الثلاثاء, مايو 17, 2022

العمارة الأجنبية في العراق .. مدينة الفيصلية ، من الثورة إلى الصدر

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

منذ بداية خمسينيات القرن العشرين بدأت في بغداد الحاجة للتوسع في إنشاء المدن السكنية الحديثة. في عام ١٩٥٤ بدأ مجلس الاعمار العراقي بالتخطيط للتوسع العمراني لمدينة بغداد لاستيعاب ازدياد عدد السكان بسبب المواليد والحاجة إلى مساكن جديدة ، وكذلك نمو الهجرة باتجاه العاصمة ونشوء أحياء عشوائية ومناطق فقيرة بائسة.

في تلك الفترة كان مجلس الاعمار الذي أنشأ عام ١٩٥١ قد قرر إنشاء مدن سكنية قادرة على سد الحاج الأنية والمستقبلية، منها مشروع إسكان غربي بغداد بنحو (٢٥) ألف دار في جانب الكرخ ، ومدينة الفيصلية في جانب الرصافة، وكلاهما واطئة الكلفة ، إضافة الى مدن الوشاش والطوبجي وغيرها. كما تقرر إنشاء مدن (زيونة) و(اليرموك) و(المأمون) ذات المساحة الأكبر.

قرر مجلس الاعمار إسكان أهالي الصرائف خارج بغداد ، وتوزيعها على الذين لديهم مهن وحرف. أما الفلاحين فتقرر إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية ومنح كل فلاح قطعة أرض بمساحة مائة دونم لزراعتها بشرط أن تبقى باسم الدولة كي لا يتم تقسيمها أو بيعها.

اتفق مجلس الاعمار مع المهندس المعماري اليوناني كونستانتينوس دوكسياديس ( ١٩١٤ – ١٩٧٥) على وضع تصاميم لبناء من خمسة إلى سبعة قطاعات نظامية لمنازل واطئة الكلفة بمساحة ٢٠٠ إلى ٣٠٠ متر لكل منزل، ويتم تجهيز المدينة بما تحتاجه من بنى تحتية وماء وكهرباء وتربية وصحة وشوارع مبلطة وغيرها.

مصمم مدينة الفيصلية

تخرج دوكسياديس من كلية الهندسة المعمارية في جامعة أثينا التقنية عام ١٩٣٥، وحصل على شهادة الدكتوراه من كلية شارلوت نبيرغ في جامعة برلين التقنية. في عام ١٩٣٧ تم تعيينه رئيساً لبدية أثينا ، ثم شغل منصب رئيس الإدارة الإقليمية وتخطيط المدن في وزارة الاشغال العامة. شارك في المقاومة اليونانية والتعاون مع الحكومة البريطانية. بعد الحرب العالمية الثانية تولى مهمة إعادة ترميم مدينة أثينا ،من خلال منصبه وزيرا للاعمار. وقد أكسبته تجربته الحصول على عقود مشاريع إسكان في عشرات البلدان.

في عام ١٩٥١ أسس دوكسياديس شركة خاصة للاستشارات الهندسية والتي نمت بسرعة حتى افتتحت عشرات المكاتب في ٤٠ بلدا في القارات الخمس. في عام ١٩٦٣ غيّرت الشركة اسمها إلى DA International co. Ltd  للاستشارات العمرانية.

لعل واحداً من أهم أعماله هو تخطيط مدينة إسلام آباد العاصمة الجديدة لباكستان بعد أن تقرر مغادرة كراجي كعاصمة قديمة. اتسم مخططه بفصل السيارات عن الناس، بشكل يتيح سهولة الوصول إلى وسائط النقل العامة والمرافق الحكومية والتجارية والحدائق. كما ابتكر تصاميم لمساكن واطئة الكلفة واستخدام مواد إنشائية محلية مناسبة لمناخ كل منطقة.

منحته اليونان وسام الأرز الوطني من رتبة فارس ، كما تم تكريمه عام 1965 من قبل الولايات المتحدة الامريكية. في 28 يونيو 1975 ، وفي مدينة اثينا باليونان  توفي المخطط الحضري والمهندس المعماري كونستانتينيوس دوكسيادس عن (61 سنة).

تصاميم المدن الجديدة

كان المخطط القديم لبغداد قد أعد من قبل مؤسسة مونوبريوالانكليزية ، وكانت حدود بغداد غرباً تنتهي عند نهر الخر ، وشرقاً عند سدة ناظم باشا، ما جعلها تتخذ شكلاً طولياً موازياً لنهر دجلة. لذا ووفق تصميم ومخطط دوكسيادس الجديد فقد تم إلغاء هذين الحدين ( السدة ونهر الخر) ما فسح المجال لنشوء مدن ملحقة جديدة وهي  بغداد الجديدة، وزيونة، والرشاد، ومن ثم مدينة الثورة شرقا ، والشعلة والمنصور والمأمون والدورة والداوودي غرباً. ووفق التصميم فقد تم التخطيط لانشاء مدينتين للضباط شرق وغرب بغداد فكانت مدينة الضباط والألف دار في مكانها الحالي لقربها من معسكر الرشيد والقاعدة الجوية، وكذلك مدينة اليرموك وحي الوشاش لقربها من معسكر الوشاش (متنزه الزوراء حاليا) ومعسكر أبوغريب .

جميع هذه المدن والأحياء المذكورة أعلاه تم التخطيط لإنشائها في منتصف الخمسينيات, وقسم منها نفذ في العهد الملكي  والباقي تم تنفيذه  ايام الجمهورية. كذلك انتهت في تلك الفترة تصاميم المطار الدولي الجديد، وفي موقعه الحالي قرب أبو غريب.

قامت شركة دوكسياديس ببناء منازل الإسكان والوشاش والطوبجي بالتعاون مع شركة تاجريان، وتم افتتاحها من قبل الملك فيصل الثاني عامي ١٩٥٧ و ١٩٥٨.

أما مدينة الفيصلية فلم يتم تشييدها آنذاك بسبب حصول انقلاب ١٩٥٨ حيث قام الزعيم قاسم بطرد الشركات الأجنبية. وتم تقليل مساحة الأرض إلى (١٤٤) متراً مربعاً. وزيادة عدد القطاعات إلى (٧٩) قطاعاً كل منها يضم ألف دار ، وقد اختلف تصميم بعض القطاعات مثل القطاع رقم (٢٣) و (٣٤).

وقام الزعيم قاسم بتوزيع الأراضي فارغة وليست دور جاهزة كما هو شأن المدن السكنية الأخرى.

من اهم تصاميم دوكسيادس  في العراق هي الحي العربي في بغداد ومجموعة  احياء  اطلق عليها  الإسكان.  وهي منتشرة في العديد من محافظات العراق منها بغداد وأربيل والكوت والحلة والتي اعتمد في تصميمها على التخطيط الشطرنجي لبث فكرة المساواة . وواضح ان دوكسيادس انتبه الى منظر النساء وهن  يتبادلن الحديث امام بيوتهن  ولمعرفته بطبيعة المجتمع العراقي فقد اصر على توفير مساحات صغيرة بين البيوت على شكل مربع  اسماها مربعات للثرثرة Gossip Squares  بعيدة عن انظار المارة واصحاب السيارات.

مشاريع قطاع الإسكان في العهد الملكي

أقر مجلس الاعمار الملكي مجموعة من المشاريع السكنية في بغداد والعراق مثل:

١-بناء (١٢٠) دار في منطقة الوشاش

٢-بناء (١٠٠٠) دار في منطقة الشالجية لعمال السكك

٣-وافق مجلس الاعمار على تنفيذ المنهاج الخاص الذي يشمل إنشاء نحو (١٠،٠٠٠) مسكنا يتضمن إنشاء (٤٠٠٠) دار في بغداد و (١٠٠٠) دار في الموصل و (١٠٠٠) دار في كركوك و (٢٠٠٠) في البصرة.

٤- إنشاء مساكن ملحقة بالمشاريع الصناعية ، منها (٨٦٠) مسكنا لموظفي ومستخدمي معمل الغزل والنسيج الجديد في الموصل، و(٥٥٠) مسكنا لموظفي ومستخدمي معمل توليد الطاقة الكهربائية في دبس ، وكذلك المساكن اللازمة لموظفي ومستخدمي معملي السمنت والسكر في الموصل.

٥- مخطط لإنشاء (٢٥٠٠٠) دار في مختلف أنحاء العراق في السنين الخمس الأولى حتى عام ١٩٦٠.

٦-مخطط إنشاء (٤٠٠) ألف وحدة سكنية في العراق حتى عام ١٩٨٠ .

٧-في منتصف الخمسينيات كلفت الحكومة العراقية مؤسسة دوكسياكس اعداد مخطط عصري وجديد لمدينة بغداد يحتوي على مشروع سكني للبناء والاعمار والتطوير وتدريب المهندسين. قامت المؤسسة بوضع مخطط لتطويق مدينة بغداد بوحدات سكنية جاهزة، متعامدة ومنفصلة، تمتد على مرور عريضة. وقد قسمت هذه المناطق بدورها الى وحدات “بلدية” بمراكز صغيرة وأحياء سكنية تابعة لها، ووضعت تحت منظومة من الطرق المقفلة. ويتألف كل مركز بلدي من سوق ومسجد ومرافق عامة.

٩- مشاريع الإسكان في المأمون واليرموك وزيونة وحي الإسكان غرب بغداد.

١٠-وكان من المقرر أن يتم حتى نهاية عام 1958 إنشاء 2800 دار ، وإعمار 1215 قطعة أرض وإنشاء قرية نموذجية في مشروع المسيب الكبير وإنشاء 2235 داراً وإعمار 1543 قطعة أرض وإنشاء ست قرى إضافية في مشروع المسيب الكبير.

١١-بوشر بالفعل فيها في كل من الموصل ودبس وسرجنار والسليمانية وكركوك والبصرة. فقد أعلنت مناقصات لانشاء مشاريع إسكان أخرى في الكوت والعمارة وكربلاء والمسيب الكبير.

التسميات والهيكل الاداري لمدينة الصدر

تقع مدينة الصدر شرق بغداد في جانب الرصافة . ويبلغ عدد سكانها ١،١٥ مليون نسمة حسب إحصاء ٢٠١٨ ، ومساحتها (١٣) كيلومتر مربع. وبذلك تبلغ الكثافة السكنية (٢٧) ألف نسمة لكل كم٢.

كانت أراضي المدينة تابعة للوزيرية، وكان فيها مزرعة تسمى (مزرعة حكمت سليمان). وكان حي الأورفلي فيها يسمى (تلول السديرة). وقد تم فرز الأراضي والشوارع والخدمات في عهد وزيرة البلديات الدكتورة نزيهة الدليمي (١٩٢٣-٢٠٠٧) التي كانت أول وزيرة في العراق والعالم العربي.

حتى عام ١٩٦٥ اختفت جميع الصرائف بعد أن باشر السكان ببناء مساكنهم بالطابوق والشيلمان. وفي ٣٠ أيلول ١٩٧١ بلغ عدد القطع الموزعة في منطقة الثورة (٦٣،٧٢٦ ) قطعة ضمن ٧٩ قطاعاً.

وبلغت مساحة القطاع الواحد (٢٥) ألف متر مربع.

مرت المدينة بعدة تسميات خلال تاريخها. ففي العهد الملكي كانت تسمى (منطقة الصرايف) وهي مساكن بنيت من القصب وأعواد النخيل.

 

 

وبعد توزيع الأراضي من قبل الزعيم عبد الكريم قاسم عام ١٩٥٩ أطلق عليها اسم (مدينة الثورة) تيمناً بثورة (انقلاب) ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨ ، وفي عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف (١٩٦٣- ١٩٦٨) سميت بـ (حي الرافدين) ، وفي عهد أحمد حسن البكر (١٩٦٨-١٩٧٩) أعيد اسمها إلى (مدينة الثورة). وفي عهد صدام (١٩٧٩-٢٠٠٣) تم استبدال اسمها إلى (مدينة صدام).

في ١ كانون الآول عام ١٩٩٩ قرر صدام تغيير الوضع الإداري للمدينة حيث تم استحداث (قضاء صدام) ومركزه في المحلة (٥١٤) في محافظة بغداد. وترتبط بالقضاء ناحيتين هما (ناحية الفداء) ومركزها محلة (٥٣٤) ، و(ناحية بطل التحرير) ومركزها محلة (٥٤٨).

وتم استحداث قضاء أخر باسم (قضاء القائد صدام) ومركزه في محلة (٥٣٥). وترتبط به (ناحية النخوة) ومركزها في محلة (٥٢٧) ، (ناحية الفارس العربي) ومركزها محلة (٥٦٥).

وبعد ٢٠٠٣ سميت (مدينة الصدر) تيمناً بعائلة الصدر التي قدمت اثنين من مراجع الدين ، الشهيدان السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر.

أما الهيكل الاداري فأصبح كالتالي:

قضاء الصدر ١ : وترتبط به (مركز القضاء) و (ناحية الفرات) و (ناحية الصديق الأكبر)

قضاء الصدر ٢ : ترتبط به (مركز القضاء) و (أبناء الرافدين) و (ناحية المنورة)

 

ديموغرافيا المدينة

إن الطابع العشائري يسود المدينة وخاصة طابع جنوب العراق . ويرجع ذلك إلى أن معظم سكانها تعود أصولهم إلى سكنة الأرياف والفلاحين وغالبهم (٩٠ بالمائة) من محافظة ميسان، إضافة إلى محافظات ذي قار والبصرة وواسط وبابل والنجف وكربلاء والمثنى والديوانية.

ينتمي ٩٠ بالمائة  من سكانها العرب إلى المذهب الشيعي ، وهناك ٥ بالمائة من الكرد الشيعة (الفيليين) والتركمان يسكنون في حي الأكراد، إضافة إلى ٥ بالمائة من السنة القادمين من نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين والأنبار.

بعد عام ٢٠٠٣ وبسبب الأحداث الطائفية في مناطق الكرخ والانبار ، هاجر عشرات الآلاف من الشيعة من مناطقهم وبنوا مساكن عشوائية في مدينة الصدر حتى سميت منطقتهم بالقطاع (صفر) ، وبذلك ارتفع عدد القطاعات إلى (٨٠) قطاعاً.

 

حتى سقوط النظام عام ٢٠٠٣ كان معظم سكان المدينة من الفقراء والمعدمين الذين يعملون بوظائف بسيطة في دوائر بغداد أو بدرجات صغيرة في الجيش والشرطة العراقية ، حيث كانوا يعانون من التمييز الطائفي ، ويعمل آخرون في علوة جميلة القريبة و الحي الصناعي (كسرة وعطش) القريب من السدة. وكان عدد كبير منهم يعمل في البسطيات أو أعمالاً لا تدر دخلاً كبيراً. وخلال السبعينيات والثمانينيات تمكن بعض طلابها المتفوقين من دخول الكليات والجامعات فتخرجوا أطباء ومهندسين وحقوقيين وإدارة وآداب وغيرها. وبرز من المدينة فنانون وأدباء وشعراء وإعلاميون وصحفيون ورياضيون لامعون رفعوا اسم العراق.

تشتهر المدينة بأسواقها الشعبية مثل (سوق مريدي) و (سوق العورة) و(سوق جمالة) و (سوق الجوادر) و(سوق الفلاح) ، (سوق الداخل) و (سوق جميلة) و (سوق حي طارق) و (سوق الحي) و (سوق الكيارة) و (سوق الوحيلات) و (سوق الأولى) و (سوق الرضوي) و (سوق العلاوي).

وتوجد في المدينة مساجد وحسينيات ومدارس كثيرة ونوادي رياضية وملاعب شعبية، وأربع مستشفيات ومراكز طبية وعيادات طبية شعبية، إضافة إلى عيادات الأطباء ومكاتب المحامين.

بعد السقوط عام ٢٠٠٣ شغل الكثير من أبناء المدينة وظائف عالية كالوزراء والنواب وأعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي والوكلاء والسفراء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والقضاة والمدراء العامين في الدوائر الحكومية وقادة فرق وألوية عسكرية وشرطة. كما تعين الآلاف في الدوائر الحكومية وفي المنطقة الخضراء وفي الرئاسات الثلاث ، حتى أنه في إحدى السنوات وبسبب إغلاق جسور قناة الجيش الموصلة بين المدينة وبغداد لأسباب أمنية تغيب غالبية موظفي المنطقة الخضراء وأكثرهم إداريون وسواق وحراس، فأصبحت كأنها في يوم عطلة رسمية.

منذ عام ٢٠٠٤ تعرضت مدينة الصدر إلى عشرات العمليات الانتحارية بين سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة وعبوات ناسفة استهدفت أسواقها وشوارعها ومساجدها ومدارسها وملاعبها أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتخريب الابنية فيها.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • موسوعة شذرات الذهب في ١٩ آذار ٢٠٢١
  • مشاريع السكن في العراق – تحسين الشيخلي
  • مدينة الصدر – وليد الصكر
  • التقسيمات الإدارية في بغداد منذ سبعين عاماً – د. صلاح عبد الرزاق

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء “5” .. المهباش والربابة والبكرج والمحماس والهاون

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

أهلنا في النقب عربٌ أقحاحٌ، وبدوٌ كرامٌ، وفلسطينيون أصلاء، ما زالوا على أصالتهم القديمة، وفطرتهم الصادقة، وطهارتهم الصافية، ونقائهم الأصيل، وخلقهم النبيل، يحافظون على بساطتهم وتواضعهم، وكرمهم وسخائهم، وحبهم للضيف وترحابهم بالغريب، وإغاثتهم الملهوف وعونهم المحتاج، ويحرصون على حفظ موروثاتهم القديمة، وعاداتهم الأصيلة، وتقاليدهم الخاصة، وقيمهم الدينية وتعاليمهم الإسلامية، التي بها يتميزون ويفتخرون، وعليها يصرون ويتواصون، وبها يغيظون العدو ويزعجون، ويتمسكون بها ويصمدون، فهي والأرض أساس وجودهم وعماد ثباتهم، وقد أثبتت السنون والأحداث، والتحديات والصعوبات، أنهم أقوى منها وأثبت، وأكثر رسوخاً في الأرض وأعمق جذوراً فيها.

أهلنا في النقب يعشقون مضارب العشيرة، والخيام وبيوت الشعر، ويتمسكون بحرفة الرعي وتجارة الأغنام، ويحرصون في كل قبيلةٍ على سرادق الضيافة، وخيمةٍ كبيرة يستضيف فيها شيخ العشيرة ضيوفه، ويلتقي بها مع أهل عشيرته، يتقدمها “كانون النار”، وفوقه “البكرج”، يحمله بين الحين والآخر صباب القهوة مرحباً بالضيوف ومؤهلاً بهم، و”الهاون” الذي به يسحنون قهوتهم دقاً بـــ”المهباش”، وما زال الحبل والبئر، والجرة وجراب الماء، والبعير والماعز والأغنام، وحليب النوق والماعز وساعات الصباح، والنار المشتعلة ومواقد الحطب، وأفران الطين وخبز الطابون، وغير ذلك مما اعتاد البدو على الاحتفاظ به واقتنائه، وهم على يقين ببقائه، ما بقيت شمسهم تسطع، وربابتهم تصدح، والماء من آبارهم ينضح.

عشائر العرب في النقب كبيرة وكثيرة، تنتشر على كامل تراب الصحراء الأصفر الممتد، وتمتد إلى صحراء سيناء المصرية، ولها بطونٌ وأتباعٌ وأبناءٌ في قطاع غزة، وما زال شيخ العشيرة هو سيد القوم وكبيرهم، وزعيمهم الذي لا يتقدم عليه أحد، ولا يرد أو “يكسر” كلمته أحد، فهو الآمر الناهي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وعلى الجميع أن يصغي إليه ويسمع، وأن يطيع ويخضع، وهو الذي يجمع رجال عشيرته في سرادقه الكبير وخيمته الواسعة، وفيها تشتعل النار وتوقد الكوانين، وتعلق البكارج وتصب القهوة، ويدور الساقي على الرجال يقدمها، في طقوسٍ عربيةٍ أصيلةٍ، وشيقةٍ جميلةٍ، يعتز بها البدو ويفتخرون، ويحرص الفلسطينيون عموماً من أهل الحضر والمدن وسكان القرى والبلدات على تقليدهم.

والويل كل الويل لمن يخرج من البدو عن الطاعة، ويخالف شيخ العشيرة ويعصي أمر زعيمها، أو يشق عصا الجماعة ويخالف قرار القبيلة، أو يأتي بفعلٍ شائنٍ وعملٍ غير لائقٍ، فإن لعنة العشيرة وغضب القبيلة ينصب عليه، ويصبح ملعوناً مطروداً، لا يحدثه أحدٌ، ولا يخاطبه أو يساعده، ولا يزوجه أو يصاهره، وقد تشتد العقوبة وتقسى إذا أصدر شيخ لعشيرة إلى ذوي العاصي المخالف بمقاطعة ابنهم، وعدم السماح له بالدخول إلى بيتهم، أو الاجتماع بأهله وأولاده، حتى يأذن له شيخ العشيرة ويسمح له، ما لم تعلن العشيرة البراءة منه والتخلي عنه، وعدم الاعتراف به أو العفو عنه.

يملك البدو في صحراء النقب بيوتاً عصريةً، ومبان جميلةً، وإن كانوا يحتفظون بالخيام وبيوت الشعر، التي تصلها الكهرباء، وتزود بخدمات الانترنت والصحون الفضائية اللاقطة، التي يشاهدون من خلالها مختلف المحطات التلفزيونية المحلية والعربية والدولية، وينشطون بهواتفهم النقالة الحديثة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناقلون خلالها أخبارهم، ويوجهون دعواتهم، ويذكرون بمناسباتهم، ويتبادلون التهاني والمباركات، ويعممون تعليماتهم والتزاماتهم، وغير ذلك مما يجعلهم جزءً من المجتمع الحضاري، وبعضاً من نسيجه الحديث، الذي يستفيد من كل التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة.

لكن بيوت الشعر والخيمة، والجلابية والعقال، والثوب المزركش والزنار، والمضارب والربابة، وخضاضة اللبن “السعن” وقربة الماء الجلدية، والأغنام والمرعى والكلأ، والحمير والبغال والدواب، والنوق والجمال والدواجن، علاماتٌ بارزةٌ في حياة أهل النقب، وحاجاتٌ ضرورية ولوازم معيشية، لا يستغنون عنها ولا يفرطون فيها، ولكنها وإن دلت على القديم، وأشارت إلى الماضي، فإنها لا تمنعهم أبداً عن مواكبة العصر ومتابعة التطورات، ومسايرة الموضة والاستفادة من التقنيات، واستخدام أجمل العطور وأطيبها، وأكثرها شهرةً وأغلاها ثمناً، والظهور بأشكالٍ أنيقة والتعامل بصورةٍ حضارية تتوافق مع العصر والزمان، ولا تتناقض مع التطور والحداثة، ولا تتصادم المجتمع وتتعارض من البيئة.

أما المرأة البدوية ابنة النقب، ساكنة الخيمة وراعية الغنم، فقد يظن البعض أنها أميةٌ جاهلةٌ، وأنها لم تتعلم ولم تتثقف، وأنها بقيت حبيسة البيت ورهينة القبيلة، تحكمها طبائع العشيرة وتقيدها تقاليدها القديمة، وأنها تتلفح البرقع وتتخفى خلف ثوبها، الذي لا يظهر منها شيئاً ولا يشي بطبيعتها لأحد، ولكن الحقيقة التي نراها بأم العيون تقول أن المرأة البدوية الفلسطينية ثائرة كالرجال، ومنتفضة ضد الاحتلال، وأنها مربية الأجيال وأم الأبطال، وهي متعلمة ومثقفة، وتتقن إلى جانب لغتها العربية الفصحى البليغة، لغاتٍ أخرى كالعبرية والإنجليزية، وتحسن الحديث بطلاقة، وقد أظهرتها وسائل الإعلام تتحدث باللغة الانجليزية بطلاقةٍ وجرأةٍ وتحدي، وتحسن التعبير بها عما تريد وبما تعاني.

وهي المرأة نفسها التي تعتني بنفسها وتهتم بجمالها، وتتأنق بلبساها، وتحرص على أثوابها القشيبة وملابسها المطرزة الجميلة، التي تظهر قدها، وتبدي حسنها، وتميزها عن بنات جنسها، ويتنافس الرجال على خطبتها والاقتران بها، لجمالها ونسبها، ولسانها وعلمها، ولعل الأفراح وحفلات الزواج التي يعقدها البدو في مضاربهم، في سرادقات ضخمة  للرجال وأخرى للنساء، يدعون إليها جميع أبناء العشيرة والقبيلة، ويبالغون في مظاهر الفرح والسرور، بإطلاق النار في الهواء، وعقد حلقات المبارزة بالسيوف، وأخرى للدبكات الشعبية والرقصات الفولوكلورية، التي ورثوها عن آبائهم وتميزهم عن غيرهم.

وفيها يذبحون مئات الذبائح من الإبل والغنم، ويولمون أعظم الولائم، يدعون إليها القريب والغريب، والضيف ومار الطريق، ليشاركوهم الفرحة، ويكونوا معهم في فرحتهم التي يعدون لها أشهر طويلة، وينفقون فيها أموالاً طائلة، وما زال أبناؤهم يتغنون بحفلات زواجهم، ويتباهون بأيام احتفالاتهم، ويعلمون الأيام ويميزونها بمثل هذه الأيام العظيمة، وعليها وغيرها من عاداتهم الأصيلة وخلالهم النبيلة، سيحافظ أهلنا النقبيون حتى يستعيدوا وطنهم العزيز فلسطين الحرية والعزة والكرامة والتحرير والاستقلال.
يتبع ….

_____________________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

منشآت عراقية بنيت بأيد أجنبية .. المقبرة الملكية صرح معماري فريد

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

عندما قدم الملك فيصل الأول (١٨٨٣- ١٩٣٣) إلى العراق راوده كابوس بأن أسرته لن تعمر في العراق طويلاً، وإن عائلته ستواجه مصيراً وحشياً يقضي عليها كلها، ومع كل تلك الهواجس كان هناك أمل مشرق يقود أحلامه بتأسيس مملكة يتوارثها أحفاده إلى أمد الدهر. فجاء إلى العراق أولاً ، وبعد أن اطمئن لحماية الانكليز ووعود الزعامات الدينية والعشائرية والوجهاء بدعم مشروعه، أرسل على أسرته لتقيم معه في بغداد ، لكن القدر كان يتربص به وبأسرته.

عندما توفي الملك فيصل الأول كان عمره خمسون عاماً ، والملك غازي (١٩١٢-١٩٣٩) مات وعمره سبع وعشرون عاماً فقط ، أما أخر ملوك العراق فيصل الثاني (١٩٣٥-١٩٥٨) فلقي مصرعه وله من العمر ثلاث وعشرون عاماً فقط.

فكرة المقبرة ومصممها

تعود فكرة إنشاء مقبرة ملكية إلى الملك فيصل الأول الذي أراد أن تكون له وأسرته مقبرة تضم رفاته ورفات أفراد عائلته أسوة بملوك بريطانيا وأوروبا، فأمر بإنشائها قبل وفاته. تم تكليف معمار الحكومة ، المعمار الإنكليزي جيمس ويلسون (١٨٨٧-١٩٦٥) James Wilson بتصميم المبنى ، فقدم تصاميمه لكن المعمار الانكليزي جون برايان كوبر (١٨٩٩-١٩٨٣) John Brian Cooper  تولى الإشراف على بناء هذا المشروع. وهناك من يرى أن مصمم المقبرة الملكية هو جون كوبر. لذلك من المرجح أنه أكمل البناء وطبع بصمته عليه. كما أن كوبر قام بتصميم أهم مبنيين في الخمسينيات هما البلاط الملكي (القصر الجمهوري) ومبنى مجلس الأمة (المجلس الوطني) في كرادة مريم.

وصف المبنى

تم اختيار موقع المقبرة في منطقة الأعظمية ، بجوار جامعة آل البيت التي أنشئت عام ١٩٢٤ وافتتحت من قبل الملك فيصل الأول. ولما كانت الجامعة قد توقفت عن العمل عام ١٩٣٠ ولم يتم إنشاء بقية أبنيتها، فتم اختيار موقع الصرح المركزي للجامعة ليتم إنشاء المقبرة عليه ، إذ كان من المقرر إنشاء ستة كليات ورئاسة الجامعة (الصرح المركزي) لكن تم بناء الكلية الدينية فقط، والتي تحولت إلى دار المعلمين العالية.

تفصل المقبرة عن الجامعة ساحة عريضة حيث تحيط بالمقبرة الشوارع من جميع الجهات ، والمكان يعد موقعاً سياحياً لكثرة الأشجار والخضرة، إضافة إلى محاذاته لنهر دجلة.

حافظ المعمار الإنكليزي على النمط الإسلامي في عمارة المساجد والمقابر والأضرحة ، واستخدم الطابوق البغدادي كمادة خام للبناء والزخرفة والتزيين.

يتألف المبنى من ثلاثة أقسام رئيسة بشكل اسطواني تعلوها قباب: واحدة مركزية كبيرة وعالية، وقبتان صغيرتان، وترتبط القبتان بممرات مسقفة مع القبة الكبيرة. ولإضفاء المزيد من الهيبة فقد تم رفع القبة الكبيرة عن السطح بقاعدة مستندة على أعمدة تتخللها شبابيك تعلوها أقواس، تسمح بدخول النور إلى داخل القاعة الكبيرة. يبلغ ارتفاع القاعة الوسطية الكبيرة (٥،٢٢) متر، عدا ارتفاع القبة الذي يبلغ (٣) أمتار مع قاعدتها. للمقبرة باب للدخول وآخر للخروج.

الباب الرئيس محاط بإيوان كبير يؤدي إلى قاعة محاطة بمحاريب من الطابوق داخل الجدار بعرض ١،٧ متر وعمق ٢،٠ متر، وعددها اثنى عشر محراباً ترتفع عن الأرض وحتى قاعدة القبة الكبيرة التي تعلو القاعة ، الأمر الذي يمنح المكان هيبة ورفعة وشموخاً ، فالقاعة عبارة عن صرح عال يشابه الكثير من قباب المراقد المقدسة كما في الكاظمية والنجف وكربلاء. إن استخدام الطابوق لتنفيذ زخارف فنية هو من التقاليد المعمارية البغدادية وتظهر في العديد من المساجد والقصور العباسية وما بعدها ، كما تم إكساء القباب بالكاشي الفيروزي الذي يستخدم عادة في المساجد وبعض الأبنية القديمة والحديثة ، ووضع تاج ذهبي كبير الحجم على مدخل المقبرة يرمز للتاج الملكي العراقي. تم إكمال البناء عام ١٩٣٤

المدفونون في المقبرة

تؤدي القاعة المركزية إلى ممرين يربطان القاعتين الاسطوانيتين حيث يوج في القاعة اليمنى قبر الملك فيصل الأول وولده الملك غازي. وفي نفس جناح الملك فيصل الأول دفنت زوجته الملكة خزيمة. وإلى جانب الملك غازي دفن ولده الملك فيصل الثاني. ودفن في القاعة المركزية كل من الملك علي والد الأمير عبد الاله، ومعه ابنتاه الملكة عالية أم الملك فيصل الثاني والأميرة جليلة. ودفنت الطفلة مريم المتبناة من قبل الأمير عبد الاله، لأنه لم ينجب أطفالاً رغم زواجه ثلاث مرات. كما دفن الملك علي بن الحسين (١٨٧٩-١٩٣٥) شقيق الملك فيصل الأول.

ودفن خارج المبنى في الحديقة كل من وزير الدفاع جعفر العسكري (١٨٨٦-١٩٣٦) الذي قتل على يد قائد الانقلاب بكر صدقي عام ١٩٣٦، ودفن بجانبه رئيس الديوان الملكي ووزير المالية رستم حيدر (١٨٨٩-١٩٤٠) الذي اغتاله مفوض شرطة مفصول من الخدمة حيث أطلق النار عليه في مكتبه. كما دفنت هناك مربية الملك غازي.

يحيط بالمبنى رواق يعلوه سقف من خمسة عقود من كل جانب من المدخل، وتستند على أعمدة مزدوجة من الرخام. والقوس بين العمودين مشغول بزخرفة من الطابوق على شكل مربعات الشطرنج. وأما الأرضيات فكلها من الرخام الأبيض الذي تتخلله زخارف من رخام بلون غامق. وينقل أن المعمار الإنكليزي استعان بالأسطة حمودي أشهر أسطوات بغداد في البناء بالطابوق.

من الواضح أن المهندس كوبر قد استلهم الكثير من مفردات الطراز الإسلامي سواء في الشكل والتنظيم أو في المواد الخام المستخدمة في البناء وإنهاء الجدران والسقوف والأرضيات. الأمر الذي جعل المبنى ينسجم مما حوله من المراقد مثل جامع أبو حنيفة النعمان.

زيارتي للمقبرة الملكية

في عام ٢٠١٢ قررت إقامة معرض للاحتفاء بالعائلة المالكة العراقية، وهو أول تكريم للعائلة الهاشمية منذ مصرعها في ١٤ تموز /يوليو ١٩٥٨. قبل يومين من الحفل في يوم الأربعاء ٣ تشرين الأول/اكتوبر ٢٠١٢ دعوت الشريف علي بن الحسين إلى مكتبي لمناقشة بعض التفاصيل ، وبعد انتهاء اللقاء أبلغته بأنني أعددت لزيارة المقبرة الملكية فرحب بذلك. توجهنا معاً إلى المقبرة الملكية. زرنا القبور كلها ووضعنا إكليلاً من الزهور على ضريح الملك الراحل. وكانت مناسبة لمشاهدة هذا الصرح الملكي الذي يضم رفات ملوك العراق الثلاثة وملكتان وأميرة.

 

في يوم الجمعة ٥ تشرين الأول/اكتوبر ٢٠١٢ افتتحنا معرض العائلة المالكة في المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي.

وكان المعرض يضم مقتنيات العائلة المالكة مثل مكتبة الملك غازي الخشبية وسيارته المرسيدس الفضية ومقتنيات وأوسمة وصحون وصور، إضافة إلى معرض للكتب التي تناولت شخصيات الملوك وفترة العهد الملكي.

قبل الحفل سلمني الشريف علي بن الحسين رسالة من والدته الأميرة بديعة بنت الملك علي بخط يدها تشكرني فيها على الاحتفاء بالعائلة المالكة، جاء فيها “بسم الله الرحمن الرحيم، سعادة الدكتور صلاح عبد الرزاق المحترم، تحية شكر وتقدير. باسمي وباسم العائلة الهاشمية المالكي في العراق أتقدم لسعادتكم بأسمى آيات الشكر والامتنان لمبادرتكم القيمة التي تذكّر شعبنا العراقي بصفحة مشرقة من تاريخ العراق الحديث. أدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ العراق أرضاً وشعباً، وأن ينصره لاستعادة مكانته اللائقة بين الأمم، وأن يسدد خطاكم لما فيه خير العراق والعراقيين. (التوقيع) الأميرة بديعة بنت علي بن الحسين”.

تأهيل المقبرة الملكية

استعداداً لاستضافة القمة الثلاثية بين العراق ومصر والأردن التي كان من المقرر عقدها في بغداد، وقدوم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي جده الملك عبد الله ، هو شقيق الملك فيصل الأول وشقيق الملك علي، المدفون في المقبرة والد الأمير عبد الاله (١٩١٣-١٩٥٨) والملكة عالية (١٩١١-١٩٥٠) والأميرات عابدية (١٩٠٧-١٩٥٨) وبديعة (١٩٢٠-٢٠٢٠) وجليلة (١٩٢٢-١٩٥٥)، تقرر تأهيل المقبرة الملكية. لكن القمة لم تنعقد ولم يأت الملك عبد الله الثاني.

تعود المقبرة إلى ديوان الوقف السني الذي قام بالتنسيق مع أمانة بغداد لتجديدها. شمل التأهيل الممرات الخارجية والحدائق والإنارة الليلية وإنشاء نافورات ووضع لوحات تعريفية أمام كل قبر وأعلام عراقية وأردنية وصورة لملك الأردن في أعلى المبنى من الخارج ، كما تم تأهيل الشوارع المحيطة بالمقبرة منها شارع الشباب المؤدي إلى المقبرة ، وتم نصب شاشات تعرض تاريخ ملوك العراق وتاريخ إنشاء المقبرة وصور قديمة لها، وأقيم معرض لصور الملوك وهم يحضرون بعض المناسبات الوطنية العراقية ، وكذلك عرض مجموعة من الكتب التي تناولت العهد الملكي وسيرة الملوك الثلاثة.  في يوم السبت ٢٧ آذار/مارس ٢٠٢١ قام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بافتتاح المقبرة رسمياً.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • جريدة الشرق الأوسط في ١٦ أب ٢٠٠١

العمارة الأجنبية في العراق .. القصر الملكي في الدغارة في قلب الفرات الأوسط

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

ناحية الدغارة مدينة صغيرة تقع على بعد ١٦ كم عن مركز محافظة الديوانية. يتوسطها نهر الدغارة المتفرع من نهر الفرات ، وسميت بالدغارة على اسم النهر، وتعني “الدفاع” لأنه يدفع السد الذي يقام عليه لتدفق المياه بسرعة، ثم أطلق الاسم على المدينة.

تقع الدغارة ضمن طبيعة زراعية خضراء ، وتشتهر بزراعة الحبوب وأشهرها الرز العنبر. وقد شهد القنصل الفرنسي جاك روسو في بغداد خلال الفترة (١٧٩٨-١٧٩٩) بجودة رز الدغارة وكثرته، حتى أنه يكاد يكفي لجميع سكان ولاية بغداد ، في كتابه “رحلة من بغداد إلى حلب” الصادر عام ١٨٩٩.

وهذا يعني أن الدغارة كانت أكبر من حجمها الحالي، ونشاطها الزراعي والتجاري أوسع مما هي الآن ، وهذا معروف في العراق حيث أن كثيراً من المدن كان لها دورها الاقتصادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ثم اضمحل نتيجة لظروف معينة ، مثل سوق الشيوخ التي كانت توصف بالرقي في مجال التجارة والعمران.

في عهد والي بغداد مدحت باشا (١٨٦٩-١٨٧٢) وضمن إصلاحاته الإدارية أصبحت الدغارة مركزاً  إدارياً وأصبحت بدرجة ناحية ، وكان محمد أفندي أول مدير ناحية. وهناك مصادر تشير إلى أن الدغارة كانت حاضرة معروفة عام ١٨٧٧ . وكان لها دور مشرق في احتضان  العلماء والأدباء والشعراء ، وكانت مقصداً للزوار حيث يقع فيها مرقد النبي شعيب، الذي أكد على صحة نسبته الشيخ باقر شريف القرشي في رسالة مختومة بختمه، إلى جانب وجود بعض المعالم الآثارية السومرية.

الجغرافيا والسكان

تبلغ مساحة الدغارة ٢٧٩ كم مربع تتوزع على ١٥ مقاطعة وفق التصنيف العقاري. أما سكان الدغارة فهم مجتمع مديني ذي خلفية عشائرية شديدة التأثير، وانقسمت الدغارة بين العشائر التالية:

  • آل شبانة: وهم من سلف الأكرع، وآل حاج حمزة، وآل شعلان، وآل شاطي.
  • آل عمر والهلالات: يسكنون المدينة الرئيسية، وهم آل حمد، والمجرولين، والحاج جاسم والحاج علي من الهلالات.
  • آل سعيد:مجموعة من السلف تتبع آل زبيد، ينتشرون في الجزء الجنوبي الشرقي من الدغارة.
  • آل بو نايل:هم من الأكرع وأشهرهم آل بو ناهض وآل بو ركة.

وصف القصر الملكي

بعد تنصيبه ملكاً ، بعد وفاة أبيه الملك فيصل الأول عام ١٩٣٣ ، قام الملك غازي بتشييد قصر الدغارة في عام ١٩٣٤. وهو يبعد (١٨٠) كم عن بغداد على ضفة النهر.

والحقيقة ان إطلاق كلمة قصر لا تنسجم مع الواقع، لكن الناس تسمي كل ما يسكنه الملك قصراً، فهو منزل متواضع البناء ، صغير الحجم ، بل هو أصغر من بيوت ومضايف كبار زعماء العشائر والملاكين في المنطقة ، فهو أقرب لدار ضيافة أو دار استراحة شتوية بسيط، وهو من طابق واحد.

المبنى مربع الشكل طول ضلعه (٢٥) متراً ، أي بمساحة ٦٢٥ متراً مربعاً. أما مساحة الأرض التابعة للقصر فتبلغ ثماني دوانم . بني القصر من الطابوق والجص ، ويضم ثلاث غرف واحدة للاستقبال ، وغرفة نوم واحدة، ومكتب، وغرفتين صغيرتين، إحداهما مخصصة للحرس ، والأخرى للبدالة بهدف التواصل مع الحكومة في بغداد عند حضور الملك فيه ، وغرف صغيرة بأبعاد ( ٢ في ٢ متر) كمخزن للأغذية وأخرى للهدايا التي يقدمها الملك لضيوفه ، كما كانت هناك غرفة مخصصة للمطبخ وإعداد الشاي والقهوة والعصائر.

أما الساحة الخلفية فهي عبارة عن فناء مكشوف يحتوي على صف من الغرف البسيطة كانت تستخدم كإسطبل للخيول ومرآب لسيارة الملك التي كانت تدخل من بوابة عريضة على أرض فرشت بالحصى.

يحمل البناء بصمات إنكليزية ، ويشابه في بعض تفاصيله البيوت التي بناها الانكليز في مناطق أخرى من العراق. إذ يلاحظ وجود نوافذ صغيرة في أعلى الغرف لجلب ضوء النهار حتى مغيب الشمس، وعادة تكون لها مظلات تمنع دخول أشعة الشمس مباشرة ، كما أن الأعمدة التي تحمل السقف والطارمات بنيت من الطابوق المحلي، وهي مربعة الشكل ، أما السقوف فقد استخدمت فيها الروافد الخشبية بشكل بارز نحو الخارج.

ورغم عدم وجود مصدر يذكر مصمم القصر ولا من أشرف عليه، لكن من المتوقع أن يكون مهندساً انكليزيا من معارف الملك أو من المعماريين الانكليز العاملين في الدوائر الرسمية العراقية آنذاك ، وأنه كلف عمالاً وبنائين مهرة من أهل المنطقة ، واستخدم في البناء الطابوق والجص وغيرها من المواد المحلية.

تحيط القصر حديقة زرعت فيها أشجار، قيل أن بعضها زرعها الملك غازي بنفسه. ويغطي الحديقة عشب أخضر ونباتات ، تتخللها ممرات للمشاة .

من الواضح أن أهم أهداف المبنى هو استقبال شيوخ العشائر وزعماء قبائل منطقة الفرات الأوسط لتشمل الديوانية والحلة والسماوة. كما يلتقي الملك ببعض السياسيين ورجال الدين والأدباء الذين ينتهزون الفرصة للقائه وتبادل الآراء في شتى القضايا ، ولا توجد صور توثق لقاءات الملك في القصر، ولا مصادر تتحدث عن تلك اللقاءات وما دار فيها. ربما توجد في مذكرات السياسيين والأدباء لكن لم نطلع عليها.

قصر الدغارة بعد سقوط الملكية

تعرض القصر للاهمال حتى تعرض لهدم بعض أجزائه وتلف أبوابه وشبابيكه وجدرانه وسطحه وحديقته، حتى وصفه البعض بأنه أشبه بمكب نفايات. وخلال الفترة الماضية تم استخدام القصر كمركز صحي، ثم مدرسة إعدادية ، بل وصار لفترة مستودعاً لوزارة الري حيث تحفظ فيه بالآليات التابعة للوزارة من جرارات ومكائن، ويشير بعض المصادر إلى استخدامه حظيرة للحيوانات!!!! ورغم الإهمال وعوامل الطقس لكن القصر حافظ على تماسكه وصموده خلال ٨٠ عاماً، رغم تعرض جدرانه للشقوق، ونمو النباتات والأحراش قربه وحوله.

أول عملية صيانة تمت في عام ٢٠٠٩ ، حيث باشرت محافظة الديوانية من ميزانيتها بترميم وصيانة القصر وتحويله إلى متحف تابع لمفتشية آثار وتراث الديوانية. ويعاب على عملية التأهيل هو إكساء الجدران الداخلية بالجص والجبس الأبيض حتى تمت تغطية الطابوق المدروز بالجص بشكل بديع الذي كان سمة واضحة في القصر.  وتم ترميم أعمدة القصر والتيجان الملكية والأقواس فوق الأبواب والشبابيك وترميم الجدران ، وتأهيل المرآب وغرف القصر الخارجية. وشمل التأهيل إنشاء كراج خارجي بمساحة ٦٢٥ متراً مربعاً مخصص للزوار والسياح القادمين للقصر والوفود وطلاب المدارس.

وتم وضع عدد من المدافع العثمانية في باحة القصر، وتماثيل تمثل الملوك الثلاثة.

يضم المتحف مجموعة من المقتنيات البسيطة التي تعود للفترة الملكية بينها نقود وأوسمة وطوابع ملكية، إضافة إلى أوعية نحاسية قديمة .

وعُلقت صور للملوك والعائلة المالكة تمثل الملك فيصل الأول وبناته والوصي عبد الاله ، وصور تمثل مناسبات وطنية وزيارات ولقاءات رسمية، إضافة إلى العلم العراقي في العهد الملكي. تم عرض المقتنيات في ستة خزانات زجاجية . وتم تأهيل الحديقة ونصب مصطبات وإنارة ليلية تجعل القصر شعلة من نور. الأمر الذي يجعل القصر معلماً سياحياً يقصده السياح والباحثين والصحفيين.

السياحة في الديوانية

من الضروري إحياء المعالم السياحية في محافظة الديوانية مثل القصر الملكي ومقام النبي شعيب (ع). وتوجد وثيقة بخط المرحوم الشيخ باقر شريف القرشي يؤيد فيها أن المرقد يعود لنبي الله شعيب.

وتحتضن الديوانية مراقد أخرى مثل مرقد السيد محمد بن الامام موسى الكاظم (ع) في مركز مدينة الديوانية، ومرقد السيد الحمزة الغريفي في قضاء الحمزة . تحتضن الديوانية مجموعة من الأثار السومرية مثل مدينة نيبور القديمة.

إن تشجيع الاستثمار السياحي في بناء الفنادق والمطاعم والمقاهي ومدن الألعاب والمتنزهات والحدائق المائية وحدائق الحيوانات ومتاحف التراث الشعبي ومتحف الشمع للشخصيات المشهورة ، ومحلا للمصنوعات الشعبية التي تشتهر بها المحافظة، كل ذلك يساهم في جذب السياح والزوار ويرفر فرص عمل.

 

 

كما أن تنشيط السياحة في هور الدلمج في الديوانية ، الذي تبلغ مساحته ١٢٠ ألف دونم ، بطول ٥٠ كم وعرض ٢٠ كم، وبعمق ٢٥ متراً. ويختزن ثروة سمكية توفر الرزق لحوالي (٢٥٠٠) عائلة.  ويمكن تزويد الهور بعدد أكبر من زوارق  مختلفة الأحجام تقوم بجولات جماعية أو زوارق تؤجر للعائلات كفيل بتوفير فرص العمل لشباب المحافظة التي تعاني من بطالة مرتفعة. كما يمكن استخدامه لإقامة مسابقات رياضية للشباب من بقية المحافظات. وكذلك ممارسة صيد السمك بشكل محدود.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • جريدة الشرق الأوسط في ٤ كانون الأول ٢٠١٠
  • صحيفة الصباح في ١١ تشرين الثاني ٢٠١٩
  • موقع مدونات عربية في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٤

منشأت عراقية بنيت بأيد أجنبية.. القصر الملكي في الكوفة الذي تبرع بأثاثه ملك مصر

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

تأسست الكوفة عام ٦٣٨ م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، وتعد الكوفة العاصمة الإسلامية الثانية بعد المدينة المنورة ، إذ نقل الامام علي بن ابي طالب (ع) العاصمة إليها بعد توليه الخلافة عام ٣٦ هج – ٦٥٦ م . ومن حينها صارت تلعب دوراً كبيراً في السياسة والحرب ، وشهدت أحداثاً تاريخية كثيرة أشهرها استشهاد مسلم بن عقيل سفير الامام الحسين (ع) فيها، وثورة المختار الثقفي وثورات العلويين في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني كثورة ابن طباطبا. وتضم الكوفة مرقد أمير المؤمنين (ع) الذي أغتيل في ١٩ رمضان سنة ٤٠ للهجرة الموافق ٦٦٠ م في مسجد الكوفة. وسكنت القبائل العربية المهجرة من الجزيرة في الكوفة وخاصة من اليمن مثل مذحج ، كندة ، الأزد، بجيلة ، غسان، قضاعة، خثعم، وحضرموت.

النجف والكوفة قديما

واشتهرت الكوفة بكثرة الفقهاء والمدارس الدينية مثل أبو حنيفة النعمان. ومنها اشتهر الخط الكوفي ، والمدرسة الكوفية في النحو أمثال أبو الأسود الدؤلي والكسائي وابن السكيت. ومن الشعراء الكميت بن زيد وبن الهذيل والطرماح بن حكيم ودعبل الخزاعي وأبو العتاهية والمتنبي. وفي الكيمياء برز جابر ابن حيان الكوفي الذي درس عند الامام جعفر الصادق (ع).

من معالم الكوفة المسجد التاريخي الكبير ومرقد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة والمختار الثقفي وميثم التمار، ومسجد السهلة وقصر الامارة، ومسجد صعصعة بن صوحان.

تقع الكوفة في منطقة الفرات الأوسط على الضفة اليمنى من نهر الفرات (شط الهندية القديم)، وتبعد ١٦٠ كيلومتراً عن العاصمة بغداد. وما زالت المدينة مركزاً للقبائل العربية المحيطة بها. وشهدت أحداثاً حربية وسياسية لعد الاحتلال البريطاني للعراق عام ١٩١٤ .

القصر الملكي في الكوفة

تم بناء القصر وافتتاحه من قبل الوصي عبد الاله في ٢٣ جمادى الأولى عام ١٣٦٨ هجرية / ١٩٤٨ ميلادية. وقد أرّخ الشاعر هذه المناسبة بقوله:

شيدوه على طراز حديث

يمنح الوافدين نبلا ورفدا

قيل لي ما تقول إذ تم أرِّخ

قلت أرّخ (قصر علا السماكين سعدا)

تبلغ مساحة أرض القصر أكثر من (١٠) آلاف متر مربع ، منها ألف متر مربع لبناء القصر. يغلب الطابع الفيكتوري الإنكليزي على عمارة القصر وتفاصيله. الأمر الذي يؤكد أن المهندس الذي صممه إنكليزي رغم أنه لم يذكر اسمه.

ويضم القصر قاعات استقبال واستراحة وطعام ، وغرف وأجنحة نوم، ومطبخ كبير ، وبهو للمناسبات والاجتماعات. كان القصر يضم مجموعة نفيسة من الأثاث وأطقم غرف النوم وستائر جميلة وطاولات طعام وكراسي فاخرة، وأطقم من الخزف والبورسلين الصيني والغربي والزجاجيات والكريستال، إضافة إلى السجاد الفاخر الذي فرشت فيه غرف القصر وقاعاته وممراته. وينقل عن أحد الذين استلموا القصر عام ١٩٧٨ بأن جميع أثاث القصر كان هدية من الملك فاروق الأول ملك مصر. لم يتعرض القصر للنهب والسرقة بعد سقوط النظام الملكي وإقفال أبوابه. وهذه فضيلة لسكان المنطقة من أهالي النجف الأشرف والكوفة الذين دافعوا عن القصر ومنعوا اللصوص من اقتحامه.

كان على المؤسسة العامة للآثار استلام مقتنيات القصر بعد استلامه من قبل كلية الطب، لكن المؤسسة تقاعست طويلا. في حين بدأت أعمال الترميم وتحويل صالاته وغرفه إلى قاعات دراسية ومختبرات . وانتهى المطاف بتلف الأثاث و المقتنيات، وتم رمي الطاولات والكراسي والآسرة كقطع خشبية مهشمة وتالفة في الحديقة. وتعرضت بعض المقتنيات الثمينة مثل الثريات الكريستال الحمراء والمزهريات والتحف والتماثيل والبلاطات النادرة من قبل الدوائر الرسمية التي استلمته. ومن المؤكد آنه تم تهريب وبيع التحفيات الملكية في المزادات العالمية أو إلى قصور الأثرياء وجامعي المقتنيات النفيسة.

يتحدث ،مهدي جاسم الصائغ ، الناشط في حماية الأماكن التراثية عن ذكرياته قائلًا  “كنت طالبا في الصف الثالث الابتدائي في عام 1953م عندما حضرت إلى السوق الكبير وشاهدت أشخاصا يفرشون السوق بالسجاد، وقد أقيمت احتفالات كبرى بمناسبة تتويج الملك فيصل الثاني ملكا للمملكة العراقية الهاشمية ، وكان قصر الملك في الكوفة مكانا لضيافته والأسرة الملكية عندما يأتون لزيارة مرقد الإمام علي (عليه السلام )”. ويسترسل الصائغ “في عام 1957م شاهدت موكب الملك عندما جاء للزيارة ورأيته لأول مرة بالقرب من مدرسة الغري وكان الموكب يضم الملك وخاله عبد الإله ورجلًا طويل القامة يدعى عبد الله المعاضيدي، كان يبعد مئات الناس المتحلقين حول الموكب محاولين حمل سيارة الملك لشدة حبهم  له ، كما  ضمَّ  الموكب خطيبته التركية الأصل الأميرة فاضلة بنت الأمير محمد علي  ووالدتها، والتي لم يمهله القدر كي يتزوجها بسبب مقتله .

كان القصر يمثل مقراً لإقامة الملك والوصي وبقية العائلة الحاكمة أثناء زيارتهم للعتبات المقدسة ولقاء مراجع الدين والعلماء والسياسيين والوجهاء وشيوخ العشائر. وكان الملك يستقبل وفوداً منهم في القصر ويقيم لهم الولائم كعادة العراقيين. فاللقاءات السياسية والاجتماعية تهدف إلى كسب ود شيوخ العشائر خاصة تلك المعروفة بعدم استقرارها واستعدادها لمواجهة الحكومة ، فكان من اللازم بناء علاقات وصداقات معهم حماية للسلم المجتمعي والأمن الوطني.

المرجعية والبلاط الملكي

اختلفت علاقة البلاط الملكي بمرجعية النجف حسب مواقف المرجعية وتوجهاتها ، فالمرجع السيد محسن الحكيم كان يرفض استقبال الوصي عبد الإله والملك الشاب فيصل. ففي عام ١٩٤٩ قام الملك الشاب وعمره ١٤ عاماً (لم يتوج بعد) بزيارة إلى النجف الأشرف ومن ضمن المراسم حضور المرجع في الحضرة ليلتقي بالملك في الصحن الحيدري . رفض السيد الحكيم استقباله ، وعندما أصر عليه متصرف كربلاء (النجف كان قضاء تابعا إلى لواء كربلاء) عبد الرسول الخالصي، انتفض الحكيم قائلاً: نحن لسنا جزءاً من الحضرة حتى يأتي الملك ويطلعونه على الزخارف… وأنا لست مستعداً أن أكون جزءاً من زخرف الحضرة. وتوجد صور لمثل هذه اللقاءات والزيارات.

وكان المرجع الأعلى السيد أبو الحسن الأصفهاني بسبب سفره خارج العراق للعلاج عام ١٩٤٦ قد كلف السيد الحكيم أن ينوب عنه باستقبال الوصي على العرش عبد الاله ورئيس الوزراء نوري السعيد. فقام الحكيم ومعه السيد علي بحر العلوم والشيخ عبد الكريم الجزائري بلقاء الوفد الحكومي ، وقد طرح الحكيم مجموعة من مطالب الناس ومظالمهم ودعا الوصي ورئيس الوزراء لتلبيتها، فوعداه بتنفيذها، لكن لم تتحقق تلك الوعود.

ويبدو أن حالة من التوتر سادت بين الطرفين، المرجعية والحكومة. ففي نفس العام أي ١٩٤٦ توفي المرجع أبو الحسن الأصفهاني، وحزنت النجف والمحافظات العراقية وبعض البلدان الإسلامية ، وجاءت الوفود معزية  إلى مجالس الفاتحة ، والغريب أن الحكومة العراقية لم ترسل أحداً للتعزية ، الأمر الذي أثار غضب الحكيم حيث انتقد الحكومة واصفاً إياها بأنها لا تحترم العلماء ، وسرعان ما وصلت  انتقادات الحكيم إلى الحكومة، فأرسلت وفداً إلى النجف الأشرف للمشاركة في مراسم أربعين المرجع الفقيد.

احتجاجات في النجف مناهضة للعدوان الثلاثي على مصر

في عام ١٩٥٦ قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بشن حرب على مصر في عهد عبد الناصر. أثارت الحرب حماسة الشعوب العربية والإسلامية ومنها العراق ، إذ تعاطفت الجماهير العراقية مع مصر، وكانت النجف الأشرف من المدن التي شهدت تظاهرات منددة بالعدوان الثلاثي ومنددة بالحكم الملكي أيضاً ، وحدث أن خرج طلاب متوسطة الخورنق للبنين في النجف الأشرف بتظاهرة احتجاج وتنديد. قامت الشرطة بإطلاق النار على الطلاب وسقط منهم شهداء وجرحى، واعتقلت عدداً آخر منهم. هاجت المدينة وحمل المتظاهرون الشهداء والجرحى وطافوا بهم في أرجاء المدينة، وتجمعوا أمام دار السيد محسن الحكيم بهدف تحشيد الرأي العام وإثارة المشاعر ضد الحكومة. الأمر الذي جعل الحكيم يعلن إيقاف صلاة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف، كما تعطلت الأسواق والمحلات.

جلس المرجع الحكيم (١٨٨٩-١٩٧٠) في منزله مجلساً مفتوحاً واستقبل المراجع والعلماء والوفود الشعبية التي تضامنت مع موقفه. قام الحكيم بإرسال برقية شديدة اللهجة إلى الملك فيصل الثاني (١٩٣٥-١٩٥٨) يطالبه فيها بإنزال العقوبات بالذين ارتكبوا تلك الأعمال. جاء في البرقية:

“جلالة الملك – بغداد

إن إراقة الدماء البريئة بشكلها الوحشي الفظيع في بلدنا المقدس ليدعو إلى القلق والاستنكار العظيمين، ومن المؤسف إغضاء الحكومة عن ذلك ، وسلوكها طريق الإرهاب لجميع الطبقات”.

وقد أجاب الملك في ٣ كانون الأول/ديسمبر ١٩٥٦ ببرقية جاء فيها:

“سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محسن الحكيم الطباطبائي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد، فقد أحطنا علماً ببرقيتكم بشأن الحوادث المؤسفة التي وقعت في النجف المقدس ، وقد أمرنا الحكومة بما يقتضي”.

البلاط الملكي والعتبات المقدسة

 كان رجال العهد الملكي وخاصة العائلة المالكي المتمثلة بالملوك الثلاثة ورجال الحكومة والوزراء يولون اهتماماً بالتواصل مع مرجعية النجف الأشرف ، ويقومون بزيارات متكررة إلى العتبات المقدسة ومراقد الأئمة عليهم السلام. وعندما يأتون إلى النجف كانوا يقيمون في القصر الملكي منذ عام  ١٩٤٨ وما بعده.

وكان المسؤولون عن إدارة العتبات المقدسة على علاقة جيدة مع البلاط ، ويعدون مراسم الاستقبال بشكل يناسب الملك أو الأمير. واعتزازاً بهذه العلاقة فقد وضعوا ما يشير إلى العهد الملكي ورموزه في العتبة العلوية الشريفة. يذكر أحد الباحثين وجود كتابة على الخشب في أعلى باب الطوسي، أحد أبواب المرقد العلوي، من جهة مقبرة وادي السلام . بيتان من الشعر يشهدان بمناسبة ملكية هامة ، ونص البيتين هو :

باب علم النبيِّ حول حماه

شيدوا باب حطة فأدخلوه

باب صحن أرخت أم باب قدس

عام تتويج فيصل جددوه

بيتان من الشعر يشهدان بمناسبة ملكية هامة

مع كتابة سنة تجديد البناء سنة 1372 هجرية وهي السنة نفسها التي  تُوِّجَ فيها فيصل الثاني ملكًا على العراق في عام ١٩٥٣.

كذلك يوجد في مسجد الكوفة في أعلى باب الثعبان من الجانب الأيسر كتابة تقول ( وقد تم تجديد بابه هذا وإصلاحه … في عهد جلالة الملك المعظم فيصل الثاني بن غازي بن فيصل الأول بن الحسين بن على الهاشمي العلوي الحسني نصره الله وذلك في شعبان سنة 1374هجرية) الموافق ١٩٥٥ م .

القصر بعد انهيار النظام الملكي

بقي القصر مهملاً لم تصله أيدي العمران والصيانة قرابة عشرين عاماً. وبعد سقوط الملكية عام ١٩٥٨ كان الناس يسمونه القصر الجمهوري تيمناً بتأسيس الجمهورية العراقية.

في نهاية السبعينيات كان من المقرر تحويل القصر إلى المتحف الوثائقي. وفي عام ١٩٧٩ استلمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حيث تم استخدامه مقراً لكلية الطب التابعة للجامعة المستنصرية ، ومن الغريب قيام وزارة التعليم العالي بتحويل القصر وتغيير ملامحه في حين كان العراق يعيش في بحبوحة العوائد النفطية في نهاية السبعينيات ، وكان بإمكان الوزارة بناء مقر لكلية الطب في مكان آخر بعيداً عن القصر، إذ شهد العراق آنذاك بناء جامعات وفنادق وجسور وأبنية عديدة.

انتقلت كلية الطب جامعة المستنصرية، بعد أن ألحقت بجامعة الكوفة، إلى المدينة الجامعية في النجف الأشرف ، لكن  كلية الطب جامعة جابر بن حيان الطبية شغلت القصر الملكي بدلاً عنها عام ١٩٨٧.

احدى واجهات القصر الملكي بالكوفة

قصة الأميرة المزيفة

في ١٢ تشرين الثاني ٢٠٠٨ استقبلت جامعة الكوفة برئيسها وأساتذتها السيدة “نسرين الهاشمي” التي ادعت أنها حفيدة الملك فيصل الأول، وأن والدها هو الأمير محمد شقيق الملك غازي. وجرى استقبال كبير لها وتفقدت القصر الملكي على أساس أنه قصر جدها، مع أن القصر بني بعد وفاة فيصل الأول بخمسة عشر عاماً. وجاء في سيرتها أنها باحثة في جامعة “هارفارد” الأمريكية ومتخصصة بالأمراض السرطانية. وألقت محاضرة في قاعة أثير السكوني في كلية الطب ، وهي تطلق كلمات الاعجاب والاشادة بتحويل القصر إلى صرح أكاديمي. ونقلت قناة الفرات خبر الزيارة مع الصور.

من جهته أعلن ، الشريف علي بن الحسين ،ابن خالة الملك فيصل الثاني، وآخر المتبقين من العائلة المالكة العراقية ، بأن الملك فيصل الأول كان لديه ابن واحد هو الملك غازي (١٩٣٣-١٩٣٩) وليس له شقيق أو أخ آخر.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • موقع دنيا الوطن في ٢٦ مايس ٢٠١٤

حديث عن فيروسات الكوفيد وتطورها والمناعة ضدها

كتب : البروفيسور محمد الربيعي

استمرارا لمقالاتي السابقة حول الكوفيد وفيروساتها *، اقدم للقراء حلقة جديدة من تلك المقالات.

اسمحوا لي اولا ان أشرح بصورة مبسّطة ماهية التحورعند فيروس الكوفيد 19.

يتكون فيروس الكوفيد 19 اللعين من فقط 30 ألف حرف من أبجدية الحياة مقارنة باربعين مليون حرف في خلية الانسان ، وأبجدية الحياة هذه مكوّنة من اربعة حروف تكتب منها رموز لتعليمات خاصة تخبر الجسم بما يجب القيام به تماما كما يكتب مبرمجوا الكومبيوتر التعليمات البرمجية للعبة او نوع من التطبيقات.

لكي يتم نسخ هذه الفيروسات مع كل إصابة جديدة، في كل خلية جديدة لابد أن تجد هذه الحروف مطبعة جاهزة بكل امكاينها في خلايانا للقيام بالعمل الشاق. لكن وكما هو الحال في المطابع كلما ازدادت عمليات النسخ تتفاقم الأخطاء.

لحسن حظنا ان الغالبية العظمى من هذه الأخطاء تجعل فيروس الكورونا أقل فعالية ، مع ذلك بعض هذه الاخطاء له تأثير معاكس، وهو ان تمكّن الفيروس من أنجاز الشيء الوحيد المفيد له وهو ما يريد فعله حقا – وهو صنع نسخ أكثر من نفسه اي بمعنى اخر- يتكاثر.

هذا هو التطور بعينه، وهذه هي الطريقة التي تتولد بها المتغيرات.

دائما يظهر متغير جديد يحتل مركز الصدارة واليوم عندنا واحد جديد اسمه “اوميكرون” وهو فيروس خطير لكن ما الذي يجعل اوميكرون مميز جدا عن المتغيرات الاخرى؟

هناك قصص واخبار مثيرة كثيرة حول المتغير الجديد، لذا ارغب في الوقت الحالي أن أغتنم الفرصة واحاول وضع بعض الحقائق الثابتة في مكان واحد وبصورة بسيطة.

اوميكرون فيروس مخيف بسبب عدد الطفرات في سلسلة البروتين الذي يسمى ببروتين السنبلة- وهو الهدف الرئيسي للقاحات المتوفرة لدينا وكذلك هو مفتاح السماح لـفيروس الكورونا بالالتصاق بخلايانا.

ما هو دور برونين السنبلة؟

يتميز أفراد عائلة فيروس الكورونا بنتوءات حادة تبرز من سطح الجدار الخارجي. نطلق على هذه النتوءات اسم بروتينات السنبلة. إنها في الواقع بروتينات سكرية ، هذا يعني أنها تحتوي على كربوهيدرات، مثل جزيئة السكر. البروتينات السنبلية هي التي تعطي اسم الفيروسات لانها تحت المجهر تظهر تلك النتوءات مثل التيجان، والكورونا هو الاسم اللاتيني للتاج.

المناعة ضد الفيروس تتكون عندما يجري في الجسم التعرف على تلك التشكيلات البروتينية ويجري صنع جسيمات مضادة تحمل تشكيلات نمطية مشابهه ولكنها معاكسة ، تهاجم الجسيمات المضادة الفيروس وتتراكب تشكيلاتها مع الفيروس تماماً فتلتصق به وتبطل مفعوله.

هناك ثلاثة أشياء فقط مهمة عمليا عند تقييم خطورة متغير فيروسي جديد.

اولا – كيف ينتقل المتغير؟

ثانيا – ما مدى حدة المرض؟

وثالثا – هل تستمر المناعة السابقة، سواء من اللقاحات أو مناعة الناجين من اصابة سابقة، في توفير الحماية؟

بدون مزيد من اللغط، اقدم إليكم أفضل المعلومات التي يمكن أن أجدها حتى الآن.

كيف ينتقل اوميكرون؟

القلق من أن هذا المتغير شديد القابلية للانتقال هو السبب الكامن وراء رد الفعل العالمي القوي. لكن – هل هو أكثر قابلية للانتقال من دلتا ذلك المتحور الخطير السابق مثلا؟ ظهرت معظم المخاوف حول الإزاحة السريعة لدلتا – او كما يسميها البعض بالمتفجرة – بواسطة اوميكرون في جنوب إفريقيا – فهناك بدأ اميكرون بالسيطرة بسرعة رهيبة. ومن هناك انتشر حول العالم ولم يعد احد في منئ من الاصابة به.

في الوقت الحالي، لا يزال من غير الواضح درجة العدوى بأوميكرون – فالبيانات التي تقول إنه قد يكون معديا بخمس مرات بالمقارنة  بدلتا، على سبيل المثال، سابقة لأوانها، لكن القلق من ارتفاع معدل العدوى حقيقي جدا.

ماذا عن خطورة المرض؟

إلى أي مدى يصل اذى أوميكرون؟هذا ما لا نعرفه حتى الآن. ومع ذلك، يبدو للخبراء أنه لم تكن هناك حالات خطيرة بين الأشخاص الذين تم تلقيحهم بالرغم من وجود عدد قليل جدا من الحالات التي لا يمكن معرفة معدل الوفيات فيها.

لابد انه راودك السؤال: هل ان اوميكرون اقل خطورة؟

هناك الكثير من المعرفة التطورية والتي تقول إن الفيروسات تتحول لتصبح أقل فتكا بمرور الوقت. نحن نعرف أن انخفاظ ضراوة الاصابة يمكن أن يفعل ذلك – من خلال إبقاء المضيف (واعني  الشخص المصاب) على قيد الحياة لفترة أطول لنشر المزيد من الفيروسات – لكن فيروس الكوفيد ليس بهذه الضراوة – مقارنة بالإيبولا .. هذا الفيروس الرهيب الذي ظهر في افريقيا – حيث ينجو معظم الناس من عدوى فيروس الكوفيد. أفضل طريقة لـفيروس الكوفيد لتحسين نفسه تطوريا هي التحور لزيادة اعداده والارتباط بمستقبلات الخلايا المضيفة بقوة أكبر. قد تكون زيادة الضراوة من أجل تحقيق حمولة عددية أعلى تستحق المقايضة التطورية.

حسنا – ماذا عن الهروب المناعي؟

تشير الحالات الخفيفة بين الأشخاص الذين تم تلقيحهم إلى الاحتفاظ ببعض فاعلية اللقاح على الأقل – وهذه أخبار جيدة. بالطبع، العدد الهائل من الطفرات في بروتين السنبلة لهذا المتغير – والذي هو هدف اللقاحات – قد تكون مشكلة. من المحتمل أن يكون البعد عن المتغيرات الأخرى مثير للقلق.

يبدو ان اميكرون يمكنه أن يتجنب بسهولة مناعة بعض الأشخاص الذين تم تطعيمهم والمصابين سابقا. ولكن هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن الأشخاص الذين لديهم بالفعل بعض وسائل الحماية المناعية قد يتجنبون أسوأ ما يمكن أن تفعله عدوى كوفيد للناس الضعفاء من الناحية المناعية. الشئ الواضح في يومنا هذا هو ان الاشخاص غير الملقحيين سيعانون من حدة الاصابة بدرجة اكبر بكثير من معاناة الملقحين.

حقا ان مشكلة الفيروس ومتحوراته التي لا تنتهي مقلقة جداً.

يبدو ان كثرة الطفرات في بروتين السنبلة هي مصدر القلق فقد ارتبطت هذه الطفرات، في متغيرات أخرى، بمقاومة الأجسام المضادة وبزيادة في قابلية الانتقال الفيروسي. لذا فإن الارتفاع المفاجئ في الحالات هناك لا يعني بالضرورة أن اللقاحات ليست وقائية ضد عدوى أوميكرون.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو هل يجب اذن تحديث اللقاحات؟

نصح بعض العلماء في السابق بأن تحديث اللقاح يجب أن يستهدف دلتا – نظرا لأنه مهيمن جدا في جميع أنحاء العالم، فقد كان يعتقد أن جميع المتغيرات اللاحقة ستأتي من دلتا على أي حال. الا انه لم يتوجب انتاج مثل هذا اللقاح ليس ضد دلتا وانما ضد بيتا ايضا فقد ثبت ان اللقاحات الحالية فعالة ضدهما، لكن بظهور اوميكرون يبدو ان الشركات تبدي استعدادها للبدء بانتاج لقاح جديد.

ما هي أفضل الخطط لمكافحة الفيروس؟

يوضح لنا اوميكرون أننا قد لا نكون قادرين على التنبؤ بمكان ظهور المتغير القادم. لكن هناك شيء واحد أصبح واضحا – طالما استمرت حالات كوفيد فستكون هناك متغيرات جديدة. التطور سيستمر.

هل ستتجنب المتغيرات الجديدة اللقاحات مع الاحتفاظ بقدرتها على العدوى؟ ليس بالضرورة – قد لا يكون هناك مكانة تطورية هنا. ولكن ما لم نقم بعمل أفضل بكثير في تطعيم سكان العالم اجمع لقمع تلك الحالات الجديدة فسنكتشف ذلك التطور وسنكتشف هذه المتغيرات.

لازلنا لانعرف الكثير فالاصابة بالفيروسات وتطورها والمناعة ضدها امور معقدة بالتأكيد.

*  بعض مقالات الكاتب حول فيروس الكوفيد..

تطور فيروسات الكوفيد 19 ومستقبل اللقاحات

https://akhbaar.org/home/2021/12/290296.html

ما تحتاج معرفته عن متغير اوميكرون

https://akhbaar.org/home/2021/12/289515.html

قصة انتاج اللقاحات ضد مرض كوفيد 19

https://akhbaar.org/home/2021/3/281306.html

قصة التطور وظهور الطفرات في فيروسات الكورونا

https://akhbaar.org/home/2021/1/279501.html

 

تطور فيروسات الكوفيد 19 ومستقبل اللقاحات

كتب : البروفيسور محمد الربيعي

 

لماذا تزداد قابلية فيروس الكوفيد للانتشار والانتقال بمرور الوقت؟

عندما بدأ فيروس كورونا بالظهور بين الناس في أواخر عام 2019، طغى انتشاره بالفعل على مقاطعة ووهان ودفعت الصين إلى فرض ما كان آنذاك عمليات إغلاق مذهلة.

لكن بالنسبة للفيروس، كان البشر مجرد مضيفا جديدا. إن التغيير في جينوم الحامض النووي الريبي الخاص به قد مكّنه من إصابة خلايانا، والتكاثر داخلها، والقفز إلى أشخاص آخرين، لكن لم يكن لدى الفيروس قبل ذلك فرصة كبيرة لاكتشافنا بعد. كان لديه مجال كبير للتحسن في استخدام اجسامنا للتكاثر.

وهذا يعني أنه كان هناك الكثير من الطفرات التي يمكن أن يكتسبها الفيروس والتي من شأنها أن تمنحه ميزة تنافسية على الفيروسات الأخرى. ليس الأمر أن الفيروس يعرف عن قصد أي من الطفرات ستجعله منتشرا بصورة أفضل. ولكن نظرا لأن الفيروس يقوم بنسخ نفسه، فانه يرتكب أخطاء في بعض الأحيان. وبالصدفة، تعطي بعض هذه الأخطاء افضلية على الاخطاء الاخرى، مما يساعد فيروسها الذي يحملها على التغلب على الفيروسات الاخرى التي تحمل اخطاء اخرى في مسيرتها باصابة الانسان وبانتشارها.

كيف اثرت التغيرات الاولى بعد الظهور على الانتشار؟

حدث التغيير طوال فترة الوباء فقد أدى التغيير المبكر الذي أطلق عليه اسم (دي614) إلى سلالة كانت أفضل في الانتشار من السلالة الاصلية، مما مكّن هذا البديل من الانتشار حول العالم. لفترة من الوقت، كانت تلك السلالة هي السائدة، ولكن بعد ذلك ظهرت ألفا، وبعدها دلتا واليوم اوميكرون. كانت كل سلالة لاحقة تنتشر بصورة أكثر فاعلية من السلالات التي سبقتها، لذا فهي تتفوق على الآخرى.

تتمثل إحدى الاراء حول قابلية انتقال الفيروس، بانها تزداد بسرعة، لا سيما عندما يكون هناك انتقال غير منضبط لمدة عام ونصف، وخلالها، يمكن أن يستمر تطور الفيروس، مع عدد أقل من التركيبات الجديدة من الطفرات التي قد تزيد من قابليته للانتقال. تساءل بعض العلماء عما إذا كان المتغير سيستمر بالانتقال عندما يقترب الفيروس من مرحلة الاستقرار. لكن المشكلة هو اننا لا نعرف أين نحن من حيث حدوث هذا الاستقرار. من الممكن إذن أن يتعثر الفيروس بالطفرات التي تساعده على الانتشار بشكل أكثر كفاءة.

يمكن للفيروس أن يتغير بطرق أخرى أيضا. إذا كان هناك جانب إيجابي واحد حول متغير دلتا، فهو أنه قابل للانتقال إلى حد أنه يزاحم المتغيرات الأخرى الأكثر إثارة للقلق من منظور المناعة، وبالتحديد متغير بيتا، وكذلك جاما. لكن العلماء يحذرون من أنه لا يوجد سبب أساسي لعدم ظهور متغير يجمع بين براعة دلتا في الانتشار وقدرة بيتا على تفادي الاستجابات المناعية.

قد يبدو هذا المتغير مختلفا عما نتخيله. في بعض الأحيان، يؤدي الجمع بين الطفرات التي يبدو أنها تزيد من قابلية الانتقال وقدرات التهرب المناعي إلى فيروس يتلاشى بسرعة. قد تكون المتغيرات التي يمكنها الهروب من الاستجابة المناعية غير كفؤة في اختراق الخلايا لإحداث عدوى. لكن المتغيرات الأكثر إثارة للقلق ممكنة الحدوث، ويقول الخبراء إن أفضل طريقة لمنعها هي قطع انتقال العدوى.

لماذا اوميكرون شديد العدوى؟

يحمل اوميكرون نحو 50 طفرة في المجموع، بما في ذلك ما لا يقل عن 26 طفرة فريدة من نوعها. لكن المزيد لا يعني بالضرورة الأسوأ حيث تعمل الطفرات أحيانا معا لجعل الفيروس مرعبا، لكنها قد تلغي بعضها البعض. من حيث المبدأ، يمكن للطفرات أن تعمل ضد بعضها البعض. ومع ذلك، في هذه الحالة، من المرجح أن يؤدي الانتقاء التطوري إلى انتشار متغير جديد مع توليفات لطفرات ملائمة للكائن أكثر من غير الملائمة.

من الواضح أن اوميكرون شديد العدوى. كانت هذه مجرد فرضية عندما ظهر لأول مرة ، لكنها أصبحت مؤكدة في بداية ديسمبر، بالنظر إلى الوضع الوبائي في العديد من البلدان.

تعتمد عدوى المتغير على مدى قوة ارتباط الفيروس بالمستقبلات الموجودة على الخلايا البشرية، ولكن أيضا على استقرار الفيروس، حيث يتكاثر في الممرات الهوائية. يحتوي اوميكرون على مجموعة من الطفرات التي تشترك جميعها بربط أقوى بالخلايا البشرية. لكن بالعمل معا، قد يكون لهما تأثير مختلف نوعا ما. ولهذا السبب لا يمكن التنبؤ بكيفية عمل المتغير في الجسم.

كيف سيتغير كل هذا مع ازدياد التطعيم وحماية المزيد من الناس؟

نظرًا لأن كل شخص على هذا الكوكب كان عرضة للإصابة بـكوفيد 19 في البداية، فقد تمكن المتغير الأسرع انتشارا من تجاوز المتغيرات الاخرى. ولكن مع تغير البيئة، فإن العوامل التي تساعد في انتشار بعض الصفات الفيروسية يظهر تأثيرها. فبدلاً من متغير مثل دلتا، يمكن أن يظهر متغير اكثر ملائمة للبيئة الجديدة مثل اوميكرون.

خذ بيتا وجاما على سبيل المثال. ظهرت هذه المتغيرات على التوالي في جنوب إفريقيا والبرازيل، في مناطق كانت بها موجات أولى ضخمة. أدى ذلك إلى ظهور فرضية مفادها أن المتغيرات انطلقت لأنها يمكن أن تنتشر بشكل أفضل بين الأشخاص الذين أصيبوا بعدوى سابقة. الفيروسات التي لا تحتوي على هذه الميزات تراجعت لانها لم تتمكن من العثور على العديد من الخلايا الجديدة لإصابتها.

لا يمكن للعلماء أن يقولوا على وجه اليقين أن هذا ما حدث مع بيتا وجاما- ربما كانا أكثر قابلية للانتقال بطرق أخرى. لكن لا يزال هناك رأي مفاده أن المتغيرات التي لديها بعض القدرة على الالتفاف على الاستجابة المناعية سوف تكون لها اليد العليا في المجموعات السكانية التي تتمتع بمستويات أعلى من الحماية. قد لا تسبب مرضا شديدا لدى الأشخاص المحميين – سواء من التطعيم أو عدوى سابقة – ولكن إذا كان بإمكانهم التسبب في حدوث عدوى في بعض هؤلاء الأشخاص على الأقل والانتقال من هناك، فسوف يزداد انتشارها مقارنة بالمتغيرات الأخرى التي تواجه وقتًا أكثر صعوبة في تسبب العدوى في الأشخاص المحميين.

الآن، قد تتساءل: إذا كان هذه هي الحال، فهل هذا يعني أن السكان الذين تم تطعيمهم إلى حد كبير سيشجعون الفيروس في الواقع على التهرب من الحماية؟

هنا تلعب قوى مختلفة. لكن أحد العوامل الرئيسة هو أنه من خلال تقليل كمية الفيروس الذي يتكاثر – سواء من خلال منع العدوى أو عن طريق تقصير عدد الإصابات التي تحدث- فإن اللقاحات تحد من احتمال وجود متغيرات إضافية أكثر خطورة. يمكن للأشخاص المحميين من الفيروس أن يكونوا بمثابة طرقات تطورية مسدودة. الفيروس يجب أن يتكاثر من أجل أن يتحول، لكن كل فيروس لا يحصل على الكثير من الفرص في شخص ملقح.

كيف سيؤثر التطور المستقبلي للفيروس على درجة حماية اللقاحات؟

السيناريو الخطير هو أن الفيروس يتغير بطرق تفلت تماما من الاستجابة المناعية ولكنها تحافظ على قدرته على الفتك والانتشار. لكن العديد من الخبراء يقولون إن الظهور المفاجئ لمثل هذه السلالة يبدو مستبعدا للغاية. يمكن أن تؤثر المتغيرات على بعض الدفاعات التي تمنحها لنا اللقاحات، ولكن من المتوقع ان تظل الاستجابة المناعية قادرة بشكل عام على حمايتنا من الأمراض الشديدة فلا يمكن للفيروس التهرب تماما من الاستجابة المناعية بالكامل.

يعتبر خط الدفاع الأول لدينا هو الأجسام المضادة، والتي يتم تدريب بعضها على التعرف على أجزاء معينة من الفيروس ومنعها من إصابة الخلايا. إذا غيرت الطفرات بعض اجزاء الفيروس بحيث يتقمص شخصية اخرى فربما يتم خداع الأجسام المضادة الموجهة للتعرف على الفيروس فيمكنه حينئذ أن يكتسب موطئ قدم ويبدأ العدوى. لكن اللقاحات هيأت أجسامنا للتعرف على أجزاء أخرى من الفيروس والحصول على استجابة. يمكن للأجسام المضادة التي تلتصق بأجزاء أخرى من الفيروس أن تبدأ في الظهور، وكذلك الخلايا المناعية يمكن ان تصل كتعزيزات تساعد على التخلص من العدوى قبل أن تسبب الكثير من الضرر.

بالحقيقة لا يوجد لقاح مثالي. يتم إدخال عدد قليل من الأشخاص إلى المستشفى بسبب كوفيد 19 أو حتى يموتون بعد التطعيم، وهؤلاء غالبا ممن يعانون من حالات صحية أخرى سيئة. ومن الممكن أن تتسبب المتغيرات في فقدان اللقاحات لبعض فعاليتها. تثير هذه المخاوف بشأن تضاؤل ​​الاستجابة المناعية، جنبا إلى جنب مع إمكانية الهروب الجزئي للفيروس الجدل حول المعززات اللقاحية، على الأقل بالنسبة لمجموعات معينة من الناس. ولكن بشكل عام، فإن اللقاحات وقائية للغاية لدرجة أن العديد من علماء الفيروسات – مع تحذيرهم من أنهم لا يستطيعون ضمان ذلك – لا يرون بعض المتغيرات التي تصل إلى هذا الحد يمكنها من قلب الصورة الحالية.

ماهو مستقبل فيروس الكوفيد؟

هناك عدة سيناريوهات حول مستقبل الفيروس احدها تتمثل في أنه سيصل إلى بعض الاستقرار ولكنه بعد ذلك يستمر في التغيير بطرق صغيرة. يمكن أن يصبح الأشخاص عرضة للإصابة بالعدوى بمرور الوقت (سواء كان ذلك كل عام أو بعد عدة سنوات غير معروف ومن المحتمل أن يتغير) ولكن سيظلون محميون بشكل عام من النتائج الأسوأ. ومع كل تعرض للفيروس ستتحسن أجسامنا في درءه، ربما حتى بدون أعراض. وبهذه الطريقة ، سيصبح سارس كوفيد 2 في النهاية فيروسا تنفسيا مستوطنا آخر.

وجدت دراسة مختبرية أنه حتى إذا ظهر متغير يمكن أن يفلت من الحماية المناعية، فإننا سنجد مادة معززة يمكن من خلالها ان يرفع اللقاح مستويات الأجسام المضادة إلى الحد الذي يمكن فيه الناس أن يصدوا الفيروس المتطور. وبالمثل، إذا استمر الفيروس في التطور وأدى إلى المزيد من التآكل التدريجي للحماية المناعية، فيمكن أن نتعامل معه بجرعة إضافية من اللقاح، ربما تم تعديلها لتلائم التغييرات في الفيروس بشكل أفضل. الخلاصة انه حتى إذا اكتسب الفيروس طفرات المقاومة هذه، فمن الممكن توليد استجابة مناعية تتكيف مع ذلك.

بحسب تقرير نشر هذا الشهر في مجلة الطبيعة تقدم الإنفلونزا سيناريو محتمل لتطور وانتشار فيروس الكوفيد. يتميز فيروس الأنفلونزا (أ)، الذي يتسبب في انتشار أوبئة الأنفلونزا الموسمية العالمية كل عام، بالتطور السريع وانتشار متغيرات جديدة قادرة على الهروب من المناعة التي أحدثتها السلالات السابقة. والنتيجة هي أوبئة موسمية، يدفعها إلى حد كبير انتشارها بين البالغين، الذين يمكن ان تظهر عليهم أعراض حادة. تقلل لقاحات الإنفلونزا من شدة المرض وتبطئ انتقاله، ولكن التطور السريع للإنفلونزا (أ) يعني أن اللقاحات لا تتوافق دائما بشكل جيد مع السلالات المنتشرة.

ولكن إذا تطور كوفيد للتهرب من المناعة بشكل أبطأ، فقد يشبه الإنفلونزا (ب). معدل التغيير الأبطأ لهذا الفيروس، مقارنةً بالإنفلونزا (أ) ، يعني أن انتقاله مدفوع إلى حد كبير بالعدوى لدى الأطفال، الذين لديهم مناعة أقل من البالغين.

هل سنحتاج الى تطوير مستمر للقاحات؟

إن مدى سرعة تطور كوفيد استجابةً للمناعة سيحدد أيضا ما إذا كانت اللقاحات بحاجة إلى تحديث، وكم مرة. من المحتمل أن تحتاج اللقاحات الحالية إلى التحديث في وقت ما. في ورقة بحثية نُشرت في سبتمبر، وجدت علامات على أن سارس كوف 2  يتطور بشكل أسرع بكثير من فيروسات كورونا الموسمية وحتى أنه يفوق الإنفلونزا (أ). يتوقع العلماء أن يتباطأ فيروس سارس كوف 2 في النهاية إلى حالة تعتبر اكثر استقرارا. لذلك يمكن ان يكون الأمر شبيها بفيروس الانفلونزا (أ)، حيث تحتاج إلى تحديث اللقاح كل عام أو عامين، أو تحتاج إلى تحديث اللقاح كل خمس سنوات، أو لربما يكون الأمر أسوأ.

على الرغم من أن فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى ، بما في ذلك فيروسات كورونا الموسمية، تقدم العديد من الآفاق المستقبلية المحتملة لـسارس كوف 2، إلا أن الفيروس قد يسير في اتجاه مختلف تماما. يشير تقرير مجلة الطبيعة الى ان يوفر الانتشار الهائل لمتغير دلتا – وظهور اوميكرون وبمساعدة عدم توفر اللقاح بصورة كافية في البلدان ذات الدخل المنخفض وتدابير التحكم الدنيا في بعض البلدان الغنية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة – أرضا خصبة لسارس كوف 2 لاتخاذ قفزات تطورية إضافية مفاجئة.

مستقبل السارس كوف 2 لا يزال في أيدينا. النظرة المتفائلة تكمن في أن يؤدي تلقيح أكبر عدد ممكن من الأشخاص إلى منع ظهور المتغيرات الخطرة الجديدة.

* بروفيسور في انتاج الادوية والعلاجات الطبية  

العمارة الأجنبية في العراق .. القصر الملكي في سرسنك الذي شهد مباحثات عراقية- مصرية عام ١٩٥٤

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

مثل كثير من العراقيين ، كانت العائلة المالكة ترغب في قضاء فصل الصيف دخل العراق ، والهرب من حر الصيف اللاهب في بغداد والمحافظات الجنوبية إلى الشمال الحبيب وخاصة في مصايفه الجميلة.

يقع هذا القصر في ناحية سرسنك التي تبعد ٤٠ كم شمال دهوك والتابعة لقضاء دهوك التابع لمحافظة الموصل آنذاك قبل أن تستحدث محافظة دهوك في منتصف السبعينيات.

وكانت سرسنك مجرد قرية جبلية تحولت إلى ناحية بإرادة ملكية ، وارتبطت بها إدارياً عدد من القرى المنتشرة فوق أرضها البالغة ٣٥ قرية، وتبلغ مساحتها الاجمالية (٩١٨) كم مربعاً. وهي مغطاة بالأحراش الرعوية أو نباتات مزروعة. وكان عدد سكان الناحية قرابة (٢٠) ألف نسمة، أما قصبة سرسنك فكان عدد سكانها أكثر من عشرة آلاف نسمة، وهم من الكرد والآثوريين والسريان يتوزعون على ستة أحياء. وكان يمكن الوصول إليها براً عن طريق بري ، أو عبر مطار بامرني الذي كان المطار الوحيد في تلك المنطقة للقادمين من بغداد من كبار المسؤولين وغيرهم.

وقد بني فندق سياحي حجري خلال الأعوام ١٩٤٦-١٩٤٨ وما زال قائماً ، وكان يقصده الأثرياء والوجهاء من الطبقة الغنية، إضافة إلى معسكرات كشفية أقيمت على ربوات أخرى.

مصيف العائلة المالكة

تعد سرسنك مصيفاً ومنطقة سياحية يقصدها الكثير من العراقيين ، وقد اتخذتها العائلة المالكة مقراً صيفياً لها منذ الخمسينيات، وكان الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله وأخواته الأميرات يأمونه صيفاً.

وينقل عن المربية الانكليزية لفيصل الثاني ، المس روزاليندا راميريس، قولها “كان فيصل يعشق الجبال في شمال بلاده منذ طفولته ، وقد أحب الكرد وكل الأطياف من الناس محبة خاصة بتأثير بقائه برفقة والدته الملكة عالية في أربيل عندما احتمت فيها برفقة نجلها فيصل الثاني ابان حركة مايس ١٩٤١ التي قادها رشيد عالي الكيلاني ثم الحرب العراقية البريطانية، وكان عمره لم يتجاوز الست سنوات ، وقد وجد فيصل في الكرد أهله، وبقي يعتز بهم جداً ، اعتزازه ببقية الأطياف العراقية”.

ويذكر أن فيصل الثاني كان زار قبل تتويجه الشيخ الكبير ،بهاء الدين النقشبندي ( 1856- 1952) في بيته الكبير ببامرني ، وكان برفقة خاله الامير عبد الاله، وقد حرص الملك فيصل ان يجلس الى جنب الشيخ الكبير قرب عين ماء رقراق وهو يستمتع بخرير الماء الصافي ، ويصغي باحترام كبير لما كان يحكيه ذلك الشيخ الكبير متبركا به ، مع احتسائه الشاي دوما وكان يفضله على القهوة ، ومن اخلاق ذلك الملك انه كلما يرى ذلك الشيخ ينكّب ليقبل يده!

كان الملك يخرج فجراً ماشياً على قدميه لوحده عند سفح الجبل ، ونقل عن سيدة مسيحية من سكنة سرسنك أنها شاهدت الملك يجلس في أحد المقاهي الشعبية والناس متجمعون حوله ، وكان دائماً يجلس في حديقة القصر مشغولاً بقراءة كتاب أو يقضي أوقات جميلة مع عائلته أو ضيوفه ، كما كان يمارس هواية الرسم في لوحات زيتية، ويقوم بجولة على قدميه عند المغرب ثم يتناول عشاءه ويأوي إلى فراشه عند الثامنة مساء، نقلاً عن طباخ الفندق المجاور الذي كان من الآثوريين، وكان مكلفاً بإعداد طعام الملك لثلاث وجبات يومياً ويستلم ثمنها من الملك الذي يدفعها من جيبه الخاص.

 

بناء القصر

بني القصر على ربوة عالية من سفح جبل كارة عام ١٩٥٣، فصار معلماً واضحاً يرتفع بين أشجار البلوط والسرو التي تحيط به. وكان مهندس أجنبي (لم يذُكر اسمه أو جنسيته) صمم القصر وأشرف على تشييده ، ونُقل أنه نفسه من صمم الفندق الحجري الحالي. علماً بأن من صمم وشيد الفندق هو المعمار الإنكليزي فيليب هيرست Philip Hirst  عام ١٩٤٣ ، وهو الذي صمم بناية مصرف الرافدين في شارع الرشيد ، ويعد فيليب هيرست واحداً من رواد مدرسة الحداثة المعمارية.

تم تشييد القصر على الطراز الأوروبي ، يتألف من طابقين ، لونه أبيض، يكسو القرميد الأحمر سقوفه. واستخدم في بنائه الحجر المأخوذ من الجبل المجاور للقصر حيث يقوم عمال متخصصون بقطع الحجر ونقله من الجبل إلى موقع البناء بواسطة البغال. وكان المهندس يعطي توجيهاته إلى العمال والاسطوات المهرة من أهل المنطقة. ولم يكن المهندس مقيماً في موقع العمل طوال الوقت بل اتخذ غرفة له يحفظ فيها خرائطه ورسوماته، وغالباً ما يستدعي البنائين إليها لمدة ساعة يعطيهم توجيهاته في كل مرحلة من مراحل البناء ، وكان لا يتردد في إبداء إعجابه بالعمل وهو يقول جيد (Good) ، ثم يطلب منهم الاستمرار به.

 

يحتوي القصر على ثلاث صالات وعدد من الغرف والأجنحة ، ولكل صالة وغرفة حمام ملحق بها. وتشرف الصالات والغرف على الوادي وعلى بلدة سرسنك من خلال شبابيك واسعة تواجه شروق الشمس. وتم اختيار موقع القصر بعناية حيث يقع جبل كارة من ورائه فيحجب عنه حرارة الشمس القوية ظهراً. كما روعي أن يقع القصر في ممر الهواء الطيب طوال اليوم.

كانت حديقة بمساحة أربع دونمات (عشرة آلاف متر مربع) تجاور القصر، زرعت فيها أشجار ونباتات وزهور. وعلى الطرف الأيسر من الحديقة يوجد حوض سباحة تم تغطيته بالمرمر الإيطالي، ويطل من طرفه الشرقي والشمالي على وديان سرسنك الجميلة. كما بني ملحق صغير لاقامة الحراس والسواق والخدم والمرافقين.

بدأ بناء القصر عام ١٩٥٣ بعد تتويج الملك في ٢ آيار/مايو ١٩٥٣ . ونقل بعض الباحثين أن القصر بني بأموال الأسرة المالكة، ولم يبن بأموال الحكومة. وقد تم تسجيله باسمها في دائرة التسجيل العقاري.

بعد تشييد القصر أصبحت ناحية سرسنك تنشط بالأعمال التجارية وإنشاء المرافق السياحية حتى صارت منتجعاً رائعاً للاصطياف للعراقيين. وصار حضور الملك وأسرته في الصيف يختزن معان للفخر والاعجاب لدى المواطنين مستبشرين باتخاذ الملك بلدتهم الجميلة مكاناً له دون بقية مناطق الموصل والمحافظات الشمالية.

أحداث شهدها القصر

شهد القصر بعض الأحداث الهامة في التاريخ السياسي المعصر للعراق. ففي عام ١٩٥٤ استقبل رئيس الوزراء نوري السعيد في قصر سرسنك وفداً مصرياً برئاسة وزير الإرشاد القومي الرائد صلاح سالم (١٩٢٠- ١٩٦٢) مبعوثاً من قبل الرئيس جمال عبد الناصر. وكان محور المحادثات هو حلف بغداد الذي عده عبد الناصر ( مشروعاً استعماريا ضد الأمة العربية)، حيث حرص السعيد على شرح وتوضيح أهداف الحلف (أو ميثاق بغداد) للوفد المصري لكسب مصر إليه.

جرت محادثات طويلة وحوارات ونقاشات حادة بين السعيد وصلاح سالم ، حيث كان السعيد يبرر وضع العراق الجغرافي والتهديد الأمني من دول الجوار. يصف الصاغ صلاح سالم رحلته تلك فيقول:

“وصل بغداد مبعوثا من عبد الناصر الى نوري السعيد ، فقالوا له : سنأخذك اليه بالطائرة ، فهو في سرسنك يصطاف هناك بمعية جلالة الملك فيصل وخاله ، فأخذوني في طائرة حطّت بنا في قاعدة بامرني الجوية ، ونقلوني بسيارة الى قصر  سرسنك الملكي . نزلت وقد خشيت من حراس كرد غلاظ شواربهم كثة وخناجرهم في احزمتهم الملونة ، ودخلت القصر  الصغير ، على الساعة السادسة والنصف مساء، وكان الملك يشرب الشاي بالحليب مع خاله والباشا (نوري السعيد) منشغل بقراءة احدى الصحف ، فتوّجهت الى الباشا ، فقام من محله منزعجاً، وقد رمقني بنظرة غاضبة قائلا : ينبغي ان تذهب الى جلالة الملك لتسلّم عليه أولا يا حضرة الصاغ. تلعثمت وذهبت معتذرا حيث حياني الملك الشاب تحية رائعة، ثم دلفت على سمو الامير فسّلمت عليه .. قال نوري سنبدأ محادثتنا غدا اذ ستأخذ راحتك اليوم ، ولكن قبل ان نأخذ وجبة العشاء تعال معي ، فتبعت الباشا ، فاذا به يمشي متوجها الى جبل امامنا، فبدأ يصعد وهو يمشي وبيده الباستون (العصا ).. تعبت من الصعود حتى وصل قبلي الى ذروة عالية فقال معلقا : أتعبتَ يا صاغ من جبالنا، خذ أنفاسك وانظر وانقل هذا المشهد لحضرة البكباشي جمال: هناك وراء هذه الجبال حدود تركيا معنا، وهي عصية جدا، وانظر الى الشرق بعد هذه الجبال الصعبة، ستجد ايران بحدودها الطويلة جدا معنا ، وهؤلاء الحرس وقد تملكك الخوف منهم هم الكرد ، وكل هؤلاء جميعا لا يوجد عندكم مثلهم وهم الاقرب الينا منكم، فالعراق ملزم ان يكون له ميثاق معهم سميناه بميثاق بغداد . يقول صلاح سالم : تملكتني الدهشة واقنعني الرجل بموقفه، ولما عدت لاحكي ذلك الى عبد الناصر قاطعني صارخا بوجهي ورفض ما قاله نوري السعيد وأخذ يشتمه اقذع الشتائم”.

قام نوري السعيد بكتابة خطاب موجه إلى عبد الناصر سلمه بيد الصاغ صلاح سالم تضمن ، أن “العراق على استعداد لأن يعلن تجميد عضويته في حلف بغداد اذا تقدمت القاهرة بمشروع معاهدة عسكرية جديدة قادرة على أن تضمن للعرب من القوة والأسلحة والجنود المدربين ما يمكنهم من التصدي للأخطار الصهيونية والشيوعية على حدٍ سواء. وأن تكون هذه المعاهدة جادة في أن يحمل العرب مسؤوليتهم على الصعيد العسكري بحيث تتوحد القيادات والتدريب على كافة المستويات”.

“لقد ظنّ صلاح سالم عند تسلم هذا الكتاب بأنه نجح في مهمته نجاحاً ملموساً وأعلن عن تفاؤله نتيجة اجتماع سرسنك… ولكن يبدو أن الرئيس عبد الناصر لم يوافق أبدا على تصريحاته العلنية في هذا الشأن ، فكان أن أوقف في المطار. كما تم التحقيق معه حول التصريحات التي أدلى بها أثناء محادثات سرسنك، فانتشر  خبر وجود انقسام في القيادة. لقد شحنت المنطقة بجمر حرب باردة ضد العراق بقيت مستعرة حتى سقوط النظام الملكي برمته عام 1958 ، ومن ثم  عاودت  بعد 5 اشهر  عصفها الشديد  ضد عبد الكريم قاسم والتي يجدها العقلاء اليوم حربا باردة لا لزوم لها ابدا” .

“وقد اتضح لنوري وللمراقبين في العالم  عند عودة صلاح سالم للقاهرة بأن ناصر قد تخلّى عن  اتفاقاته ، وتنّصل عن مواقفه الاولى . ويعزو احد المراقبين السبب الى ان عبد الناصر كان يريد ان يكون هو على رأس المشروع لا نوري ، اي  باختصار اراد ان تكون القاهرة محورا للحلف بدل بغداد ! في حين تذكر السيدة المصرية عصمت السعيد ، زوجة صباح ابن نوري السعيد، ان جمال عبد الناصر وجد ان الولايات المتحدة بدأت تزود العراق بمئات المدافع والاسلحة المتطورة دون مصر ، فقلب ظهر المجن على العراق” .

 قصر سرسنك بعد سقوط الملكية

في صبيحة يوم ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨ كان الشارع العراقي يزدحم لمشاهدة سحل الجثث ونهب القصر الملكي وبعض الدوائر الحكومية، وإذاعة بغداد تشجعهم على الانتقام والقتل ضد أعداء الثورة والخونة والرجعية، وصوت عبد السلام عارف يشتم النظام الملكي ويشمت بقتل الملك وعبد الاله، كان قصر سرسنك يغط بهدوء سوى حالة الإنذار التي وضع فيها أفراد الجيش العراقي. ولم يزحف سكان المنطقة نحو القصر لنهبه أو حرقه. وكان بعض المصطافين يقيمون في الفندق الحجري ومنهم زوجة متصرف بغداد عبد الجبار فهمي، وهي تبكي قلقاً على زوجها في بغداد الذي لا تعرف مصيره ، ولم يكن باستطاعتها العودة إلى بغداد بسبب فرض حالة منع التجول وتوقف حركة النقل بين المدن العراقية، وكان سكان سرسنك متأثرين لمقتل الملك وعائلته ويقولون: كم احتضنتك سرسنك يا سيدي لتقتلك بغداد.

بعد الفوضى التي سببها انقلاب تموز تحول القصر مؤقتاً إلى ثكنة عسكرية ، ثم أهمل ليصبح دار استراحة رسمية بأثاثه البسيط. وبعد نشوب ثورة الكرد عام ١٩٦٢ صار القصر مقراً للبيشمركة ، ثم دخل لواء من الجيش العراقي وأخذ القصر فعاد لسلطة الجيش العراقي. وبعد توقيع اتفاقية ١١ آذار/مارس ١٩٧٠ تحول القصر إلى فندق أربعة نجوم، وبقي على ذلك الحال حتى عام ١٩٧٤ حيث نشبت الحرب بين الطرفين مرة أخرى، فاستولى البيشمركة على القصر مرة أخرى وتم تحويله إلى دائرة تربية لمديرية التربية في محافظة دهوك. وفي عام ١٩٧٥ وبعد توقف الحركة الكردية بالتوقيع على اتفاقية الجزائر بين العراق وايران ، تم استرجاع القصر وعاد لسيطرة بغداد. تم تحويل القصر إلى دار ضيافة لكبار المسؤولين الذين يزورون المنطقة.

وحتى نشوب الحرب العراقية- الإيرانية عام ١٩٨٠ صار القصر نادياً يرتاده الضباط العراقيون. وفي أحد جولات صدام في المنطقة توقف عند القصر ودخله ثم أمر بترميمه واعتباره أحد قصور الرئيس. وتحول القصر البسيط والهادئ إلى معرض لرسوم البعث وصور الرئيس. كل ذلك ولم يزره مرة أخرى حتى إعدامه عام ٢٠٠٦ . ولم يتساءل أحد عن ملكية القصر وأنه مسجل في دائرة التسجيل العقاري باسم فيصل بن غازي، وانه بناه وأثثه من ماله الخاص. ولم يكتف صدام بالعبث بقصر سرسنك وتشويهه لكنه بنى عدة قصور في سرسنك واينشكي وأشاوه وكلها قصور فاخرة في مناطق عالية.

في انتفاضة أذار ١٩٩١ التي عمت محافظات الجنوب والوسط، انتفض الكرد أيضاً واستردوا المحافظات من الجيش وقوى الأمن العراقية ، وتمت السيطرة على قصور صدام في كردستان. وتحول قصر سرسنك عام ١٩٩٣ إلى مستشفى تديره منظمة دانماركية حتى عام ١٩٩٨ . وتحولت غرفة الملك فيصل إلى غرفة للعمليات الجراحية منذ عام ١٩٩٣. وتمت إضافة أرض بمساحة ٤٠ دونماً إلى القصر. بعد ذلك تحول القصر إلى دائرة رسمية لمديرية الأحوال المدنية مع مركز للشرطة.

بعد سقوط النظام  عام ٢٠٠٣ أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني أنه سيعاد القصر إلى ورثته الشرعيين من البيت الهاشمي ممثلاً بملك الأردن عبد الله الثاني. وهو قرار غير مبني على أساس شرعي لأن أقرب الناس لفيصل كانت خالته بديعة ثم ابنها الشريف علي بن الحسين. ونقل أن الملك عبدالله أخذ يتصرف بالقصر، فأوعز إلى تخصيص جزء من مساحة القصر المضافة لتكون حديقة عامة.

وتم إجراء تعديلات على القصر مثل إكسائه بالحجر وتبديل نوافذه ، ووضع الجبس على الجدران، وإلغاء عمل موقد النار Fire Place الذي كان يشع البهجة في المكان.

في تموز ٢٠٠٨ بعث الملك عبد الله وفداً يضم اثنين من مهندسي البلاط الأردني لزيارة القصور الملكية في سرسنك بمحافظة دهوك ومصيف صلاح الدين بمحافظة أربيل بهدف ترميمها وإعادة تأهيلها لصالح العائلة الأردنية الحاكمة. كما سيتم تخصيص قصر سرسنك للملك الأردني لاقامته ولقاءاته التشريفية.

لقد بات من الضروري تحويل القصر التاريخي إلى متحف للملك فيصل الثاني وللعائلة الملكية في العراق بدلاً من إلحاق الضرر به من خلال تحويله إلى دار ضيافة لهذه الشخصية أو تلك. فهذا القصر الجميل يستحق أن يتم الاحتفاظ به وإعادته إلى ما كان عليه قبل ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • موقع سيار الجميل (رموز وأشباح: اشباح قصر سرسنك الملكي) الحلقة ٣٩ في ٥ حزيران ٢٠٢٠ و الحلقة ٣٨ في ٢٩ مايس ٢٠٢٠ و الحلقة ٤٠ في ٥ حزيران ٢٠٢٠
  • موسوعة شذرات المطر في ٢٧ مايس ٢٠١٧
  • جريدة الشرق الأوسط في ٩ تموز ٢٠٠٨

العمارة الأجنبية في العراق – البلاط الملكي (القصر الجمهوري) ..حسرات عرس مخنوق

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

القصر الملكي الهاشمي هو أخر القصور التي بنيت في العهد الملكي. وتم اختيار منطقة كرادة مريم بجوار محلة قديمة تمت إزالتها في ما بعد ، وتطل واجهته الأمامية على بساتين أم العظام ومنطقة سكنية حديثة، والجانب الخلفي يطل على نهر دجلة ، وهو القصر الملكي الوحيد الذي يشرف على دجلة بغداد وبعيداً عن الحارثية حيث يقع قصرا الزهور والرحاب ، ولم تكن هناك أبنية حكومية بالمنطقة في تلك الفترة.

وكان من المقرر أن يجري تدشين القصر الملكي بعد زواج الملك فيصل الثاني من خطيبته ،الأميرة فاضلة إبراهيم سلطان، التي ولدت في باريس عام  ١٩٤١ ، وهي حفيدة الخديوي محمد علي باشا من جهة الأب، ووالدتها الأميرة خانزاد ابنة الأمير عمر فاروق ابن السلطان العثماني عبد المجيد الثاني. تلقت تعليمها في مدرسة هيفيلد في لندن، وكانت تنتقل مع عائلتها بين فرنسا ومصر بعد صدور قرار بنفي عائلتها لصلتها بالسلطان العثماني. وفي عام ١٩٥٤ تم إلغاء النفي وعادت إلى تركيا. وكان الملك فيصل الثاني قد تعرف عليها في حفل أقيم في بغداد أثناء زيارتها لعائلتها لبغداد ، وبعد عام على التعارف كان اللقاء الثاني بينهما في فرنسا حيث اتفقا على الزواج.

في ١٤ تموز ١٩٥٨ كانت الأميرة فاضلة وعائلتها بانتظار وصول الملك فيصل الثاني وعائلته إلى مطار (يشيل كوي) باسطنبول. وكان رئيس الوزراء التركي على رأس الوفد الذي كان ينتظر وصول الملك إلا أن الجميع فوجئوا بوقوع الانقلاب لكنهم علموا بمصرع الملك فيصل وعائلته بعد أيام. تزوجت فاضلة  فيما بعد من المهندس خيري أوغلو في القاهرة، ولديهما ولدان هما علي وسليم. في الثمانينيات عملت في منظمة اليونسكو.

مصمم القصر

تم تكليف المهندس المعماري البريطاني جون بريان كوبر (١٨٩٩-١٩٨٣) John Brian Cooper

الذي عمل مهندساً معمارياً في دائرة المباني العامة التابعة للحكومة العراقية عام ١٩٣٥ ببناء القصر ، وسبق له أن صمم مبنى (مجلس الأمة) عام ١٩٥٤ في نفس المنطقة ، الذي صار (المجلس الوطني) فيما بعد ، وكلية الهندسة ١٩٣٦ في باب المعظم، ودار نوري السعيد في الوزيرية ١٩٣٦ ، ودار نصرت الفارسي ١٩٣٧.

وقد غادر كوبر العراق عام ١٩٣٧ ، لكن مجلس الاعمار استدعاه لتصميم أهم مبنيين حكوميين هما البلاط الملكي الجديد بديلاً عن البلاط القديم المبني عام ١٩٢٣ في منطقة الكسرة الذي بني على عجل ليكون مقراً رسمياً للملك فيصل الأول ، والذي صممه المهندس جيمس ويلسون. وبعد ٣٠ عاماً صار من الضروري بناء بلاط ملكي يكون مكتباً وسكناً للملك والدوائر المرتبطة به ، وقد أثار تكليف كوبر بتصميم البلاط الملكي ومجلس الأمة ، غضب المعماريين العراقيين الشباب أمثال رفعت الجادرجي وجعفر علاوي وقحطان المدفعي الذين بدأت تصاميمهم تجد طريقها للتنفيذ.

وصف القصر

بني القصر على أرض مساحتها (٥٢) ألف متر مربع في منطقة كرادة مريم، الجانب الشرقي منه يشرف على نهر دجلة.

يتألف القصر من طابقين، كل منهما يضم قاعات ذات وظائف متعددة، وأجنحة مكتبية وفندقية لسكن الملك وضيوفه. البناء متناظر هندسياً، تتوسط القصر قاعة مركزية تغطيها قبة خضراء تركوازية مكسوة بالموزائيك المستخدم في القبب البغدادية. والقبة بارتفاع طابقين مثل كثير من أبنية بغداد كالمحطة العالمية والبلاط الملكي القديم. وترتفع القبة عن سطح القصر بارتفاع طابق آخر. أما السقف الداخلي للقبة فقد تم تزيينه بزخارف هندسية جميلة كآنها نجوم السماء ، وتم تزويد القبة بشبابيك تحيط بها من الأسفل من جهة الرقبة لتسمح بضوء الشمس والنهار بدخول القاعة. تحيط بالقاعة مجموعة من الأعمدة الرخامية الخضراء التي تصطف على جانبي كل محراب حول القاعة.

وتوجد في القصر فسحتان مستطيلتان داخليتان (منور) بارتفاع طابقين وظيفتهما توفير الضوء ونور الشمس والهواء من خلال الشبابيك المفتوحة عليهما، والتابعة لقاعات وغرف داخلية بعيدة عن الجدران الخارجية للقصر.

يتألف المدخل من شرفة بارتفاع طابق واحد، تستند على ستة أعمدة خرسانية ، أما الشرفة الخلفية فهي أكبر وتطل على نهر دجلة. للقصر مداخل عديدة تخص الموظفين والمرافقين والخدم والسواق والحرس، إضافة إلى كبار الضيوف والزوار المدعوين من قبل الحكومة العراقية.

أما المدخل الرئيس فيمكن الوصول إليه من بوابة القصر الحديدية الخارجية عبر اجتياز طريق يصل إلى المدخل تحت الشرفة الأمامية ، وهناك حديقة واسعة مفروشة بالعشب الأخضر تتوسطها نافورة كبيرة بيضوية الشكل، تضم تماثيل لخيول وفرسان، تبدو أنها من عمل فنان أجنبي.

لم يُستخدم القصر كبلاط ملكي كما هو مقرر له لأنه لم يتم إكمال البناء إلا بعد سقوط النظام الملكي في تموز/يوليو ١٩٥٨.

القصر الجمهوري

لم يسكن ، عبد الكريم قاسم، القصر الذي سمي بالقصر الجمهوري بل استمر بالعمل والمبيت في مكتبه بوزارة الدفاع في باب المعظم ، والمعروف عنه أنه كان متواضعاً وزاهداً ينام في غرفة بسيطة وسرير عادي ، ولم يشاهد أو يزور القصر.

الشقيقان عبد السلام وعبد الرحمن عارف

وأول رئيس عراقي سكن القصر الجمهوري هو عبد السلام عارف الجميلي (١٩٢١-١٩٦٦) الذي جاء للسلطة بانقلاب ٨ شباط/فبراير ١٩٦٣ وانتهى عهده بوفاته بحادث سقوط طائرته الهليكوبتر أثناء زيارته للبصرة في ١٣ نيسان/ابريل ١٩٦٦ ، إذ اتخذ القصر الجمهوري مكتباً له، واستخدم علم مصر كعلم للجمهورية العراقية. كما استخدم سيارة الرولز رويس الملكية السوداء. كما استخدمه شقيقه عبد الرحمن عارف الجميلي (١٩١٦-٢٠٠٧) هو الرئيس الثاني الذي استخدم القصر الجمهوري للفترة (١٩٦٦-١٩٦٨) والذي شهد أول انقلاب عسكري في القصر عندما تآمر ضده مجموعة من الضباط المقربين له ، الذين تعاونوا مع حزب البعث وفتحوا بوابات القصر أمام الدبابات ، وتعاونوا على إسقاطه وتسفيره إلى تركيا.

صدام حسين واحمد حسن البكر

وكان أحمد حسن البكر التكريتي (١٩١٤- ١٩٨٢) ثالث رئيس جمهورية (١٩٦٨-١٩٧٩) استخدم القصر الجمهوري مكتباً له يستقبل فيه ضيوفه وقيادات حزب البعث والوزراء والسفراء والمحافظين والقيادات الأمنية والعسكرية والوجهاء وزعماء العشائر والمواطنين. أما نائبه صدام حسين التكريتي فكان يتخذ من مبنى المجلس الوطني (مجلس الأمة الملكي سابقاً) مقراً له ، ويقع بجوار القصر الجمهوري، وتم بناؤهما في نفس الفترة.

وعندما أصبح صدام رئيساً للجمهورية عام ١٩٧٩ لم يقم في القصر الجمهوري، بل اتخذ من قصر الرضوانية غرب بغداد وقرب المطار الدولي مقراً لسكنه ، في حين بقي المجلس الوطني مكتباً له، لكنه يستقبل ضيوفه في القصر الجمهوري.

قام صدام بإضافة جناحين جديدين: أحدهما على يمين القصر، والآخر على شماله. ووضع أربعة تماثيل تمثل رأسه هو مرتدياً خوذة عسكرية. ينتصب تمثال على بداية ونهاية كل جناح ويرتفع عالياً على برج مميز. وتبلغ مساحة الجناح الواحد بقدر مساحة القصر الملكي ، لكن بدون قبة. وزينت الواجهة الأمامية بشعر عربي محفور على الحجر ، والجناحان يضمان قاعات اجتماعات واستقبال وأجنحة ومكاتب.

بعد إضافة الجناحين صار عدد غرف القصر (٤٠٠) غرفة وصالة وقاعة. تتوزع فيها مكاتب ومستشارين وموظفين وعملاء مخابرات وقيادات في حزب البعث.

استخدم صدام القصر للتعذيب والاعدام في بعض الحالات، مثلاً تم إعدام محمد عايش الحلبوسي (١٩٣٢-١٩٧٩) وجماعته بعد قضية قاعة الخلد في آب/اغسطس ١٩٧٩ حيث تم اقتيادهم إلى حديقة القصر الخلفية وإعدامهم رمياً بالرصاص. ضمت المجموعة ٢٣ بعثياً منهم محي المشهداني وعدنان الحمداني ومحمد محجوب وغانم عبد الجليل وبدن فاضل. ودُعي عدد من أعضاء الحزب لمشاهدة حفلة الإعدام برفاقهم ، وقيل أن جماعة أخرى قد تم إعدامها هناك ، وكان السبب وراء إعدامهم هو رفضهم لتنحي البكر وتولي صدام السلطة في اجتماع عقد في ١٢ تموز/يوليو ١٩٧٩ في مكتب صدام في المجلس الوطني. اثر ذلك تم اتهامهم بمؤامرة ضد الحزب بالتعاون مع حافظ الأسد، وهي تهمة لم يؤكدها أحد سوى إعلام النظام.

القوات الامريكية تقصف القصر الجمهوري

جانب من الدمار الذي الحقه الاميركيون بالقصر

تعرض القصر الجمهوري للقصف الجوي من قبل الطائرات الامريكية مرتين: الأولى في عاصفة الصحراء عام ١٩٩١ ، والثانية عام ٢٠٠٣ عند دخول القوات الامريكية بغداد.

بعد سقوط النظام في ٩ نيسان/ابريل ٢٠٠٣ دخلته القوات الأمريكية وحطمت أثاثه وبعض مرافقه ، ثم تم تحويل القصر إلى مقر للسفارة الأمريكية في بغداد.

 مشاهداتي في القصر الجمهوري

منذ الستينيات كنا نسكن في حي المأمون ببغداد، وكنا نركب خط الباص رقم ٢١ الذاهب إلى ساحة النصر في شارع السعدون، يمر عبر حي الحارثية الراقي ثم يسير في منطقة بساتين أم العظام، وهي منطقة مقفرة لا بيوت ولا محلات. يتجه الباص نحو القصر الجمهوري الذي يبدو جميلاً ببنايته وقبته وحدائقه ونافورته التي تتدفق منها المياه، ولم تكن هناك حواجز أو سيطرات لكن الباص لا يقف على طول سياج القصر.

بعد وصول حزب البعث ، بدأ انتشار افراد الأمن ومراقبة المارة والسيارات عبر نصب أكشاك وهمية لبيع الصحف وغيرها. بعد استلام صدام السلطة تم إغلاق الشارع ببناء بوابتين: الأولى قرب ساحة المقاتل في مدخل الجسر المعلق، والثانية قرب وزارة التخطيط مقابل مستشفى الطفل العربي سابقاً. كما بدأ استملاك البيوت القريبة من القصر بالتراضي أو بالقوة. وكان لي صديق يقع بيتهم قرب بوابة الجسر المعلق، وفي أحد الليالي زارتهم مفرزة أمنية وطلبوا منهم مغادرة البيت في اليوم التالي وإلا تعرضوا للقتل.

يهود امريكيون يحتفلون بعيدهم في القصر الجمهوري

بعد سقوط النظام عام ٢٠٠٣ تحول القصر الى مقر للسفارة الأمريكية حيث شغلت مكاتبها جميع غرف وقاعات القصر. في عام ٢٠٠٦ انتخبت عضواً في مجلس محافظة بغداد، وتوليت رئاسة لجنة العلاقات والاعلام ، وكان جزء من عملي هو استقبال وفود وشخصيات رسمية وشعبية ، كما كان فريق RTI  الأمريكي يشرف على تطوير الحكومات المحلية في العراق ، وكانوا يزوروني في مكتبي في مجلس المحافظة ، وأحياناً تعقد الاجتماعات في السفارة الأمريكية ببغداد حيث تبدأ مراسم الدخول بالتفتيش في الاستعلامات وتسليم الهواتف والحقائب ، ثم نتوجه إلى قاعة معينة. كانت القاعات فسيحة تنتصب في وسطها منضدة خشبية وتحيطها كراسي قديمة عددها يتجاوز العشرين مقعداً ، وأما الجدران فكانت مغلفة بالخشب الفاخر، يبدو أنها تخفي خلفها خزنات لحفظ الأوراق والملفات وغيرها ، أما الشبابيك فكلها في جهة واحدة تشرف على منور فسيح.

وقبل الوصول للقاعة كنت أشاهد الجنود والضباط الأمريكيين منتشرين في الممرات والغرف مستخدمين أثاث القصر الفاخر من نوع الباروك الفرنسي، وكثير منه مكسو باللون الذهبي، وبعضهم يضع حذاءه على الأريكة بكل استهتار دون الالتفات إلى قيمة الأثاث ، ونهبت الكثير من المقتنيات والممتلكات الشخصية التي أخذت من أماكنها والرفوف بدت خالية.

أما القاعة الكبيرة التي تعلوها القبة الخضراء فتحولت إلى مطعم لموظفي السفارة حيث رصت المناضد والكراسي في الوسط، بينما وضعت مناضد قدور الطعام والثلاجات على جانب القاعة. ومرة تناولت طعام الغداء مع زملاء آخرين في هذا المطعم. من اللافت للنظر وجود ركن في أحد ممرات القصر الجمهوري تم تخصيصه كمصلى للجنود والضباط المسلمين الأمريكيين ، وقد شاهدت بعضهم يؤدون الصلاة في هذا المصلى.

في إحدى المرات تناولنا الطعام في الحديقة الخلفية حيث وضعت مناضد حول حوض السباحة إضافة إلى كراسي استراحة ومصطبات مظللة ، وأثار انتباهي شجرة قديمة ، تتهدل فروعها إلى الأرض فوضعت لها مساند حديدية كي لا تقع وتنكسر ، وأمام الشجرة كانت لوحة صغيرة مكتوب عليها أنها هدية من الرئيس الصومالي محمد سياد بري جلبها معها عند زيارته إلى بغداد في منتصف السبعينيات.

بعد توقيع اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام ٢٠٠٨ ، واكتمال بناء السفارة الأمريكية الجديدة في المنطقة الخضراء تم تأهيل القصر الجمهوري وانتقلت إليه مكاتب رئاسة الوزراء ، وصارت تعقد فيه اجتماعات مجلس الوزراء ، وقد زرت القصر مرة في عهد نوري المالكي أثناء انعقاد مجلس الوزراء للمصادقة على ثلاث مشاريع مجاري في أطراف بغداد لأن كلفة كل منها أكثر من (٥٠) مليار دينار وتستوجب مصادقة مجلس الوزراء.

في ٢٧-٢٩ أذار/مارس عام ٢٠١٢ عقدت القمة العربية في القصر الجمهوري ، وهي ثالث قمة عربية تعقد في بغداد بعد قمتي ١٩٧٨ و ١٩٩٠. وحضرها عشرة رؤساء وملوك وأمين عام الجامعة العربية والأمين العام للأمم المتحدة يان كي مون ، وقد شاركت فيها واستمعت إلى كلمات الرؤساء والملوك العرب ، كما التقيت ببعض الوزراء والدبلوماسيين.

زرت القصر مرات كثيرة في عهد حيدر العبادي حيث كنا نعقد الاجتماعات الحزبية مثل المكتب السياسي ومجلس الشورى لحزب الدعوة الإسلامية ، وأملك الكثير من الصور لتلك الاجتماعات داخل القصر الجمهوري.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • في ٨ نيسان ٢٠٠٣ و ٣ كانون الثاني ٢٠٠٩
  • موقع بغداد الرشيد في ٥ شباط ٢٠١٧
  • موقع جريدة الاخبار في ٢١ و ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٥ بقلم خالد السلطاني.
  • وكالة رويترز في ١٣ نيسان ٢٠١١

 

العمارة الأجنبية في العراق .. قصر الرحاب و مصرع العائلة المالكة

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

يقع قصر الرحاب في جانب الكرخ، بجوار معرض بغداد الدولي الحالي، وكان يطل على نهر الخر. والأرض التي بني عليها القصر تعود للملك غازي وأهداها لابن عمه وخال ابنه الأمير عبد الاله بن الملك علي، وتقع مقابل قصر الزهور الذي أنشئ من قبل ، بينما يقع قصر الزهور في حي الحارثية، فإن قصر الرحاب يقع في حي المنصور. وكان الهدف من بناء القصر هو لإقامة العائلة المالكة التي كانت لحد ذلك الوقت تسكن في منزل مستأجر في منطقة السكك.

ويعود سبب تسميته بـ “الرحاب” نسبة إلى قصر كبير في مدينة الطائف السعودية، كانت العائلة المالكة تمتلكه قبل قدومها إلى العراق وانتهاء سلطتها في الحجاز في عهد عميد الأسرة الشريف حسين.

بناء القصر

كان القصر يشبه فيلا مصرية راقية ، حيث قام ببنائه مهندس مصري رشحه السفير المصري في العراق الذي كان صديقاً للأمير عبد الاله ، وكان القصر بسيطاً عموماً لا يختلف عن بيوت الوزراء والوجهاء العراقيين في تلك الفترة. تم بناء القصر عام ١٩٣٩ .

يتألف القصر من طابقين، الأرضي يضم صالات الاستقبال والطعام وجلوس العائلة ومكتب الأمير عبد الاله، والطابق العلوي لغرف النوم وجلوس العائلة وسكن الأمير عبد الاله وزوجته هيام بنت أمير ربيعة.

لا يبعد مدخل القصر كثيراً عن سياج القصر وبوابته الحديدية القصيرة التي تزينت بالشعار الملكي ، وعلى جانبي البوابة يرتفع عمودان مربعان على كل منها مصباح كهربائي على شكل فانوس ، وإلى جانبيه توجد غرف الحرس والسواق والمرافقين ، وكانت توجد سرية مشاة تابعة للجيش العراق.

أما واجهة القصر فتتوسطها طارمة تستند على أربعة أعمدة ، تعلوها أقواس بين عمود وآخر ، وأمام الطارمة توجد نافورة بشكل صحن مرتفع تنساب المياه منه نحو الأسفل.

وقد رفعت في مدخل القصر الآية القرآنية (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).

العائلة المالكة

سكنت القصر بنات الملك فيصل الأول وهن الأميرات عابدية وجليلة وزوجته حزيمة، والسيدة نفيسة زوجة الملك علي ووالدة عبد الاله. كما انتقل إليه الأمير فيصل الثاني بعد وفاة والده غازي عام ١٩٣٩.

مقارنة بقصر الزهور ، كان قصر الرحاب عموماً هادئاً، قليل الحركة إلا في بعض المناسبات كعيد ميلاد أحد أفراد العائلة أو مناسبة عائلية كالخطوبة وعقد القران ، وكانت سيدات العائلة نادراً ما يخرجن خارج القصر، وإذا خرجن يرتدين العباءات العراقية السوداء.

في عام ١٩٤٦ استضاف القصر حفلة للسيدة أم كلثوم حيث حضرها الوصي عبد الاله وعدد من الوزراء والسياسيين والسفراء وأصدقاء الوصي.

مجزرة قصر الرحاب

النهاية المأساوية التي حلّت بالعائلة المالكة في قصر الرحاب كانت أبشع الجرائم التي بدأ بها حكم عبد الكريم قاسم ورفاقه الضباط ، إذ تم قتل جميع أفراد العائلة ومرافقيهم بوحشية وبلا رحمة ، وتم إعدامهم بلا محاكمة ولا تهمة ولا دفاع ولا قاض ولا محام ، إذ تم قتل الملك فيصل الثاني والأمير عبد الاله وأخواته وأمه العجوز نفيسة التي كانت تمسك بالقرآن الكريم بيد ومسبحتها بيد. حفل اعدام جماعي لم يستغرق سوى دقائق نفذه نقيب في الجيش ورفاقه.

 

اليوم السابق للمجزرة

في يوم الأحد الموافق ١٣ تموز/يوليو ١٩٥٨ كان الملك في قصر الرحاب يجتمع مع عائلته لمناسبة عيد ميلاده الذي تخللته فقرات ترفيهية لأحد السحرة الاستعراضيين ، وبعد الحفل تداول موضوع سفره إلى تركيا ولندن في ١٤ تموز/ يوليو لزيارة خطيبته الأميرة فاضلة والاتفاق على موعد زواجه. كان الملك خجولاً وهادئاً ومتعلماً في جامعة بريطانية ، كما تناول الحديث خططه للانتقال إلى القصر الملكي الجديد في كرادة مريم ، وكانت زوجة خاله هيام محمد الحبيب تقول للملك: قل إن شاء الله، وتكررها بعد كل حديث للملك الشاب. عندها قال لها مازحاً: نعم نعم ، إن شاء الله، إن شاء الله، ولكن لماذا هذا الالحاح وكأننا سنموت غداً؟

عند الغروب وصلت سيارة توقفت أمام القصر وترجل منها ضابط يحمل رسالة سلمها للملك. قرأها الملك واكتسى وجهه بالوجوم، ثم طلب الاتصال بطيار الملك الخاص المقدم جسام لجلب طائرة مروحية في باحة القصر. ناول الملك الرسالة إلى الأمير عبد الله الذي قرأها وأصابه الارتباك ، ثم التفت للملك قائلاً: لا حاجة للهرب بالطائرة ، ووعد بمعاقبة القطعات العسكرية المتمردة، بعد أن أيقن مصدر انطلاقها والعناصر المشبوهة التي تقودها. لم يمكث الأمير سوى قليلاً ثم غادر القصر.

كانت الرسالة من مدير الأمن العام تتضمن معلومات مختصرة تفيد بوجود تحركات مريبة من قبل الجيش دون ذكر أي تفاصيل. كان عبد الاله قرر استدعاء مدير الأمن لمناقشة مصادر المعلومات ومدى صحتها، ثم اتخاذ الموقف اللازم، لكنه وجد آن الوقت متأخر، فأرجأ متابعة الموضوع لليوم التالي وعاد إلى القصر ، في حين كان اللواء العشرين بقيادة عبد السلام عارف على طريق جلولاء بغداد وصار قريباً من قصر الرحاب. بعد ذلك شاهد الجميع فيلم (لعبة البجاما) تمثيل الممثلة الأمريكية دوريس داي، ثم تناول الملك العشاء مع خالاته وقريباته من الأميرات ثم عانقهن عناقاً وكأنه الوداع الأخير أو العشاء الملكي الأخير. ثم توجه إلى جناحه آملاً بالنهوض مبكراً استعداداً للسفر عند الصباح. عند منتصف الليل أطفئت الأنوار في القصر وخلد الجميع للنوم دون أن يعلموا ما يخبئه لهم القدر في اليوم التالي.

مجزرة الرحاب الوحشية

في الساعة الخامسة صباح يوم الاثنين ١٤ تموز/يوليو ، استيقظ سكان القصر على أصوات عيارات نارية مزقت هدوء القصر. هب الجميع فزعون . الملك والأمير والأميرات والخدم، وخرج أفراد الحرس الملكي إلى حدائق القصر لمعرفة مصدر النيران. بعد دقائق ازداد إطلاق الرصاص ولكن نحو جهة القصر.

خرج الملك إلى شرفة جناحه ثم خاطب الحرس مستفسراً عما يحدث. أما عبد الاله فقد خرج إلى الشرفة وأمر حراساً آخرين بالخروج خارج القصر واستقصاء الوضع. عاد الحراس ليخبروا الملك الواقف على الشرفة مع بقية أفراد العائلة المالكة، بأنهم شاهدوا عدداً من الجنود يطوقون القصر. اتصل الملك بآمر الحرس الملكي فأخبره بأن أوامر قد صدرت لهم بتطويق القصر والمرابطة أمامه.

تصاعد تدهور الوضع بانطلاق رشقات الرصاص على القصر فأصابت جدرانه وشبابيكه. أدرك الأمير عبد الاله أنها حركة مسلحة لقلب نظام الحكم في العراق. قام الملك وخاله باتصالات مع القيادات العسكرية حول الوضع فسمعوا تطمينات بأن القطعات الموالية للقصر ستتصدى للقوات المتمردة، وطلبوا من العائلة البقاء في القصر وعدم التحصن !!! والاختباء في أماكن أكثر أمنا !!! ويبدو أن تلك التطمينات صدرت إما من جبناء أو من متواطئين مع الانقلابيين. وكانت قوات عبد السلام عارف باغتت الجميع وسيطرت على أهم المواقع الهامة في بغداد.

الانقلابيون

بعد حين دخل آمر الحرس الملكي القصر وأخبر الملك بأن الجيش قام بحركة عسكرية ضد النظام الملكي. سارع الملك لفتح الراديو لسماع البيان رقم (١) للانقلاب وبصوت عبد السلام عارف وسط ذهول الملك وأسرته ومرافقيه. توالت بيانات الانقلاب وشعاراته الثورية مع أنشودة (الله أكبر فوق كيد المعتدي) و أغنية (أخي جاوز الظالمون المدى) لمحمد عبد الوهاب و أنشودة (والله زمن يا سلاحي) لأم كلثوم، وكانت أنشدتها عام ١٩٥٦ ، والتي أصبحت النشيد الوطني للعراق ومصر وسوريا لقرابة عشرين عاماً. حاول عبد الاله الاتصال بـ عبد السلام عارف للتفاوض معه، لكن الملك والأمير فوجئا بإذاعة بغداد تعلن بأن مرافق الملك ناجي طالب قد ورد اسمه ضمن الحكومة الجديدة. اشتد الرمي وشعرت العائلة بأن راية الموت تخيم على القصر ، وصار القرار بأنه لا مانع لدى العائلة المالكة من مغادرة العراق إذا كانت هذه رغبة قادة الانقلاب.

عند الساعة الثامنة صباحاً أعلن الملك استسلامه ، فدخل الضباط المهاجمون إلى القصر لاستقبال الملك وعائلته. خرج مع الملك فيصل الثاني كل من الأمير عبد الاله وأمه الملكة نفيسة، وهي أم الملكة عالية والدة الملك، والأميرة هيام زوجة عبد الاله، والأميرة عابدية شقيقة عبد الاله، والوصيفة رازقية وطباخ تركي وأحد المرافقين واثنان من الحرس الملكي.

خرج الجميع يتقدمهم المقدم محمد الشيخ لطيف، والعقيد طه والنقيب مصطفى عبد الله الذي كان متوترا وبعض الضباط الاخرين. وبعد تجمع الاسرة في باحة صغيرة في الحديقة فتح النار النقيب عبد الستار سبع العبوسي الذي كان في هستيريا ، والمعروف عن هذا الضابط انه كان مريضا نفسياً منذ كان في الكلية العسكرية،  بدون أي اوامر من الضباط الارفع رتبة والذي كان بمعيتهم، وهو خلف الجمع ومن ثم تلاه بقية الضباط ظناً منهم انه كمين لهم فأصبحت العائلة المالكة في وسط النيران.

ويقال ان العبوسي عانى في ما بعد من كوابيس ليلية ياتي فيها الملك “فيصل الثاني” اليه في المنام ويقول له لماذا قتلتني انا لم اؤذيك قط . وتعرض الى اضطرابات نفسية واكتأب ما ادى في النهاية الى ان يطلق النار على نفسه من مسدسه الشخصي، وهو امر القوة البحرية العراقية في البصرة في شباط/فبراير (1970).

 

اصيب الملك (٢٣ سنة) في مقتل برصاصتين في رأسه ورقبته ، وأصيب الأمير عبد الاله (٤٥ سنة) في ظهره ثم لفي حتفه هو الآخر. وتوفيت على الفور الملكة نفيسة (٧١ سنة) والأميرة عابدية (٥١ سنة)، وجرحت الأميرة هيام في فخذها، لكنها رمت نفسها خلف سياج من النباتات فلم يدركها أحد ، وتمكنت من النجاة وغادرت العراق فيما بعد ، وأقامت في الأردن وتزوجت من ثري عراقي ، وأنجبت منه، ثم توفت في سن متقدمة.

الناجية من المجزرة.. الاميرة بديعة

كما نجت الأميرة بديعة التي كانت تسكن في منزل آخر هي وزوجها الشريف حسين بن زيد وولديها أحدهما الشريف علي بن الحسين الذي ما زال على قيد الحياة ويقيم في لندن. أما الأميرة بديعة فقد توفيت عام ٢٠٢٠ عن عمر مائة عام. كما نجت الخادمة رازقية بنت صالح بن هاشم، وهي من الحجاز  بعد اصابتها برصاصتين ونقلت بسيارة مجهولة إلى المستشفى الملكي وخرجت منه متعافية وبقيت على قيد الحياة وسكنت لدى عائلة السيد محمد القيماقجي في الأعظمية. وقتل في المجزرة أخو رازقية واسمه عبد الرزاق كان يعمل حارساً في القصر ، وقد استيقظ فجراً عندما سمع صوت إطلاق الرصاص، فهب مسرعاً إلى القصر ونجدة أهله لكنه أصيب برصاص أدى إلى مصرعه في الحال، ولا يُعلم أين دفن.

تم نقل الجثامين إلى دائرة الطب العدلي في المستشفى المدني في الباب المعظم حيث ووريت جثث النساء في المقبرة المجاورة. وأما جثة الأمير عبد الاله فقد تم سحلها من قبل الناس في شارع الرشيد وساحة الميدان ثم تم تعليقها على باب وزارة الدفاع .

نقلت جثة الملك إلى إحدى غرف العمليات في مستشفى الرشيد العسكري، للتحقق من وفاة الملك ، وفي مساء اليوم نفسه حفرت حفرة قريبة من المستشفى في معسكر الرشيد، وأنزلت فيها الجثة واهيل عليها التراب، ووضعت بعض العلامات الفارقة معها لتدل على مكانها فيما بعد، ثم تم نقل الجثة بشكل خفي ودفنها في المقبرة الملكية في الاعظمية في مكان خفي يقال تحت إحدى الممرات خوفا من العابثين من نبش القبر.

بعد ذلك تم دفنه إلى جوار والده الملك غازي وجده الملك فيصل الأول في المقبرة الملكية.

تعرض قصر الرحاب للنهب من قبل اللصوص فنقلوا تحفه ومقتنياته وأثاثه فضاعت بذلك ثروة وطنية وتراثية ، في حين حافظ سكان مصر وايران وتركيا على قصور ملوكهم وتحولت إلى متاحف ومعالم سياحية. شخصياً شاهدت دلة قهوة عليها شعار التاج الملكي في منزل سيدة بغدادية فسألتها عنها، فقالت اشتريتها من أحد الذين نهبوا قصر الرحاب.

 

في عام ٢٠١٢ أقمت معرضاً للعائلة المالكة في المركز الثقافي البغدادي فلم أجد من مقتنيات العائلة شيئا يذكر سوى أوسمة وصور وصحون وأكواب عليها صور الملوك وكتب ومجلات ، وقمت باستضافة الشريف علي بن الحسين ابن الأميرة بديعة، وزرنا المقبرة الملكية، ووضعنا أكاليل الزهور على قبور الملوك. واستلمت رسالة من الأميرة بديعة تشكرني فيها على الاحتفاء رسمياً بعائلتها لأول مرة منذ مصرعها عام ١٩٥٨.

 

قصر النهاية

بعد نجاح انقلاب تموز/يوليو ١٩٥٨ تم ترميم القصر وتحول إلى مستشفى لكن بعد انقلاب ٨ شباط/فبراير ١٩٦٣ واعدام عبد الكريم قاسم ورفاقه ومجيء عبد السلام عارف وحزب البعث للسلطة ، عاد صدام من القاهرة واتخذ القصر معتقلاً للسياسيين المعارضين. وبعد حركة ١٨ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٦٣ عندما تم القضاء على الحرس القومي وحزب البعث، تم إغلاق المعتقل وعاد القصر للدولة للفترة ١٩٦٤-١٩٦٨ حيث اتخذت منه مصلحة المعارض مقراً لها، ثم صدر كتاب أسود عن جرائم الحرس القومي لاسيما في قصر النهاية.

الحرس القومي سيء الصيت

وبعد عودة البعث للسلطة مرة أخرى في ١٧ تموز /يوليو ١٩٦٨ صدر قرار رئاسي باستعادة القصر حيث أشرف صدام بنفسه على عمليات التعذيب ، وكان يمضي نهاراته في القصر الجمهوري مشرفاً على شؤون الحزب، ولياليه في قصر النهاية بتعذيب وتصفية معارضيه.

وسمي بالنهاية لأنه من النادر أن يخرج منه أحد حيا بسبب صنوف التعذيب التي يلقاها هناك ، وقيل عنه (الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود). وفي عهد البكر وصدام كان ناظم كزار أشهر شخصية أشرفت على تعذيب المعتقلين. وتذكر مذكرات بعض السجناء فيه قرابة (٨٠) وسيلة تعذيب. وكانت توجد هيئتان للتحقيق: الأولى برئاسة علي رضا ، والثانية برئاسة حسين المطيري. ويعاونهما (٧٥) من الجلادين والمجرمين وأصحاب السوابق. ويقال ان قسماً من السجن كان مخصصاً للنساء المعتقلات.

وقد كتب عن قصر النهاية العديد من الشهادات والقصص والمذكرات منها “ليلة الهرير في قصر النهاية” لأحمد الحبوبي و “دولة المنظمة السرية” لحسن العلوي و “أوكار الهزيمة ، تجربتي في حزب البعث” لهاني الفكيكي.

بعد اخفاق مؤامرة ناظم كزار عام ١٩٧٣ وتحميله جميع جرائم النظام ، وأنه كان يقوم بالتعذيب والتصفيات دون علم السلطة، تقرر هدم القصر ودعي الصحفيون لمشاهدة عملية الهدم. حيث شاهدوا آثار التعذيب وما كتبه السجناء على جدران الزنازين. بعد ذلك تم بناء دائرة المخابرات بعدة طوابق وبنايات في موقع قصر الرحاب ، حيث استخدمت أجهزة الحاسوب لأول مرة لفتح ملف عن كل مواطن عراقي وحزب وحركة معارضة. وفي عملية عاصفة الصحراء عام ١٩٩٠ تعرض المبنى إلى قصف الطائرات الأمريكية.

بذلك أسدل الستار على فترة تاريخية مزدهرة من تاريخ العراق الحديث، وبدأت لعنة العائلة المالكة تلاحق الانقلابيين فقضوا قتلاً وإعداماً بدءاً بعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وأحمد حسن البكر وانتهاءاً بصدام.

للاسف تقوم الدول مثل مصر وتركيا وإيران بتحويل قصور ملوكها إلى متاحف ومعالم سياحية وأكاديمية ، تحول قصر الرحاب إلى معتقل تزهق فيه أرواح أبناء الشعب الأبرياء.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • (العشاء الملكي الأخير) ، مجلة ألف باء في ١٤ تموز ٢٠٢٠
  • موسوعة شذرات المطر في ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٦
  • (رازقية ، آخر الناجين من مجزرة قصر الرحاب) ، وكالة الحدث الإخبارية في ١٤ تموز ٢٠١٩
  • لمعلومات وشهادات أخرى يراجع (قصر النهاية.. الرمز الأكبر لفاشية البعث) بقلم حسين الهنداوي ، في الحوار المتمدن، العدد: ٤١٥٨ في ١٩ تموز ٢٠١٣ .

اخر الاخبار

اعلان

ad