الإثنين, يناير 25, 2021

تحليل روسي لأحداث المنطقة العربية !!!!!!!! تقرير مدير المخابرات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف لمشروع جماعة الإخوان المسلمين

توقع مدير المخابرات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف، نهاية مشروع جماعة الإخوان المسلمين، وقال إن “المعركة الآن في دورتها الأخيرة”.
وكان المسؤول الروسي يتحدث في ندوة مغلقة مع السفراء الروس في العالم العربي والإسلامي، وقال إن بريطانيا دعمت جماعة الإخوان منذ البدء لمواجهة تنامي التيار القومي العربي.
وأوضح أن الإخوان لم يقروا أو يسلموا بهزيمة مشروعهم السياسي، بل إنهم ما زالوا يراهنون على أن مشروعهم هو المشروع البديل لكل المشاريع التي تطرح في المنطقة وأنه هو المشروع الأقوى والمدعوم دولياً، والذي شق طريقه خلال 8 عقود من العمل المتواصل، وأن ما يلاقيه المشروع الآن من تراجعات سيتم التغلب عليها، لأنها عقبات مختلفة اوجدتها قوى تهدف الى تدمير المشروع الإسلامي في المنطقة.
ويستند هذا الاطمئنان، بحسب مدير المخابرات الروسية، لدى الجماعة بالدرجة الأولى على دعم القوى العالمية الاكثر تأثيرا في العالم وهي أميركا.
وأشار إلى أن محطات العلاقات الأميركية الإخوانية على الفترة الطويلة، استنادا إلى تقرير أمني روسي تطرق الى هذه العلاقة، وأثبت أن جماعة الإخوان المسلمين جزء اساسي من أدوات المشروع الاميركي للهيمنة على العالم العربي والإسلامي.
ويقول المسؤول الروسي إنه في عام 1928 وعندما انطلقت فكرة الإخوان المسلمين في مصر، لاقت الاحتضان الكبير والدعم اللامحدود من الاستعمار البريطاني في تلك الفترة والذي كانت سياسته “الاستعمار البريطاني” تقوم على سياسة “فرق تسد”، واعتبر أن إنشاء مثل هذه الجماعة ستمكنهم لاحقا من التصدي للخطر الاساسي المتوقع في المنطقة وهو التيار القومي العربي، “فلا بد ان تواجه هذا التيار بتيار الإخوان المسلمين الذي كان منذ بدايته الأولى مناهضا للقومية العربية”.
وفي بداية أفول نجم بريطانيا العظمى في الخمسينيات من القرن الماضي، أصبح الوريث الشرعي لبريطانيا في المنطقة هي الولايات المتحدة الأميركية القوة الصاعدة المهيمنة حديثا، فالعلاقة مع الإخوان المسلمين ورثت من البريطانيين إلى الأميركان.
وفي خمسينيات القرن الماضي وبعد نجاح ثورة جمال عبد الناصر واشتباكها مع الإخوان المسلمين التي فشلت محاولتها بالهيمنة والسيطرة على هذه الثورة، بدأ المستشار حسن الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين، في تلك الفترة بتجديد العلاقات ما بين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على أرضية التعامل المشترك ضد ثورة “23 يوليو” كونها تهدد المصالح الأميركية في المنطقة، ومن جانب آخر تستهدف حركة الإخوان المسلمين في مشروعها السياسي.
وتواصلت العلاقات ما بين الطرفين وتعمقت ووضعت الإشكاليات والمصاعب أمام ثورة جمال عبد الناصر ليس في مصر فحسب، بل في بلدان عربية أخرى مثل “السعودية واليمن والأردن”، في محاولة لوقف مد هذه الثورة وانتقالها وتدعيمها في مناطق أخرى في العالم العربي.
وأوضح أنه في بداية سبعينيات القرن الماضي وعند وفاة جمال عبد الناصر واستلام أنور السادات للحكم من بعده، شعر بأنه مستهدف من قبل رفاقه في الثورة وأن أيامه ليست طويلة في الحكم.
وأشار حسن التهامي، وكان مستشارا له، بأكثر من سيناريو للانقضاض على مراكز القوى المناهضة له في مصر.
أما السيناريو الرئيسي الذي وافق السادات عليه هو تعميق العلاقة مع الحسن الثاني ملك المغرب واللجوء له، مستندا إلى تقارير كانت تصله بصفته رئيساً للمخابرات المصرية تفيد بأن الحسن الثاني هو الاكثر قربا في هذه المرحلة للولايات المتحدة واسرائيل والقوى اليهودية في كافة انحاء العالم.
ومن هذا الباب، بدأ أنور السادات اتصالاته بالحسن الثاني، ويُقال إنه في شباط 1972 عقد أول لقاء سري بين السادات والأميركان برعاية الحسن الثاني، وكان هذا اللقاء فاتحة للعلاقة بين السادات والأميركان بشكل رسمي وشرعت هذه العلاقة بقنوات مصرية أميركية كان أهمها قناة حسن التهامي.
وبعدها، نصح الأميركان السادات أنه إذا كان جادا بالتصدي لمراكز القوى وبالتغيير الجذري للسياسة المصرية، فما عليه إلا التعامل والتعاون مع الإخوان المسلمين الذين يشاركونه نفس الهدف في المرحلة الحالية وأنهم “أي الأميركان” سيساعدونه في ذلك.
وفي تلك الفترة، كان المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر هو عمر التلمساني الذي انفتح على السادات بطلب وبرغبة أميركية، وعمّق الطرفان العلاقات فيما بينهم، ووجد الإخوان في ذلك فرصة للثأر من عبد الناصر ومراكز القوى التابعة له فاندفع بقوة مع السادات وكان اتفاقهم يقوم على نقطتين، هما فك التحالف مع الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة كونه اتحادا كافرا ملحدا، والعمل على تصفية النفوذ الناصري.
ودعم الإخوان المسلمون في مصر السادات بكل قوة حتى في زيارته لإسرائيل وتوقيع الاتفاقيات، وإن كانوا في العلن يعارضون فهم في السر صامتون أو مؤيدون، فالقوة الرئيسية التي كانت قادرة على التصدي للسادات ومنعه من أي اتفاقية مع إسرائيل هم الإخوان المسلمون ولو عملوا بجد لنجحوا لكن الطرفين كانا معنيين بما حصل.
ونجح الإخوان والأميركان في قلب السياسة المصرية جذريا وقطعت “مصر السادات” تدريجيا علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي، ما يعني الارتماء في الحضن الأميركي، وأضعف المواجهة كثيرا مع إسرائيل وبدأت ثقافة دعمها الإخوان بقوة في مصر وهي ثقافة مصر أولا.

  • علاقة المخابرات الامريكية بإخوان الإردن

في بداية الثمانينيات وبالتحديد عام 1982 وأثناء حرب بيروت، عُقد لقاء هام واستراتيجي في الأردن بين الإخوان المسلمين والمخابرات الاميركية ممثلة برئيسها، وحضر من الإخوان المسلمين عبد المجيد ذنيبات الذي لم يكن المراقب العام بل كان نائباً لعبد الرحمن خليفة “الذي رفض حضور هذا اللقاء”، وعبد الله عزام وأحمد نوفل والدكتور علي الحوامدة وزياد أبو غنيمة وعبد الرحيم العكور. وكان هذا اللقاء بداية رسمية للتعاون ما بين الإخوان المسلمين في الاردن والمخابرات الأميركية.وفي هذا اللقاء، تقرر فرز عبد الله عزام كقناة اتصال وتنسيق بين الإخوان المسلمين والمخابرات الأميركية.
أما العلاقة بين الإخوان المسلمين والمخابرات الأميركية، فكانت وجهتها في تلك المرحلة التعاون في التصدي للنفوذ السوفيتي في أفغانستان والمنطقة وضرورة التصدي له إسلاميا دون الحاجة إلى تدخل أميركي مباشر، بل ستوفر أميركا كل أنواع الدعم للمقاتلين الإسلاميين في مواجهة الاحتلال السوفيتي.
وتولى عبد الله عزام، الذي كان أبرز قادة الإخوان المسلمين في تلك الفترة، هذا الملف بالتنسيق مع الأميركان وشخصياً مع مستشار الأمن القومي بريجنسكي الذي التقى بعزام أكثر من مرة في باكستان ونسق وإياه ولادة تنظيم القاعدة في أفغانستان الذي كان عنوانا لذهاب كل المقاتلين الإسلاميين من دول عربية وإسلامية لمواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان وحرف النظر عن المعركة مع إسرائيل.
وعبد الله عزام هو من أوجد القاعدة وقيادتها أسامة بن لادن في تلك المرحلة بالتنسيق مع الأميركان، وبالرغم من اغتيال عبد الله عزام الذي اتهمت المخابرات الأميركية السوفيت بقتله إلا أن قنوات الاتصال بقيت وما زالت بين الإخوان المسلمين في الأردن والأميركان ولم تكن هذه العلاقة في مرحلة من المراحل بمعزل عن متابعة القصر لها.

  • دور الغنوشي والعلاقة مع الغرب

صعد نجم راشد الغنوشي كأحد أبرز وجوه الإخوان المسلمين في المغرب العربي وكان زعيم تنظيم النهضة التابع للإخوان المسلمين في تونس وبعد اعتقاله والضغوط التي مورست على الحكومة التونسية لاطلاق سراحه والسماح له بالتوجه إلى فرنسا كلاجئ سياسي فرزه التنظيم العالمي للإخوان المسلمين كقناة اتصال مع الغرب وبالذات مع أميركا.
وخاض الغنوشي مرحلة طويلة من الحوارات والنقاشات مع مراكز الدراسات والأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة وأوروبا، وكان قادرا على ان يبدد لهم مخاوف تستهدفهم وتستهدف مصالحهم من الإخوان المسلمين، بل على العكس من ذلك، أثبت لهم أن مشروعهم “أي الإخوان والمشروع الغربي” يلتقيان في مواجهة التيار القومي الذي ينظر له الغرب وأميركا على أنه الخطر الاكبر لهم في المنطقة، وأن الإخوان المسلمين سيكونون حريصين على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ولا يوجد في تفكيرهم أي بذرة أو أسباب للمواجهة مع الأميركان.
وفي تلك الفترة، رأى الفريق الأمني الاستراتيجي الذي يصيغ السياسة الخارجية الاميركية بعيدا عن الإدارات الأميركية مهما كانت هذه الإدارة جمهورية أو ديمقراطية في الإخوان المسلمين، قوة منضبطة بالرهان عليها للقيام بالتغيير في العالم العربي، بعد أن شاخت الانظمة الحليفة وخوفاً من انقلابات داخلية عليها تكون خارج النفوذ الأميركي.
فبالنسبة للأميركان في تلك المرحلة، استنتجوا أن أنظمة العائلة والأفراد والأحزاب الشمولية قد شاخت ولا بد للتغيير في العالم العربي دون استثناء أي دولة، وخاصة دول الخليج، أما أدوات التغيير فتسكون من خلال جماعة الإخوان المسلمين، لأنها قوة رئيسية ومنتشرة في كافة البلدان العربية. فمثلا إذا حدث ما حدث في مصر، فالإخوان قادرون على نقله الى بلدان أخرى لأنهم قوة مناهضة للقومية التي كانت قادرة على توحيد العرب، فالإخوان قادرون الآن على نفس التأثير في البلدان العربية تحت شعار الإسلام هو الحل.
لذلك، سارت الإدارات الاميركية المختلفة والمتعاقبة، سواء جمهورية او ديمقراطية، على ما رسمه الفريق الأمني الاستراتيجي الاميركي.

  • اللعب مع الأتراك بقيادة أردوغان

خلال تلك الفترة، نمت وتطورت أحد تعابير الإخوان في العالم الإسلامي، وهو قوة الأتراك وخلال مراحل متعددة، وصل إلى الحكم رجب طيب أردوغان أحد تعابير الإخوان المنفتحة في تلك المرحلة والمتحالف استراتيجيا مع الولايات المتحدة.
وكان الأميركان يهدفون بوصول أردوغان للحكم الى إيجاد قوة إقليمية مشتركة بينهم وبين الإخوان تكون قادرة على الدعم والتبني السياسي لأي تغيير في المنطقة.
وفي نفس الوقت، كان هناك هدف آخر هو بروز قطب إسلامي قوي على علاقة بالولايات المتحدة في مواجهة قوى إسلامية أخرى كانت في ماليزيا واندونيسيا وبالذات في ماليزيا، مع مهاتير محمد، الذي امتنع أن يكون حليفا للولايات المتحدة.

  • الإخوان والربيع العربي

يقول مدير المخابرات الروسية أنه في بداية أحداث ما يسمى بالربيع العربي وبالتنسيق الكامل بين الإخوان والأميركان، كانت الحلقة الأضعف والأسهل هي تونس.
ففي الوقت الذي بدأت تتحرك فيه الحركات الشعبية العفوية في تونس بسبب حدث بسيط ضخمت هذه الاحداث واستغلت، وكانت اميركا هي وراء هذا التضخيم، بالرغم من أن بن علي هو أحد أدواتها في المنطقة، ولكنها أرادت أن تبدأ حالة التغيير من الحالة الاضعف والحالة الاكثر قوة وانفتاحا للإخوان وهي تونس راشد الغنوشي والذي كان مع بداية أحداث تونس، ومنذ انطلاقتها الأولى يعد العدة للعودة إلى تونس دون أن يكون هناك أي توقعات لتصعيد هذه الأحداث في تونس.
في حين لم تصل مرحلة الأحداث في تونس بالمواجهات بين الشعب والنظام إلى مرحلة دامية كبيرة، ولكنها كانت في إطار الانتفاضات المتناثرة غير المرتبطة ببرنامج وقيادة، فكل ولاية من ولايات تونس كان لها مطالبها المعيشية البسيطة والتي كانت لا تنذر بتفجير ثورة شاملة.
ومن هنا بدأ الأميركان خطواتهم، ففجأة يتم الاعلان عن مغادرة الرئيس التونسي وفق عملية خداع كبرى قام بها مقربون من بن علي بالتنسيق مع الأميركان بضرورة مغادرة البلاد والتوجه للعربية السعودية، حيث رتبت أميركا ذلك مع العربية السعودية التي لم تكن في تلك اللحظة شريكاً أو على علم بما يجري ويعد له في المنطقة.
وغادر ابن علي تونس بخدعة وشكلت حكومة انتقالية تتولى الحكم في البلاد كمرحلة انتقالية لتولي النهضة الحكم بشكل واضح ومباشر، على أن تشكل تونس في المرحلة القادمة عنوانا للتغيير في المنطقة وبالذات باتجاه المشرق العربي وخصوصا مصر وسوريا، دون إغفال الدور التونسي لما سيحدث في ليبيا.
ومع نجاح ما يسمى بالثورة التونسية، كانت الأنظار مباشرة تتجه إلى مصر، وتم خلق بيئة من خلال الإعلام الموجه لذلك لدرجة أن الجميع في العالم العربي كانت أنظاره تتجه الى مصر.
وكان الرئيس مبارك آخر من يعلم بما يجري لدرجة أنه كان يرد باستهزاء على ظروف تونس، وأن ما حصل في تونس لا يمكن أن يتكرر في مصر، ويبدو أن الرجل كان يعتقد أنه ما زال رجل أميركا المطلوب في مصر، فبدأت الأحداث الصغيرة في مصر تضخم في الاعلام وفق مخطط إخواني اميركي مدروس.
فمنذ الأيام الأولى لأحداث مصر، كان الخطاب الأميركي يضخمها ويوجه الرسائل لنظام مبارك، حيث فهم الشارع المصري ان الدعم الاميركي لمبارك قد انتهى، فتصاعدت التحركات الشعبية مراهنة ،على أن الجيش المصري لن يتدخل ولن يقمع، لأن أميركا لا تريد ذلك، وأن مبارك قد فقد قوته وتأثيره بعد تخلي الأميركان عنه منذ الأيام الأولى.
وكان الأميركان مشغولين في ترتيب الأوراق المصرية مع الإخوان المسلمين، وعندما فوض مبارك صلاحياته للمجلس العسكري، مارس الأميركان ضغوطا كبيرة في تلك المرحلة على المجلس العسكري لسرعة التخلي عن السلطة واجراء انتخابات ديمقراطية، لأن الأميركان كانوا يدركون بالمسبق أن القوة المنظمة الوحيدة القادرة على الفوز هم الإخوان، ولم تكن ترى بالحزب الوطني الذي كان يتزعمه مبارك إلا حزبا للفاسدين لن يكون له مكان في الخارطة السياسية المصرية، أي أنهم على قناعة مطلقة بأن الانتخابات ستأتي بالإخوان، ولذلك مارسوا أقصى الضغوط على المجلس العسكري، من أجل الانتخابات تحت عنوان الاحتكام للديمقراطية.

  • عمرو موسى يتحالف مع قطر من أجل الرئاسة

يوضح فرادكوف أنه في تلك الفترة وضمن سلسلة الحلقات بدأت الاحداث في ليبيا الجارة لتونس، والتي بدأت بتحركات شعبية وعنوانها اسلاميا بحتا وكان التقدير الاميركي في تلك المرحلة ان ثورة شعبية لن تنجح في ليبيا لما يملكه القذافي من أسلحة وقدرات عسكرية، لن يتردد في استخدامها لمواجهة الثوار، فكانت الخطة أن تقوم قوات الناتو بملاحقة النظام الليبي ورموزه ودعم “الثوار”، وللأسف كان عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية، في تلك الفترة والذي أدرك المعادلة جيدا وتعامل مع قطر لتحقيق حلمه في الرئاسة المصرية.
لقد قرأ موسى بالسياسة أن العصر القادم هو عصر الإخوان، بالرغم من أنهم كانوا يعلنون في تلك المرحلة أن لا مرشح لهم للرئيس، وقد سهل عمرو موسى الطلب القطري في الجامعة العربية للموافقة لدول الناتو بغزو ليبيا.
وكان في تلك الفترة وزير الخارجية نبيل العربي الذي وافق على مشروع قطر وعمرو موسى، ولكن كشف فيما بعد أن المشير الطنطاوي والمجلس العسكري كانوا معارضين لمثل هذا القرار ولكن العربي وعمرو موسى كانوا مدعومين أميركيا وبالحاح قطري متواصل لقد كان المجلس العسكري عاجزا عن مواجهة ذلك.
وأخبر الطنطاوي عمرو موسى صراحة ان هذا القرار المتخذ في الجامعة العربية من قلب القاهرة يمس الأمن القومي المصري بالذات، قبل أن يمس الليبيين وأن الجامعة العربية شرعت الاعتداءات على الدول العربية.
ونجح الغرب في ليبيا وكان هدفهم الرئيسي هو العمل على تجميع معظم القوى والتنظيمات الارهابية المنتشرة في جميع انحاء العالم في ليبيا وتحويلها إلى مخزون إرهاب في المنطقة ينطلق إلى دول مجاورة وفق الحاجة، وكل ذلك كان بالتنسيق المباشر بين الإخوان من خلال تركيا والأميركان، حيث إنه ومنذ الأيام الاولى لضرب ليبيا أحكم الإخوان سيطرتهم بالكامل على ليبيا وذلك بدعم أميركي واضح.

  • سوريا الهدف التالي بدعم تركي وتجاهل لإيران وروسيا

وأوضح المسؤول الروسي أن الحلقة الأهم هي فتح الجبهة السورية، “فلقد اعتقد الأميركان وبإيحاء من أردوغان أن الأمور قد نضجت في سوريا، وأن هناك فرصة للتغيير وللقضاء على النظام الحالي”.
أما الاتراك فقد أبلغوا الأميركان بأن الأمور مهيأة بالكامل داخل الأراضي السورية من جميع فئات الشعب السوري من تنظيمات وقوى وأحزاب وقادة كبار في الجيش لانطلاق الثورة، وأن المعركة ستكون سهلة، في حين كانت التقديرات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تعطي عكس التصورات التركية.
وكان الأميركان يركزون في تقديراتهم على أن التقدير التركي لقوة الأسد غير دقيق، وأن وصفهم للتركيبة الاجتماعية والطائفية غير صحيحة أيضاً، لأن أردوغان كان قد أطلق على الثورة السورية عنوان ثورة السنة، وهذا ما كانت تدحضه التقارير الأمنية الاميركية التي كانت تقول إن نسبة الولاء للأسد في الطائفة السنية وخاصة في الجيش كبيرة جدا.
في حين أغفل الاتراك “بشكل غبي” الدور الإيراني ودور حزب الله والدور الروسي في هذه المعركة ونظروا إليها بنسخة طبق الاصل عما جرى في مصر.
وخلال مرحلة الجدل التي كانت دائرة بين الأميركان وأردوغان بشأن سوريا، أوعز أردوغان للإخوان المسلمين في سوريا ببداية التحرك لفرض سياسة الأمر الواقع على الأميركان الذين كانوا حتى اللحظة مترددين ومربكين بكيفية التصرف بشأن سوريا، و”هنا فرض أردوغان قراره على الأميركان واضطر الأميركان والغرب لمسايرته”.
وكان أردوغان والإخوان يراهنون على انقلاب عسكري داخل الجيش يقوده السنة، بعد أن كان عنوان الثورة من أرض سنية خالصة هي محافظة درعا، وهنا أوقع الأتراك والإخوان السعودية ودول الخليج بالفخ السوري وزجوهم فيها، عندما بادر شيوخ من رموز السنة بالاتصال مع السعوديين طالبين المدد والعون في القضاء على “الطاغية العلوي”.
ولأسباب تاريخية تكمن في الكرامات والإهانة الشخصية وبالذات عند السعوديين، وجد السعوديون الفرصة المناسبة للانتقام من بشار الأسد الذي أهانهم كثيراً.
ولكن حسابات الاتراك لم تأتِ كما رسموها في سوريا، فكل رهاناتهم فشلت ولم تحدث الانقلابات والانشقاقات التي كانوا يتحدثون عنها وشعر الأميركان انهم دخلوا في ورطة كلما طال زمن الأزمة السورية.
ولم يجد أردوغان من بديل الا بفتح الحدود التركية أمام كل التنظيمات الإرهابية الموجودة في ليبيا وغيرها ليدخلوا الى سوريا لتأزيم الموقف وارتكاب مزيد من الجرائم لدفع الولايات المتحدة إلى التدخل بثقل عسكري وتحسم المعركة لتصبح سوريا من خلال الإخوان، “إحدى الولايات التابعة للإمبراطور العثماني الجديد أردوغان”.

  • تركيا خططت لإسقاط حكام الخليج بعد سوريا

أفشلت عوامل دولية وإقليمية كبيرة المشروع التركي، وثبتت نظام الأسد، بعد أن كان أردوغان قادراً على زج دول الخليج بهذه المعادلة، حيث لم يدرك الخليجيون أن ما بعد إسقاط سوريا حسب المخطط التركي الإخواني سيستهدفهم فيما بعد.
وكان تقدير الإخوان والأتراك أنه لا يمكن لهم عمل أي إنجاز أو تقدم في دول الخليج، إلا بعد ضمان موقف سوريا ومصر وضرورة تغيير الأنظمة الموجودة فيها لتأتي أنظمة من الإخوان أو موالية لها لتسهيل مهمتهم في دول الخليج.
وهزأ بوتين كثيراً عندما حضر إليه الأمير بندر في أوج الازمة السورية ليرشيه أو يهدده من أجل تغيير مواقفه الداعمة لسوريا، حيث قال بوتين فيما بعد: “لو يعلم هذا الغبي”، على حد وصف بوتين، “أنه سائر في مخطط تدمير بلاده وطرده وعائلته من هؤلاء أغبياء يهيجهم الأميركان ويحفرون قبورهم بأيديهم فالمشروع ليس مشروعهم هم أدوات في مشروع الآخرين”.


ملاحظة : المقال يمثل رأي صاحبه

طارق حرب : المخدرات اخطر جريمة بعد الارهاب.. الدولة العراقية صرفت تعويضات كاملة للمهجرين العراقيين الى ايران!!

وكالة نخلة – بغداد

في لقاء هاتفي معه ، تحدث الخبير الحقوقي طارق حرب ، عن طبيعة الملفات القضائية التي تتبوأ في المرحلة الراهنة ، موقع الصدارة في المحاكم العراقية ، مبينا “كانت ملفات الارهاب هي التي تتصدر الملفات في المحاكم العراقية، وبقي منها القليل وهي من جرائم الارهاب السابقة ، اما الان فكما هو معلوم ان القضايا الموضوعة على طاولة القضاء تتعلق بالمخدرات والفساد المالي والاداري والتزوير والقتل ، ولكن بصراحة ان مايشغل البال حاليا هو قضية رواج المخدرات ، وهي تأتي بعد الارهاب من حيث الاهمية والخطورة”.

المخدرات لاتقل خطورة عن الارهاب


وعن نجاعة العقوبات التي تصدر ضد المتورطين بما يسمى (الدكه العشائرية) ، وهل ان هذه العقوبات كفيلة بمعالجة هذه الظاهرة ام انها بحاجة الى جهد تثقيفي وتنويري ؟ قال حرب “ان مجلس القضاء الاعلى هو الذي اتخذ هذا القرار ، وذلك حينما اعتبر الدكة العشائرية شكل من اشكال الارهاب ، وسابقا كانت الدكة العشائرية تنتهي بالصلح او التنازل او اطلاق سراح بكفالة او الحكم بالغرامة ، لكن حين اصبحت عقوبتها الاعدام فان هذه الظاهرة قلت بمقدار لايقل عن 95بالمائة “.

الدكة العشائرية


وعرض الخبير القانوني الى واقع السلطة القضائية العراقية ، وفي ما اذا كانت غير مسيسة وغير خاضعة لنفوذ احزاب السلطة ، مبينا “القضاء شريحة من شرائح المجتمع، يتأثر بما يؤثر بالمجتمع لكن تأثره اقل من تأثر سائر مؤسسات الدولة، ولايمكن ان نقول انهم ملائكة ، لكن بوسعنا القول ان السلطة القضائية هي الافضل من بين سائر السلطات في البلاد”.
وعن سؤال يرتبط بقضية دفع العراق والدولة الحالية تعويضات لدولة الكويت عن الغزو الذي تعرضت له ابان نظام صدام حسين ، وان هنالك اصوات في ايران تتحدث احيانا عن ضرورة مطالبة العراق بتعويضات حرب مشابهة ، وفي ما اذا كان القانون الدولي يلزم الحكومة العراقية الحالية ، دفع تعويضات عن جرائم كانت ارتكبت في عهد النظام السابق؟ ،قال حرب موضحا “بالنسبة للكويت فانه صدرت قرارات عن مجلس الامن الزمت العراق بالتعويض ، والتعويض كان يستقطع اصلا من النفط وذلك في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء ، اما بالنسبة لايران فليس لدينا سوى القرار الدولي 589 الذي لم يتكلم عن تعويضات وانما فقط اعتبر العراق هو البادىء في الحرب، وهنالك فرق في النص القانوني للقرارين ، اذ ان قرار مجلس الامن جاء وفقا للفصل السابق لذلك فان قرار التعويضات يعد ملزما ، اما القرار 589 المتعلق بالحرب العراقية الايرانية فانه لم يذكر التعويضات نهائيا وانما اشار الى ان العراق هو الذي بدأ الحرب”.

اطفال اضاعت جريمة التهجير مستقبلهم.. كيف نعوضهم؟


وبشأن الجرائم التي ارتكبها النظام السابق ، وما اذا كانت الدولة العراقية حاليا ، ملزمة وفقا للقانون الدولي ، دفع تعويضات عن تلك الجرائم ، ومنها على سبيل المثال جريمة تهجير مئات الالاف من العراقيين الى ايران عام 1980 بتهمة التبعية الايرانية واعدام ابنائهم ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة ، اوضح حرب “ان كل واحد من هؤلاء حصل على 3 او 4 مليار دينار ، وان منطقة دولت آباد (حي يقطنه العراقيون في جنوب طهران) شيدت باموال هؤلاء ، فالبيت الذي كان يمتلكه المهجر وكانت قيمته 10 الاف دينار تم تعويضه بما لايقل عن مليار ونصف المليار دينار . هؤلاء حصلوا على تعويضات من هيئة دعاوى الملكية ، ارقام خيالية، وحسبك ان تراجعهم وتسالهم كم تم تعويض كل واحد منهم ، وحسبك ان تسأل اي واحد يقول تعويضي كان قليلا، جد لي واحدا من بين عشرات الالاف”.

كيف يتم تعويض هؤلاء ؟


ونفى طارق حرب عدم حصول جميع المهجرين على تعويضات ، وهو الامر الذي يفند مهجرون صحته ، ويؤكدون ان بيوتهم مازالت مصادرة وانهم اخفقوا حتى الان في الحصول على تعويضات على اموالهم غير المنقولة التي صادرها النظام السابق ابان عمليات التهجير الجماعي . واعرب حرب عن اعتقاده بوجود مشاكل في ملكية العقار بالنسبة للافراد الذين اخفقوا بالحصول على تعويضات ، ومنها ان العقار ليس باسم الفرد المهجر ، وهو الامر الذي يرفضه بعض المهجرين ، كاشفا ان سند ملكية العقار كان مسجلا باسمه او اسم والده لكن العائلة لم تحصل على اي تعويض كما انها اخفقت في استرداد العقار او انها تواجه صعوبات كبيرة في مسار استرداد عقارها ، منها ضرورة الاستعانة بمحام ودفع مبالغ مالية للساكن الفعلي في العقار عن اي تعديل اجراه في المبنى الى جانب المشاكل التي يواجهها المهجرون في الوثائق الثبوتية والوثائق الاربع التي تطالب بها دوائر الدولة (الجنسية ، شهادة الجنسية ، بطاقة السكن والبطاقة التموينية) في حين انهم مازالوا في المهجر وليس لديهم الامكانية المالية للعودة الى العراق والسكن فيه .
واستدرك حرب ، مبينا “مادام سند العقار في الطابو باسم الفرد ، مهجر او غير مهجر، فان التعويضات تصرف له في حال مصادرة العقار”.

كتاب صادر حديثا يؤيد ملكية عقار غير مسترد عائد للمواطن محمد رضا معصوم
سند طابو العقار غير المسترد العائد للمواطن محمد رضا معصوم


واذا ما كان في وسع المهجرين مقاضاة الحكومة العراقية لمنحهم تعويضات عن جريمة التهجير التي طاولتهم وحرمتهم من الكثير من الحقوق ودمرت مستقبلهم ، اسوة باخوتهم من ساكني مخيم رفحاء ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان المأساة التي قاسى منها المهجرون كانت اشد واعظم وطأة مما تعرض له سكنة مخيم رفحاء ، اجاب حرب متسائلا “عن اي شيء يتم تعويضهم ؟ تعويضهم عن الاموال، فانهم حصلوا على تعويضات . المتوفون اعتبروا شهداء . السجناء اعتبروا سجناء سياسيين. العقارات قسما منها اعادوها لهم والقسم الاخر حصلوا على تعويضات. عن اي شيء يعوضونهم؟المسجل ضمن قانون السجناء السياسيين وقانون رفحاء يأخذ 3 مرتبات شهرية من غير مرتب الوظيفة “.
وبعد اعادة طرح السؤال على الخبير القانوني طارق حرب ، حول مدى توفر فرصة مقاضاة الحكومة من قبل المهجرين العراقيين ، قال “لايوجد شيء لم يتم تعويضه ، والقاضي سيتساءل عن الفعل الذي حصل ويجب تعويضه .. الاموال المنقولة عوضوها لهم ، العقارات عوضوها لهم ، السجين السياسي عوضوه ، الشهداء عوضوهم ، وهنا السؤال انك تريد مقاضاتي .. حسنا ، عن اي شيء تريد مقاضاتي؟”.


وكالة نخلة تتحفظ على بعض ردود الخبير القانوني طارق حرب ذات الصلة بجريمة تهجير العراقيين ، وتؤكد ان حق الرد والنقد في اطار الادب والمنطق مكفول.

مدحت باشا وإصلاحاته في العراق 2-4/ اعتنى بالتعليم وأنشأ مطبعة واهتم بالصحة والنقل وإصلاح الادارة والجيش والشرطة

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعد مدحت باشا من أشهر الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد رغم أنه لم يستمر سوى ثلاث سنوات (1869-1872 م) لكنها كانت سنوات مفعمة بالإنجازات والإصلاحات بشكل غيّر من الحياة الرتيبة التي كان المجتمع العراقي والبغدادي قد اعتاد عليها.

مدحت باشا

مشاريع التحديث العمراني

أكمل مدحت باشا ما بدأ به سلفه نامق باشا كتشييد الأبنية العامة، تأسيس المعامل العسكرية، بناء مستشفى ودار للعجزة ودور أيتام ومدارس، ومد خط الترامواي بين الكرخ والكاظمية. كما قام بإصلاحات في الإدارة المدنية العسكرية لأول مرة في بغداد. فقد فرض الخدمة العسكرية، وأسس المجالس والإدارات البلدية، وطبق نظام (الولاية) الجديد، وتم تحديد صلاحيات وواجبات كل من الوالي والمتصرف والقائممقام ومدير الناحية. وقام بإنشاء مدينتي الناصرية والرمادي. وفي عهده تم الإستيلاء على نجد (في السعودية) ويسمى لواء الأحساء ، وأقضيته القطيف وقطر (1).

كما بدأ برصف الطرق بدلاً من الأتربة صيفاً والوحل شتاءً ومعاناة سكان بغداد من ذلك. فأمر بتبليط (شارع المأمون) الذي كان يسمى سوق البلنجية ، ثم صار اسمه (عقد الصخر) لأنه رصف بالحجارة (2).

ومن أعماله الهامة هو توطينه القبائل وإعادة الأراضي الزراعية الواسعة في العراق للإستيطان. الأمر الذي ساهم في تعزيز الأمن والاستقرار بشكل عام (3). وقد حدثت في عهده عدة ثورات وانتفاضات مثل ثورة بغداد ضد الخدمة الإلزامية عام 1869 ، وثورة الفرات الأوسط تسمى واقعة الدغارة) بسبب رفض الأهالي دفع الضرائب، وثورة شمر في الموصل، وقمعها بقسوة (4).

حارب مدحت باشا الرشوة المتفشية في الإدارات العثمانية ، فبدأ حملته بعزل كبار الموظفين أمثال قائممقام راوندوز ومدير ناحية عانة وقاضيها، وساقهم إلى المحكمة. وسافر إلى كربلاء للتحقيق مع المتصرف وموظفيه، فقرر عزله من منصبه (5).

جسر القوارب

حلم الجسر المعلق

كان في بغداد جسر وحيد مشيد من ثلاثين قارباً مصفوفة مع بعضها ، والمربوطة مع بعضها البعض بسلسلة قوية تمنع انفصالها أو انجرافها مع التيار. ثم جرى تغطيتها بالألواح الخشبية ليعبر الناس والدواب عليها. كما زود بحاجز يمنع سقوط المارة في النهر. ولما لم تكن هناك مرساة ، يتعرض الجسر إلى انفصال أجزائه أثناء الفيضان الشديد والمفاجئ ، أو لدى هبوب رياح عاتية. يذكر الرحالة الفرنسي غويليام أنطوان أوليفييه G.A. Olivier (1756- 1814) الذي زار بغداد عام 1791 م أنه شهد حادثة انفصال الجسر في شهر آذار بسبب هبوب رياح شديدة وفيضان فجائي . الأمر الذي أدى إلى هطول أمطار قوية في أعلى النهر ثم أدت إلى تدفق مياه غزيرة. وعند انقطاع الجسر تكسرت السلاسل ، وانجرفت القوارب. كما انقلب قارب يحمل ركاباً من الرجال والنساء، نجوا بعد أن سبحوا نحو الشاطئ ، بما فيهم المرأة التي عادت إلى النهر لإنقاذ طفلها حتى أمسكت به وسط الأمواج العاتية وسحبته نحو بر الأمان.

كان مدحت باشا يحمل فكراً منفتحاً ويبحث عن سبل التقدم ليخرج بغداد من حالة التخلف وبقائها تحت رحمة الأنواء الجوية كالفيضان. فقد ذكر الرحالة الأميركي وليم فوك (1926- 1909) أنه أثناء زيارته لبغداد عام 1874 علم من المترجم (ستانو) أن (مدحت باشا كان يفكر ببناء جسر معلق عبر دجلة في بغداد آنذاك، لأنهم مضطرون في كل سنة أن يفككوا الجسر العائم إلى قسمين لمدة شهرين أو ثلاثة، خشية أن يأخذها تيار الماء السريع. وقد أدهشته عندما أخبرته بأن أكثر الأماكن جسوراً هي أمريكا. وأن فيها أطول جسر معلق في العالم. فرجاني ملحاً أني عند رجوعي إلى أميركا أجعل حكومة الباشا على اتصال مع إحدى الشركات الهندسية المعروفة. وهو شعور طيب تجاه بلادنا. ولاشك في أن صنع ذلك من قبلهم فيه كشف عن مقدرة أميركا وعلمها (8).

اول مطبعة في بغداد

المطبعة والجريدة

من أهم مظاهر الحضارة التي دخلت بغداد في عهد مدحت باشا هي المطبعة. إذ تم طلب شراء المطبعة قبل استلامه الحكم في بغداد، من قبل سلفه نامق باشا. وكان داود باشا قد أصدر جريدة (جورنال عراق) ، وهي أول جريدة عراقية وعربية. إذ صدرت في السنة الأولى من حكم الوالي داود باشا عام 1816 بغداد. وقد جاءت بعد قرنين (1605) من صدور أول صحيفة أسبوعية عرفتها البشرية وهي “ريلاسيون” Relation aller Fürnemmen und gedenckwürdigen Historien  في ستراسبورج بألمانيا.  وبذلك فصحيفة (جورنال عراق) سبقت أول صحيفة مصرية (الوقائع المصرية) باثني عشر عاما ، حيث لم تصدر إلا عام 1828 عندما أمر بتأسيسها محمد علي باشا.

 إن (جورنال عراق) أي (جريدة العراق)، هي أحد انجازات الوالي المملوكي داود باشا (1767-1831)، وقد سبقت  (جريدة الزوراء) التي صدرت عام 1869، ويؤرخ خطأ أنها أول جريدة عراقية.

 كانت (جورنال عراق) تطبع في مطبعة حجرية باللغتين العربية والتركية حالها حال جريدة الزوراء فيما بعد، وتوزع على قادة الجيش وكبار الموظفين وأعيان المدينة، كما تعلق نسخ منها على جدران السراي. وكانت تحتوي على وقائع العشائر وأخبار الدولة العثمانية وأوامر الوالي والإصلاحات الواجب إجراؤها وما أشبه (9).

تم جلب المطبعة ، وكان الغرض من جلبها هو طباعة الأعمال الحكومية كالسالنامة (وهي مطبوعة تتضمن الأوامر والتوجيهات وأسعار السلع والأجور ، إضافة إلى الحوادث) ، وكذلك القوانين والمؤلفات. تم نصب مكائن المطبعة في جناح من مدرسة الصنائع.

صحيفة الزوراء لم تكن اول صحيفة في العراق

 أمر مدحت باشا بإصدار أول جريدة في العراق سميت بـ( زوراء ) التي صدر العدد الأول منها في 5 ربيع الأول 1286 هـ (1869م) (10). لقد أراد مدحت باشا أن تدون وتؤرخ فيها أعماله وخطبه وليقرأها الناس والموظفون . وقد أصبحت أفضل مرجع يوثق فترة عهده ومن جاء بعده من الولاة. صدرت باللغتين التركية والعربية لإطلاع الجمهور العراقي والموظفين الأتراك على ما تنشره.

صدرت صحيفة (زوراء) بالحجم المتوسط (43 في 28 سم) وبثماني صفحات ، ثم تقلصت إلى أربع صفحات. كانت تتألف من ثلاثة أعمدة ، عرض العمود الواحد 8 سم. وكانت بسيطة الإخراج بلا صور أو خط أو استخدام حروف متباينة الأشكال والأحجام (11).

في رحلته لبغداد عام 1874 يذكر الرحالة الأميركي وليم فوك أنه زار (مطبعة الحكومة) وكان متعجباً لأنه (لم يكن يدور في خلدي، أن مؤسسة مثل هذه توجد في بغداد. فقد وجدت هنا مطبعة ميكانيكية تعمل بالبخار، وسعتها طبع 3500 ورقة في الساعة. وهناك مطابع أخرى، وماكنة للقص وأخرى لصنع الحروف. وكان تنضيد الحروف والأعمال البسيطة يقوم بها صبيان من طلاب مدرسة الصناعة. وكل شيء هنا نظيف موضوع في محله، ويظهر أنها تدار إدارة دقيقة تامة. وشاهدت أنهم قد أنجزوا طبع جريدة أسبوعية (زوراء) ، طبع وجه منها بالتركية، والوجه الآخر بالعربية. وبجانب طبع هذه الجريدة الرسمية ، التي يظهر أن وجهة نظرها السياسية ليست (جمهورية ولا ديمقراطية) (12) ، فإن هذه المطبعة تطبع كل ما تحتاجه حكومة الباشا من أوراق ومطبوعات) (13).

شرطة عثمانية

تنظيم الشرطة والجيش

اهتم مدحت باشا باستتباب الأمن الداخلي في المدن والقرى . ولذلك سعى إلى تنظيم شؤون القوات الأمنية والعسكرية بشكل ينقلها من الفوضى إلى النظام. بموجب (قانون إدارة الألوية) كان الهيكل التنظيمي للشرطة أو تسمى آنذاك بـ(الضبطية) في مركز الولاية يتشكل من قائد الشرطة برتبة زعيم) يرأس ثلاثة ألوية (يسمى فوج) . 

التجنيد الاجباري في العراق

وجد مدحت باشا أن أمور الشرطة مبعثرة وغير منظمة ، فأمر بإعادة تنظيم تلك التشكيلات . كان في بغداد آنذاك ثمانية آلاف شرطي يسمون (باشي بوزوق) وينطقه البغداديون (باشبوزغ)، فتم إلغاؤها وتأسيس كتيبة خيالة تتألف من (2400) فارس ، وكردوس مشاة يضم (4000) شرطي. كما تم توزيعهم على عدة سرايا في مناطق متعددة من بغداد وتعيين ضباط لها من مختلف الرتب. كما تم تنظيم ملابس كل صنف إضافة إلى أسلحتهم. كان أولئك الضبطية أو الجندرمة بمثابة شرطة العصر الحالي (14). كما تم إصدار قانون الخدمة العسكرية الإلزامية حيث تم تطويع آلاف من المواطنين في مراسم خاصة تجرى فيها القرعة، نقلتها صحيفة الزوراء. وتم تشكيل (دائرة رديف) ، وأطلق اسم (كوكلية) على الجنود المتطوعين. وصار الجنود ينتمون لجيش نظامي ويستلمون رواتب منتظمة .

المدرسة العلية

تم تأسيس المدرسة العلية عام 1761 بأمر من والي بغداد علي باشا (1761-1763) ، وكانت تقع على نهر دجلة. وقد كتب على واجهتها أنها جاءت بأمر من (والي إيالة العراق، ومدير أمورها على الإطلاق، أبو المعالي والمحاسن، علي باشا والي بغداد عام 1176 هجرية) (15). وفي فناء أرضها دفن العديد من العلماء. ويبدو أنها كانت مدرسة دينية تدرس فيها العلوم الإسلامية. وعندما جاء مدحت باشا ألغاها وحوّل البناية إلى مدرسة علمية حديثة هي مدرسة الصنائع. بقيت البناية حتى هزيمة العثمانيين عام 1917 فتحولت إلى معمل لإصلاح السيارات والأدوات الميكانيكية (16).

مدرسة الصنائع

أراد مدحت باشا إنشاء مدرسة لتعليم الشباب البغدادي المهن التي تكفل احترافهم وتجعلهم عمالاً مهرة ، وتسد حاجة بعض المؤسسات لفنيين كعمال المطبعة أو المعامل والمطاحن ومكائن الغزل والنسيج التي جلبها لبغداد. وتوفر لهم فرص عمل تعيلهم وأسرهم بدلاً من البطالة أو الأعمال البسيطة. قام مدحت باشا بجمع تبرعات من التجار والمحسنين من بغداد والبصرة ومدن عراقية أخرى، وكان طلابها وعددهم 144 طالباً من الفقراء والأيتام الذين لا معيل لهم أو لا يتمكن أحد من تربيتهم .  كان الطلاب يتعلمون فيها الحدادة والنسيج وصناعة الأحذية وغيرها من الحرف. تم إنشاء الصفوف في مخيم أولاً لحين الانتهاء من بناء المدرسة (17). استمرت المدرسة بعملها حتى هزيمة الدولة العثمانية عام 1917 من قبل القوات البريطانية (18).

وليم فوك

يذكر الرحالة الأميركي وليم فوك أنه في عام 1874 زار ( مدرسة الصناعة للأولاد والأيتام ، وكان المدير بوجهه البشوش ولحيته البيضاء ، يظهر أنه أصلح شخص لهذه الوظيفة . وقد استقبلنا بترحيب مفرط ودار بنا في داخل المدرسة، حيث وجدنا 80 غلاماً من العاشرة إلى الخامسة عشرة، يرتدون ملابس رمادية أنيقة. وكانت تبدو عليهم علامات الذكاء والنباهة بحيث يفتخر بهم وطنهم. وكان قسم منهم يعملون على مناسج يدوية فيخرجون نسيجاً من الحرير والقطن ، وآخرون يخيطون ثياباً، بينما كان اثني عشر منهم  ينضدون حروفاً في بناية مجاورة (المطبعة). وقد أروني قسماً من مصنوعاتهم، وكانت بالطبع مصنوعات حسنة جداً باعتبار أن صنّاعها لا يزالون صغاراً.

الصناعة اليدوية في بغداد

وفي أحد الصفوف ، كان التلاميذ يأخذون درساً في مبادئ الهندسة من معلم كان من قبل تلميذاً في نفس المدرسة. وكان المعلم يستخدم السبورة في رسم الأشكال. وشاهدنا غرفة الطعام وأماكن النوم .  وشاهدنا المستشفى (ربما عيادة) حيث كانت الأردية النظيفة البيضاء ، لكننا لم نشاهد نزيلاً. وكانت زيارتنا غير متوقعة . وقد أبصرنا كل شيء وهو يسير في مجراه الاعتيادي. وقد سألت المدير : كيف يستطيع أن يجعل النظام مسيطراً في المدرسة؟ أجاب بأنه من النادر أن يضطر إلى إيقاع عقوبة الضرب بأحد من الأولاد. ولكن (الأولاد لابد أن يكونوا أولاداً) في كل مكان في العالم ، وأخذني إلى غرفة ، حيث أبصرت صبياً صغيراً واسع العينين قد عوقب لمخالفته النظام بأن أوقف على برميل في وسط الغرفة) (19).

يعلق وليم فوك بعد زيارته فيقول (إن هذه المؤسسة الخيرية تم تأسيسها من قبل مدحت باشا، سلف الحاكم الحالي، وبغداد مدينة لذلك الحاكم الذكي المثقف، بجميع المؤسسات النافعة والمشاريع العامة التي يمكن أن تفتخر بها). وبعد أن يعدد إنجازات مدحت باشا يقول (كان محبوباً جداً سواء من الوطنيين (أهل البلاد) أم من الأجانب المقيمين في العراق، لكن الحكومة التركية استاءت من صرفه الأموال بدلاً أن يبعث بها إلى الأستانة، وربما أصابها الفزع من ازدياد محبته في قلوب الأهالي، فصدر الأمر بعزله، وأبعد مشيعاً بأحزان رعاياه لعزله وتمنياتهم الطيبة له. وقد كان فقيراً حتى أنه اقترض أجور سفره عند مغادرته بغداد. وهذه الحقيقة الأخيرة دليل قاطع على عفته واستقامته) (20).

حرفيون في بغداد

خلال المائة العام الماضية أجريت العديد من أعمال الصيانة على مبنى مكتب الصنائع. ففي عام 1893 قام المشير رجب بترميم الأقسام العليا من مبنى المطبعة بعد أن غمرتها المياه. وفي عام 1899 قام نامق باشا بصيانة المبنى بعد تعرضه للتصدع. وفي عام 1917 تعرض المبنى للحرق ، فقام الانكليز بإعماره ، مغيرين في عمارته، وحولوه إلى مرآب للسيارات. وفي عام 1926 جرت عملية إعمار سريعة وتأثيثه ليكون قصراً لسكن الملك فيصل الأول وأسرته ، بعد أن اقتحمت مياه الفيضان عام 1926 قصر شعشوع الذي كان يقيم فيه الملك وعائلته (21).

قصر الزهور

بعد وفاة الملك فيصل واعتلاء الأمير غازي العرش عام 1933 بقي فيه عدة شهور لحين إكمال قصر الزهور المسكن الخاص به. بعد أن غادره الملك غازي تحول المبنى إلى مقر لمجلس النواب والأعيان ، فتم إجراء بعض التعديلات الجزئية، وأضيفت له قاعة الاجتماعات الكبرى للنواب. واستمر الحال كما هو حتى سقوط النظام الملكي في 14 تموز 1958 ، فتحول إلى محكمة الثورة أو ما عرفت باسم (محكمة المهداوي) . في عام 1963 تحول المبنى إلى متحف حربي لوزارة الدفاع، احتفظت فيه بمقتنيات ملوك العراق وأثاث منازلهم وما سلم من أيدي اللصوص. وفي عام 1972 تعرض المبنى إلى تصدعات في جدران الغرف والقاعات، فتم إغلاق المتحف الحربي ونقلت محتوياته (21).

في عام 1977 تقرر تحويله إلى قصر الثقافة والفنون الذي تم افتتاحه عام 1980 بعد القيام بأعمال الصيانة والترميم ، حيث أزيلت الخرائب والبيوت المهدمة المحيطة به. وتم استرجاع فضاءات المبنى الداخلية بتخليصها من الإضافات الكثيرة الناتجة من تعدد الاستعمالات وعن معالجات إنشائية مختلفة. كما تم معالجة الفضاءات الداخلية بتصميمها وتجهيزها وتأثيثها بتوجه معاصر يوفر كل الخدمات التقنية والفنية الضرورية. وألحق بالمبنى جناح ملاصق له ضمن الجدار المحيط للبناية ليستوعب الخدمات العصرية (المطبخ، مكائن التكييف، محولات الكهرباء، …) (23).

بعد سقوط النظام عام 2003 تعرض المبنى للنهب والحرق، وتم ترميمه وتأهيله بشكل جذري وإعادة زخارفه ونقوشه، وتحول إلى مقر لمؤسسة (بيت الحكمة) وهي دائرة تعنى بنشر الفكر والثقافة.

الهوامش

  1. عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 7 / ص 195 ، الطبعة الأولى ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت: 2004
  2. عباس العزاوي / ج 7 / ص 209
  3. ستيفن لونكريك (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) / ص 286 ، الطبعة الثانية، بيروت: 1949
  4. علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق) / ج 2 / ص 255 ، دار الكتاب الاسلامي، بغداد: 2005
  5. علي الوردي / ج 2 / ص 252
  6. غيليوم أنطوان أوليفيه Guillaume Antoine Olivier (1756-1814) طبيب فرنسي قام برحلات علمية تاريخية استغرقت ست سنوات زار فيها آسيا الصغرى وإيران ومصر وقبرص. حاليا يوجد جميع ما جمعه من حشرات ونباتات في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس.
  7. كتاب (بغداد بأقلام رحالة)/ رحلة أوليفييه / ص 74 ، الطبعة الأولى ، دار الوراق، لندن: 2007
  8. كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / ص 175
  9. علي الوردي / ج 1 / ص 256
  10. عباس العزاوي / ج 7 / ص 199
  11. تضم مكتبة المتحف العراقي ثلاثة مجلدات من جريدة الزوراء أهديت لها من المكتبة الشرقية للآباء المرسلين الكرمليين في بغداد عام 1918 تضم الأعداد (126-248) و (426-521) و (522-608) على التوالي. وتضم المكتبة المركزية لجامعة بغداد مجلداً واحداً يضم الأعداد (56-152) . كما كانت أعداد من الجريدة موجودة في مكتبة المؤرخ عباس العزاوي ومكتبة باش اعيان بالبصرة ومكتبة هاشم الآلوسي مفتش التربية السابق، ومكتبة محمد أسعد العينتباوي بحلب (الأعداد 146، 1200، 1450، 1516، 2187 و 2194) . إضافة إلى مجموعة الباحث يعقوب سركيس التي أهداها إلى جامعة الحكمة وهي أعداد سنة واحدة. المصدر (مدونة بشار الحادي) في الانترنت http://bashaaralhadi.blogspot.com/2010/12/1875.html
  12. يقصد الكاتب أنها لا تحمل وجهة نظر أحزاب سياسية كالحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي.
  13. بغداد بأقلام رحالة / رحلة وليم فوك / ص 174
  14. عباس العزاوي / ج 7 / ص 206-207
  15. عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) / ص 142 ، أنوار دجلة، الطبعة الأولى، بغداد: 2004
  16. عبد الحميد عبادة /  ص 143
  17. عباس العزاوي / ج 7 / ص 208-209
  18. تم اتخاذ المبنى عام 1928 مقراً لسكن الملك فيصل الأول. ثم زيد فيها بعض القاعات ، واتخذت محلاً لمجلس الأمة، فمحكمة عسكرية خاصة هي (محكمة المهداوي)، ثم متحفاً حربياً، ثم تم تجديدها لتصبح قصراً للثقافة والفنون. وفي عام 1995 أصبحت مقراً لبيت الحكمة ، وهي مؤسسة معنية بالثقافة والفكر والنشر. (المصدر (محمود شكري الآلوسي / أخبار بغداد وما جاورها من البلدان/ هامش ص 336 / تحقيق وتعليق : عماد عبد السلام)
  19. كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / رحلة وليم فوك / ص 171-172 . أرفق الرحالة صورة للطفل وهو فوق البرميل.
  20. كتاب (بغداد بأقلام رحالة) / رحلة وليم فوك / ص 172
  21. سبق أن نشرنا تحقيقاً عن فصر شعشوع  (جريدة الزمان في 27 حزيران 2019).
  22. نوار سامي (الإحياء في العمارة) / ص 118 ، دار الشؤون الثقافية
  23. نوار سامي / ص118

وزارة الهجرة والمهجرين تتحدث عن انجازاتها للمهجرين العراقيين الى ايران

متابعة : وكالة نخلة

قال معاون مدير عام الدائرة القانونية في وزارة الهجرة والمهجرين ، سلوان عامر، إن “الوزارة كسبت عدة دعاوى لصالحها وبعد استكمال الإجراءات المتعددة خدمة للصالح العام ، مبينا “ان الوزارة كسبت الدعاوى المقامة عليها بواقع (20) دعوى بقرارات حكم صادر من محكمة القضاء الإداري خلال الأشهر الماضية خاصة بموضوع عائدية الوثائق التي تحمل أسماء مستعارة للمهجرين والمهاجرين وأيضاً (6) دعاوى خاصة بموظفين الوزارة” .

وبين عامر ، إن “الدائرة القانونية مستمرة بمتابعه القضايا حيث تم اكتساب دعوى مقامه ضد الوزارة من قبل هيئة النزاهة/ مكتب تحقيق الانبار حول توزيع مواد غذائية وصحية للأسر النازحة في قضاء الخالدية غير صالحة للاستهلاك البشري” ، موضحاً ان “اربع دعاوى منجزة تمت مع هيئة النزاهة خاصة بمخالفات مخيمات اربيل والتسجيل المتكرر لمنحة المليون في الانبار وتوزيع المواد الغذائية للأسر النازحة في قضاء الخالدية وتكرار استلام منحة المليون في الحبانية” .

وعن ما حققته وزارة الهجرة والمهجرين ، للمواطنين العراقيين ، المهجرين والمهاجرين، أوضح “إن الوزارة بالتعاون مع وزارة الداخلية العراقية ، ساعدت العراقيين العائدين من فئة المهجرين والمهاجرين أبان النظام السابق بالحصول على شهادة الجنسية العراقية بواقع ( 258) عراقيا من ضمنهم (240) مواطنا من الكورد الفيليين والمهجرين و (8) عراقيين تم مساعدتهم في منحهم التسجيل المجدد لهوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية العراقية بالتنسيق مع ممثلي الوزارة المنسبين في وزارة الداخلية” .

مخيمات المهجرين العراقيين في ايران عام 1980

جدير بالملاحظة ، ان نظام صدام حسين نفذ مطلع نيسان/ابريل عام 1980 اكبر عملية تهجير للعراقيين الى ايران ، حيث بلغ عدد ضحاياها نحو نصف مليون انسان ، رافقتها مصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة الى جانب احتجاز اكثر من 10 الاف من ابنائهم في سجونه المختلفة ، ومن ثم اعدامهم بشكل جماعي وتغييب اثرهم . ومازال المهجرون العراقيون يشعرون بالامتعاظ وحتى الغضب من النظام العراقي الجديد ، بما فيه وزارة الهجرة والمهجرين والقوى الاسلامية المشاركة في السلطة والتي كانت في حقبة المعارضة اتخذت من ايران معقلا لها وكانت تعتمد عليهم في انشطتها السياسية والاعلامية والمسلحة، لكون هذا النظام لم يعمل على انصافهم ولايتابع شؤونهم حيث تعيش اعداد كبيرة منهم في ظروف حياتية ومعيشية صعبة وبائسة للغاية ، رغم ان النظام العراقي الجديد اعتبر جريمة التهجير ، بانها “جريمة ابادة جماعية” كما تم تسميتها بـ “جريمة القرن” نظرا للمآسي والالام واشكال العذاب التي طاول هذه الشريحة ابان تنفيذ هذه الجريمة .

مهجران عراقيان في مخيم ايراني عام 1980

وفي مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ، انشأ المهجرون والمهاجرون الى ايران ، مئات الحسابات التي يدونون فيها ماكانوا قاسوه في عهد نظام صدام حسين ومايقاسونه حاليا ، مع تأكيدهم بانه ما من جهة في السلطتين التشريعية والتنفيذية العراقية تسمع اصواتهم وتتابع همومهم وتسعى بشكل جاد لانصافهم كما تم من قبل انصاف العراقيين الذي هاجروا ابان انتفاضة آذار/مارس 1990 الى مخيم رفحاء في المملكة العربية السعودية. كما انهم يشكلون كثيرا على وزارة الهجرة والمهجرين التي يقولون انها لاتضعهم في حساباتها ولاتولي لهم الرعاية والعناية والاهتمام اللازم الذي توليه للنازحين والمهجرين جراء العمليات الارهابية لتنظيم داعش في شمال وغرب العراق.

ابناء المهجرين الى ايران في السجون قبل اعدامهم جماعيا

واجمعت اوساط المهجرين والمهاجرين العراقيين الى ايران ، على اهمية مقاطعة الانتخابات او عدم الادلاء باصواتها لممثلي القوى الاسلامية الشيعية المشاركة في السلطة ، لكونها “ناكرة للجميل” في حين انها كانت الاقرب لهم وعلى معرفة وثيقة بحجم المآسي والجرائم التي تعرضوا لها.

المصدر : اعلام وزارة الهجرة والمهجرين + مواقع التواصل الاجتماعي

13 يناير 2020

اسسه طبيب ومهندسان .. مطعم (K.S.G) للاكلات الشعبية ينطلق بقوة في الكوت

كتب : محمد الزيدي

وكالة نخلة للانباء – مكتب واسط

قد يكون الأمر طبيعياً حين تصلك وجبتك الغذائية المفضلة وأنت جالس في بيتك ، لكن من غير الطبيعي أن يكون طهي وجبتك تحت إشراف طبيب ومهندسين اثنين .
K.S.G Fast food)‎‏) علامة تجارية لمطعم شعبي مؤسسوه طبيب ومهندسان، سعوا إلى إِثبات مهاراتهم عبر فن الطهي وتقديم الطعام . مطعم هو الأول من نوعه، يمثل تجربة جديدة بين مطاعم الكوت ، فريق عمله من خريجي الجامعات وزبائنه يمثلون جميع الفئات.
قصة الطبيب البيطري “كرار ثامر” وصديقيه المهندسين “غيث وسجاد” لا تتشابه مع قصص غيرهم، فقد نجحوا في تجاوز حواجز اجتماعية كثيرة ، يقف في مقدمها كسر المألوف وعدم الاستسلام للأمر الواقع.


فكرة تأسيس المطعم كما يقول الطبيب كرار ثامر ، ذو الثلاثين عاماً، جاءت وليدة شح وانحسار فرص العمل ، فقرروا عدم الاستسلام للواقع وافتتاح مشروع مستقل يتطلعون من خلاله إلى عرض خبراتهم وكفاءاتهم وتحديهم لظروف التوظيف .
“المطعم الذي مضى على افتتاحه ثلاثة أشهر وجهز بمعدات المطبخ ومستلزمات الطهي بالتقسيط ، باشرنا العمل فيه بعدما تمكنا نحن الشركاء الثلاثة من جمع مبلغ خمسة ملايين دينار عراقي فقط واتفقنا على استئجار مكان ملائم” يضيف الطبيب كرار وهو ينهمك بتقديم شرح مفصل لزبائنه حول طبق اليوم.
ومع أن الطريق في تأسيس مثل هذا المشروع لم يكن معبداً بالورود، لكن” تفاعل المجتمع في الكوت منحه طوق النجاة في سوق منافسة شرسة “يقول مهندس الحاسبات غيث القريشي، مضيفاً بأن” الخطوة تمثل تحدٍ مختلف وقصة نجاح جديدة تثبت أن لا شيء يصعب على الشباب إذا ما اتيحت الفرصة لهم”.


وفي طور الاستفادة من التقنيات الرقمية السائدة يطمح المهندس القريشي إلى إِنشاء تطبيق على الهواتف الذكية للمطعم الذي يحمل اسماً يمثل الحروف الأولى من أسماء مؤسسيه ويقدم لزبائنه وجبات غذائية مختلفة ، ويتيح لهم حجز طلباتهم الكترونياً.
وفي ما اذا كان الشركاء الثلاثة يحرصون على التدخل في طريقة طهي الأطعمة المقدمة للزبائن أم لا، يقول شريكهم الثالث المهندس “سجاد نصير” بأنهم يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة ويَسْتَفِيدُونَ من تجارب المختصين في فن الطبخ، مبينا بأن ما يميز مطعمهم “ليس تقديمه طعاماً صحياً فقط، لكن وصفاته السرية للأطعمة وللتوابل على وجه التحديد، هي من جعلته قبلة الكثيرين من سكان مدينة الكوت”.
ويؤكد المهندس الحاصل على شهادة الماجستير في هندسة الحاسبات ، بأن “المطعم أصبح مشهوراً بعد شهر من افتتاحه بين الطلاب والعاملين في الدوائر الحكومية القريبة، وصار يلبي رغبات الزبائن من خلال خدمة التوصيل المجاني”
وبابتسامة عريضة وثقة بالنفس يردف قائلاً” لم اكن افكر ليوم واحد أن أعمل في هذا المجال ، لكن الحياة قد تضعك كما تشاء هي وليس كما تشاء أنت، والحمد لله على كل حال”.


وقد توأد الكثير من المشاريع الصغيرة في بعض المدن المأهولة بالسكان بسبب المنافسة الوافدة ، لكن هذا المطعم تغلب على كل التحديات بصبر وعزيمة ، وفق آراء عدد من الزبائن الذين يرون فيه مشروعاً ناجحاً وفقاً لطبيعة الاشخاص الذين يديرونه.
“على السراي” واحد من زبائن المطعم الدائمين ، يعتقد بأن التعامل مع مالكي المشروع يتصف بالسهولة لكونهم يمثلون “طبقة مجتمعية معينة” ، لافتا الى ان الزبون “يجد أطباقا متنوعة ومن مختلف المطابخ العربية ،تضاهي نظيراتها في باقي المطاعم”.
“نكن لهم ولأمثالهم كل الاحترام والتقدير، لأنهم يمثلون العصامية بأبهى صورها ، فقد حصدوا من الشهرة والشعبية الشي الكثير” يقول حيدر بشار ، زبون آخر وهو يمر من أمام المطعم .

وكالة نخلة للانباء – مكتب واسط

مدرسة الشروق الابتدائية للبنين .. تميز ونجاح وابداع

وكالة نخلة : جمال الموسوي

لقد تأجل موعد زيارتي لمدرسة الشروق الابتدائية للبنين في مدينة العمارة ، مركز محافظة ميسان (جنوب) ، عدة مرات.. بسبب مشاغلي وترددي ان اكتب عنها وعن تميزها وابداعها مابين المدارس الاخرى بسبب وجود حفيدي الاكبر طالبا فيها ، وكنت اتحاشى ذلك اذ لربما اتهم بالتحيز حين اكتب عنها، رغم قناعتي وقناعة الجميع بانها مدرسة متميزه بادارتها وهيئتها التدريسية الكفوءة بكل تفاصيلها.
لذا قررت ولله الحمد ان اكون في رحاب المدرسة.. وما ان وطأت قدماي فناء المدرسة حتى وجدت مديرها الرائع خضير خنجر الموسوي قادما لاستقبالي بابتسامته المعهودة ومازحني معاتبا “ان اغلب الصحف ووسائل الاعلام عادة تركز على السلبيات فقط.. اذ يهرول المصورون ويتسابق المراسلون حينما يسقط جدار في مدرسة او ينقطع التيار الكهربائي لفترة محدودة ، ونادرا ما يسلط الاعلام الضوء على الايجابيات” .

فناء المدرسة وساحتها الرياضية

كلامه كان من صميم الواقع وتجلت فيه عين الحقيقة ، فما قاله استشعرناه جميعا في الهجمة الشرسة التي يتعرض لها النظام الجديد في العراق .. هجمة تحاول ان تعطي انطباعا ان الدولة العراقية بكل سلطاتها ومكوناتها التشريعية والتنفيذية ، وحتى القطاع الخاص العراقي ، لم يقدموا ما هو في مصلحة العراق وشعبه ، ولم ينتجوا اي مشروع ذا جدوى للمواطنين .

كلمات الموسوي لصدقيتها وصفائها وجدت صدى في نفسي.. وقلت : نحن الاعلاميون بما نمثله من صوت الامة ولسانها ووجدانها ، ملزمون بان نعالج كل اشكال السلبيات في مفاصل الدولة ، لكن في الوقت نفسه ، نحن ملزمون اخلاقيا ان نشيد وان نصفق بكلتا اليدين لمن يحسن ويبدع ولا يدخر جهدا في سبيل التطوير للأفضل من أجل بناء جيل واعد ، ومستقبل مشرق للعراق وشعبه ، وبطبيعة الحال فان الشكر والاشادة بجهود الخيرين المثابرين على تقديم الافضل للمواطنين ، هو جزء من عقيدتنا الدينية.

وبعد جولة ميدانية سريعة على الصفوف الدراسية والمكاتب الادارية للهيئة التعليمية ، جلسنا نستمع لمدير المدرسة خضير خنجر الموسوي ، الذي عرض في مستهل حديثه الى تاريخ تأسيس هذه المدرسة النموذجية ، موضحا “ان المدرسه تأسست عام 1987 صمن مدارس قطاع مغربة وحي المعلمين ، وتكاد تكون حقا من المدارس المتميزة الصديقة للطفوله”.

مدير المدرسة(يمين) متحدثا لموفد الوكالة

وشدد على ان مدرسة الشروق تشعر “بالزهو والفخر لكون الكثير من الاطفال الذين انهوا تعليمهم الابتدائي فيها ، انتقلوا الى المراحل الدراسية الاخرى وهم يقفون على اسس تربوية متينة ، صاغت منهم لاحقا كفاءات علمية ومهنية مؤثرة في الواقع العراقي وباتوا مصدر فخر لاهلهم ومحافظتهم ووطنهم ، فمنهم الاطباء والمهندسين والضباط ، الذين خدموا وطنهم وشعبهم بشكل فاعل ومؤثر”.
الموسوي وخلال حديثه لـ “وكالة نخلة” اشار الى التطور والتقدم في جميع مجالات الحياة “وخاصة في المجال التربوي الذي يمثل الانطلاقة الحقيقية لركب الحضارة والتقدم ، بالرغم من وجود بعض السلبيات التي تحدث هنا وهناك” ، وتابع قائلا “نحن عاهدنا انفسنا على تحدي الظروف وقهر الصعاب والمستحيل ، وتمكننا وبوجود اعضاء الهيئه التدريسية الكفوءة والمثابرة ، من المضي بالمدرسة وتلاميذها قدما، وحال هؤلاء الزملاء دون ان تغلق هذه المدرسة ابوابها ، واضطررنا ان نلجأ لاموالنا الخاصة في اطار ضمان هذه الديمومة وتوفير المناخ المناسب لابنائنا الطلبة من خلال الصيانة المتواصلة للمبنى وبنيته التحتية”.

وتحدث مدير مدرسة الشروق بشيء من المرارة عن فقدان التقييم والدعم المعنوي من قبل الجهات الرسمية “على الرغم من اقامة المهرجانات القطاعية العديدة والشخصية، ومنها معرضنا التشكيلي المتميز لمعلم المادة الفنيه محمد علي محي”.
وتابع “نحن ولاجل رد الجميل لكادرنا التعليمي ، اقمنا احتفالية كبيرة لمناسبة عيد المعلم ، حيث كرمنا اعضاء الهيئه التعليمية لجهودهم التربوية الجبارة ولدعمهم الشخصي لاعمال ترميم وصيانة المدرسة”.
وذكر الموسوي ان اعادة طلاء المدرسة كانت من الحساب الشخصي لكوادرها التعليمية والادارية “ولم نتلق الدعم في هذا المجال من اي جهة اخرى”.

موفد الوكالة الزميل جمال الموسوي في جولة تفقدية مع مدير المدرسة

وبعد ان انهى الموسوي حديثه ، اصطحبني بجولة على عدد من الصفوف ، وقد استوقفني صف التربية الخاصة ، ومعظم التلاميذ فيه ممن يعانون من صعوبة النطق”.
ورغم الجهود التي يبذلها المعلمون المشرفون على هذا الصف المتميز ، الا انهم يشكون من قلة الوسائل التوضيحية التي تساعد الاطفال على التعلم والاستيعاب بيسر ، وهو الامر الذي اكدته معلمة التربية الخاصة ازهار عزيز طه.

وشاطرها الرأي مدير المدرسة ، مبينا “ان تربية الطفل الذي يعاني من اعاقة تختلف بكل تأكيد عن تربية الطفل العادي أو الطفل المتوسط من حيث القدرات العقليه أو الجسمية أو الحسية ، أو من حيث الخصائص السلوكية أو اللغوية أو التعليمية ، إلى درجة يصبح ضروريا معها تقديم خدمات التربية الخاصة والخدمات المساندة لتلبية الحاجات المختلفة لديه”.
زيارتنا لمدرسة الشروق تركت في القلب مشاعر الاعجاب والالم في الوقت نفسه ، الاعجاب بالارادة الصلبة للكادر التعليمي في مواجهة كل المعوقات ، والالم للاهمال وعدم الاهتمام الحكومي بالمدرسة ومتطلباتها التربوية والخدمية .

وفي نهاية الجولة والزيارة ودعنا مدير المدرسة وكادرها التعليمي ، شاكرين لهم جهودهم وابداعهم الرائع والاستثنائي وتعاملهم الابوي مع طلاب المدرسة وحرصهم على خلق جيل متميز يكون مؤهلا في المستقبل لادارة البلاد وخدمة العباد.

ميسان 18 مارس 2019

ويلفريد ثيسغر: مؤلف كتاب (عرب الأهوار)رحالة بريطاني يختن أطفال الأهوار

بقلم: د. صلاح عبد الرزاق

في عام 1997 قمت بترجمة اجمالية (أي ليست حرفية) لكتاب (عرب الأهوار) للرحالة ويلفريد ثيسغر(1). ونشرت الترجمة في مجلة الموسم (العدد 29) الصادر عام 1997. كما ضمت الترجمة نشر مجموعة الصور التي التقطها ثيسغر والتي تصور الحياة الاجتماعية في الأهوار في تلك الفترة 1951-1958.

كتاب عرب الاهوار

كتبت مقدمة للترجمة جاء فيها: كتاب (عرب الأهوار) أحد كتب الرحلات الممتعة التي كتبها المؤلف الذي كانت له رحلات متعددة إلى المنطقة العربية ولسنوات طويلة. فقد مكث مع البدو في الصحراء العربية خمس سنوات، تعلم خلالها لغتهم وأكل عامهم ولبس ملابسهم، وتنقل معهم مطلعاً على أحوالهم وثقافتهم وحياتهم الاجتماعية. ولما أراد المؤلف أن يبعد عنه الشكوك ويكسب ثقة السكان فقد عرض عليهم خدماته الطبية، فكان يصف ويعطي الأدوية، ويعالج المرضى ويداوي الجرحى ويقوم بعملية الختان.

وليفريد ثيسغر

يتضمن الكتاب معلومات جيدة عن الحياة الاجتماعية لسكان الأهوار، وإن كان بعضها قد تناولته بعض الدراسات المختصة والتي كتبت في نفس الفترة الزمنية مثل كتاب الدكتور شاكر مصطفى سليم (الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق) وهي أطروحة دكتوراه قدمها المؤلف إلى جامعة لندن عام 1955. ومع أن مؤلف (عرب الأهوار) ينفي عن كتابه صفة (الرحلات) إلا أنه جاء غنياً بتفاصيل الحياة الاجتماعية لسكان الأهوار. فقد تجول فيها قرية قرية، ودوّن ملاحظاته الدقيقة وأسماء العشائر والقرى والأنهار والبحيرات، العادات والتقاليد، السلوك الاجتماعي، أسلوب التفكير والمخاطبة، العلاقات الاجتماعية، موقع المرأة ودورها في المجتمع القروي، والمشاكل والصعوبات التي يواجهونها.

صور تاريخية من كتاب عرب الاهوار

الكتاب مزود بعدة خرائط مفصلة لمواقع وأسماء العشائر الساكنة في الأهوار، إضافة إلى أكثر من مائة صورة تعطي فكرة واضحة عن نمط الحياة هناك، وتوثّق كتابه ومشاهداته. وهذه الصور محفوظة في متحف التاريخ الطبيعي في لندن. كما أن الكتاب تضمن فهرست لأهم الألفاظ الشعبية المتداولة وشرح معانيها.

وللكاتب آراؤه الخاصة التي قد لا تنسجم مع الواقع أو تتضمن شيء من التضخيم أو المغالطة، لكنها بالتالي تمثل وجهة نظره إزاء ما سمعه وشاهده. ولعل أغرب نبوءة تنبأ بها الكاتب هو توقعه تعرض الأهوار للتجفيف (وليس الجفاف) في وقت قصير! فمن المعلوم أن التجفيف يعتمد العامل البشري أي الحكومي، فهو مرتبط بقرار سياسي. أما الجفاف فهو ظاهرة طبيعية تتعرض لها بعض المناطق والبلدان بفعل ظروف مناخية قاسية ليس للانسان دخل مباشر فيها. فهل كانت هناك خطط قديمة لتجفيف الأهوار؟ ولماذا؟ وهل فلتت هذه الكلمات من قلم الكاتب صدفة لتعبر عن ما يدور من همس وتخطيط سينفذ يوماً ما وبأيدي وقرار محليين؟

مضيف لرئيس عشيرة في الاهوار

صدر الكتاب عام 1964 بالانجليزية. وترجم إلى الهولندية في أمستردام عام 1989. ويقع في 250 صفحة.

في ضيافة شيوخ الأهوار :

يذكر ثيسغر أن “سكان الأهوار بنوا بيوتهم قبل أن يشيّد أي قصر في أور. وضعوا القوارب وخرجوا للصيد في وقت مبكر من التاريخ. وقد قام الباحث (وولي) بدراسة هذه المساكن، وقارن بينها وبين أنماط المساكن التي وجدها في الآثار السومرية فوجدها متطابقة، أي أن هذا الطراز ما زال باقياً دون تغيير رغم مرور خمسة آلاف عام من التاريخ على حافة الأهوار”.

مضيف لاحد شيوخ العشائر الجنوبية

بدأ ثيسغر رحلته من مدينة العمارة في اوائل شباط 1951. استأجر قارباً أوصله إلى بيت الشيخ فالح بن الشيخ مجيد الخليفة ، وهو أحد مشايخ عشيرة آلبو محمد الكبيرة التي يتجاوز تعدداها 15 ألف نسمة. يصف ثيسغر مضيف الشيخ فالح بأنه كان”مبنياً من قوائم متكونة من حزمة من القصب محيطها 2.5 متر، وقد ربطت الدعائم المتقابلة مع بعضها لتصبح دعامة واحدة على شكل حدوة الحصان. كان المضيف مفروشاَ بالحصران وعليها الأبسطة والسجاد الملون. وفي جانب منه كان ينتصب أناء فخاري كبير مملوء بالماء، يستند على قاعدة خشبية”.

الكلك وسيلة نقل نهرية من العهد البابلي

ثم يصف حفاوة الاستقبال فيقول: “ألقيت التحية وجلست معهم. وفي الحال وضعت القهوة الطازجة في وعاء صغير دليلاً على حضور زائر هام. كان يقوم بصنع القهوة رجل طاعن في السن، يرتدي قميصاً أبيض [دشداشة]. وهو الوحيد الذي لم يكن يرتدي بدلة رجالية كغيره من الرجال. بعد أن نضجت القهوة وضعها في اناء نحاسي [هاون] ثم أخذ يدقها على نغمات خاصة، وهو صوت له دلالة عند أهالي المنطقة بأن هناك قهوة تعد في مضيف الشيخ، والجميع مدعو لتناولها. وسرعان ما نهض الرجل حاملاً القهوة الساخنة بيده اليسرى بينما امسك بيده اليمنى فنجانين صغيرين من الصيني لا يتجاوز حجم الواحد منها حجم البيضة. سكب عدة قطرات في الفنجان العلوي وقدمها للشيخ الذي قال له بأنه يفضل أن يقدمها لي أولاً. كانت حادة المذاق ومرّة. لقد عرفت العادات العربية فاحتسيت ثلاثة فناجين قبل أن أشير بيدي وأن أهز الفنجان دليلاً على أنني اكتفيت من شرب القهوة. بعد برهة دخل ابن الشيخ فالح وهو فتى عمره ستة عشر عاماً قدمه الشيخ قائلاً: خادمك. وأضاف بأنه يهيئ طعام العشاء. ثم التفت الشيخ موجهاً كلامه لي: أنا خجلان لعدم تمكننا من اعداد وجبة حقيقية لأنك دخلت علينا دون سابق خبر، فأرجو المعذرة،ولكنني أعتقد بأنك ستتناول ما نأكله ريثما يتم ذبح الخروف واعداده.

هناك عدة وظائف للمضيف تتعدى كونه بيتاً للضيافة، فهو مقر اجتماعات الشيخ حيث تدار فيه جلسات في الصباح والمساء لتداول شؤون القبيلة وسماع شكاوى أعضائها وإدارة ممتلكاتها وعلاقاتها”.

أسماء وعادات :

يشير ثيسغر إلى البعد الثقافي والاجتماعي والديني في استخدام الأسماء بين سكان الأهوار فعندما شاهد مضيف السيد سروت الذي يعتبر أشهر (سيد) في تلك المنطقة ، بل وكل جنوب العراق ، وأن مضيفه له قداسة المسجد، يعلق : تطلق حالياً كلمة سيد على كل حضري متعلم في العراق، كما تطلق كلمة أفندي في تركيا. وهي في هذه الحال لا تتضمن معاني دينية، بينما السيد المقصود هو الذي ينحدر من سلالة النبي محمد (ص). هناك أعداد كبيرة من السادة في جنوب العراق إن لم يكن في جميع أنحاء العالم العربي. ولا توجد قرية في الأهوار تخلو من عائلة تنحدر من سلالة النبي (ص). وهناك بعض القرى الصغيرة كل سكانها من السادة. شاهدت أحد سائقي القوارب اسمه جحش، وهو ليس كنية بل اسمه الحقيقي. فكثيرون يحملون مثل هذه الأسماء مثل جحيش (جحش صغير)، جليب (كلب صغير) ، خنزير، جريدي، واوي ، ضبع، كوسج، عفريت، بل وبعرور. وهذه الأسماء تطلق على المواليد الذي مات اخوانهم وطرداً للحسد.

الحياة في الاهوار

يتناول ثيسغر بعض العادات الاجتماعية فيذكر أن “النساء لا يمكنهن حلب الجاموس وهو أمر يشابه تلك العادة التي رأيتها عند البدو في الصحراء العربية حيث تمنع النساء من حلب النوق. بينما الرجال في القبائل الرعوية خارج الأهوار وكذلك الأكراد يرفضون حلب الغنم والماعز ويعتبرون ذلك عمل خاص بالنساء. ولا يوجد رجل من سكان الأهوار يقوم بطحن الحنطة أو يصنع من بقايا الحيوانات [سرجين] حطباً. نعم قد يحمل الماء أو يطبخ إذا لم تكن هناك امرأة تقوم بذلك”. وذكر ثيسغر عادة دفع دية القتل من خلال تسليم بضع نساء من عشيرة القاتل إلى عشيرة المقتول ، وتسمى الواحدة منهن بـ(الفصلية).

بريطاني يختن أطفال الأهوار :

يذكر ثيسغر كيف اضطر للعمل كطبيب يختن الأطفال ويداوي المرضى رغم أنه ليس طبيباً كي يتفادي نظرات الشك والريبة، فيقول: “ذهبت من الجبايش إلى الخميسية ،وهي قرية على حافة الصحراء، كان سكانها من الفقراء المعوزين. ومع ذلك كنت أشعر بالكرم والضيافة التي قابلوني بها. مكثت شهراً حتى بدأت العيون تلاحقني، وكثرت الأسئلة التي تطرح عليّ، ما يريد؟ لماذا جاء إلى هنا؟ لا أحد يأتي من المدينة ويتعرض للبعوض، ويأكل طعامنا إلا إذا كان لديه سبب معقول. لعل الحكومة أرسلته لتجسس علينا، ليحصي شبابنا أو جواميسنا. لقد كان مضيفيّ لطفاء المعشر، ولم يعاملونني على أنني انسان سيء الخلق أو نجس. فالشيعة يعتبرون الطهارة واجباً دينياً. والمتشددون لا يشربون في اناء شرب منه كافر. وبالرغم من أن أولئك الناس يبدون متهاونين في بعض القضايا الدينية، لكن تبدو هذه الشكليات وكأنها اهانة مقصودة. كنت أتسائل في نفسي: هل يمكنني باعتباري مسيحي وأوروبي أن أنسجم معهم؟ ذلك ما منت أتمناه. وبقيت الهواجس تملأ تفكيري إلى أن حدث ذات يوم وأنا في طريقي شمالاً باتجاه عشيرة الفرطوس. كان توقفي المفاجئ في مضيف (الربعة) في احدى القرى الكبيرة في منطقة العميرة. غادر الرجال المرافقون لي المضيف بعد تناول الشاي. وعند الغروب سألني مضيفي واسمه عبد بعد تناول الطعام: ماذا في الصناديق؟ -أدوية. -هل أنت طبيب؟-لي معرفة بالأدوية.-هل تستطيع أن تختن الأطفال؟-(لم أجر في حياتي عملية ختان، ولكنني شاهدتها عن قرب في المستشفيات وعند العشائر) فأجبت : نعم. -هل يمكنك أن تختن ولدي خريبط؟ لقد مضى وقت طويل لم يصل إلى هذه الناحية من يعرف الختان. وأريد أن تجري له عملية الختان كي يستطيع الزواج،وأشار إلى الشاب الذي استقبلني أولاً عندما كان صاحب المضيف غائباً. قررت أن أجري له الختان في الغد. صحيح أن القرآن لم يذكر الختان ولكن المسلم يعتبره واجباً اسلامياً، اقتداءً بالرسول (ص) الذي ارتضى هذه العادة العربية. وشرعاً لا يمكن للمرء أن يذهب إلى مكة لأداء الحج وهو غير مختون.

مساكن اهالي الاهوار

في جنوب العراق، بين المعدان كما هو بين الرعاة، تؤجل عملية الختان إلى سن البلوغ. وتجرى العملية عادة في سن المراهقة،وتجرى من قبل مختصين يزورون القرى في أشهر الصيف، وأجرهم المتعارف عليه هو ديك، ولكن قد يطلبون النقود أحياناً. في الصباح خرجنا من المنزل، كي لا يتلوث بالدم، إلى صريفة، ليست بالطبع غرفة عمليات مثالية . حضر أصدقاء خريبط لتشجيعه ودعمه معنوياً. اخترت واحداً منهم وكان ذكياً ليكون مساعده. جلب خريبط هاون خشبي [جاون] وقلبه وجلس عليه. أخرجت عدتي ومن بينها أبرة تخدير موضعي، فسألني خريبط: لأي شيء هذه؟ فشرحت له تأثيرها وأنه لن يشعر بالألم، فقال: لا، لا أريد أن أزرق ابرة، اقطعه كما هو. فحاولت معه كثيراً لاقناعه فرفض. وكنت أراقبه لأرى فيما إذا كان متوتر الأعصاب، دون أن يلاحظني وأنا مشغول بالعملية التي استغرقت مدة من الوقت، لكنه كان جالساً دون حركة. وعندما انتهيت قال لي: شكراً ونهض. وجاءني أحد الصبية قائلاً: جاء دوري،وجلس على الهاون. وقد علمت فيما بعد أن تسعة من رفاق خريبط جاءوا لاجراء عملية الختان. وكان أقلهم سناً عمره خمسة عشر عاماً،وأكبرهم 24 عاماً. أجريت لهم عملية الختان وشفوا شفاء تاماً بعد بضعة أيام، والتي كانت تستغرق أحياناً شهرين وفق الطريقة التقليدية. لقد اكتشفت أن البنسلين وبودرة السلفا أفضل من مسحوق الحشفة (جلدة الذكر) التي كانوا يخلطونها بروث الجاموس لاستعماله ورشه على موضع الختان. وكانوا يعتقدون بأن شم رائحة الخبز الطازج أو الدخان أو العطر يؤثر على الجرح، لذلك تراهم يضعون في أنوف المختونين خرقة ويعلقون البصل حول رقبتهم. وكذلك لا يأكلون السمك والرقي واللبن أو يشربون أكثر من عدة جرعات من الماء.وعلمت فيما بعد بأنهم صاروا لا يسمحون باجراء الختان من قبل المختصين المحليين، بل ينتظرون قدومي لزيارة قراهم أو يأتون لزيارتي في احدى القرى. وفي احصاء تقريبي تبين أنني أجريت 150 عملية ختان. وفي بعض المرات كانت العمليات تبدأ صباحاً وتستمر حتى منتصف الليل”. الهوامش : 1- ويلفريد ثيسيجر(بالإنكليزية: Welfred Patrick Thesiger) هو رحالة بريطاني. ولد في أديس أبابا عام1910 وتوفي في لندن في 24 آب عام2003 . سافر إلى كل من الجزيرة العربية( مناطق المهرة وحضرموت في اليمن والسعودية والإمارات و عمان) والعراق وإيران وباكستان وغرب أفريقيا وكتب عنها عدة كتب اشهرها كتاب “الرمال العربية” (بالإنكليزية: Arabian Sands)وعرب الأهوار The Marsh Arabs. تلقى تعليمه في كلية إيتون ، جامعة أوكسفورد، حيث حصل على المركز الثالث في تاريخها. بين عامي 1930 – 1933 . عاد إلى إنجلترا في 1990م، وحصل على لقب فارس في عام 1995.وكتب (عرب الأهوار( عام (1964) هو سرد للمدن والسكان الأصليين في الأهوار في جنوب العراق. ساعده باقر الدجيلي في اكتشاف اهوار العراق اهتم الدجيلي وهو يتنقل من مدينة إلى أخرى بالموروث العراقي المتجذر من واقع التاريخ القديم وما فرضته طبيعة الأرض وقد مكنته معرفته بالإنكليزية من ترجمة محاضرة الانثروبولوجي ولفرد ثيسكر عن (المعدان) حيث طبعت المحاضرة في مطبعة الرابطة ببغداد سنة 1956 متضمنة مقدمة مهمة وتعليقات وهوامش للمترجم استكمل فيها معلومات ثيسكر عن منطقة الاهوار العراقية وصوب غير الدقيق فيها وشرح ما غمض من المصطلحات المحلية وندرج أدناه تعليقاته عن المحاضرة التي جعل منها ثيسيجر النواة الأساسية لكتابه عن الاهوار ان الكتاب المذكور قد صدر وضمن بحث من قبل الباحث ضياء كاظم زبالة أهم مؤرخين الاجانب (المصوربن) .

رغيف الطابك الاشهر في الاهوار

في ايضاحه لمعنى كلمة (معدان) قال الدجيلي “إن كلمة معدان جمع ومفرده (معد) وهو جمع عرفي كقولنا في جمع عرب، عربان، وقس على ذلك ومعد حي أي قبيلة يذكر ويؤنث، يقال فلان معدي أي منسوب إلى حي، ومن ذلك المثل السائر “تسمع بالمعيدي خير من ان تراه” وكان هذا المعيدي يغير على مال النعمان بن المنذر ملك الحيرة فكان يطلبه فلا يقدر عليه، وكان يعجبه ما يسمع عنه من شجاعة واقدام إلى ان أمنه، فلما رآه استزرى منظره لانه كان دميم الخلقة، وتمعدد (فعل) أي تزيا بزيهم.

___________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

الباب الوسطاني .. آخر أبواب بغداد العباسية


كتابة و تحقيق : الدکتور صلاح عبد الرزاق

كلما مررت بطريق محمد القاسم السريع المعلق، أشاهد بناءً كأنه قلعة مهجورة بقيت تطاول الزمن. كنت أعرف أنه الباب الوسطاني أحد أبواب الرصافة ، الجانب الشرقي من بغداد. قررت هذا الصيف زيارته، وبعد البحث عن طريق الدخول إليه وجدناه بصعوبة . استقبلنا رجل يرتدي ملابس مدنية عرف نفسه بأنه مفوض في الشرطة يقوم بحراسة المبنى. صار المفوض دليلنا يشرح لنا بعض مراحل تأهيل المبنى القديم.

أبواب بغداد :

المعروف أن بغداد المدينة المدورة التي بناها أبو جعفر المنصور عام 146 للهجرة (763 م) كانت في جانب الكرخ ، وبالتحديد في منطقة العطيفية والشالجية وما حولها . وقد اندثرت تماماً ، وبقيت خرائبها حتى نهاية القرن الثامن عشر. وكان فيها أربعة أبواب هي: باب الشام، باب البصرة، باب خراسان، باب الكوفة.
أما بغداد الحالية فقد بدأ ببناء جانب الرصافة عام 157 للهجرة أي بعد عشر سنوات من بناء بغداد المدورة. وكان سبب بنائها هو جعلها مقراً لولي عهد المهدي بن المنصور والجيش الخراساني. وتقع في منطقة الأعظمية ، حيث تم بناء قصر المهدي وجامع الرصافة الكبير بجانبه. كما تم بناء سور جديد بين عامي 489-512 للهجرة لحماية القصر والدور المشيدة والأسواق وغيرها في الرصافة.

الزميل الدكتور صلاح عبد الرزاق امام سور بغداد

سور بغداد :

بوشر ببناء آخر سور لبغداد في عهد الخليفة المستظهر بالله (1094-1118 م) وذلك عام 1095 م . وبسبب ضخامة العمل وارتفاع السور والأبراج والأبواب فقد استمر البناء حتى عهد خلافة المسترشد بالله (1118-1135م) وبقي العمل بالسور حتى عهد الخليفة الناصر لدين الله (1180-1225 م) . وبذلك استغرق بناء السور 134 عاماً تخللته فترات توقف لأسباب معينة. وكان للسور أكثر من مائة برجاً ، ولم يكن مستقيما ، بل فيه بروزات في بعض الأماكن. ويقدر طوله في القرن التاسع عشر بنحو عشر كيلومترات (9692 متراً).
وفي السور نفسه من الداخل عقود كثيرة ذات طبقتين إحداهما فوق الأخرى، وعليه مدافع هاون لحفظ الخندق بسلاح ناري. وفي الركن الغربي من بغداد توجد قلعة صغيرة ، قرب باب المعظم، تسمى (إيج قلعة) أي القلعة الداخلة.
ظل هذا السور قائماً بحدود ثمانية قرون حتى منتصف القرن التاسع عشر. وفي عام 1869 عندما تولى مدحت باشا ولاية بغداد. كان السور عريضاً ، مبنياً من الآجر (المعروف بالفرشي) الذي قاوم عوامل الزمن والمناخ ، لكنه لم يصمد أمام معاول مدحت باشا الذي أمر بتهديم السور واستخدام آجره لبناء الطابق العلوي في مبنى القشلة والسراي. لقد اعتدى على تراث تاريخي عمره ألف عام بلا مبالاة. وهذا موقف لا يفسر من رجل مثقف ومتنور ، ويفترض أنه يعرف قيمة الآثار وما تركتها الحضارة الإسلامية. لكن يبدو أنه كان غير عابئ بالتاريخ العربي ، وربما أصابه تهور ففعل ذلك. فجاءت فؤوس عماله لتهدم أجزاء من السور الذي حمى المدينة لقرون طويلة.
كان السور يمتد من ثلاث جهات هي الشمال والشرق والجنوب. وأما الجانب الغربي فكان نهر دجلة. وكان يحيط بالسور حندق مملوء ماء لتعزيز الدفاع عن المدينة عند تعرضها لعدو. ثم شيد جسر يربط بين الجانبين.
وقد ضم السور أربعة أبواب :

1- باب السلطان :

أي السلطان طغرل بيك أو باب المعظم شمالاً والمؤدي إلى جامع الامام في الأعظمية. وكان بين الباب وشاطئ دجلة 12 برجاً. وقد تم تهديم بقية الباب في العشرينيات من القرن العشرين. ومنه دخل الجيش البريطاني إلى بغداد عام 1917 .

2- باب الطلسم أو باب الحلبة :

سمي بذلك لوجود حلبة للسباق هناك قبل انشاء السور. كما سمي بالطلسم لوجود تمثال لرجل يتوسط ثعبانين ضخمين فوق الباب . وكان العامة يعدون التمثال تعويذة أو تميمة أو طلسمة لبغداد تحميها من الأعداء. وهو الباب الذي خرج منه السلطان مراد الرابع عام 1638 ميلادي ثم أمر ببنائه وغلقه إلى الأبد. وذكر أن سبب إغلاقه هو أن السلطان دخل منه فاتحاً ، فأراد أن لا يدخل منه فاتح غيره. وفي عام 1917 قام خليل باشا قائد القوات العثمانية بتفجير الباب عند انسحابه من بغداد ، بعد أن جعله مخزناً للبارود كي لا يقع غنيمة بيد الجيش البريطاني. يذكر أحد المعاصرين بأن صوت التفجير هز بغداد ما أثار الخوف في نفوس السكان، وترك حفرة في الأرض.

3- الباب الشرقي :

ويقع في الجهة الجنوبية من بغداد القديمة وكان بينه وبين نهر دجلة 26 برجاً . ولا توجد معلومات عن سبب تسميته بالباب الشرجي لكنه ظهر لأول مرة في خارطة عام 1908 لضابط عثماني اسمه (شرجي قبو). في حين كان الرحالة الذين زاروا بغداد يكتبوب الأسماء التركية للأبواب مثل (قره لغ، قاروبغ قابي، قرة أولة)، وغيرها.
وكان يسمى باب كلواذا وباب البصلية لأنه كان يؤدي إلى قرية كلواذا الشهيرة بزراعة البصل. وكان مبنى واسعاً ، وتم اتخاذه كنيسة للاحتلال البريطاني عام 1917 سميت باسم كنيسة سانت جورج . وعندما توفيت المسز بيل عام 1926 أقيم قداس لها في هذه الكنيسة. ثم قامت أمانة بغداد في عهد أرشد العمري ، بهدم الباب في 12 مايس عام 1937 ، واستغرق الهدم عدة أيام . وبذلك تم تهديم أحد آثار بغداد القديمة.

كانت الأبواب تغلق ما بين غروب الشمس إلى طلوعها في اليوم التالي. وكانت تتولى حراستها مفارز صغيرة من الجنود . وكانت تصاميم الأبواب ذات طراز معماري إسلامي حيث تزدان بالنقوش والزخارف المحفورة في الآجر. ويكتب عليها عادة آيات قرآنية وتاريخ تشييدها. أما مصراعا الباب فكانا من الخشب المزين بالمسامير الحديدية الكبيرة، مع مزلاج وأقفال تحكم إغلاقه.
كان الباب عبارة عن بوابة لمبنى يتضم غرفاً ومخازن سلاح ومؤناً وماء وطعاماً وعتاداً وبارود المدافع والقنابل ، ومناماً للجنود ، ومكاتب إدارة الباب. كما توجد سلالم توصل المدخل بالطابق العلوي ومن ثم السطح.
توضح الخرائط القديمة أنه كان هناك فناء وسط البرج ، وحول الفناء أواوين وغرف خاصة بالبرج وما يحتاجه الجنود من منام ومخازن للسلاح والعتاد والمؤن وغيرها. وكان في كل برج منها يوجد ستة أو سبعة مدافع. كما كانت هناك مدافع فوق باب المعظم ، وبطرية مدافع في ركن السور بين البابين الوسطاني والمعظم. وبين تلك الأبراج الضخمة كانت توجد أبراج صغيرة أخرى، ويتم الدفاع عنها بالأسلحة النارية الخفيفة. وتوجد فتحات صغيرة في أعلى السور، يشرف من خلالها الجندي على ما تحته ، ويصوب سلاحه ويطلق النار عبرها.

الباب الوسطاني :

وهو الباب الرابع لبغداد العباسية وبينه وبين النهر 24 برجاً ، وسمي بباب الظفرية لقربه من محلة الظفرية التي أنشئت في أرض لرجل مملوكي اسمه بستان ظفر (قراح ظفر).
وهو الباب الوحيد المتبقي من أبواب بغداد . توجد صورة للباب التقطت عام 1917 تظهر الحالة الرثة للباب حيث يبدو مهدماً بشكل كبير ، ولا يظهر من المبنة سوى البناء الوسطي.
في عام 1936 قامت دائرة الآثار القديمة للحكومة العراقية بإجراء أول عمليات الترميم والصيانة ، وحولته إلى متحف للأسلحة . وفي عام 1979 أجريت أعمال ترميم وبناء. وبعد عام 2003 أجريت آخر عملية صيانة للباب.

وصف الباب :

تجولت في الباب الذي يبدو على شكل اسطواني من الخارج، وذي ثمانية أضلاع من الداخل. وتعلو البناء قبة وسطح يمكن الوصول اليه من خلال سلالم ضيقة وعالية. المبنى مشيد من الطابوق والجص ، واستخدم أسلوب العقود والأقواس لتشكيل فضاءات وممرات.
توجد فتحات ضيقة في الجدران بطول متر وعرض 10 سنتمتر تستخدم لاطلاق السهام ضد العدو ، ثم اطلاق النار من البنادق التي بدأ استخدامها في منذ القرن السادس عشر في الجيش العثماني. وفي السطح توجد فتحات صغيرة تستخدم لنفس الغرض. كما أن سياج السطح بني بشكل مسنن ، بحبث يترك فتحات للاستطلاع والرصد إضافة إلى الوظيفة الدفاعية.


للمبنى ممران أو مخرجان متعامدان ، أحدهما يؤدي إلى خارج المدينة ، والآخر يؤدي إلى داخل بغداد. يستند الممر الواصل بالمدينة على قنطرة فيها فتحتان تسمحان بمرور المياه في الخندق المحيط بالسور. وتتصل القنطرة بالسور المحيط ببغداد. أما الممر الآخر فينفتح على الفناء المجاور للباب ، ومنه يدخل القادمون إلى بغداد ، ومنه يغادرون المدينة. وقد تم بناء امتداد للممر الخارجي ، يرتفع عن الأرض قرابة مترين مع سلم في نهايته يصل الممر بالأرض.
يؤدي الممر إلى بوابة داخل المبنى ، يعلو البوابة قوس مدبب مزين بزخارف جميلة منحوتة من الطابوق، ويوجد أسدان متقابلان عند قاعدة القوس. وعلى جانبي الممر يوجد صفان من الأواوين ، ستة في كل جانب يمكن استخدامها للتوقف والاستراحة. وعلى سطح الأيوان يوجد ممشى يؤدي إلى السلم ومنه إلى أعلى البرج. كما توجد فتحات ونهاية مسننة تمنح المراقب الرؤية عن قرب.


في مدخل الممر الخارجي للباب وضع على جانبيه تمثالان لجنديين يرتديان ملابس حربية تعود للعصر العباسي.
وعلى الجدار الخارجي للبرج في الجهة الشرقية توجد كتابة بخط النسخ محفورة في الآجر بقيت منها العبارة الآتية ( ولا زالت دعوته الهادية للدين قواماً وللاسلام نظاماً ولدولته القاهرة سكينة وللأمة عصاماً ومنزلته للسلام بإشراق أنوار سعد).
ومن أعلى البرج يمكن مشاهدة قبة الشيخ عمر السهروردي المخروطية الشكل وبقية أبنية المحلة التي يفصل طريق محمد القاسم بينها وبين الباب الوسطاني.

دعوة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار

الباب الوسطاني أثر شامخ من أيام بغداد عندما كانت قبلة التجار والرحالة والشعراء والعلماء والأدباء والصناع. ويمكن أن يكون معلماً سياحياً من خلال الاهتمام بالمنطقة المحيطة به وفتح شارع معبد يوصل اليه، وفتح أكشاك لبيع التذكارات والمرطبات وما يحتاجه السياح. والاهتمام بايصال الكهرباء للمصابيح التي كانت تنيره ليلاً فتمنحه عبقات التاريخ الخالدة.

مدحت باشا وأعماله الاصلاحية في بغداد (1-4) .. تأثر مدحت باشا بالنظام الديمقراطي والحريات والحقوق التي تمتع بها المواطن الأوربي

كتب وتحقيق: الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعد مدحت باشا من أشهر الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد رغم أنه لم يستمر سوى ثلاث سنوات (1869-1872م) لكنها كانت سنوات مفعمة بالإنجازات والإصلاحات بشكل غيّر من الحياة الرتيبة التي كان المجتمع العراقي والبغدادي قد اعتاد عليها. وكانت بغداد تعاني من ولاة قساة لصوص يجمعون الضرائب ويرسلونها إلى اسطنبول لترضى عنهم فتركوا البلاد بلا عمران ولا خدمات إلا ما ندر. فلم يبن العثمانيون في العراق أبنية وقصوراً وجسوراً مثل التي بنوها في اسطنبول والمدن التركية الأخرى.

ولد مدحت باشا في اسطنبول عام 1822 م ، وكان والده قاضياً شرعياً هو حاجي حافظ أشرف أفندي. ونشأ في بلغاريا حيث كان والده قاضياً في بعض نواحيها. وظهر الذكاء على الطفل مدحت فحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغتين العربية والفارسية بالاضافة إلى لغته الأصلية التركية، كما برع في الخط والكتابة .
عندما بلغ مدحت سن الثامنة عشرة انخرط في سلك الوظيفة الحكومية كاتباً بسيطاً ، ثم انتقل إلى دمشق وصيدا ، ثم ترقى في الوظيفة عندما صار كاتباً في مجلس الصدر الأعظم، ثم تم إرساله للتحقيق في قضية حدثت بين ولايتي دمشق وحلب ، نجح مدحت فيها وحاز على إعجاب كبار الموظفين الأمر الذي جعلهم يرشحونه لوظائف أخرى في المستعمرات العثمانية في أوربا ، في البلقان وبروسه ودول أخرى، ثم قضى عشر سنوات في البلقان ، وكان يبدي همة وكفاءة في كل وظيفة يتولاها. بعدها تولى منصب والي ولاية الدانوب ، فكانت إدارته تمتاز بالمهنية والنزاهة حتى أصبحت ولاية نموذجية (1). في عام 1860 عين والياً على بلاد الصرب وبلغاريا ، فقام بأعمال عمرانية كالطرق والمدارس والمستشفيات وإصلاح نظام الري والزراعة ، وكانت هذه الأعمال غير مألوفة في الولايات العثمانية (2). ثم عين والياً على الطوفة عام 1864 لمدة ثلاث سنوات عاد بعدها إلى اسطنبول ليشغل منصب رئيس شورى الدولة لمدة عام واحد، ثم نقل والياً على بغداد عام 1869 اثر خلاف بينه وبين الصدر الأعظم محمود نديم باشا.
ترك مدحت باشا بغداد بعد تعيينه والياً على أدرنة، لكنه قابل السلطان عبد العزيز وأقنعه بعزل محمود نديم من منصبه، ثم أقنعه أنه جدير بهذا المنصب ، فصدر فرمان تعيينه صدراً أعظم لأول مرة عام 1872 .
أثناء وجوده وعمله ثم زياراته لمدن أوروبا الحافلة بالحضارة والتقدم العلمي والاقتصادي مثل فيينا وباريس ولندن ، تأثر مدحت باشا بالنظام الديمقراطي والحريات والحقوق التي تمتع بها المواطن ، كما اطلع على النظم القانونية والقضائية والإدارية والاقتصادية والثقافية الأوربية ، وروجت له الماسونية في الشرق العربي وسخرت دعايتها له.
وصار مدحت باشا يدعو إلى إقامة الدستور والنظام البرلماني ومقاومة الاستبداد ، وحظي بتأييد الدول العظمى كبريطانيا التي تجد أن استقرار تركيا وهدوءها سيعيق مطامع روسيا ومخططاتها فيها.
استطاع مدحت باشا أن يحصل على تأييد ودعم الرأي العام والسياسيين الساخطين على البلاط العثماني وتبذيره وفساده، حتى اضطر السلطان إلى تكليفه بتولي منصب الصدر الأعظم، وهو أعلى منصب إداري في الدولة بعد السلطان. لم يستطع مدحت باشا تحمل المؤامرات التي تحاك ضده، والقرارات السلطانية التي تعفو عن السراق والمرتشين، فقدم استقالته بعد 75 يوماً من توليه منصبه (3). عين مدحت باشا واليا لسوريا من كانون الأول 1878 إلى آب 1880 وهناك قام بمشاريع عمرانية ومحاربة استغلال الموظفين الأتراك لمناصبهم وترشيد النظام القضائي.
تمت محاكمة مدحت باشا بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني بتهمة الضلوع في اغتيال عمه السلطان عبد العزيز، وحكم عليه بالاعدام إلا أن الحكم خفف إلى السجن المؤبد. تم نفي مدحت باشا إلى الطائف حيث وجد مخنوقاً في ظروف غامضة عام 1884 .

الفرمان الهمايوني بتولي مدحت باشا

في 30 نيسان 1869 وصل مدحت باشا إلى بغداد حيث تمت قراءة الفرمان السلطاني باللغة التركية أمام حشد من التجار والوجهاء وكبار الموظفين والقضاة ورجال الدين وضباط الشرطة والجيش. جاء في الفرمان:
(( الدستور المكرم، والمشير المفخم، نظام العالم ، مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأي الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان السعادة والإجلال، المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى، ومن أفاخم وكلاء دولتي العلية، رئيس شورى الدولة السابق ، الموجه لعهدة استيهاله واقتداره هذه المرة نظارة إدارة أمور الفيلق السادس الهمايوني مع انضمام ولاية بغداد ، والحائز على الوسام العثماني من الرتبة الأولى، وكذا الوسام المجيدي الهمايوني من الرتبة الأولى، وزيري وسمير درايتي مدحت باشا أدام الله تعالى إجلاله.
ليعلم أنه إذا جاءكم توقيعي الرفيع الهمايوني فليكن معلوماً أنه مما لا حاجة للإطناب في وصفه وبيانه هو أن خطة بغداد الجسيمة من أعظم القطع التي تتألف منها ممالك دولتي العلية المحروسة، ومن مقتضيات أرضها ووضعها أنها صالحة لكل إعمار وترقي. وهذا من المسلمات. ولما كانت أعز الآمال والمطالب لسلطنتي الهمايونية أن تحصل على كافة أسباب العمران.

وهذه الآمال لا تتم كما هو المرغوب فيه إلا أن يقع الاختيار على من هو عارف ، قادر على إيصاله ذلك بمنه تعالى إلى حيّز العمل ، فيكون في رأس إدارة تلك الخطة، وأنت لحد الآن قد قمت بأمور مهمة لسلطنتي السنية. فشوهدت منك غيرة وفطنة وإقدام ودراية، وأظهرت خدمات جليلة، وكل هذه بعثت إلى أنك ستكون عند حسن ظن سلطنتي الشاهانية فتؤدي واجب المهمة بتمامها، وتظهر المقدرة الكاملة لإيفائها.
الأمر الذي دعاني أن أصدر إرادتي السنية في اليوم الثاني من ذي القعدة لسنة 1285 هـ فأعهد بهذا الأمر للياقتك في إدارة الولاية ملكياً وعسكرياً. فإذا وصلت إلى مركز منصبك قمت بأمور الولاية العسكرية ، وزاولت مصالح الأهالي والسكان طبق قواعد الشرع والقانون برويّة وعناية ، وأن تتخذ التدابير والأمور التي من شأنها أن تزيد في العمران ، وتوفر الثروة آناً فآناً بلا هوادة. وأن يراعى الرفاه والراحة والأمن لجميع الأهالي من سكان وعشائر، وأن توسع دائرة الزراعة والحرث والتجارة. وتتوسل بما يجب من ذلك كله ، وأن تعرض ما يجب عرضه لدولتي العلية من الأمور التي يلزم الاستئذان بها إلى أعتاب دولتي العلية ، وتستمر على إكمال حسن وانتظام وإدارة الأمراء والضباط والنفرات الموجودين في الفيلق السادس الهمايوني ، وتمنع التعدي ، وتراعي حسن الألفة بين العربان والعشائر بعضهم مع بعض، والأهالي داخل الولاية ، وأن يشتغلوا في أمر زراعتهم وحراثتهم، ومنع تجاوز الواحد على الآخر منهم في الحقوق، ودفع التجاسر فيما يخل بالأمن والراحة وإجراء الجزاء الشرعي والقانوني بتمامه بحق من يتجاسر بالحركة خلاف الشرع والنظام. وأن يراعي الموظفون كافة في المجالس والمحاكم داخل الولاية جادة العفة والاستقامة. وأن لا يزيغوا في كل حال عن الأنظمة الموضوعة. وأن يحصروا الأوقات والأفكار في ذلك. وأن يبادر للإهتمام بجارتنا دولة إيران البهية. وأن يلاحظ في تلك الأحوال الرائح والغادي من أفرادها والمقيم منهم ومن يتعاطى التجارة أو يتردد للزيارة وفق قاعدة المساواة والصداقة المتمناة الجارية بين الدولتين حسب العهود المرعية بين الطرفين وطبق أمري.
وبذلك أعلن منصبك ، وصدر أمري الجليل القدر من ديواني الهمايوني إيذاناً بذلك وتفهيماً. فليكن ذلك معلوماً لدى رويّتك ، والمنتظر المأمول من حميّتك أن تقوم بالمهمات المسرودة أعلاه، وتعمل بالأساسات المعدودة المتعينة. وأن تبذل جلّ الهمّة في إيفاء وظائف هذا المنصب.
تحريراً في الخامس من شهر ذي القعدة سنة 1285 هـ))

قراءة في الفرمان :

يتضمن الأمر السلطاني بتعيين مدحت باشا والياً على بغداد عدة أمور:
1- إقرار السلطان بأن ولاية بغداد (أي العراق) من أعظم المناطق الخاضعة للدولة العثمانية بقوله (خطة بغداد الجسيمة من أعظم القطع التي تتألف منها ممالك دولتي العلية المحروسة).
2- أن بغداد تمتلك كل مقومات الإعمار والتقدم كالأراضي الزراعية ومياه الرافدين (ومن مقتضيات أرضها ووضعها أنها صالحة لكل إعمار وترقي) ، وأن رغبة السلطان تقتضي بإعمار بغداد وتوفير كل السبل لذلك الهدف (ولما كانت أعز الآمال والمطالب لسلطنتي الهمايونية أن تحصل على كافة أسباب العمران). للأسف لم يترك العثمانيون أبنية فخمة أو مساجد رائعة مثل ما تركوا في اسطنبول وغيرها من المدن التركية. وأغلب ما تركوه أبنية بسيطة أو ذات وظائف معينة كالسراي أو مراكز الشرطة أو المراكز الحدودية أو المستشفيات أو القناطر أو الدوائر الحكومية. أما الأبنية ذات الطراز المعماري الجميل أو المزينة بالنقوش وفنون العمارة فهي قليلة جداً وتقتصر على بعض المساجد ، ولعل أغلبها تم إعماره من قبل الوجهاء والتجار والعلماء.
3- وصف السلطان لمدحت باشا بأوصاف عالية تشير إلى قدراته الشخصية وعلمه وخبرته ، وهذا واضح من خلال الأوصاف الواردة في ديباجة الفرمان. كما أشارت إلى الأوسمة التي حصل عليها (الوسام العثماني) و (الوسام المجيدي) ، إضافة إلى منصبه كرئيس سابق لمجلس الشورى .
4- يشتمل الفرمان على وصايا ينصح بها السلطان مثل رعاية كل الناس ، تطبيق القانون والشريعة الإسلامية، تأليف سكان المدن مع العشائر، تنمية الزراعة والتجارة ، اصلاح وضع الجيش وإدارة الضباط والجنود، إقرار العدل ومعاقبة الذين ينتهكون حقوق الآخرين ، متابعة الموظفين من حيث النزاهة وعدم الجور والالتزام بالأنظمة والتعليمات المركزية، وغيرها .
5- مراقبة رعايا الدولة الإيرانية سواء زوار العتبات المقدسة، أو التجار أو المقيمين في العراق. وأن تكون العلاقة معها على مبدأ المساواة أو المقابلة بالمثل، والالتزام بالمعاهدات الموقعة مع إيران. وهذه التعليمات تعبر عن قلق وشكوك تساور السلطان العثماني من النفوذ الإيراني .

الشناشيل

خطاب مدحت باشا

بعد قراءة الفرمان ألقى مدحت باشا خطابه بالتركية تضمن برنامج عمله الذي حض فيه الناس على العمل والمثابرة في الزراعة والصناعة والتجارة . كما ذكّر الموظفين بأنهم مكلفون بخدمة المواطنين والعمل من أجل سلامتهم وسعادتهم ، وتطرق إلى أهمية إقرار العدل وإنصاف الناس دون تمييز بين المسلمين وغير المسلمين ، ويعود ذلك إلى ما تعلمه من أوربا والثقافة الغربية والنظم الديمقراطية ، لكنه لام الناس على الخراب السائد في العراق لأنهم قصّروا في عملهم ولم يسلكوا سلوك الأمم الراقية، ولم يوجه لومه للولاة الترك قبله الذين حكموا بغداد منذ قرنين أي منذ عام 1638 م، بل اعتذر لهم ومدحهم ، كما لم ينتقد النظام العثماني الذي اهتم بجمع الضرائب وترك إعمار البلاد ، وطالبهم بالطاعة والانقياد كي تسير أمور البلاد بانتظام.
جاء في خطابه الذي تضمن أفكاره وفلسفته وبرنامجه في الحكم والإدارة:
((قد علم من يعرف التركية حكم هذا الفرمان العالي السلطاني ، ومن لم يعرف وجب عليه أن يعرف من غيره، وأن جل مقاصد سلطاننا أن ينال الأهلون الرفاه والسعادة في ظل العدل والرأفة سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، ذكوراً وإناثاً ، أفرادا وجماعات ، وأن ينالوا الحد اللائق من استكمال ذلك والمحافظة عليه ، وأن أول واجب الموظفين أن يخدموا هذه المهمة ويقوموا بها خير قيام.
تعلمون أن الخلقة البشرية متفاوتة، فلا تتشابه، وكذلكم الأفكار والطبائع متباينة، ولذا لا يتيسر إدارتها برأي كل شخص ، وما يوحيه إليه فكره، وإنما يتحتم أن يكون له مركز إدارة ، ينظر في وسائل الحاجات والثروة والأمن بالنظر للحال والزمان والموقع والمكان وما توجبه تلك الأحوال من حاجات وضرورات، فتتفرغ له قاعدة من هذا المركز مطردة يجري عليها، ومعلومات مكملة ، وبذلك يتيسر الحصول عليها فتقسم بهذا الوجه، وأن كل ما تشذ عنه الإدارة، ولا تراعي المركز، وتمشي بمقتضى ما ينبغي أن يماثله ، فلا يتيسر لها الترقي ولا يحصل الانتباه، وتتأخر تلك الجماعة. ويصح أن يمثل لذلك بوسائط النقل المائية كانت في حالة بسيطة حتى اخترعت السفن ذوات الشراع. ثم تقدمت إلى الوسائل البخارية … وهكذا ومثلها وسائط المخابرة (الاتصالات). فمن لم ينل حظاً من التقدم في الإدارة ، ولم يسع للحصول على أقصى حد ممكن من الرقي بقي في مكانه، وحرم من نعمة الرقي والثروة ، وصار يتبع في طرق المعيشة غير ما يلائم زمانه، ويكون قد رضي بالدون، وأصر على جموده ، أو قبل أن يرجح ما هو الأدنى على الذي هو خير.
الأراضي هنا تقبل كل نوع من العمارة ، والأهلون لائقون لكل تعليم، وفطرتهم معلومة ، واستعدادهم مشهود، فيستطيعون أكثر من غيرهم التقدم، لينالوا حظاً من الثروة والحضارة، لكن الخراب المستولي ، وعدم النشاط ناجم من تقصير الأهلين ، فلم يسلكوا ما سلكته الأمم، وإنما ترك كل امرئ وشأنه ، وصارت الأمة لا تأبه بما أخذت به الأمم، وإلا فحضارة القطر الماضية، وصناعته القديمة لا تزال آثارها مشهودة … ولا منجاة من هذه الورطة إلا بالانقياد للمتبوع الأعظم، ومن قدمه من أصحاب المناصب بأن أطاعوا، ويسلّم إليهم بما أرادوا ، وهو قد حافظ على حقوق الأهلين عموماً، وراعى استراحتهم، والعدل فيما بينهم ، وأرسل الولاة لهذا الغرض، فلا يتطلب أكثر من التسليم لهم والانقياد بالطاعة، ليتمكنوا من السعي والحصول على المبتغى.
جاء ولاة كثيرون ، قاموا بالمهمة ، وبذلوا جهوداً ، وعملوا على ما تمكنوا عليه، خصوصاً رشيد باشا (الكوزلكلي) (5) فإنه بدأ بالعمارة ، ومشى في طريقها الصحيح، وخلف الكثير من الآثار… ولكن قرب أجله لم يهيء له آماله (6) ثم إن حضرة نامق باشا سلك هذا الطريق واستمر فيه فحصل على نتائج حسنة (7) وهكذا نحن سائرون في هذا الطريق، ساعون لسلامة الأهلين وسعادة أحوالهم ، ونأمل أن نصل إلى الغاية المطلوبة، فنرى الآثار النافعة وثمار المساعي في أقرب مدة ، ولا أمل لنا إلا تكثير الغنى والعمارة والتوسل بأسبابهما.
وليعلم أن الغنى هنا لا يراد به جمع النقود ووضعها في الصناديق أو الخزانات وحبسها هناك، وإنما النقود المطلوبة هي أن تتداول بين الناس وأن يراعى فيها وجائب العصر وحالاته ، وأن تراعى التجارة والزراعة كما يقتضيه العصر فترتكز على أصل صحيح، وأن نفع الأمة من هذه الطريق هو فائدة للدولة ، وهي فائدة للأمة ، فلا فرق في هذا الاتصال والتلازم.. وهذا من الأمور المسلّمة في العالم والمقطوع بها، وكلها مما يؤدي إلى التنظيم والغنى.
هذا وليعلم كل موظف أنه لم يعمل لنفسه ، وإنما يعمل في حدود وظيفته للقيام بخدمة الأهلين وسلامتهم وسعادتهم ، وليعاون الأهلون الموظفين فهم في حاجة إلى تسهيل هذه المهمة التي يقومون بها ، وليتحملوا المشاق في هذا السبيل فيما لم يدركوا نتائجه، وهو مما يعود للكل بالخير.
والحاصل أن كل ما يعمل لا يقصد منه إلا راحة الأهلين وسعادتهم وسلامتهم فمن واجبهم الانقياد والطاعة التامة. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يرضي السلطان من الخدمات ، وأن نؤديها بنجاح، وأن ينجينا من الخطأ جميعاً. آمين )) (8).

مدحت باشا يتزوج بعراقية

شهربان – سيدة بغداد

في بداية حياته تزوج مدحت من زوجته الأولى نعيمة وعمره 25 عاماً ، ورزق منها ببنت واحدة تزوجت في سن مبكرة ، وعندما قدم إلى بغداد كان عمره 43 عاماً ، وبقيت رغبته في ولد يخلفه ، وصار العديد من أقاربه ومعارفه يوصونه بالزواج من ثانية ، ولم تكن زوجته نعيمة تمانع وتقول له بأنها تجاوزت الأربعين ولم يعد بإمكانها الانجاب. أسعده موقفها وأخذ يبحث عن فتاة من أسرة كريمة النسب والمستوى.

علي حيدر الابن الوحيد للوالي مدحت باشا من زوجته العراقية شهربان

في مأدبة دعاه إليها آل النقيب شاهد فتاة جميلة تختلف عن السكان المحليين، فسأل عنها فقالوا له إنها شركسية واسمها شهربان كانت تقوم بخدمتهم ، وهي بمثابة ابنتهم. بعد أيام عقد مدحت باشا قرانه عليها، ثم حملت منه ورزق بولد سماه علي حيدر وبنتين هما وسيمة ومسرورة ، وعندما نفي إلى الطائف وقبل موته كتب لها رسالة يوصيها بولده ودراسته ، كما أوصى أن لا يقام على قبره شاهداً مذهباً.
وقد قام الرسام الانكليزي ويليام كلارك وونتنر (1857-1930) برسم لوحة لشهربان سماها سيدة بغداد.

الهوامش:

1- ستيفن لونكريك (أربعة قرون من تاريخ العراق) / ص 284 ، الطبعة الثانية ،بيروت : 1949
2- علي الوردي ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)/ ج 2 / ص 82 ، دار الكتاب الاسلامي ، بغداد: 2005
3- علي الوردي / ج 2 / ص 84
4- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 7 / ص187-189 ، الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات، بيروت: 2004
5- هو الوالي رقم (65) في تسلسل الولاة العثمانيين. اسمه محمد رشيد باشا وتولى الحكم لمدة أربع سنوات (1852-1856 م ) ، ذكر أنه اهتم بشق الأنهر لتوسيع الرقعة الزراعية. كما أنه اشترى باخرتين (بغداد) و (البصرة) لنقل البضائع والركاب بين المدينتين.
6- توفي محمد رشيد باشا في يوم الأربعاء 22 ذي الحجة 1273 الموافق 1856 م .
7- نامق باشا هو الوالي رقم (69) للعهد العثماني الثاني . وقد تولى للفترة 1861-1867 م .
8- عباس العزاوي / ج 7 / ص 189-191

كيف تقوم حكومة الولايات المتحدة بإسقاط عملة أي دولة في العالم وكيف تتحكم بسعر صرف العملات؟

بقلم : الدكتور منذر عبدالله القحيط – أستاذ المنشآت النفطية والمحاسبة الدولية والإدارية، باحث في مجال المحاسبة والموازنات والمعايير الدولية وفقا للقضاء الدولي.

مهما قمت بعملية بحث عبر الإنترنت ، كيف تقوم حكومة الولايات المتحدة بإسقاط سعر عملة أي دولة مثلاً الليرة التركية أو العملة الإيرانية أو أي عملة أمام الدولار؟ فانك لن تجد تفسيرا واضحا وبيّنا مهما بحثت، لكن للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعرف، أولاً: من يتحكم بسعر الصرف للعملات، وكيف يقوم بذلك؟ وثانياً: يجب أن نعرف كيف يعمل سوق العملات؟
لمعرفة ذلك يجب أن نعرف إن هنالك مؤثرين حقيقيين على سوق العملات ينقسمان إلى مؤثر رئيس والآخر ثانوي:
●الأول وهو المؤثر الرئيس ويسمى ” Market Players”
وهو يعتبر أهم لاعبي أو صانعي السوق المالية والإقتصادية للحكومات والبنوك المركزية في الدول الكبرى ” العظمى ” وتتسلسل قوتهم بالترتيب:
١- حكومة الولايات المتحدة – البنك المركزي الأمريكي – أو ما يعرف ب Federal reserve
٢- الإتحاد الأوروبي – البنك المركزي الأوروبي أو ما يعرف ب ECB
٣- المملكة المتحدة – البنك المركزي الإنجليزي أو ما يعرف ب Bank of England
فهؤلاء هم اللاعبين الرئيسين في السوق الإقتصادية العالمية ويتحكمون بـ ٧٠% إلى ٨٠% من حركة السوق.
أما أقوى لاعب في هؤلاء فهو الولايات المتحدة فوحدها قادرة على التحكم بـ ٥٠% من حركة السوق العالمية ، وبما أن جميع اللاعبين الكبار حلفاء لواشنطن إذاً الولايات المتحدة هي اللاعب رقم واحد في العالم وهي من يتحكم بالسوق من الألف الى الياء.
بالإضافة إلى أن هنالك بنوك عالمية كبرى ومؤسسات مصرفية عملاقة ، وهي رديفة للبنوك المركزية أي أنها تعمل بالظل حسب حركة البنوك المركزية مثل : جي بي مورغان شيس وباركليز بانك وغيرهما.
هذة البنوك قوية ومؤثرة على السوق لكنها لا تتحرك من تلقاء نفسها بل تسير خلف البنوك المركزية العالمية آنفة الذكر.
● ثانيا: وهم المضاربون(The Speculators)
وتأثير هؤلاء عادة يتراوح بين ١٠% الى ٣٠% كأقصى حد على حركة السوق العالمية وهؤلاء لا يتحكمون في حركة السوق وفي الأغلب ينتظرون السوق حتى تحركها القوى الكبرى ” العظمى ” ثم يركبون الموجة السائدة ويدفعونها إلى الأمام.
الآن “كيف تعمل السوق العالمية للمال؟”
هنالك حركتان يتضح من خلالهما عمل السوق العالمية ، الأولى: حركة طبيعية ، والثانية: حركة غير طبيعية أي مصطنعة وعادة الدول الثلاث السابق ذكرها هي وحدها من يستطيع القيام بذلك.
أولاً الحركة الطبيعية:
وهي تنتج عن القرارات الإقتصادية للدولة والتي تكون عادة لحل مشاكلها الداخلية أو أزماتها الداخلية ، كقيام بعض البنوك المركزية برفع أو خفض الفائدة لحل أزمة مالية أو إقتصادية فإن هذا الحدث يؤثر على حركة السوق.
أيضاً بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية والتي تلعب دوراً هاماً في حركة السوق وكذلك الأزمات السياسية حسب الضرر المتوقع حدوثه نتيجة هذه الأزمات ( الحروب ) أو الكوارث الطبيعية.
ونستطيع أن نلخص الحركة الطبيعية بمصطلح ” العرض والطلب “.
ثانياً الحركة غير الطبيعية:
وهي تتكون نتيجة للمؤامرت أو المكائد السياسية التي تقوم بها الدول الكبرى ” العظمى ” مثل: الولايات المتحدة، الإتحاد الأوروبي وبريطانيا.
الإتحاد الأوروبي وبريطانيا عادة يكون تأثيرهما محدودا نسبياً بعملة تلك الدول ، مثال على ذلك : ماحدث في أوائل عام ٢٠١٣ ، حيث قامت المخابرات البريطانية MI6 بلعبة من خلف الكواليس إستطاعت من خلالها أن تجبر البنك المركزي الإنجليزي BoE على تخفيض سعر صرف الجنية الإسترليني ” الباوند ” ما أدى إلى هبوطه أمام الدولار أكثر من ١٥٠٠ نقطة خلال بضعة أسابيع.
أما اللاعب الخطير والمخيف والقادر على التحكم بالسوق العالمية كاملاً وتحريكها كيفما يشاء ، هو حكومة الولايات المتحدة ؛ السؤال الذي يطرح نفسه كيف تستطيع حكومة الولايات المتحدة أن تقوم بهذا التلاعب ؟
الإجابة : تقوم الولايات المتحدة بهذا التلاعب من خلال الآتي :
١- تفتعل الولايات المتحدة مشكلة، مثل ما يحصل حالياً مع تركيا، ومن ثم يخرج الرئيس الأمريكي ويوجه تهديداته أو يقوم بإجراءات إقتصادية حازمة ضد تلك الدول أو الدولة ليعطي إنطباعا عن مشكلة إقتصادية مستقبلية ستحصل في ذلك البلد.
٢- يدخل البنك المركزي الأمريكي مباشرة على الخط بعد ذلك ويقوم مثلاً بشراء الدولار الأمريكي أمام تلك العملة للبلد الذي سبق تهديده بكميات كبيرة جداً ، وبعد أن تتحرك السوق تركب البنوك الرديفة العملاقة الموجة وتقوم بدفع السوق إلى المزيد من الحركة ، كذلك نفس الأمر يحصل مع المضاربين.
وهذا بالتحديد ما حصل مع تركيا، بعد إعلان ترامب زيادة رسوم الضرائب على واردات أمريكا من تركيا من الصلب و الألمنيوم، قام البنك المركزي الأمريكي بعمليات شراء كبيرة للدولار الامريكي أمام الليرة التركية.
وحسب ما تحدث به العديد من الخبراء الإقتصاديين في بورصة نيويورك ، ومقدار حجم التداول الذي تم على الدولار مقابل الليرة التركية يوم الجمعة الماضية حيث بلغ تقريباً ٢ ترليون دولار علماً أن حجم التداول اليومي في سوق العملات يتراوح بين ٥ إلى ٦ ترليون دولار أمريكي يومياً .
أي أن مقدار حجم صفقات بيع الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي كانت ب ٢ ترليون دولار تقريباً أي بنسبة ٣/١ ثلث حجم التداول اليومي ويعتبر هذا هو سبب السقوط الكبير الذي أصاب العملة التركية.
وهنا سؤال مهم يطرح نفسه ؟
كيف تستطيع حكومة الولايات المتحدة القيام بذلك؟ وبالتالي فهي بحاجة الى سيولة كبيرة جداً ؟
الإجابة: السيولة موجودة دائماً؟ ولا يوجد أي مشكلة في هذا الجانب؟ هل تعلمون السبب؟
لأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم بإصدار وطبع عملتها الدولار بدون إحتياط (ذهب) وبدون حسيب أو رقيب، لذلك فهم يمتلكون كميات كبيرة من الكاش أو النقد.
أي أنهم يتحكمون بإقتصاديات دول العالم ويسرقون جميع معادنهم بالتحديد الذهب والنفط ومواردهم وتعبهم بأوراق مالية ( عملة) وهمية لا قيمة لها حتى أن القيمة الفعلية لها أقل من قيمة ورق الـ A4 وهذة هي القيمة الحقيقية للدولار الأمريكي.
فهذه الطريقة التى جعلتهم يستطيعون أن يتحكموا بالدول الأخرى من خلال:
تخويف الآخرين عبر التهديدات التي يلقيها الرئيس الأمريكي مثل ترامب، بفرض عقوبات الغرض منها يعني من يتعامل مع الطرف الفلاني فهو ضدنا.
والطريقة الأخرى : التلاعب بأسعار العملات من خلال السوق العالمية ، تمتلك سيولة كبيرة جداً لأنها تقوم بطبع عملتها من الدولار بدون حسيب أو رقيب وبدون أي إحتياطيات ” وديعة ” من الذهب في صندق النقد الدولي ومن خلال هذه السيولة التي ليس عليها أي رقابة أو حساب إستطاعت أن تتحكم بسعر أي عملة في العالم ، وهذا هو ما حصل مع تركيا من الألف الى الياء ، والذي أدى إلى إنخفاض القوة الشرائية لليرة التركية وهبوط سعرها فهو ليس له أي علاقة بالإقتصاد التركي وإنما هو عملية بلطجة مالية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لكي تتمكن من لي ذراع جمهورية تركيا فقط لا غير.
و مثال على هذا ماقامت به الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٨م والذي أدى إلى حصول الأزمة العالمية، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بطبع ٣ ترليون دولار تقريباً وضخها كسيولة إلى السوق العالمية بدون أن تقدم أي إحتياطي “وديعة” من الذهب لصندوق النقد الدولي، بحجة منع تدهور الأسواق العالمية!
بالتالي فإن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عندما تحتاج إلى سيولة نقدية في عملتها الدولار فإنها سوف تفتعل أي مشكلة مع أي دولة وتلقي تهديداتها ومن ثم تقوم بالإصدار والطباعة المجانية لأوراق نقدية إضافية من عملتها الدولار بكميات هائلة وبدون احتياطيات بعذر منع تدهور السوق العالمي والذي ينتج عنه إنهيار إقتصادي للعديد من الدول بالتحديد في دول العالم الثالث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : المقال يمثل رأي كاتبه

اخر الاخبار

اعلان

ad