إليه مراسلون من صحف أمريكية (9).

مواجهات النجف عام 2004

8- لعبت المرجعية دوراً هاماً في الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة، حيث تمكنت بحكمتها وسعة صدرها من تجنيب العراق حرباً أهلية وفتن طائفية هنا وهناك، سواء داخل الصف الشيعي أو بين الشيعة والسنة، أو بين الإسلاميين وغير الإسلاميين. لقد أصبحت المرجعية في بعض الأحيان الصوت الوحيد الذي ينتظره الجميع. ففي الأزمة السياسية والمواجهة العسكرية التي حدثت في النجف الأشرف عام 2004 ، عجز الجميع عن فعل أي شيء، لا الحكومة والجيش والشرطة، ولا القوات الأمريكية، ولا الأحزاب السياسية، وبقوا ينتظرون عودة السيد السيستاني من رحلة العلاج في لندن، ليقوم بدور لا أحد يتمكن من أدائه سواه. وبالفعل عاد السيستاني وتم إقرار الأمن والهدوء في النجف والكوفة، عندها تنفس الجميع الصعداء.

9- استخدمت المرجعية تأثيرها الواسع ونفوذها الكبير في تعبئة الجماهير العراقية باتجاه المسار الديمقراطي. كما تمكنت من إحضار الشارع العراقي في الساحة أثناء الأزمات والمنعطفات الهامة كالانتخابات البرلمانية والاستفتاء على الدستور. إن الإنتماء والتأثير الديني في المجتمعات الإسلامية وفر إجماعاً ضرورياً باتجاه العمل بالقواعد المشتركة التي يؤمن بها الجميع. ولا يُعلم كيف كانت ستسير الأمور في العراق لو أن المرجعية انكفأت على نفسها، أو كانت ضد العملية الديمقراطية.

السيد ابو القاسم الخوئي

10- تعتبر مرجعية السيد السيستاني امتداداً لمدرسة أستاذه السيد أبو القاسم الخوئي. فالخوئي كان لا يعارض الإيمان بالدولة الإسلامية، ولا يناقض السياسة من حيث المبدأ ، ويؤمن بولاية الفقيه (الخاصة). وينفرد ببعض الآراء المرتبطة بالأساس الفكري الثوري، لكن الجانب العملي اتخذ مساراً تقليدياً أوقف أية مبادرة أو تحرك سياسي (10). هذا الخيار التقليدي جعل الخوئي بعيداً عن التدخل بالشأن السياسي رغم حدوث أحداث خطيرة في العراق مثل إعدام السيد محمد باقر الصدر والحرب العراقية –الإيرانية. ولعل أبرز دور للسيد الخوئي كان انخراطه في انتفاضة شعبان/آذار 1991 باعتباره المرجع الأعلى للشيعة وزعيم الحوزة العلمية وكشخصية اجتماعية بارزة لأن كلمته مسموعة ومتفق عليها من قبل الجميع (11). لقد كان يُتوقع من السيد السيستاني أن لا يتدخل في الشأن السياسي طبقاً لمدرسته الفقهية والسيرة العملية للمرجعيات التي سبقته (السيد أبو الحسن الأصفهاني (1920-1946)، السيد محسن الحكيم (1946- 1970) ، السيد أبو القاسم الخوئي (1970-1992) ، ولكن طبيعة التحديات والظروف فرضت وقائع جديدة على الأرض.

إن تدخل السيد السيستاني بالشؤون السياسية نابع من وقائع عملية أكثر منها متبنيات نظرية. وقد سألته شخصياً عن هذا الأمر فأجاب: ( الناس تسألني في أمورها وخاصة القضايا العامة والمصيرية كالانتخابات وغيرها، فهل أسكت أم أجيبها؟ إنني بصفتي مرجعا أجد نفسي ملزماً بالإجابة على استفسارات الناس وحتى السياسية منها). من جانب آخر يلتقي السيستاني الكثير من المسؤولين في الدولة والحكومة وزعماء الأحزاب السياسية ونواب البرلمان ووجهاء ورؤساء عشائر يسألون ويطلبون النصيحة في الشؤون السياسية، فهل يردهم أم يجيبهم وينصحهم خدمة لصالح العراق والشعب العراقي؟

الهوامش:

6- مايكل هيرش في مجلة (الواشنطن الشهرية) ، نقله إيان بوروما في مقالة له في صحيفة نيويورك تايمز/ ترجمة صحيفة المدى في 16 كانون الأول 2004.

7- أنظر مثلا اصدار مكتب السيستاني بيان في 15 تشرين الأول/اكتوبر 2003 دعا فيه (جميع أبناء الشعب العراقي إلى عدم التصديق بما تروجه القنوات الفضائية من وجود صراع بين مكتب السيد الشهيد الصدر (قده) ومكتب السيد السيستاني (دام ظله الوارف). وأن هناك جهات معادية استعمارية وإقليمية معادية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) تحاول إثارة الفتنة الداخلية بين أبناء هذا المذهب. فالذي نرجوه ونأمله من جميع الموالين لأهل البيت (ع) التزام الهدوء وضبط النفس. وعلى جميع أبناء المذهب التآلف والتعاضد من أجل تفويت الفرصة على الأعداء. ونحن جميعاً إخوة في الله، متحابون وعلينا التعاضد من أجل دفع الفتنة والبلاء عن هذا البلد. محمد الغروي / المرجعية ومواقفها السياسية / ص 102 .

8- في 12 كانون الثاني / ديسمبر 2004 أصدر مكتب السيد السيستاني بياناً أشار فيه إلى لقاء سماحته مع الدكتور عدنان الباججي الرئيس الدوري لمجلس الحكم الانتقالي، وجاء فيه إلى أن الباججي (شرح لسماحته آخر التطورات فيما يتعلق بالعملية السياسية. كما اطلع سماحته على مضمون الرسالة التي بعث بها إليه السيد كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الشأن. (مكتب السيد السيستاني في 18 من ذي القعدة 1424 هـ).

9- أنظر مثلاً: الواشنطن بوست في عددها الصادر في 26 حزيران 2003 ، وكالة أسوشيتد برس في 18 تشرين الأول /اكتوبر 2003 ، شبكة فوكس نيوز ، والواشنطن بوست في 24 تشرين الأول / اكتوبر2003.

10- عادل رؤوف / العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية/ ص 452.

11- المصدر السابق / ص 453.

_____________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اخر الاخبار

اعلان

ad