السبت, سبتمبر 18, 2021

العمارة الأجنبية في العراق.. مديرية الموانىء العامة صرح معماري جميل

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٧) كانت الحاجة ملحة لتطوير ميناء البصرة ليواكب حركة النقل البحري والتجاري التي تضاعفت بعد خروج القوات العثمانية، ومجيء إدارة بريطانية تهتم بالتقدم والتطوير. ففي عام ١٩١٩  بدأ تحويل ميناء البصرة من ميناء عسكري للقوات البريطانية إلى ميناء تجاري تحت إدارة عراقية مختصة، فجرى تطوير أرصفته وتجهيزه بمعدات وآلات ورافعات، وتم بناء مخازن وسقائف وأبنية إدارة وكمارك، إضافة إلى تشكيل وحدة شرطة للمحافظة على الأمن داخل الميناء.

في عام ١٩٢٢ أصبحت إدارة الموانىء تحت إشراف وزارة المالية ، إذا صارت تجبي الضرائب والرسوم والكمارك وفق تعليمات صادرة من الوزارة ، وفي عام ١٩٣٩ تحولت مهمة الاشراف على الميناء إلى وزارة المواصلات والأشغال ، وفي عام ١٩٥٦ تشكلت باسم مصلحة الموانئ العراقية، ولتصبح إدارة مستقلة بموجب قانون رقم ٤٠ ، وفي عام ١٩٧٦ أصبحت الموانىء مؤسسة بموجب القانون رقم ٧ ، وفي عام ١٩٨٧ أصبحت الموانىء منشأة، ثم تأسست الشركة العامة لموانىء العراق في عام ١٩٩٧ بموجب قانون الشركات العامة رقم ٢٢.

بناية الموانىء في البصرة

منذ بدء أعمالها وتشعبها وكثرة الموظفين والأقسام الإدارية والفنية والمالية أصبحت الحاجة لبناء مقر لدائرة الموانئ ، كما أنها أهم الدوائر الحكومية التي تحقق إيرادات مالية عالية للحكومة، وصارت أغنى دوائر الدولة العراقية ، فكان لابد من أن تحظى بمبنى يناسب أهميتها ودورها في العراق، وكذلك يناسب موقعها الإداري للدولة الحديثة.

لذلك تم تكليف المهندس المعماري الاسكتلندي جيمس م. ويلسون James Mollison Wilson (١٨٨٧-١٩٦٥) ليحقق للدائرة منزلتها وتفوقها من خلال مقر يتسم بالعراقة والهيبة ، وكان ويلسون معروفاً بتصاميمه الجميلة التي تناسب وظيفة المبنى وتلبية احتياجاته الإدارية وإمكانية توسعته مستقبلاً إضافة إلى مراعاته للبيئة العراقية. وسبق عن تحدثنا عن سيرته وإنجازاته في حلقة سابقة من هذه السلسلة من المقالات.

تم اختيار موقعاً في منطقة المعقل ليكون المبنى نواة لتطوير كل المنطقة وتشييد مبان أخرى في وقت لاحق. اتسم المبنى بنمط كلاسيكي يتمثل بوجود برجين يحتضنان مدخل المبنى، وقبة زرقاء تمثل رمز العمارة الإسلامية والتي سيتكرر استخدامها في منشآت أخرى كالبلاط الملكي (القصر الجمهوري) و المحطة العالمية.

 

يبلغ طول المبنى (٧٦) متراً، وعرضه (٢١) متراً، وارتفاعه إلى أعلى القبة يبلغ (٢٠) متراً. وبذلك تبلغ مساحته (١٦٠٠) متراً مربعاً. المبنى مشيد من طابقين ، وواجهاته من الطابوق . بوشر العمل به عام ١٩٢٥ وانتهى عام ١٩٢٧.

يضم المدخل ثلاثة أبواب عريضة يعلوها قوس من الطابق يضم شباكاً نصف دائري. ويرتفع في الوسط عمودان من الطابوق يقسمان المدخل إلى ثلاثة فضاءات عالية بارتفاع طابقين. وتوجد شبابيك الغرف العلوية تشرف على المدخل حيث توفر الضوء دون دخول أشعة الشمس المباشرة للغرف. وهو تصميم يمتد أيضاً إلى جناحيه على الجانبين، حيث توجد طارمة طويلة وظيفتها حجب الشمس اللاهبة في البصرة، وتوفير إنارة طبيعية، إضافة إلى إطلالة جميلة على الحديقة الأمامية من خلال نوافذ الغرف السفلية. وتلتف هذه الطارمة حول المبنى لتؤدي وظيفتها المعمارية. كما تم إكساء أعمدة الطارمة بالرخام لتمنح المبنى هيبة أما الغرف العلوية فقد استخدمت فيها كاسرات أشعة الشمس للتخفيف من وهج الشمس. ومن المفردات المعمارية الجميلة هو السلم الرخامي الذي يوصل الطابق السفلي بالطابق العلوي. فهذا النوع من السلالم يكثر استخدامه في الأبنية الكبيرة ذات الطراز الفيكتوري المعمول به في بريطانيا ودول أوربية أخرى.

المبنى أشبه بقصر ملكي أو محطة قطار إنكليزية خاصة وأنه تم تزويده بساعة برجية كبيرة فوق مدخله. وعندما دعي الملك فيصل الأول لافتتاح المبنى عام ١٩٢٧ وصف عمارة المبنى بأنها إحدى الأعمال البنائية البارعة، والمعمولة بضمير حي. وهذا إطراء واضح لصديقه المهندس جيمس ويلسون الذي يستحق الثناء على ذلك الإنجاز الذي سيبلغ عمره قرناً بعد عدة أعوام.

أشهر مدير للموانىء العراقية

يعد اللواء مزهر الشاوي (١٩٠٨ – ١٩٨٤) من أشهر من تولى إدارة الموانىء العراقية. لم يكن مزهر إسماعيل الشاوي من أبناء محافظة البصرة، ولم يكن رباناً أو مهندساً بحرياً وانما كان قائداً عسكرياً برتبة لواء ركن عندما عينه الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1958 مديراً عاماً لمصلحة الموانىء العراقية التي يقع مقرها في البصرة، وفي غضون خمس سنوات قضاها الشاوي في منصبه جعل من الموانىء العراقية من بين أفضل الموانىء التجارية في العالم.

وعندما حدث انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ بزعامة حزب البعث، تمت إقالة الشاوي من منصبه لكونه محسوباً على الزعيم “عبد الكريم قاسم” وحكومته. وما يزال البصريون يتذكرون إنجازاته مثل جزيرة السندباد وحديقة الأندلس وتطوير منطقة المعقل ، وكان الشاوي مثقفاً وشاعراً ومهتماً بتطوير الرياضة والمتنزهات والشوارع.

 

الموانىء العراقية

تشرف الشركة العامة للموانىء العراقية على عدد من الموانىء وهي:

الموانىء التجارية:

ميناء أم قصر وميناء خور الزبير

الموانىء النفطية:

ميناء البصرة النفطي و ميناء خور العمية

الموانىء النهرية:

ميناء أبو فلوس وميناء المعقل

وأما ميناء الفاو الكبير الذي تم توقيع عقد إنشائه مع شركة دايوا الكورية فلم يكتمل بعد، وتم إنجاز كاسر الأمواج الصخري من قبل شركة إيطالية.

ميناء المعقل 

من أقدم الموانىء العراقية، تم إنشاؤه عام 1916 في منطقة شط العرب التي تبعد نحو 135 كم عن الساحل العراقي المطل على الخليج العربي (خليج البصرة).

يحتوي الميناء على 15 رصيفاً، وتبلغ مساحة الرصيف الواحد 4000 مترا مربعا، أما طول الواجهة الأمامية فيصل إلى نحو 2.5 كم، وتحتوي الأرصفة على 45 رافعة كهربائية. ويستقبل البواخر حتى غاطس 9 متر.

تم تأسيس الميناء عام 1916 باعتباره ميناء عسكريا تابعا للقوات البريطانية، وقد شهد العديد من التطويرات وأعمال التوسعة، إلا أن الحرب العراقية الإيرانية تسببت في وقف نشاط الميناء بالإضافة إلى السفن والمراكب التي غرقت في مياهه.

في الوقت الحالي، تم وضع المخططات لتنظيف وكري المياه و إزالة الغوارق بالإضافة إلى تطويرات أخرى لجعل الميناء يعمل بالطاقة القصوى، وقد قررت وزارة النقل العراقية فتح الجسور التي على نهر شط العرب ساعة يوميا لدخول السفن إلى الميناء.

 

ميناء أم قصر

هو أكبر ميناء عراقي يقع في محافظة البصرة في منطقة أم قصر بالقرب من الحدود العراقية الكويتية تديره الشركة العامة لموانىء العراق . تأسس الميناء سنة 1930 و هو يعتبر من أهم موانىء العراق . إن ميناء أم قصر كان ولا زال من أفضل الموانىء العراقية المسيطرة على قسم مهم من الخليج.

يقع الميناء بالقرب من الخليج العربي على بعد (57) كم من المدخل الغربي لمدينة البصرة . بسبب التزايد بحركة التجارة الخارجية وحصول اكتظاظ في ميناء المعقل دعت الحاجة إلى التفكير بإنشاء ميناء جديد وبسبب قرب المنطقة من الخليج العربي وعدم مرور البواخر بالقنوات الملاحية ولعمق المنطقة ما يساعد في استقبال بواخر ذات غاطس اكبر من ميناء المعقل ادت تلك الأمور إلى بناء الميناء عام ١٩٦٥ . وقد تضمن في حينه ثلاثة مخازن وثلاث سقائف وعشر رافعات مرفأية ثم جرى تطوير احد الأرصفة ليصبح رصيفا لتصدير الكبريت المنقول من حقول المشراق حيث جهز بحزام ناقل اوتوماتيكي بطول كيلو متر مع حمالة أوتوماتيكية وتم إنشاء رصيف خاص بالأوعية النمطية .

علماً أنه تم شطر الميناء إلى قسمين من قبل وزارة النقل عام 2010 “جنوبي” و “شمالي” ولكل منهما إدارة خاصة ، ويمر من خلاله 80% من الواردات العراقية ، حيث أن وزارة التجارة تعتمد على الميناء بشكل مباشر باستيراد المواد والسلع الغذائية المختلفة.

ميناء خور الزبير

تأسس في عام 1974، على خور الزبير في محافظة البصرة ويبعد عن مدينة البصرة مسافة 80 كيلومتر.

ويتكون الميناء من أربعة أقسام رئيسة هي: الأقسام الفنية، أقسام الشحن، أقسام التفريغ والأقسام الإدارية.

يستقبل ميناء خور الزبير البواخر التي تحمل موادا تجارية للتجار العراقيين وموادا تستوردها الحكومة العراقية، إذ يحتوي الميناء الذي يقع على مسافة (40كم) جنوب شرقي البصرة على تسعة أرصفة، ثلاثة منها جرى تخصيصها لتحميل النفط والأخريات لشحن وتفريغ أنواع البضائع والسلع كافة ، لا سيما مفردات البطاقة التموينية والمواد التجارية الأخرى.

وكان الميناء يدار من قبل شركة ”ميرسك“  Maersk الدنماركية  المتخصصة بالنقل البحري، وهي من أكبر الشركات العاملة في مجال الحاويات والشحن على مستوى العالم، التي استمرت بإدارة عمل الميناء منذ سقوط النظام السابق في ٩ نيسان ٢٠٠٣ وحتى ٢ آذار ٢٠١٤   بعد تسليمه إلى إدارة الشركة العامة لموانىء العراق.

ميناء البصرة النفطي 

ميناء نفطي عراقي مخصص لتصير النفط وهو يعد من أهم نقاط تصدير النفط العراقي على مياه الخليج العربي وميناء البصرة النفطي واحد من 7 موانىء بمحافظة البصرة منها 5 تجارية و2 نفطية.

وقد بنيت منصة الميناء في خور الخفقة . اكتمل بناء الميناء في عام 1975 وللميناء أربعة أرصفة مصممة للعمل بطاقة 80 مليون طن سنويا وقد أطلق على الميناء آنذاك اسم ميناء البكر ثم غُيّر الاسم عام 2003 إلى ميناء البصرة النفطي.

ميناء خور العمية النفطي 

هو ميناء نفطي مخصص لتصدير النفط الخام جنبا إلى جنب مع ميناء البصرة النفطي.  يقع إلى الجنوب الشرقي من شبه جزيرة الفاو في منطقة ، وهو الأقدم بينهما. فيه أربع منصات (أرصفة) تحميل بكل منصة أربع أذرع تحميل تم تدمير اثنين بالحرب العراقية – الإيرانية وبقي اثنان بالعمل . يتبع الميناء لوزارة النفط العراقية إدارة وتشغيل .بعد 2003 تم حمايته من قبل القوات البحرية الأمريكية والتحالف الدولي آنذاك، حتى تم تسليمه للقوات البحرية العراقية.

ميناء أبو فلوس 

يقع في أبو الخصيب في محافظة البصرة تديره الشركة العامة لموانىء العراق. أُنشىء الميناء عام 1974 وافتتح عام 1976 وهو من أصغر الموائى العراقية إذ يتكوّن من 3 أرصفة فولاذية طول كل رصيف منها 175 مترا وبعرض 18 مترا أما طول الواجهة الأمامية للميناء هي 525 مترا إضافة إلى رصيف ترابي يستخدم للسفن الاختصاصية.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • المدى في ١٣ حزيران ٢٠١٤
  • موقع معرفة

العمارة الأجنبية في العراق .. قصر المؤتمرات أفخم قصر في العراق

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

حتى الثمانينيات لم يكن في العراق منشآت فخمة تضم قاعات كبيرة قادرة على استيعاب أعداد غفيرة من الحضور ، إذ لم توجد آنذاك سوى قاعات السينما المعروفة ، وهي أماكن ترفيهية عادة وليست للمؤتمرات الكبيرة ولا للضيوف الأجانب ، وكانت هناك قاعتان هما قاعة الخلد في كرادة مريم والتي كانت تشهد حفلات غنائية وغيرها حتى استولى عليها حزب البعث عام ١٩٦٨ فأصبحت خاصة بالاجتماعات الحزبية ، وفيها حدثت ما يعرف بحادثة قاعة الخلد أو مجزرة الرفاق البعثيين ، وذلك عندما عقد صدام حسين في ٢٢ تموز/يوليو  ١٩٧٩ اجتماعاً لقيادات حزب البعث، وكان استلم رئاسة الجمهورية قبل خمسة أيام. قام صدام بمحاكمة عدد من الرفاق بتهمة التآمر مع النظام البعثي في سوريا بزعامة حافظ الأسد ، والحادثة مسجلة في فيلم تم توزيعه على الفرق الحزبية في العراق ، وانتهى الاجتماع بالحكم بالإعدام على ٢٢ من قيادات الحزب ، في ما اختفى قرابة ٣٠٠ عضو قيادي آخر.

وكانت هناك قاعة الشعب التي تقع في باب المعظم، وقد أنشأت في منتصف الأربعينيات باسم قاعة الملك فيصل الثاني، وتتسع لنحو  (٥٠٠) شخص. وكانت تقام فيها عروض فنية وأزياء وغيرها من النشاطات الثقافية. وبعد مجيء عبد الكريم قاسم للسلطة عام ١٩٥٨ تم عقد جلسات محكمة المهداوي فيها لمحاكمة رجال العهد الملكي، ثم تحولت إلى قاعة للمناسبات الرسمية ، فقد عقدت فيها أول قمة لمنظمة أوبك عام  ،٩٦٠. كما أصبحت لفترة طويلة مسرحاً لفرقة الفنون الشعبية ، وخلال فترة ما بعد ٢٠٠٣ تحولت إلى مأوى للعائلات النازحة، ومؤخراً تم تأهيلها وإعادة تأثيثها لتعود بحلة جديدة جميلة.

المهندس المعماري الفنلندي هيكي سيرين

مصمم قصر المؤتمرات

بدأت فكرة إنشاء مبنى فخم يحتضن المؤتمرات الدولية بعد الاتفاق على عقد قمة مؤتمر عدم الانحياز في بغداد المقررة عام ١٩٨٢ ، ففي عام ١٩٧٨ تم تكليف المهندس المعماري الفنلندي هيكي سيرين (١٩١٨- ٢٠١٣) Heikki Siren المعروف بأعماله المعمارية المميزة ، وكان والده مهندساً معماريا أيضاً. ومن أعماله: المسرح الوطني الفنلندي المرحلة الصغيرة هلسنكي ١٩٥٤ ، مصلى أوتانييمي إسبو ١٩٥٦، مكاتب بلدية كاليو، هلسنكي ١٩٦٥ . بمبير أتالو، هلسنكي ١٩٦٨ ، بروكنر هاوس، لينز ١٩٧٣ ، جرانيتيتالو، هلسنكي ١٩٨٢ .

الشركة التي بنت قصر المؤتمرات

تم الاتفاق مع مجموعة IRCO الفنلندية بتنفيذ هذا المشروع الضخم ، وتضم أربع شركات فنلندية هي Alfred A Palmberg ab, Lemmenkaonen, Teraspetoni, Polar . وتعد شركة لمنكاينن المتخصصة بالبناء والعمران من أشهر وأقدم الشركات العالمية حيث تأسست عام ١٩١٠ . كلف قصر المؤتمرات (٢٣٠) مليون دولار.

شيد المبنى على أرض مساحتها (٦٢) ألف متر مربع، منها ( ٢٥ ) ألف متر مربع للمبنى نفسه، و الباقي (٣٧) ألف متر مربع خصص للحدائق والنافورات ومواقف السيارات والممرات وغيرها. يقع القصر في منطقة كرادة مريم التي أصبحت تعرف لاحقا بـ “المنطقة الخضراء” ، حيث توجد مقرات رئاسة الوزراء والقصر الجمهوري والمجلس الوطني ووزارة التصنيع العسكري ووزارة الدفاع وفندق الرشيد، إضافة إلى عدة قصور تعود لصدام حسين وأسرته مثل قصر الزقورة وقصر السجود، كما تضم ساحة الاحتفالات الكبرى ونصب الجندي المجهول.  وتوجد عدد من السفارات في المنطقة الخضراء أكبرها السفارة الأمريكية، والبريطانية واليابانية والإيطالية والهولندية وغيرها. كما توجد بعثة منظمة الأمم المتحدة في العراق “يونامي”.

يتألف المبنى من خمسة طوابق تضم القاعة الرئاسية الكبرى والقاعة الدستورية والقاعات المرقمة من ١ إلى ٥ ، وهي مختلفة الأحجام ومتعددة الأغراض ، ومكاتب اللجان النيابية وغيرها. كما يضم دوائر رئاسة مجلس النواب والمديريات التابعة لها والمكتبة والكافتيريا وقاعة الاعلام ، وللقصر بوابتان إحداهما من الأمام والأخرى في الخلف لدخول الشخصيات المهمة ، ويتميز القصر بالبهو الواسع في مدخله الذي يرتفع بمستوى طابقين وله سلم عريض يؤدي إلى الطابق العلوي، حيث تقام فيها النشاطات الفنية والمعارض وغيرها.

بدأ البناء بالقصر عام ١٩٧٩ وافتتح عام ١٩٨٢ ، وقد استخدم في الواجهات نوعان من الاكساء، الأول الخرسانة بلونها الرصاصي ، والثاني استخدام المرمر الإيطالي الأبيض ، كما شيدت السلالم من حجر الكرانيت ، وبشكل مشابه لمبنى البرلمان الفنلندي التاريخي المشهور. ومن الجانب الأيمن تنتصب خمس أسطوانات بيضاء في كل منها قاعات اجتماعات صغيرة شبابيكها تشرف باتجاه داخل المبنى ، واستخدمت في الداخل أعمدة من المرمر تم تجهيزها من البرتغال. أما القاعة الكبرى التي اتخذها مجلس النواب مكاناً لعقد جلسات الافتتاح والتصويت بالثقة على الحكومة ، فهي بمواصفات قياسية خاصة ، وتسع لأكثر من ألف شخص مع مسرح واسع ، وتجهيزات إنارة وصوت وتكييف وغيرها ، كما توجد شرفات جانبية وخلفية تطل على القاعة مخصصة للضيوف. تم استخدام الجسور الخرسانية المتعامدة بارتفاع متر واحد حيث تتشابك لتمنح القاعة فضاء واسعاً مفتوحاً.

شهد قصر المؤتمرات مؤتمر القمة العربية في ٢٨ ايار/مايو عام ١٩٩٠ ، ثم شهدت اجتماعات الجمعية الوطنية عام ٢٠٠٤ ثم مجلس النواب العراقي. وعقد فيه الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” مؤتمراً ، وزاره العديد من الملوك والرؤساء. كما تعقد في بعض قاعاته نشاطات ومؤتمرات واحتفالات كثيرة سنوياً. وعقدت فيه مؤتمرات دولية منها مؤتمر دولي عام ٢٠٠٧ ، ومنها محادثات ٥ + ١ بين ايران والدول الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وألمانيا) حول الاتفاق النووي في ٢٣ ايار/مايو ٢٠١٢.

قصف قصر المؤتمرات

في عام ١٩٩١ تعرض قصر المؤتمرات إلى قصف عنيف ألحق ضرراً بالقاعة الرئيسة والمسرح حتى وصل التصدع إلى السرداب. كما استهدفت القاعة الرئاسية بقنابل تدميرية نسفت القاعة كلياً والقاعة المماثلة لها أسفلها، إضافة إلى تدمير منظومات الإنارة والصوتيات والتكييف والمصاعد والشبابيك والأبواب والسجاد الفاخر ، وتمكنت الكوادر العراقية الهندسية آنذاك من إعادة تأهيل المبنى ثم إعادة افتتاحه مرة أخرى.

مشاهداتي في قصر المؤتمرات

بعد سقوط النظام في ٩ نيسان/ابريل ٢٠٠٣ كان قصر المؤتمرات أفضل مبنى للقيام بكثير من النشاطات الرسمية والسياسية ، فقد اتخذته الجمعة الوطنية العراقية ، وهي أول تشكيل برلماني عراقي بعد سقوط النظام، مقراً لها مستفيدة من القاعات والخدمات الكثيرة التي تتوفر فيه ، كما أن موقع في المنطقة الخضراء قد وفر الأمن للموظفين فيه والزائرين له ، وكانت مفارز من القوة العسكرية من أمريكا الجنوبية تتولى أمور التفتيش للداخلين له، إضافة إلى مراقبة من الجنود والضباط الأمريكيين.

خلال تلك الفترة كنت أشارك في بعض الاجتماعات الرسمية التي كنت أدعى إليها مثلاً اجتمعنا في ٢٤ ايار/مايو ٢٠٠٥ في إحدى القاعات الصغيرة في قصر المؤتمرات مع السفير ، ريتشارد جونز، مستشار وزيرة الخارجية الأمريكية ، كوندوليزا رايس ، ومنسق سياسة العراق للفترة من شباط/فبراير  إلى أيلول/سبتمبر ٢٠٠٥ ، وكان الحضور لممثلي الوقفين الشيعي والسني حيث كنت أمثل الوقف الشيعي لأنني كنت أشغل منصب مدير عام العلاقات والاعلام فيه ، وحضر الدكتور عدنان الدليمي رئيس الوقف السني آنذاك وممثل الوقف المسيحي المهندس عبدالله النوفلي ، وفي ذلك الاجتماع أبلغنا السفير جونز بأن السفير الأمريكي القادم سيكون مسلماً، ويقصد زلماي خليل زاد.

وفي أحد المرات حضرت اجتماعاً للجنة المحافظات والأقاليم في مجلس النواب ، وقمت بشرح أهم مواد قانون مجالس المحافظات رقم ٢١ لسنة ٢٠٠٨ حيث طالبت النواب بضرورة إجراء تعديلات في مواد عديدة ، وأوضحت المشاكل العملية والقانونية والادارية التي يعانيها المحافظون عند تطبيق القانون.

كما حضرت اجتماعاً مع رئيس البرلمان أسامة النجيفي بطلب منه، حيث عقد الاجتماع في مكتبه ، وتناولنا المشاكل التي تعاني منها الحكومات المحلية ، واتفقنا على الاهتمام بالحكومات المحلية وسبل النهوض بأدائها.

وفي ٣ أيلول/سبتمبر عام ٢٠١١ وجهت لي دعوة من مجلس النواب لحضور جلسة المجلس ومناقشة شحة الماء في بغداد ، وكان من الحاضرين معي كل من أمين بغداد ، صابر العيساوي، ومحافظ نينوى ، أثيل النجيفي. وكانت أسئلة النواب موجهة للعيساوي لأن كثير من مناطق بغداد المركز كانت تعاني من هذه المشكلة ، كما تلقي أثيل سيلاً من الأسئلة وبعضها اتهامات من قبل النواب الكرد.

في ٢٢ كانون الثاني/يناير ٢٠١٢ شاركت في مؤتمر المعالجات التشريعية للحد من بطالة الشباب الذي عُقد في القاعة الدستورية بمشاركة وزراء ونواب ومختصين.

كما استضاف المبنى اجتماعات لجنة الفك والعزل التي عقدت اجتماعات متواصلة بين ممثلي الوقفين الشيعي والسني وبرئاسة القاضي علاء الساعدي ، واستمرت الاجتماعات لعدة سنوات حتى تكللت بالاتفاق على الضوابط الخاصة بعائدية كل وقف ، وتم التوقيع عليها بحضور رئيسي الوقفين وأعضاء اللجنة إضافة إلى نواب من لجنة الأوقاف والشؤون الدينية النيابية.

المصادر:

  • ويكيبيديا
  • بغداد الرشيد في ٢٧ آب/اغسطس ٢٠٢٠
  • موسوعة العمارة العراقية، ج ١، ص ٢١٨- ٢٢٠
  • جريدة العالم الجديد في ٢٠ شباط/فبراير ٢٠١٦
  • شاهد نصف قرن، مذكرات صلاح عبد الرزاق ، ج ٢

قصة مجلس الاعمار الملكي رائد النهضة العمرانية .. أهداف المجلس وسياساته وإنجازاته (٢-٢)

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

أهداف مجلس الاعمار

تتلخص الأهداف الاقتصادية لمجلس الاعمار بالتالي:

١-تحقيق المشاريع التي تعود بالخير على الاقتصاد القومي.
٢-تحقيق المشاريع التي ترفع مستوى معيشة الفرد الى طبقة اجتماعية أعلى.
٣-التخفيف من أزمات الشعب في سكناه وفي المياه والشرب والكهرباء.
٤-تكوين الملكيات الصغيرة والتوسع فيها لتخليص الاقتصاد الزراعي من وطأة النظام الاجتماعي والاقتصادي السقيم وتحرير الفلاح مما هو فيه.
٥-إيقاف نظام الاستيلاء غير المشروع على الأراضي الأجرية. واذا ما كان قانون التسوية قد أجاز ذلك، فيجب ان يلغى هذا القانون .
٦- تكوين الخبرة الفنية وإقامة التعليم المهني والفني ليتسنى تنظيم حياتنا الاقتصادية بطريق أفضل.
٧- توجيه مشاريع الاعمار وجهة إنتاجية لتكثر مجالات العمل والإنتاج، الأمر الذي يرفه الفرد ويقلل من اعتماد البلاد على الأسواق الخارجية في سد احتياجاته الاستهلاكية.
٨- تشجيع حركة التصنيع عن طريق المشروعات التي ينهض بها المجلس او عن طريق المصرف الصناعي.
٩- رفع مستوى الفلاح الاجتماعي والاقتصادي وتحسين نوع الحاصلات وتنويعها بتقديم المساعدات الفنية والمالية والمادية.
١٠-تحسين وسائل المواصلات البرية بإنشاء الطرق (وهي أساسية وضرورية لكل تقدم وتطور) وأسباب النقل النهرية والبحرية. وما شركة النقل البحري التي وضع قانونها موضع التنفيذ بعد اهمال طويل إلا نتيجة هذه الجهود، وتوسيع السكك الحديدية والموانئ.
١١-تحقيق مشاريع الري الكبرى لاستغلال الأراضي الزراعية الشاسعة.
وبهذا تكون الخطة اقتصادية متكاملة شاملة الانماء الاقتصادي والاعمار.

سياسة مجلس الاعمار

رغم أن مجلس الاعمار قد استمر في العمل لمدة سبع سنوات (١٩٥١-١٩٥٨) لكنه قدم للعراق عشرات المشاريع الضخمة والبنى التحتية شملت الجسور والسدود ومشاريع الكهرباء والمياه ومعامل النسيج والسمنت والسجائر والسكر والنفط والطرق البرية والسكك الحديد ومشاريع الإسكان والري والزراعة التي شملت جميع محافظات العراق.

في عام ١٩٥١ تم تخصيص (٦٥،٧) مليون دينار ثم زادت التخصيصات المالية فبلغت (١٥٥،٤) مليون دينار عام ١٩٥٣. وهذا مبلغ كبير آنذاك.

وخلال الخطة الخمسية (١٩٥١- ١٩٥٦) تم توزيع التخصيصات المالية كالتالي:

قطاع الزراعة  ٣٤،٤٪

قطاع الصناعة  ١٩،٩٪

قطاع النقل       ١٧،٢٪

قطاع الإسكان    ١١،٦٪

قطاع الري وأخرى ١٦،٩٪

فيكون المجموع ١٠٠٪ .

يلاحظ أن قطاع الزراعة استحوذ على ثلث عائدات النفط ويعود ذلك إلى أن قطاع الزراعة كان يشكل ٣٠٪ من الدخل القومي. وهي نسبة كبيرة مقارنة بواقع الزراعة عام ١٩٥٨ وبالوقت الحالي. كما استحوذ قطاع الزراعة على ٧٠٪ من الأيدي العاملة في العراق آنذاك ، ويأتي دور الزراعة الكبير في العراق رغم أن النفط قد أكتشف عام ١٩٢٥ وبدأ انتاجه في حقوق بابا كركر بكركوك عام ١٩٢٧ وتم تصدير أول شحنة عام ١٩٣٤ ، لكن عائدا النفط كانت قليلة لأن أغلبها تذهب إلى الشركات الأجنبية العاملة في حقول النفط. من جانب آخر كانت سياسة مجلس الاعمار هي تنمية القطاع الزراعي وتصدير المنتجات الزراعية والحيوانية وعدم الاعتماد على النفط مصدرا رئيسا للدخل. وهو الأمر الذي حصل منذ عام ١٩٥٧ حيث تم تخصيص ٧٠٪ من عائدات النفط لمجلس الاعمار ، وحتى عام ١٩٥٨ كان العراق يعتمد على عائدات النفط بنسبة ٤٠٪ فقط من مصادر الدخل القومي. للأسف ارتفعت النسبة حالياً إلى ٩٥٪ ، وأصبح العراق واقعاً تحت تأثير تقلبات أسعار النفط العالمية وبالتالي حدوث أزمات مالية واقتصادية جسيمة.

مشاريع مجلس الاعمار

كان مجلس الاعمار أعد برنامجاً سنوياً لافتتاح المشاريع سمي بـ (أسبوع الإعمار). وتم الاحتفال به لعامين فقط ، ١٩٥٦ و١٩٥٧ .

توزعت المشاريع التي أنجزها مجلس الإعمار على عدة قطاعات:

أولاً: قطاع الري والسدود

١-إنجاز سد الرمادي وبحيرة الحبانية عام ١٩٥٦ لتحويل المياه إليها من نهر الفرات في مواسم الفيضان.

٢-انجاز مشروع سد وبحيرة الثرثار عام ١٩٥٦ للسيطرة على فيضان دجلة ،خاصة بعد فيضان عام ١٩٥٤ الذي أغرق بغداد.

٣-إنشاء سد دوكان (١٩٥٤-١٩٥٩).

٤-إنشاء سد دربنديخان عام ١٩٥٦

٥-إنشاء سد بطمة على نهر الزاب الصغير، وخزان بخمة على نهر الزاب الكبير.

٦-مبزل الصقلاوية.

٧-مشروع مزارع المسيب الكبير.

ثانيا: قطاع الجسور

  • جسر الملكة عالية (الجمهوري) في بغداد.
  • جسر الأئمة في بغداد.
  • جسر الحلة.
  • جسر الناصرية.
  • جسر الموصل.
  • جسر العمارة.
  • جسر الهندية.
  • جسر السماوة المعلق.
  • جسر الكوفة.
  • جسر القرنة.
  • جسر بعقوبة للقطار.
  • جسر بعقوبة للسيارات (لم ينجز).
  • جسر طقطق.
  • جسر الكوت (لم ينجز).
  • جسر الكرادة في بغداد (لم ينجز).
  • جسر باب المعظم ببغداد (لم ينجز).
  • جسر الدورة (لم ينجز).
  • جسر ديالى.
  • جسر الفلوجة.
  • جسر بين بغداد والكوت (لم ينجز).

ثالثاً: قطاع الطرق

  • طريق الحلة – الكوفة – النجف
  • طريق بغداد – المحمودية
  • طريق بغداد – الفلوجة
  • طريق الحلة – الديوانية

رابعاً: قطاع الصناعة

  • معمل ألبان أبو غريب ١٩٥٧
  • معمل الغزل والنسيج القطني في الموصل ١٩٥٧
  • معمل السكر في الموصل في عام ١٩٥٨
  • معمل الغزل والنسيج في معسكر الرشيد ببغداد ١٩٥٨
  • معمل السمنت في سرجنار بالسليمانية ١٩٥٧
  • معمل سمنت بابل ١٩٥٥
  • معمل سمنت حميدات (الرشيد) ١٩٥٦
  • معمل سمنت حمام العليل عام ١٩٥٨
  • معمل الطابوق الحديث في بغداد
  • معمل الورق في البصرة (لم ينجز)
  • معمل الحديد والصلب في البصرة (لم ينجز)
  • مصفى الدهون من المواد النفطية
  • مصفى الدورة عام ١٩٥٢
  • مشروع تكرير النفط في البصرة (لم ينجز)

خامساً: قطاع الإسكان

  • بناء (١٢٠) دار في منطقة الوشاش.
  • بناء (١٠٠٠) دار في منطقة الشالجية لعمال السكك.
  • وافق مجلس الاعمار على تنفيذ المنهاج الخاص الذي يشمل إنشاء حوالي (١٠،٠٠٠) مسكن يتضمن إنشاء (٤٠٠٠) دار في بغداد و (١٠٠٠) دار في الموصل و (١٠٠٠) دار في كركوك و (٢٠٠٠) في البصرة.
  • إنشاء مساكن ملحقة بالمشاريع الصناعية منها (٨٦٠) مسكن لموظفي ومستخدمي معمل الغزل والنسيج الجديد في الموصل، و(٥٥٠) مسكن لموظفي ومستخدمي معمل توليد الطاقة الكهربائية في دبس. وكذلك المساكن اللازمة لموظفي ومستخدمي معملي السمنت والسكر في الموصل.
  • مخطط لإنشاء (٢٥٠٠٠) دارا في مختلف أنحاء العراق في السنين الخمس الأولى حتى عام ١٩٦٠.
  • مخطط إنشاء (٤٠٠) ألف وحدة سكنية في العراق حتى عام ١٩٨٠ .
  • في منتصف الخمسينات كلفت الحكومة العراقية مؤسسة “دوكسياكس” الاميركية اعداد مخطط عصري وجديد لمدينة بغداد يحتوي على مشروع سكني للبناء والاعمار والتطوير وتدريب المهندسين ، وقامت المؤسسة بوضع مخطط لتطويق مدينة بغداد بوحدات سكنية جاهزة، متعامدة ومنفصلة، تمتد على طرق مرور عريضة. وقد قسمت هذه المناطق بدورها الى وحدات “بلدية” بمراكز صغيرة وأحياء سكنية تابعة لها، ووضعت تحت منظومة من الطرق المقفلة. ويتألف كل مركز بلدي من سوق ومسجد ومرافق عامة.
  • مشاريع الإسكان في المأمون واليرموك وزيونة وحي الإسكان غرب بغداد.
  • وكان من المقرر أن يتم حتى نهاية عام 1958 إنشاء 2800 دارا ، وإعمار 1215 قطعة أرض وإنشاء قرية نموذجية في مشروع المسيب الكبير وإنشاء 2235 داراً وإعمار 1543 قطعة أرض وإنشاء ست قرى إضافية في مشروع المسيب الكبير.
  • بوشر بالفعل فيها في كل من الموصل ودبس وسرجنار والسليمانية وكركوك والبصرة ، وقد أعلنت مناقصات لانشاء مشاريع إسكان أخرى في الكوت والعمارة وكربلاء والمسيب الكبير.

مدينة الفيصلية (الثورة) وزيونة واليرموك

في الخمسينيات قرر مجلس الاعمار بناء مجمع سكني حديث لسكان الصرائف في منطقة تسمى “الفيصلية”، وتقرر آنذاك توزيعها عليهم ولمن لديه مهنة أو حرفة ، وأما الفلاحين فيتم إعادتهم إلى مناطقهم ، ومنح كل فلاح من ١٠٠ إلى ٢٠٠ دونم لزراعتها، بشرط أن تبقى باسم الدولة كي لا يتم التصرف فيها أو تقسيمها أو بيعها.

اتفاق مجلس الاعمار مع المهندس المعماري اليوناني “دوكسيادس” (١٩١٣- ١٩٧٥) على بناء من خمسة إلى سبعة قطاعات نظامية وبيوت واطئة الكلفة بمساحة (٢٠٠) إلى (٣٠٠) متر مربع مع تجهيزها بالخدمات والبنى التحتية مثل بقية المشاريع كمشروع إسكان غربي بغداد والوشاش والطوبجي التي تم بناؤها من قبل شركة دوكسيادس بالتعاون مع شركة “تاجريان” وافتتحت عامي ١٩٥٧ و١٩٥٨ من قبل الملك فيصل الثاني.

بعد حدوث التغيير السياسي في ١٤ تموز ١٩٥٨ توقف مشروع  الفيصلية، وتم طرد جميع الشركات الأجنبية باعتبار أنها تابعة للاستعمار ، وكخطوة ثورية ودعائية،  قام الزعيم عبد الكريم قاسم بتوزيع أراضي المشروع خالية من أي خدمات وبمساحة (١٤٠) متراً لكل عائلة. وبذلك ارتفع عدد القطاعات إلى ٨٠ قطاعاً ، وكل قطاع يضم آلف مسكن، قام آصحابها ببنائها ، وتم تسميتها بمدينة (الثورة) التقدمية بدلاً من (الفيصيلية) الرجعية.


أما بناء أحياء زيونة واليرموك فتعود فكرتها إلى الضابط “حسيب الربيعي” الذي درس في بريطانيا ضمن بعثة عسكرية أرسلتها الحكومة العراقية ، وبعد عودته سعى لإنشاء مدينة سكنية للضباط بمساحة من (٤٠٠) إلى (٦٠٠) متر مربع لكل منزل. تقدم الربيعي بالفكرة عام ١٩٥٤ إلى الحكومة التي وافقت عليها ثم أحالتها إلى مجلس الاعمار. تم شراء بستان بعيد في الرصافة يعود لعائلة مسيحية اسمها عائلة زيونة ، تم تخطيط المشروع وبناء المساكن ولكن توفي حسيب الربيعي قبل انتهاء المشروع ، فسمي الشارع باسمه (شارع الربيعي). وفوجئت عائلته بانها لم تستلم منزلاً مثل بقية الضباط، لكن بعد استفسارهم قيل لهم أن والدهم شطب اسمه لأنه يمتلك منزلاً ولا يستحق ، وبعد ذلك تم تعويضهم ومنحهم داراً في المجمع الثاني للضباط في حي اليرموك في الكرخ. علماً بأن مشروع اليرموك تم بنفس الطريقة للضباط حيث تم توزيعه عليهم وفيهم من تسلم مناصب عليا فيما بعد مثل الرئيس عبد الرحمن عارف.

سادساً: قطاع الكهرباء

  • محطة الدبس للطاقة الكهربائية في كركوك بسعة ٦٠ ميغاواط.
  • محطة بغداد في الدورة بسعة ٨٠ ميكاواط تزداد إلى ٢٠٠ ميغاواط.
  • محطة البصرة بسعة ٤٥ ميكاواط تزداد إلى ١٥٠ ميغاواط.
  • مشروعي الماء والكهرباء في معسكر سعد ببعقوبة ١٩٥٧
  • مشروعي الماء والكهرباء في معسكر جلولاء ١٩٥٧
  • إنشاء خطوط نقل الطاقة الكهربائية من المحطات إلى المدن القريبة مثلاً محطة الدبس تزود الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية ومعمل سمنت سرجنار، ونقل الطاقة من محطة بغداد إلى مدن الفرات الأوسط كالحلة وكربلاء والهندية والمسيب والنجف والكوفة والشامية والديوانية.

أبنية طبية ورياضية وثقافية وحكومية

  • إنشاء مدينة الطب في بغداد (تأخر إنجازها).
  • بناية جامعة بغداد.
  • بناية المتحف العراقي في الكرخ (أنجزت عام ١٩٦٦).
  • بناية مجلس الاعمار (وزارة التخطيط لاحقاً) أنجزت عام ١٩٧٠
  • بناية البرلمان الملكي (المجلس الوطني لاحقاً).
  • بناية البلاط الملكي (القصر الجمهوري لاحقاً).
  • مطار بغداد الجديد في الدورة (لم ينجز).
  • فندق هيلتون (لم ينجز).
  • فندق كبير في كربلاء (لم ينجز).
  • ملعب رياضي كبير قرب المحطة العالمية (لم ينجز).
  • دار الأوبرا (لم ينجز).
  • مستشفى الكاظمية.
  • مستشفى الكرخ.
  • محطة الإذاعة الجديدة في أبو غريب.
  • المركز المدني في شارع الجمهورية الذي يضم أيضاً مبنى أمانة بغداد ودائرة إسالة ماء بغداد (أنجز في الثمانينيات).
  • المكتبة الذرية والمختبر المركزي لبحوث الذرة.
  • ارتفع عدد المدارس الابتدائية من (١٠٧٠) إلى (١٧٤٨) مدرسة أي بنسبة ٦٠٪. وارتفع عدد المدارس الثانوية من (١٠٨) إلى (١٥٢) مدرسة أي بنسبة ٧٠٪.
  • ارتفع عدد المستشفيات من (٨٢) إلى (١٢١) مستشفى أي بنسبة ٦٨٪.

ما بعد مجلس الاعمار الملكي

رغم النجاح الذي حققه مجلس الاعمار والحكومة الملكية في النهوض بالبلاد من خلال توظيف عائدات النفط العراقي بالشكل الأمثل، لكن معارضي النظام الملكي لم يكونوا راضين عنه، وسعوا بشتى السبل إلى عرقلة مسيرته ، فكانت المواقف السياسية هي التي تحرك الشارع الذي يضج بالتظاهرات والاحتجاجات، والتحرك السياسي والشعارات البراقة المناهضة للاستعمار والمؤيدة للقومية العربية التي يقودها جمال عبد الناصر هي لغة الخطاب في المشهد العراقي آنذاك. وما حدث في مصر من انقلاب على النظام الملكي في ٢٣ تموز/يوليو ١٩٥٢ نموذجا يسعى له كبار الضباط في المؤسسات العسكرية وبعض الأحزاب السياسية في إحداث تغيير إنقلابي كبير.

ورغم معاداته لتوجهات ناصر القومية لكن الزعيم (العميد) عبد الكريم قاسم اختار نهج ناصر وأسلوبه في القيام بانقلاب تموز/يوليو ١٩٥٨ رغم اختلاف الظروف السياسية وتنوع الشعب العراقي بأديانه ومذاهبه وقومياته. كما أن قاسم سار على نهج ناصر في إلغاء النظام السياسي الديمقراطي التعددي، وأسس نظاماً تحكمه أولغارشية عسكرية سعى إلى تطعيمها ببعض الوجوه المدنية الليبرالية لاستيعاب معارضتها لحكمه لكنه اخفق عندما سمح لقوى ماركسية وقومية وبعثية استخدمت العنف في الشارع العراقي لتصفية خصومها ومنافسيها.

منذ اطاحة النظام الملكي الديمقراطي والعراق في دوامة الانقلابات العسكرية ومؤامرات الرفاق فيما بينهم، وكل من يصل للسلطة يقوم بتصفية أعدائه ، فدخل العراق في صراع العنف والدم والتقتيل والتهجير والحروب الداخلية ضد الشيعة والكرد اللذين نالا الحصة الأكبر من ظلم الأنظمة الجمهورية ، وعندما أمسك حزب البعث بالسلطة عام ١٩٦٨ اتسمت سياسته الداخلية بالقمع والتنكيل والإرهاب والقضاء على معارضيه بأساليب وحشية فصار الشعب يجد في النظام عدواً له قبل أن يكون خادماً لبلده ، وعلى الصعيد الخارجي لم يكتف النظام البعثي بالعداء لدول الجوار والدول العربية مثل سوريا والسعودية والكويت ومصر ، فصار يتدخل في شؤونها الداخلية ويدعم أحزاباً بعثية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، كما أن الاعلام البعثي كان موجهاً ضد سياسات تلك الدول ويخصص برامج إذاعية وتلفزيونية وصحفاً ومجلات لشن حملات دعائية ضدها.

وكانت علاقات حزب البعث متوترة عموماً مع جيران العراق حتى أنه دخل في حروب عبثية مع إيران والكويت والسعودية ، وكانت نتائجها كارثية حيث أدت إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة، وخلفت مآسي اجتماعية واقتصادية إضافة إلى ديون كبيرة وقطع علاقاته مع أغلب دول العالم ، وتشريد ملايين العراقيين لاجئين في أصقاع الأرض هرباً من جحيمه.

وصاحب ذلك دخول العراق في محنة الحصار الاقتصادي منذ عام ١٩٩١ وحتى عام ٢٠٠٣ حيث أدى إلى توقف المشاريع والخطط التنموية، وانشغال رأس النظام ببناء القصور والحفلات التي يدعى إليها مؤيدون عرب وأجانب.

وبعد سقوط النظام البعثي وتأسيس نظام سياسي ديمقراطي، وتشكيل مؤسسات دستورية وإجراء انتخابات محلية وبرلمانية كل أربع سنوات وتداول السلطة سلمياً، لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من وضع استراتيجية اقتصادية وتنموية للنهوض من ركام النظام البائد والسير بالبلاد نحو البناء والتقدم ، ورغم إنجاز آلاف المشاريع في قطاعات التعليم والصحة والماء والمجاري والنقل والطرق والجسور والكهرباء لكن العراق ما زال يعاني من مشاكل كبيرة خاصة في نقص الطاقة الكهربائية والمستوى المتدني للخدمات البلدية وتوفير مياه الشرب ومشاريع المجاري وإكساء الطرق والنقص الكبير في الوحدات السكنية ، إضافة إلى استيراد أغلب المنتجات الزراعية من الخارج، واستيراد جميع الأجهزة الكهربائية والمكائن والآلات وكل شيء تقريباً ، وما زالت الموازنة السنوية تعتمد على إيرادات النفط بشكل رئيس حتى بلغت ٩٥٪ وصار راتب الموظف ولقمة العيش تحت رحمة تقلبات أسعار النفط العالمية ، وما تزال عائدات النفط تستهلك في الموازنة التشغيلية التي تتركز في دفع رواتب الموظفين وشبكة الحماية الاجتماعية والحصة الغذائية والدين وأقساط القروض وفوائدها ، أما الموازنة الاستثمارية المخصصة لبناء المشاريع العمرانية والبلدية والخدمية فقد تناقصت بشكل كبير جداً في موازنات الأعوام ٢٠١٤-٢٠٢١ .

الحاجة لمجلس إعمار جديد

إن العراق بحاجة إلى سياسة عمرانية جديدة قادرة على إنجاز مشاريع البنى التحتية وتوظيف الشباب وخدمة الاقتصاد الوطني ، وقد جرى التفكير بإعادة تشكيل مجلس الإعمار من جديد عندما وافق مجلس الوزراء على تشريع إنشاء مجلس الاعمار في أيلول ٢٠١٩  ، وتم دفع مقترح القانون إلى مجلس النواب لكنه ما زال في أدراج اللجان النيابية ، كما أنه من الضروري أن يكون مجلس الاعمار الجديد مؤسسة مستقلة مهنية بعيدة عن المحاصصة الحزبية والمكوناتية ، وأن يضم خبراء في التخطيط والاقتصاد والمال والقانون والأعمال الهندسية والصناعية والزراعية ، كما أن على المجلس وضع خطط خمسية للنهوض بالخدمات والسكن ومعالجة البطالة والسكن العشوائي والتعدي على عقارات الدولة ، وكذلك يجب تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال تشجيع السياحة الدينية والآثارية وتوفير مستلزمات الاستثمار الأجنبي في العراق.

تضمن مقترح قانون مجلس الاعمار ما يأتي:

  • تشكيلة المجلس تتألف من رئيس الوزراء رئيساً وعضوية وزراء المالية والنفط والتخطيط ومدير تنفيذي.
  • عضوية خمسة أعضاء من القطاع الخاص من المختصين في شؤون الاعمار وإدارة المشروعات.
  • يتولى مجلس الاعمار الموافقة على التفاوض والتعاقد مع الجهات العراقية والأجنبية والمنظمات الدولية والشركات الاستشارية لتقديم الدراسات والتصاميم.
  • يتولى المجلس وضع الأنظمة والسياسات والخطط والبرامج والمواصفات والقرارات التي تلزم وزارات الدولة ودوائرها والقطاع الخاص بتنفيذها.
  • توفير التمويل والضمانات والتسهيلات المالية للمشروعات التي ينفذها المجلس.
  • للمجلس صلاحيات هيئة الاستثمار واختصاصاتها ومهامها ومنها منح الاجازة الاستثمارية.
  • للمجلس عرض الاكتتاب بالأسهم على المشروعات على الجمهور العراقي أولاً ثم الأجنبي. وتوزع أرباح المشاريع على المواطنين العراقيين.
  • تخضع حسابات المجلس وتشكيلاته إلى رقابة وتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي.
  • للمجلس الطلب من مجلس الوزراء تخصيص الأراضي لمشروعاته. وتلتزم الوزارات والمحافظات والأقاليم بتوفير العقارات الصالحة لإقامة مشروعات المجلس.
  • يلغى قانون مجلس الاعمار ووزارة الاعمار رقم (٢٧) لسنة ١٩٥٣ .

 المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • نشرة مجلس الاعمار العدد ٤ في عام ١٩٥٦
  • حميد القطبي ، موسوعة هذا اليوم في ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١٦
  • صادق الطائي، مجلس الاعمار.. حلول الأمس وهموم الغد، القدس العربي في ٢٧ آذار ٢٠١٨
  • عادل عبد الزهرة شبيب، شروط نجاح مجلس الاعمار في العراق، الزمان في ٢٣ كانون الأول ٢٠١٩
  • سيف الدين الدوري، الكاردينيا، في ٢٤ آب ٢٠٢٠
  • سنان ، مجلس الاعمار الملكي في أيام الملك فيصل الثاني، في ٢٣ تشرين الأول ٢٠١٩
  • بغداديات أيام زمان، مجلس الاعمار ومشاريعه في العراق، ٢٩ آب ٢٠١٥
  • مسودة قانون مجلس الاعمار لعام ٢٠١٩
  • حيدر حميد رشيد، عبد الكريم الأزري وموقفه من القضايا الاجتماعية، مجلة الهدى في أيلول ٢٠١٥
  • تحسين الشيخلي نقلاً عن أرشيف مجلس الاعمار وأرشيف شركة تاجريان.

قصة مجلس الاعمار الملكي رائد النهضة العمرانية .. فكرة المجلس واستراتيجيته وتشكيلاته (١-٢)

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعد تجربة مجلس الاعمار الملكي في العراق قفزة نوعية نحو التطور وإنشاء البنى التحتية وفق خطط مدروسة وأساسيات قابلة للتكرار ، إذ تم حصر بناء وتنفيذ المشروعات الاستراتيجية بمؤسسة واحدة تتولى التخطيط والتعاقد والاشراف والمتابعة ، وكانت نتائجها رائعة مقارنة بالتجربة الحالية لتنفيذ مشاريع الموازنة الاستثمارية حيث تقوم كل وزارة أو محافظة أو هيئة مستقلة بالاشراف على تنفيذ مشاريعها ، الأمر الذي رافقه التخبط والفساد وسوء التخطيط وفشل التنفيذ وتلكؤ آلاف المشاريع منذ عام ٢٠٠٣ .

كانت خطط التنمية السابقة لحكومة العهد الملكي عاجزة لوحدها عن النهوض بالتنمية المطلوبة وذلك بسبب قلة العائدات النفطية آنذاك ، ففي الفترة من عام  ١٩٣٢ ، أي استقلال العراق وانضمامه إلى عصبة الأمم المتحدة، وحتى عام ١٩٥٠ كانت عائدات النفط بلغت (٣٦ ) مليون دينار ، وهذا يعني أنه خلال ١٨ عاماً كان معدل الايراد السنوي يبلغ مليوني دينار فقط ، وهذا رقم ضئيل لا يفي باحتياجات البلد نحو التقدم والنهوض.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت أوربا تشهد نهضة عمرانية جديدة لإعادة بناء ما دمرته الحرب وإنشاء بنى تحتية جديدة وخاصة في مجال الإسكان وبناء مساكن للمواطنين وخلق فرص عمل في إنشاء المصانع الإنتاجية وتطوير السكك الحديد والطرق والموانئ والمطارات ، وكانت خطة مارشال الأمريكية وفرت التمويل المالي لإعادة إعمار أوروبا.

تلك الحركة العمرانية الأوربية وجدت صداها في دول أخرى خارج أوربا. وكان العراق أحد البلدان التي تجاوبت معها.

الأزري صاحب فكرة مجلس الاعمار

تعود فكرة تأسيس مجلس الاعمار إلى وزير المالية عبد الكريم الأزري (١٩٠٨-٢٠٠٨) عندما قدم مشروع قانون المجلس إلى المجلس النيابي الذي صدّق عليه في ٢٥ نيسان /ابريل١٩٥٠ . ولد عبد الكريم عبد الحسين الأزري في الكاظمية، أكمل دراسته الثانوية في بغداد ثم ذهب بعدها إلى الجامعة الأمريكية ببيروت ثم أوفد ببعثة لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن على نفقة وزارة الأوقاف حيث تخرج عام ١٩٣٠.

أثناء دراسته الجامعية في لندن تأثر الأزري بالمبادئ الأممية ومبادئ الفابية أو الاشتراكية الجديدة وإرشاد أستاذه هارولد لاسكي (١٨٩٣-١٩٥٠) الذي كان أستاذاً في كلية لندن للاقتصاد بين عامي ١٩٢٦-١٩٥٠. كما أبدى الأزري اهتمامه بالفلسفة والاجتماع السياسي إضافة إلى تخصصه في الاقتصاد.

شغل عدة مناصب في العهد الملكي منها منصب قنصل العراق في كرمنشاه بإيران عام ١٩٣٠ ، ومنصب وزير الخارجية ووزير الاعمار لعدة مرات، بالإضافة إلى كونه أستاذاً في دار المعلمين العالية. كما شغل وظيفة سكرتير لوزير المعارف ثم معاوناً لرئيس الديوان الملكي. كما أصبح نائباً في المجلس النيابي في خمس دورات نيابية للفترة من عام ١٩٤٣ إلى ١٩٥٨. في عام ١٩٤٦ فاتحه كامل الجادرجي بالانضمام إلى الحزب الوطني الديمقراطي الذي تزعمه الجادرجي فأصبح الأزري نائباً له. وكان الحزب يطالب بالإصلاح العام في نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق برنامج ينقل العراق من دولة متأخرة إلى دولة ديمقراطية عصرية ، وكان الأزري يطالب بإصلاح التعليم والإداري والقوانين وحل مشكلة الأراضي الأميرية وقدم تصورات عملية لحلها، وكان آخر وزير مالية في العهد الملكي حتى عام ١٩٥٨ .

عبد الكريم الأزري هو ابن الأديب والصحفي عبد الحسين الأزري، وشقيق الوزير عبد الأمير الأزري. أصدر كتابه الشهير (تاريخ وذكريات العراق ١٩٣٠-١٩٥٨). توفي في لندن عن عمر مائة عام.

كان الأزري من المثقفين المصلحين الذين ربطوا الإصلاح السياسي بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.

بعثة دولية ترسم استراتيجية النهضة العمرانية

كانت الوزارات العراقية عاجزة عن تلبية متطلبات النهضة العمرانية المطلوبة. لذلك بادر المجلس النيابي إلى إصدار قانون مجلس الاعمار في ٢٥ نيسان/ابريل ١٩٥٠ بمقترح من وزير المالية آنذاك عبد الكريم الأزري الذي قدم لائحة المشروع ، لكن لم يجر تفعيل مجلس الاعمار بانتظار وجود خطط استراتيجية توجه بوصلة النهضة العمرانية المطلوبة.

لذلك بادرت الحكومة العراقية لمفاتحة البنك الدولي للانشاء والتعمير رسمياً في تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٥٠ لإبداء المشورة للعراق في رسم سياسة تطوير ووضع توصيات والمساعدة في وضع برامج للاعمار. وكان البنك الذي مقره واشنطن قد تأسس في تموز / يوليو عام ١٩٤٤ إثر اتفاقية بروتون ودز. ودخل عقد تأسيس هذه الهيئة في كانون الأول/ديسمبر ١٩٤٥. ويضم (١٨٩) بلداً، ويقدم القروض والضمانات والخدمات الاستشارية للبلدان المتوسطة الدخل والمنخفضة الدخل المتمتعة بالأهلية الائتمانية.

في ٢٥ شباط/فبراير ١٩٥١ وصلت البعثة الغربية برئاسة إيفا روث وضمت البعثة خبراء ومستشارين في مجالات الري والفيضانات التي كانت تمثل الخطر الأول في العراق، وخبراء في الزراعة والصحة والتعليم والإسكان. مكثت البعثة أربعة أشهر في العراق. في ٢٧ حزيران/يونيو ١٩٥١ قدمت البعثة تقريراً مفصلاً إلى الحكومة العراقية يتضمن توصياتها ومقترحاتها لمعالجة المشكلات ورسم خطط تنموية واعدة.

أوصت البعثة الغربية بضرورة إقامة هيكلية موازية للحكومة العراقية وغير خاضعة لها، تمكنها من العمل باستقلالية ومهنية، ولا ترتبط بالحكومة سوى بإشراف رئيس الوزراء وعضوية وزير المالية. تم تسمية المؤسسة الجديدة باسم مجلس الاعمار، وأن على العراق آن يضع عائدات النفط في صندوق مجلس الاعمار لتمويل الخطط التنموية المقدمة من الوزارات لتنفيذها ، ويتولى مجلس الاعمار رسم السياسات البعيدة المدى (من خمس سنوات فأكثر) والمتوسطة المدى (من سنة إلى خمس سنوات) والقصيرة المدى (مدتها لا تزيد عن السنة). يقوم المجلس بإعداد الخطط وإعلان المناقصات الخاصة بالمشاريع ثم اختيار الشركة المناسبة ثم التعاقد معها، فإذا تم إنجاز المشروع يقوم مجلس الاعمار بتسليم المشروع إلى الوزارة القطاعية وحسب الاختصاص.

استراتيجية مجلس الاعمار

رغم كونه من شخصية ذات خلفية عسكرية اكتسبت خبرتها في العهدين العثماني والإنكليزي لكن نوري السعيد تمكن من إدارة الأزمات السياسية بحنكة ودراية وحكمة ، كما استطاع وضع الخطوط الرئيسة لنهضة عمرانية مشهودة. ،مثل غيره من الزعامات التاريخية التي بنت أممها خاصة في غرب آسيا . واعتمد السعيد على عدة عناصر رئيسة أوضحها في خطاب له في نيسان/ابريل ١٩٥٦ هي:

أولاً: المال

الذي تمكن من توفيره عبر زيادة عائدات النفط العراقي ارتفاعاً ملحوظاً. إذ عقد وزارة نوري السعيد اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركة نفط العراق البريطانية IPC عام ١٩٥١.  وكانت للظروف الخارجية المتمثلة من تكرار تجربة مصدق في إيران لتأميم النفط، والداخلية بالضغط الشعبي والتوتر السياسي والتظاهرات وضرورة تقديم إنجازات ملموسة للشعب العراقي، كل ذلك لعب دوراً في قبول شركة نفط العراق بالاتفاق على ما عرف ب (مناصفة الحصص). الأمر الذي حصل فيه العراق على نصف أرباح النفط المباع من قبل الشركة المذكورة مما وفر مبالغ كانت تعد كبيرة آنذاك.

إذ ارتفعت عائدات النفط العراقي المصدر من (٣) ملايين دينار عام ١٩٤٩ إلى (٥٠) مليون دينار عام ١٩٥٣. ورغم أن الاتفاقية لم يصادق عليها المجلس النيابي العراقي في شباط ١٩٥٢، لكن العائدات العالية مهدت الطريق أمام الحكومة للبدء بمشاريع الاعمار والبناء وتفعيل مجلس الاعمار الذي تأسس بموجب القرار رقم (٧) لسنة ١٩٥٠ وباشر أعماله في ١٩٥٢-١٩٥٣. وتضمن القانون تخصيص إيرادات النفط كلها لمشاريع الاعمار والبناء، أي أن عائدات النفط كلها تخصص للموازنة الاستثمارية. وأما الموازنة التشغيلية التي تضم رواتب الموظفين والنفقات الحكومية فكانت تسدد من العائدات غير النفطية وخاصة من الصادرات الزراعية والصناعية والتجارية والرسوم والضرائب والكمارك. وقد بلغت حصة مجلس الاعمار من ايرادات النفط عام  1952 ما يربو على 23  مليون دينارا عراقيا، وارتفعت عام 1954 الى حوالي 39 مليونا ثم وصلت في عام 1955 الى اكثر من 42 مليون دينار (كان سعر الدينار العراقي يعادل آنذاك أكثر من ثلاثة دولارات امريكية).

ثانياً: التعليم

إذ كانت الخطط تهتم بزيادة عدد الشباب المتخرج من الجامعة وإعداده إعداداً علمياً سواء الكوادر العليا كالمهندسين أو الوسطى كالفنيين. هذه الكوادر هي التي تتولى تنفيذ المشاريع الكبيرة. وهذا ما لوحظ في تنفيذ المشاريع الستراتيجية التي كانت الكوادر العراقية تشارك فيها بشكل فعال، جنباً إلى جنب مع المهندسين والاستشاريين الأجانب.

ثالثاً: توفير فرص العمل والسكن

كما أن تلك المشاريع وفرت فرص عمل كثيرة للخريجين ومن لديهم خبرة في الميادين الفنية المختلفة. فعلى سبيل المثال وفرت ثلاثة مشاريع في النجف الأشرف والحلة (جسر الكوفة و طريق الكوفة -الحلة و جسر طويريج) ما يقارب (٤٨٠٠) فرصة عمل للعراقيين. ووفر مشروع الثرثار (٣٠٠٠) فرصة عمل للعمال والفنيين و (١٤٠) مهندساً عراقياً.  كما كانت كثير من المشاريع تتضمن إنشاء بناء مساكن للعاملين في المشروع. الأمر الذي يوفر ظروف عمل أفضل واستقرار نفسي واجتماعي للمنتسبين.

رابعاً: الاستقرار الأمني

إذ من المعروف أن الاستقرار الأمني يخلق أجواءاً مطمئنة يشعر فيها الخبير الأجنبي والشركة الأجنبية والعاملين العراقيين بالأمن والسلام والانشغال بجد وحماس في تنفيذ المشاريع.

خامساً: الاستعانة بالخبرات الأجنبية

استعان مجلس الاعمار باستشاريين أجانب من مختلف الجنسيات للتقديم رؤى مستقبلية وفنية لتنفيذ المشاريع العمرانية، دون إهمال الخبراء والمستشارين العراقيين كل في مجال عمله. فجميع الجسور والسدود تولت تصميمها وتنفيذها شركات أجنبية لأنها مشاريع عملاقة لا يمتلك العراق خبرة في إنشائها آنذاك، وحتى في العهد الجمهوري بقي الاعتماد على الشركات الأجنبية في هذين المجالين.

في مجال الإسكان قام مجلس العمار باستدعاء الدكتور كونستانتينيوس دوكسياديس (١٩١٤ – ١٩٧٥)   خبير الإسكان العالمي فقام بالدراسات الأولية لمشاريع الإسكان ثم قدم تقريره الذي وافق عليه مجلس الاعمار على الأسس والخطوات المقترحة فيه بمنهاجين: المنهاج الخاص والمنهاج العام.

وفي مجال الري والسدود اعتمد مجلس الأعمار على المهندس البريطاني السير وليم ويلكوكس ( ١٨٥٢- ١٩٣٢) الذي زار العراق في أوائل القرن العشرين و كان أول من أشار إلى إمكانية الاستفادة من هذا المنخفض (الثرثار) لدرء أخطار الفيضان والخزن. وعند افتتاح الملك للمشروع دُعيت ابنة المهندس ويلكوكس تقديراً لجهوده تجاه العراق.

وفي أوائل عام ١٩٤٨ استقدمت الحكومة العراقية هيئة فنية برئاسة المهندس هيك للقيام بالتحريات والدراسات اللازمة.

تشكيلة مجلس الإعمار

تشكل المجلس من عشرة أعضاء من الخبراء والوزراء السابقين برئاسة رئيس الوزراء نوري السعيد، وهم:

  • نوري السعيد (١٨٨٨ – ١٩٥٨) سياسي وعسكري، رئيس المجلس.
  • طه الهاشمي (١٨٨٨- ١٩٦١) سياسي وعسكري نائب رئيس المجلس.
  • فخري بكر الفخري (١٩٠٨- ١٩٩٥) مهندس ووزير سابق، سكرتير مجلس الاعمار.
  • خليل إسماعيل كنة البياتي (١٩١٠- ١٩٩٥) حقوقي ووزير معارف سابق، وزير المالية.
  • ضياء جعفر هاشم (١٩١٠- ١٩٩٢) مهندس ووزير اقتصاد سابق، وزير الاعمار.
  • جلال بابان (١٨٩٣- ١٩٧٠) عسكري ووزير دفاع، اقتصاد، معارف، أشغال، مالية سابق.
  • عبد الرحمن الجليلي (١٩١٤ – ١٩٩٥) اقتصادي ووزير اقتصاد سابق.
  • عبد الجبار الجلبي ١٩٠٦ – ) اقتصادي ووزير أشغال وزراعة سابق.
  • عبد المجيد علاوي ١٨٩٨ – ١٩٩١) محامي وسياسي ووزير مواصلات وأشغال سابق.
  • مايكل ايونيديس عضو تنفيذي بريطاني Michael Ionidis

ويلاحظ وجود عضو بريطاني في مجلس الاعمار لتقديم الخدمات الفنية والتنفيذية المطلوبة. وتذكر بعض المصادر وجود عضو أمريكي في المجلس. كما توجد بعض الصور لأعضاء المجلس تظهر أن عددهم أحد عشر عضواً.

تركزت أهداف المجلس بالدرجة الأساس على النهوض بالواقع العمراني والاقتصادي والصناعي في العراق، ورفع مستوى معيشة الشعب من خلال الوظائف وفرص العمل التي ستوفرها المشاريع المنجزة ، ووضع منهاج تنفيذ للمشاريع المتعددة، مع تقديم تقرير سنوي حول ما تم إعماره والمقترحات للمشاريع الجديدة. وبدأ المجلس بإعداد خطط تنهض بالواقع العراقي في كل الميادين الزراعية والصناعية والبنى التحتية والمعامل والطرق والجسور والماء والكهرباء ومشاريع الإسكان والسدود وغيرها. فكان من اللازم استيعاب الدوائر والأقسام الملحقة بالمجلس في بناية يضمها وقادرة على تلبية الحاجات الإدارية والمستقبلية بإنشاء أقسام تخصصية في التخطيط والمتابعة، إضافة إلى الإشراف على العقود مع الشركات الأجنبية التي تتولى تنفيذ المشاريع.

الهيئات الفنية لمجلس الاعمار:

يساعد المجلس في تنفيذ مهامه أربع هيئات فنية وبالاختصاصات التالية:

الهيئة الفنية الاولى :

واختصاصها مشاريع الري ومشاريع البزل ومشاريع المياه الجوفية. ومن مهام الهيئة ان يقوم كادرها الفني (بالاستعانة بالاستشاريين احيانا) بدراسة المشاريع المقرر تنفيذها وتهيئة التصاميم والمناقصات لتنفيذ هذه المشاريع بطريقة المقاولات. يرأس هذه الهيئة خبير من جنسية أميركية يساعده رئيس مهندسين أميركي ورئيس مهندسين هولندي، الاول للري والثاني لمشاريع البزل ، تحتوي الهيئة على عدد من المهندسين العراقيين(رغم قلتهم) ومهندسين اجانب حسب الاختصاص .

الهيئة الفنية الثانية:

واختصاصها  مشاريع الطرق والجسور. ويرأس الهيئة خبير بريطاني الجنسية يساعده كادر فني مختص بتنفيذ مشاريع الطرق والجسور ، وينطبق على هذه الهيئة جميع ما ذكر في الهيئة الفنية الاولى .

الهيئة الفنية الثالثة :

اختصاصها المشاريع الصناعية ومشاريع الكهرباء. ويرأس هذه الهيئة خبير فرنسي يساعده رئيس مهندسين أمريكي مع كادر عراقي وأجنبي وحسب متطلبات الاختصاص .

الهيئة الفنية الرابعة :

واختصاصها المشاريع الزراعية والإشراف على تنفيذها آنذاك حيث كانت مؤهلة لتنفيذ المشاريع التي كانت تعهد اليها من قبل مجلس الإعمار .

كما كان للمجلس سكرتارية تنظيم مواعيد الاجتماعات ومنهاج الجلسات والمقررات التي تصدر عن المجلس وتوجيه هذه المقررات إلى الجهات واجبة التنفيذ. كما كان لقرارات مجلس الإعمار قوة بحكم القوانين ، ولم يكن هناك مجال لتغييرها حتى ولو احتوت أخطاء ، وممكن تصحيح ذلك بقرارات تالية ،تقضي بتصحيح تلك الأخطاء ان وجدت، والسبب وراء ذلك هو عدم إعطاء المجال لتأويل بعض هذه القرارات كي لا يسرب الفساد إلى المجلس أو إلى منفذي قراراته .

وقد أضيفت هيئة فنية خامسة لهيئات المجلس الفنية،وهي :

الهيئةً الفنيةً الخامسة :

اختصاصها مشاريع الإسكان. وقد تعاقدت مع شركة يونانية هي شركة (دوكيادس) التي قامت بإنشاء قرية بموجب مبادئ وفلسفة خاصة، ولم تنجح تجربتها لكونها لم تتجاوب مع تقاليد المجتمع العراقي.

بعد سنة واحدة من قيام المجلس ارتأى أن تشارك الحكومة في إدارة الهيئات الفنية ، وقد شكلت على آثر ذلك وزارة سميت (وزارة الإعمار) وأعيد تشكيل مجلس الإعمار بإضافة وزير الإعمار ووزير المالية ،كما خضع موظفو الهيئات الفنية في تحديد رواتبهم وخدمتهم إلى تعليمات وزارة المالية ، وكانت هذه أول انتكاسة تعرض لها مجلس الإعمار مع أنه استمر في تنفيذ ما أوكل اليه من مشاريع مستفيدا من عملية الاستمرارية، وأن سبب الانتكاسة هو ارتباط المجلس بالحكومة وسياستها وتعليمات وزارة المالية التي كانت السبب الاول في انشاء هذه الهيئة المستقلة.

عند الغاء النظام الملكي في ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨ تم إلغاء مجلس الإعمار ووزارة الإعمار ونقل موظفيها حسب اختصاص المشاريع الى الوزارات الاخرى مع انتقال المشاريع غير الكاملة منها الى الوزارات ذَات العلاقة لغرض إكمال المشاريع.

لقد وجد الانقلابيون وهم من الضباط أن وجود هيكلية (مجلس الاعمار) خارج سيطرتهم يمثل إزدواجية في صنع القرار الذي يجب أن يحتكروه لوحدهم ، وكان بعض المشاركين في حكومة عبد الكريم قاسم من الأحزاب الثورية لديهم مواقف إيديولوجية مسبقة من مجلس الاعمار ويسمونه بـ (مجلس الاستعمار) على أساس أن المجلس يمثل تدخلاً للقوى الدولية في الاقتصاد العراقي ، إذ كانوا يرون ان وضع عائدات النفط تحت تصرف صندوق إعمار سيادي يدار من قبل ستة خبراء ثلاثة منهم عراقيون وثلاثة أجانب يمثلون إدارة مجلس الاعمار، أمراً مرفوضاً وطنيا وثورياً ، وأن المجلس يمثل نوعاً من انتهاك الاستقلال الاقتصادي والتفريط بثروات البلد ، علماً أن تخفيض تخصيصات مجلس الاعمار من عائدات النفط من ١٠٠ بالمائة إلى ٧٠ بالمائة قد اتخذ عام ١٩٥٧ أي قبل عام من سقوط النظام الملكي ، ولمعالجة ذلك الخطأ قامت حكومة الزعيم قاسم بإنشاء وزارة الإسكان والتعمير لتتولى مهام مجلس الاعمار وتكون تحت سلطة الحكومة.

مائة عام على تتويج الملك فيصل الأول

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

مرت قبل يومين الذكرى المائة لتتويج ، الملك فيصل الأول ، كأول ملك للعراق في العصر الحديث ، وهذا المقال يتناول ذلك الحدث التاريخي والسياسي والقانوني الذي شهده العراق المعاصر.

بعد تأسيس المملكة العراقية إثر نشوب ثورة العشرين عام 1920 ، تم اختيار الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة ملكاً على العراق ، وتم اختيار القشلة المكان الذي يشهد تنصيب وتتويج الملك فيصل ، وقد اختير يوم الثلاثاء الموافق 23 / 8/ 1921 المصادف للثامن عشر من شهر ذي الحجة عام 1339 هجرية ،وهو يوم عيد الغدير الذي يحتفل به الشيعة إحياءً لذكرى حدث هام في التاريخ الإسلامي وهو اختيار الإمام علي بن أبي طالب (ع) خليفة للرسول (ص) في غدير خم. وقد اختار الموعد فيصل نفسه ، حيث أراد تذكير الشيعة بأنه من سلالة الإمام علي (ع) ، وأن تتويجه يجري في نفس اليوم الذي تم تنصيب جده للخلافة. [1]

مكان التتويج

كانت القشلة تشهد احتفالات الحكومة في المناسبات الوطنية والدينية. إذ كانت مسرحاً لتجمع الناس وكبار الموظفين وغيرهم للإستماع إلى قراءة الفرمان بتعيين الوالي الجديد أو قانون سلطاني أو أي أوامر أخرى يراد إبلاغها للناس ، وذلك كان الأسلوب الشائع في الحكومات القديمة في أنحاء العالم لعدم توفر وسائل إعلام تستطيع نقل الخبر إلى أكبر عدد من الناس.

كما كانت القشلة تشهد الاحتفالات ومراسم استقبال كبار ضيوف الحكومة ، إضافة إلى قدوم المهنئين في الأعياد وغيرها ، كما كانت تشهد تظاهرات ضد قرار أو إجراء أو سياسة حيث يعبر الناس عن آرائهم وحسب ما تسمح به الأوضاع.

تم تهيئة منصة خشبية بارتفاع قرابة 70 سم، وفرشت بالسجاد. كما تم إعداد كرسي العرش للملك، وصفت عدة كراسي للشخصيات العسكرية والمدنية ولمرافقي الملك ، وتم إعداد مكان للجمهور المدعو عبارة عن كراسي رصت على أرضية فرشت بالسجاد والبسط العراقية ، وزينت جدران القشلة بالأعلام العراقية ، وتم اختيار المكان في وسط الفناء وقرب برج الساعة.

غص المكان بالضيوف وهم من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية والقناصل الأجانب والضباط الإنكليز مرتدين بزاتهم العسكرية وخوذهم برفقة عائلاتهم، وكذلك المسز بيل. كما حضر الحفل مشايخ بغداد وعلماؤها وشيوخ العشائر ووفود مهنئة قدمت من المدن العراقية ورؤساء الدوائر الحكومية والمستشارون. تم توزيع منشور يتضمن برنامح الاحتفال على الجمهور. كما اصطف جمهور آخر على شرفات مبنى القشلة لمشاهدة الحدث التاريخي.

وتوزعت مجاميع مهمتها ترديد الهتافات والشعارات الخاصة بالحدث السعيد. وتوزعت رايات رؤساء الوفود أمثال ، الشيخ صالح باش أعيان، متصرف لواء العمارة، الشيخ عبد القادر أفندي باش وبقية أعضاء وفد العمارة ، ثامر السعدون، يوسف بك السعدون، عبد العزيز بك فالح السعدون من المنتفك ، عمر بك المنصور، الشيخ عجيل الياور من الموصل، السيد نور الياسري، السيد محمد الصدر، السيد هادي المكوطر من السماوة ورايات العشائر العراقية التي حضرت المؤتمر.[2] وكانت الوفود قد قدمت إلى بغداد قبل أيام من الحفل يقودهم الزعماء والفضلاء والأدباء والشعراء. وكما حضر مجموعة من الصحفيين والمصورين الذي قدموا تغطية لوقائع التتويج.

اصطف مائتي جندي بريطاني على جانبي الطريق الذي سيسلكه الملك ، وهم يرتدون الزي العسكري السائد آنذاك ، وهو زي مشابه لزي جنود (الدورسيت) أو من حرس الشرف من جنود (بيركشاير) الملكيين. كما تم إعداد جوق موسيقي لعزف النشيد الملكي (ليحم الله الملك).

بداية المراسم

في الساعة السادسة صباحاً خرج فيصل من مقره الرسمي على النهر،[3] رفقة المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس وقائد الجيش البريطاني في العراق الجنرال هالدين[4]، ويتبعه سكرتير مجلس الوزراء حسين أفنان، واثنان من المرافقين هما تحسين قدري وأمين الكسباني. اتجه الموكب الملكي نحو المنصة ماشياً على طريق مفروش بالسجاد. جلس الملك على عرشه ، مرتدياً بدلة عسكرية (خاكية اللون) مع قبعة عسكرية يحيط بها عقال مذهب ، وعلى صدره وسامين . وجلس كوكس عن يمين الملك، وهو يرتدي بدلة عسكرية بيضاء مغلقة عند الرقبة، مرتدياً وشاحاً يلتف من كتفه الأيمن باتجاه الخصر الأيسر، وعلق نياشينه على صدره ، وجلس عن شمال الملك الجنرال هالدين الذي ارتدى بدلة عسكرية خاكية وقميص وربطة عنق بيضاء وجزمة وقبعة عسكرية وممسك بعصا القيادة ، والتف سير جلدي من كتفه باتجاه الخصر مع محفظة المسدس. وإلى شمال هالدين جلس السيد محمود النقيب نجل نقيب بغداد ورئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب، مرتدياً زيه الديني .

تصف المسز بيل الملك في تلك اللحظات “كان فيصل وقوراً ولكنه متوتر جداً، فهي لحظة مثيرة ، وأخذ ينظر إلى الصف الأمامي فوقع نظره عليّ ، فأعطيته تحية صغيرة للتشجيع”. [5]

بيان كوكس

بدأ كوكس الحفل عندما سلّم سكرتير مجلس الوزراء حسين أفنان بلاغاً ليقرأه على الجمهور، جاء في المنشور :

(( المنشور

من فخامة السير برسي كوكس

الحامل للوسام الأكبر للإمبراطورية الهندية

ووسام نجمة الهند العالية من درجة فارس

ووسام القديس ميخائيل من درجة فارس

والقديس جرجس السامي من درجة فارس

المندوب السامي لجلالة ملك بريطانيا

إلى الأمة العراقية بواسطة ممثليها الحاضرين :

لقد قرر مجلس الوزراء باتفاق الآراء بناء على اقتراح سمو رئيس الوزراء ، المناداة بسمو الأمير فيصل ملكاً على العراق في جلسته المنعقدة في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة سنة 1339 هجرية الموافق 11 تموز 1921 الميلادية على أن تكون حكومة سموه حكومة دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون ،وبصفتي مندوباً سامياً لجلالة ملك بريطانيا رأيت أن أقف على رضا الشعب العراقي البات قبل موافقتي على ذلك القرار ، فأجري التصويت العام بموافقة مني ، وأسفرت نتيجة التصويت عن أكثرية كلية ممثلة لستة وتسعين في المائة من مجموع المنتخبين المتفقين على المناداة بسمو الأمير فيصل ملكاً على العراق . وعليه أعلن أن سمو الأمير فيصل نجل جلالة الملك حسين قد انتخب ملكاً على العراق . وأن حكومة جلالة ملك بريطانيا قد اعترفت بجلالة الملك فيصل ملكاً على العراق. فليحيا الملك)).[6]

دعاء نقيب بغداد

بعد ذلك تقدم السيد محمود أفندي آل النقيب بقراءة دعاء بالنيابة عن والده رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب جاء فيه:

(( بسم الله الرحمن الرحيم

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير.

نحمدك اللهم حمداً بوافي نعمك، ويكافئ مزيد فضلك وكرمك حمد الشاكرين لسوابغ آلائك وشكر المخلصين لترادف نعمائك سبحانك لا نحصي ثناء عليك . أنت كما أثنيت على نفسك ، ونعوذ بك من شرور الأنفس وسيئات الأعمال . ونستعين بك من تسديد الأقوال وتأييد الأفعال. ونصلى ونسلم على خيرة خلقك وصفوة أنبيائك سيد المرسلين وشفيع المذنبين المبعوث رحمة للعالمين الذي تمت به مكارم الأخلاق ، وأشرقت بشمس معارفه جميع الآفاق، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأصحابه الذين آزروه في السراء والضراء ، فكان كل منهم ناصراً وظهيراً.

اللهم نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تؤيد بتأييداتك السرمدية وتوفق بتوفيقاتك الأبدية عبدك وابن عبدك، الناصر لدينك ، والخاضع لسلطانك ومجدك الذي عظمت شأنه ورفعت مكانه، وعززت سلطانه ، واخترته ملكاً على الخطة العراقية من الأقطار العربية، لإصلاح العباد وإسعادهم، وعمار البلاد بإسعافهم ودرء الفساد من بينهم. وإقامة العدل بينهم بالسوية . إذ بؤته سرير المملكة العراقية لئلا ييأس الضعيف من الحصول على حقه، وليخش كل ظالم من سطوته وبطشه أعني به المولى الأجل. والملك الأفضل صاحب العظمة والجلالة حضرة جلالة الملك (فيصل الأول) ابن حضرة سيدنا الأفخم والمليك المعظم جلالة ملك الحجاز الأعظم سيد السادة الأشراف ودرة تاج بني عبد مناف ، فرع دوحة الفتوة ، نور شجرة النبوة ، ونور بيت الرسالة أيد الله دولته بتوفيقاته وجعلها عوناً له في مهماته.

اللهم أره الحق حقاً ووفقه لاتباعه ، وأره الباطل باطلاً وأعنه على اجتنابه، وحبّبه للرعية، وحبّب الرعية إليه. ويسّر له صعاب الأمور ، واشرح بحبه الصدور بمنّك وكرمك وحولك وطولك ، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير ، سبحانك ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)). [7]

ثم تم رفع العلم العراقي على ركن من أركان العرش، وتم عزف النشيد الملكي البريطاني لعدم وجود نشيد عراقي. [8]

مسز بيل

خطاب العرش

تصف المسز بيل حديث فيصل فتقول : كان فيصل له قدرة على اجتذاب قلوب العراقيين إليه . وكانت له لهجة في الحديث حجازية، وهي لهجة محببة إلى العراقيين. وإذا تكلم في اجتماع كان كلامه مباشراً لا حذلقة فيه ولا تصنّع. أضف إلى ذلك إنه كان يحدث كل فئة من الناس بما يلائمها. [9]

وقف الملك فيصل متحدثاً بلغة عربية رصينة وألقى خطابه الذي جاء فيه:

(( أتقدم إلى الشعب العراقي بالشكر الخالص على مبايعته إياي مبايعة حرة دلت على محبته لي وثقته بي. فأسأل الله عز وجل أن يوفقني لإعلاء شأن هذا الوطن العزيز وهذه الأمة النجيبة، لتستعيد مجدها الغابر ، وتنال منزلتها الرفيعة بين الأمم الناهضة الراقية.

وإنه ليجدر بي في مثل هذه الساعة التاريخية التي برهنت فيها الأمة العراقية على خالص ودها نحو أسرتنا الهاشمية ، أن أذكر ما لجلالة والدي الملك حسين الأول [10] من الأيادي البيضاء. فلقد رفع لواء الحرب منضماً إلى الحلفاء ، ونهض بالعرب لا غاية له سوى تحريرهم ، وتأييد استقلالهم القومي الذي كانوا ينشدونه منذ قرون.

كما أنني أرى من الواجب المتحتم في مثل هذا اليوم أن أذكر محيياً تلك النفوس الطاهرة الأبية من أبناء النهضة العربية الذين استبسلوا مع أبطال الحلفاء [11] ، وذهبوا ضحية أوطانهم العزيزة. أولئك هم أصحاب الذكرى الخالدة. فسلام عليهم وألف تحية . وهنا واجب آخر يدعوني لأن أرتل آيات الشكر للأمة البريطانية إذ أخذت تناصر العرب في أوقات الحرب الحرجة فجادت بأموالها ، وضحّت بأبنائها في سبيل تحريرهم واستقلالهم . وإنني اعتماداً على صداقتها ومؤازرتها التي أظهرتها ، وتعهدت بها لنا أقدمت على القيام بشؤون هذه البلاد شاكراً للحكومة الموقنة همتها ، ولفخامة المندوب السامي محبته، وللحكومة البريطانية العظمى [12] اعترافها بي ملكاً للدولة العراقية المستقلة التي دعيت لملكيتها بإرادة الشعب مباشرة.

أيها العراقيون الأعزاء

لقد كانت هذه البلاد في القرون الخالية ، مهد المدنية والعمران ، ومركز العلم والعرفان. فأصبحت بما نابها من الخطوب والحوادث خالية من جميع أسباب الراحة والسعادة ، فقد فيها الأمن ، وسادت الفوضى ، وقلّ العمل ، وتغلبت الطبيعة، وغارت مياه الرافدين في بطون البحار، فأقفرت الأرض بعد أن كانت يانعة نضرة ، وطفت القفار على المعمور، وأضحت المدن التي قويت على مقاومة النائبات أشبه شيء بواحة واسعة. فنحن الآن تجاه هذه الحقيقة المؤلمة ، ولا يجدر بشعب يود النهوض إلا أن يعترف بهذه الحقائق.

إننا لم ننهض إلا لمكافحة هذه العقبات ، ولم نخض غمار الحرب الكبرى إلا لإحياء هذه المعالم الدارسة ، وإذا كان الناس على دين ملوكهم فديني إنما هو تحقيق أماني هذا الشعب ، وتشييد أركان دولته على المبادئ القويمة ، وتأسيس حضارته على أساس العلوم الصحيحة والأخلاق الشريفة متوكلاً على الله ، مستنداً على روحانية أنبيائه العظام، ومعتمداً عليكم أنتم أيها العراقيون ، وقد صرحت مراراً بأن ما نحتاج إليه لترقية هذه البلاد يتوقف على معاونة أمة تمدنا بأموالها ورجالها ، وبما أن الأمة البريطانية أقرب الأمم لنا ، وأكثرها غيرة على مصالحنا ، فإننا سنستمد منها ونستعين بها وحدها على الوصول إلى غايتنا المنشودة في أسرع وقت.

ولا يغرب عن الأذهان إنه إذا كان الناس على دين ملوكهم ، فالملوك على دين شعوبهم. فعلى قدر التضامن يكون النهوض ، ونحن الآن أحوج الأمم إلى التضامن والتعاضد، والعمل بجد ونشاط ضمن دائرة السلم والنظام ، وإني لا ألو جهدا بأن أستعين برجال الأمة على اختلاف مواهبهم، وتباين طبقاتهم وتفاوت معتقداتهم، فالكل عندي سواء ، لا فرق بين حاضرهم وباديهم ، ولا ميزة لأحد عندي إلا بالعلم والمقدرة ، والأمة بمجموعها هي حزبي، ولا حزب لي سواها، ومصلحة البلاد العامة هي مصلحتي لا مصلحة غيرها.

ألا وإن أول عمل أقوم به هو مباشرة الانتخابات وجمع المجلس التأسيسي . ولتعلم الأمة أن مجلسها هذا هو الذي سيضع بمشاورتي دستور استقلالها على قواعد الحكومات النيابية الديمقراطية ، ويعيّن أسس حياتها السياسية والاجتماعية ، ويصادق نهائياً على المعاهدة التي سأودعها له في ما يتعلق بالصلات بين حكومتنا والحكومة البريطانية العظمى ، ويقرر حرية الأديان والعبادات بشرط أن لا تخل بالأمن والأخلاق العمومية ، وبسنّ قوانين عدلية تضمن منافع الأجانب ومصالحها ، وتمنع كل تعرض بالدين والجنس واللغة، وتكفل التساوي في المعاملات التجارية مع كافة البلاد الأجنبية.

وإني لواثق تمام الوثوق بأني بالاستشارة مع فخامة المندوب السامي جناب السير برسي كوكس [13] الذي برهن على صداقته للعرب ، خلدت له الذكر الجميل سنصل إلى غايتنا هذه بأسرع وقت إن شاء الله.

إلى الاتحاد والتعاضد … إلى الروية والتبصر … إلى العلم والعمل،

أدعو أمتي والله هو الموفق والمعين)). [14]

بعد أن أنهى الملك فيصل خطابه ، أطلقت المدافع بالاحتفال السعيد. لم تستغرق الحفلة وقتاً طويلاً ، خاصة وأنها بدأت في الصباح المبكر بسبب حرارة الجو ظهراً أو عصراً. بعد انتهاء الحفلة قدم المندوب السامي للملك فيصل برقية من الملك جورج الخامس فيها الكلام المألوف في التهنئة ثم ما يلي: ( وإن المعاهدة التي ستعقد قريباً بيننا فتثبت التحالف الذي تحالفناه في أيام الحرب المظلمة ستمكني ولا ريب من القيام بواجباتي المقدسة لإدخال العراق في عهد جديد من السلم والأرض). فأجابه الملك فيصل بعد كلام الشكر المألوف بما يلي: (لا أشك بأن المعاهدة التي ستعقد قريباً بيننا ستمكن عرى التحالف الذي قدسه في ساحة الحرب العظمى دم الانكليز والعرب، وإنها ستقام على أساس متين ). [15]

تقول المسز بيل [16] أنه بعد انتهاء الحفلة ذهبت إلى دائرتها ، وأخذ الزوار يتقاطرون عليها . وهم في الغالب من المدعوين الذين حضروا الحفلة. وكان علي السليمان أحدهم، فصار يحدثنا عن انطباعاته في الحفلة، وقال لها “والله، لقد كان السير برسي كوكس كالقمر بينهم، وكان وجهه كالجنة”. [17]

* المصادر :
[1]  علي الوردي/ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث / ج 6 / ص 119
[2] مظفر النقيب / تتويج الملك فيصل الأول/ سيناريو أعد لعرض مسرحي يمثل حادثة التتويج.
[3] انهار المبنى الذي كان مقراً لمكتب الملك عام 1922 حيث جرفه تيار النهر، فقام الملك ببناء بلاط جديد في بستان تعود للأوقاف في منتصف الطريق بين بغداد والأعظمية بالقرب من قصر شعشوع الذي كان مسكناً خاصا لفيصل.
[4] الجنرال السير جيمس أيلمر هالدين Sir James Aylmer Lowthorpe. Haldane (1862-1950) قائد الفيلق البريطاني السادس في الحرب العالمية الأولى في معارك دارت في ألمانيا وفرنسا. عيّن قائداً عاماً للقوات البريطانية في العراق في كانون الأول 1919 . تولى قمع ثورة العشرين عام 1920 وكتب (التمرد في بلاد النهرين) عن وقائع الثورة.
[5]  علي الوردي / ج 6 / ص 119
[6] جريدة الفلاح ، العدد: 26 ، الصادر في 23/8/1921 وجريدة دجلة / العدد: 49 الصادر في 24/ 8/ 1921
[7] جريدة الفلاح ، العدد: 26 ، الصادر في 23/8/1921 وجريدة دجلة / العدد: 49 الصادر في 24/ 8/ 1921
[8] علي الوردي / ج 6 / ص 120
[9] علي الوردي / ج 6 / ص 107
[10]  الشريف الحسين بن علي ، شريف مكة للفترة (1908-1917) وملك الحجاز  . ولد في اسطنبول عام 1854 أثناء إقامة والده في المنفى. قاد الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية وتحالف مع الانكليز عام 1916 . توفي عام 1934 في عمان بالأردن. اعترافاً بدوره منحته بريطانيا شرف تعيين أولاده ملوكاً وهم فيصل على العراق وعبدالله على الأردن.
[11]  الحلفاء هو الإسم الذي سمي به التحالف بين بريطانيا وفرنسا ضد ألمانيا وتركيا في الحرب العالمية الأولى 1914-1917 .
[12] كان رئيس الوزراء البريطاني عام 1921 هو ديفيد لويد جورج (1863-1945) تولى الوزارة للفترة (1916-1922) وهو أحد زعماء حزب الأحرار.
[13]  هو السير برسي زكريا كوكس Percy Cox (1864-1937) عسكري بريطاني شارك في محاربة الدولة العثمانية في الشرق الأوسط. ذهب إلى العراق لأول مرة مع الجنرال مود بوظيفة حاكم سياسي من قبل القائد العام في العراق عام 1917 ، ثم انتقل إلى طهران ليتولى منصب الوزير المفوض في السفارة البريطانية. وعاد ثانية إلى العراق عام 1920 لتهدئة الأوضاع التي اضطربت بعد قيام ثورة العشرين وتشكيل الحكومة المؤقتة، فألفها برئاسة عبد الرحمن النقيب. ثم قام بإجراء التصويت العام والمناداة بفيصل ملكاً على العراق.
[14] جريدة الفلاح ، العدد: 26 ، الصادر في 23/8/1921 وجريدة دجلة / العدد: 49 الصادر في 24/ 8/ 1921
[15]  أمين الريحاني / ملوك العرب / ص 836
[16] غيرترود بيل Gertrude Bel كاتبة ورحالة ومصورة وعالمة آثار انكليزية. ولدت عام 1868 ، وتوفيت عام 1926 في بغداد. في بداية الحرب العالمية الأولى انضمت للمخابرات البريطانية. في عام 1915 عينت في المكتب العربي بالقاهرة. كانت معنية بجمع المعلومات عن العرب وتحريضهم ضد الأتراك. في عام 1920 أصبحت سكرتيرة للسير برسي كوكس.ولعبت دوراً بارزاً في تنصيب فيصل ملكاً على العراق. كانت لها علاقات قوية مع السياسيين العراقيين وزعماء القبائل وشيوخ العشائر والوجهاء. عام 1923 أسست المتحف العراقي وكانت أول مدير للمتحف.
[17]  علي الوردي / ج 6 / ص 121

العمارة الأجنبية في العراق .. مدينة الطب من “مجيدية خستخانه سي” إلى صرح طبي رائد

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

مستشفى الغرباء في الكرخ

يعود تأسيس أول مستشفى في العراق إلى قيام والي بغداد ،مدحت باشا، ببناء مستشفى الغرباء (خستخانه الغرباء) في الكرخ عام ١٨٧٢ في عهد السلطان العثماني ، عبد العزيز الأول، على غرار مستشفى الغرباء في إسطنبول ، وكان المستشفى مرتبطا ببلدية بغداد ، وتم اختيار موقعه على نهر دجلة في الحديقة التابعة لوقف سليمان باشا. ولما لم تكن هناك ميزانية لبناء المستشفى فقد قام بتشجيع الميسورين من تجار بغداد لتقديم الدعم لهذا المشروع ، وطلب من إسطنبول إرسال طبيب وصيدلاني وعدد من الممرضين لإدارة المستشفى. وقد أرخ العلامة عبد الوهاب النائب تاريخ افتتاح المستشفى بقوله:

لله ما أطيب هذا البنا *** في وصفه ليس له مثيل

على التقى مذ تم أرخته*** (أطيبه هذا شفا العليل) 

وأرخ شاعر آخر بقوله:

مدحت أوجد عرشا فيه للناس شفا *** قال في تاريخ (هذا القصر موسى الصفا)
لم يكن مستشفى بالمعنى الحديث بل كان أشبه بدار للعجزة. وكان الناس آنذاك لا يستسيغون إيداع مرضاهم في مستشفى حكومي، بل جرت العادة على العناية بهم في بيوتهم ، وكان الذين يراجعون مستشفى الغرباء هم الذين انقطعت بهم السبل وليس لهم أقارب يعتنون بهم، ولم يلجأ إليه سوى الفقراء والمتسولين والعجزة. وكان فيه جناح مخصص للمساجين والمعتوهين. بقيت البناية شبه خالية لعدم توفر الكادر الطبي، فاستخدمت البناية في البداية كمدرسة إعدادية لعدة سنوات حتى توفر الكادر الطبي وبدأ المستشفى بالعمل الفعلي. في ٦ نيسان عام ١٨٧٩ أعاد الوالي العثماني عبد الرحمن باشا افتتاح المستشفى بعد أن جهزه بالأدوات والأدوية.

في عام ١٨٩٦ قررت الحكومة الاستغناء عنه نهائيا، فأعطيت البناية إلى دائرة المعارف وانتقل إليها المكتب الاعدادي الملكي. وبين عامي ١٩٠٨ و١٩٠٩ استرد الوالي ، نجم الدين الملا، البناية وأعادها مستشفى مرة أخرى، بعد أن نقل إليها محتويات مستشفى ، نامق باشا، شمال باب المعظم.

بعد دخول الانكليز بغداد  في ١١ آذار عام ١٩١٧ تم  تكليف الميجر كاري إيفنس بإجراء إصلاحات في المستشفى وتزويده بالتجهيزات الطبية، ثم تحول بإدارة الدكتور نوئيل إبراهام في ١٣ حزيران/يونيو ١٩١٩ . وتحول اسمه إلى (المستشفى المدني)، وخصص لعلاج الأمراض النسائية والأطفال في آب/اغسطس ١٩١٧. بعدها تم إخلاء المستشفى، وأجريت ترميمات على البناية فتحولت عام ١٩٢٥ إلى مقر للمجلس التأسيس العراقي حتى عام ١٩٣٥. ثم تم إعادة المبنى إلى دائرة الصحة العامة التي حولتها إلى مستشفى الكرخ الملكي.

مستشفى المجيدية

ويسمى بمستشفى ، نامق باشا الصغير، الذي أسسها بين عام ١٨٩٩- ١٩٠٢ عندما كان والياً على بغداد ، وقد بني في بستان ، نجيب باشا، الذي اتخذه والي بغداد ، مدحت باشا، متنزهاً عاماً وأطلق عليه “حديقة البلدية” ، ولذلك سمي “مستشفى النجيبية” في بداياتها، كما سمي بالمجيدية (مجيديه خستخانه سي) على اسم السلطان عبد المجيد.

وقد تم افتتاحه في ١٥ ذي الحجة ١٣١٨ هجرية المصادف ٥ نيسان/ابريل ١٩٠١. وقد قام ، نامق باشا، بتجهيزه بمعدات وآلات طبية، إضافة إلى استيراد الأدوية والمطهرات من أوربا ، وكان يتكون من أبنية مرتفعة عن الأرض يحتوي كل منها على ردهة كبيرة وعدد من الغرف. وقد اعتنى بوجود حديقة جميلة أمام البناية يتمشى فيها المرضى. وكان اطباؤها اتراكا ولا يوجد طبيب عراقي فيها.

شمل المستشفى عدة أقسام طبية هي الأمراض الباطنية، الجراحية، العيون والنسائية والتوليد. كما توجد عدة غرف مخصصة للعمليات الجراحية والصيدلة والأمراض العقلية ، وكان يقوم عدد من العاملين (كاتب، محاسب، طباخ، بستاني، فراشون من الرجال والنساء) بخدمة المستشفى وبإدارة مدير المستشفى ، محمود خان، الذي اشتهر بلعبه الشطرنج وإهماله شؤون المستشفى. وبعد أن أصبح ،عبد الوهاب باشا أرناؤوط ، والياً على بغداد في ١٩٠٤-١٩٠٥ امر بتعيين الفريق الطبيب ، حمدي باشا، مفتشاً للصحة العامة في العراق، الذي قام بعزل محمود خان وقام بتعيين كل من ، الدكتور نظام الدين، للأمراض الباطنية ورئاسة الأطباء، والدكتور ذهني بيك للجراحة، والدكتور سامي سليمان للعيون.

بعد عبد الوهاب باشا جاء ولاة آخرون لم يولوا اهتماماً بالمستشفى فتدهورت أوضاعه حتى جاء ، محمود شوكت باشا، عام ١٩٠٩- ١٩١٠ والياً على بغداد. قام شوكت باشا بإجراء تعديلات وتعيينات جديدة لكن بسبب قصر فترة ولايته عاد المستشفى إلى التدهور لعدم وجود عناصر كفوءة لإدارته. في عام ١٩١٢-١٩١٣ أصبح ،محمد زكي باشا، والياً فقام  بتعيين ،الدكتور محمد كاني، مديراً للمستشفى إضافة إلى كونه جراحاً. قام محمد كاني بإسناد مهمة التمريض إلى الراهبات الفرنسيات، فتحسنت خدمات المستشفى وبالتالي سمعته. ومن هناك صار العراقيون يسمون الممرضة ماسيرة ، وهي مأخوذة من عبارة (يا أختي) بالفرنسية Ma soer وجمعها ماسيرات.

كانت بلدية بغداد تدفع ثلثي نفقات المستشفى من واردات البلدية، أما الثلث الآخر فيتم استيفاؤه من الميزانية الحكومية، وتحديداً من واردات التزام جسر الخر ، وكانت التعليمات تقتضي حصول المريض على شهادة من البلدية تؤيد فقره قبل دخول المستشفى.

في سنة 1914 حاول الوالي ، جاويد باشا، اصلاح المستشفى وزيادة عدد الاسرة ولكن سوء الاوضاع آنذاك حالت دون ذلك ،ماعدا استحصال مبلغ 1000 ليرة تمكن مدير المصالح الصحية ان يحصل عليها من دائرة الاوقاف بموافقة المسؤولين في اسطنبول.

استمر هذا المستشفى في تقديم خدماته العلاجية حتى الاحتلال البريطاني لبغداد 1917م ، حيث قام العثمانيون بإخلائه ونقلوا محتوياته وسجلاته كافة واتلفوا بعضها .. حيث اتخذته القيادة العسكرية للجيش البريطاني مقرا لمستشفاها العسكري تحت اسم المستشفى العسكري البريطاني الثابت رقم 23 ، وجهزوه بالعقاقير والآلات الجراحية الحديثة آنذاك.

وكان المستشفى يضم احدى عشرة ردهة خصصت الردهتان العاشرة والحادية عشرة منها للمجندات ونساء الجيش الإنكليزي ، وفي عام 1921 اضيف اليها جناح للعمليات الجراحية يتكون من ثلاث صالات اثنتان للعمليات الكبرى وواحدة للعمليات الصغرى.

وبقي تحت ادارة الجيش البريطاني حتى سنة 1923 حيث انيطت ادارته بوزارة الصحة التي جعلته تحت ادارة مديرية الصحة العامة واسمته باسم المستشفى الملكي العراقي ، لكن العراقيين بقوا يسمونها بمستشفى المجيدية. وكان يديره الدكتور دنلوب بمساعدة الدكتور ، صائب شوكت، ولم يكن فيه من الاطباء العراقيين سوى عدد ضئيل. وبعد سقوط النظام الملكي عام ١٩٥٨ تحول اسمه إلى المستشفى الجمهوري.

عام 1924 التحق بالمستشفى الملكي ثلاثة أطباء عراقيين هم ، شاكر السويدي ، وإبراهيم عاكف الآلوسي، وتوفيق رشدي، فعهد لهم خفارة المستشفى بصورة عامة. وكان فيه 6 ممرضات عراقيات فقط لم يكن تدريبهن مناسبا فجلبت الحكومة ثلاث ممرضات بريطانيات لتدريب الممرضات العراقيات وتحسين التمريض في المستشفى ، أما المضمدون فكانوا ممن تعلموا المهنة بالتمرين وتخرجوا في المستشفى ، بقيت المستشفى الجمهوري تعمل حتى بداية السبعينيات حيث توقفت بعد افتتاح مدينة الطب.

فكرة مدينة الطب

تعود فكرة إنشاء مدينة الطب الحالية إلى الدكتور صائب شوكت (١٨٩٨- ١٩٨٤) الذي كان منذ عام ١٩٢٣ مديراً لمستشفى المجيدية بعد المستر دنلوب ، وكان الدكتور محمد حسن سلمان (١٩٠٩-  ) وزيراً للصحة للفترة (١٩٥٤-١٩٥٥) وهو الذي سماها بمدينة الطب. أدرك شوكت أن المستشفى بحاجة إلى توسيع وتأهيل، فقام ببناء حمامات وغرف للأطباء والممرضات إضافة إلى المختبرات.

 

في عام ١٩٢٧ افتتحت كلية الطب ، وبعدها ثلاث سنوات، في ٤ نيسان / ابريل عام ١٩٣٠ افتتح الملك فيصل الأول بناية عمادة الكلية الطبية ، وفي بداية الثلاثينيات أدرك صائب شوكت أن العمادة بحاجة إلى مستشفى تعليمي جديد ، وكان عمر بناية مستشفى المجيدية قد استهلكت ولم تعد تفي بمتطلبات الخدمات الطبية الحديثة.

تواصل صائب شوكت مع الجراح الألماني إرنست فردناند ساوير بروخ (١٨٧٥-١٩٥١) Ernst Ferdinand Sauerbruch الذي تعرف عليه أثناء دراسته الاختصاص في كلية حيدر باشا بإسطنبول ، والهدف من اتصال شوكت بفردناند هو تقديمه إلى المهندس المعماري إرنست ماي (١٨٨٦-١٩٧٠) Ernst May ، إذ كان الشائع أن أبنية المستشفيات تكون أفقية لكن المهندس ماي قدم تصميماً للمستشفى بعدة طوابق كي يكون تقديم الخدمة للمريض أسرع ، وكان في بداية الثلاثينيات صمم مستشفى عموديا في باكستان وأخر في إيران وكذلك في أنقرة كمستشفى نموذجي.

بعد عدة سنوات سنحت الفرصة لصائب شوكت في الذهاب إلى برلين والتقى هناك بالمهندس المعماري إرنست ماي ، ودعاه لزيارة بغداد لمشاهدة الموقع والمنطقة، ويزور الكلية الطبية والمستشفى الملكي، وكي يحدد موقع المستشفى التعليمي وليس مدينة الطب. وأثناء زيارته لطهران مر ببغداد واستقبله الدكتور صائب شوكت ، واطلع على منطقة باب المعظم حيث توجد كلية الطب والمستشفى الملكي (المجيدية). وعندها قرر أن هذا هو المكان المناسب لإنشاء المستشفى التعليمي.

عاد المهندس ماي إلى برلين ، وأعد تصميماً ، وأرسله إلى صائب شوكت. قام شوكت بتقديم التصميم إلى مديرية الصحة لكن مدير الصحة عارض موقع المستشفى، واقترح أن يكون موقعه بجانب قصر الرحاب في الحارثية ، وكان الوصي عبد الاله هو مالك الأرض، فإذا تم اختيارها لموقع المستشفى سيرتفع ثمنها ، بينما كان رأي شوكت أن موقعها الذي اقترحه أفضل لكونه قريبا من العمادة وكلية الطب والمستشفى القديم (المجيدية).

في عام ١٩٥٢ كان صائب شوكت عميداً للكلية الطبية، وازدادت عائدات النفط العراقي بعد الاتفاق على مناصفة الأرباح بين العراق وشركات النفط العاملة. تأسس مجلس الاعمار للاشراف على بناء مشاريع البني التحتية ومنها المستشفيات.

في عام ١٩٥٤ قدم الوزير الدكتور محمد حسن سلمان إلى مجلس الاعمار مقترحاً بإنشاء مجموعة طبية تضم كلية الطب وطب الأسنان ومستشفى تعليمي لتكون ما يعرف بمدينة الطب لأول مرة. في ذلك الوقت أصبح طه الهاشمي رئيساً لمجلس الاعمار. اتفق الثلاثة الهاشمي وسلمان وشوكت حول المشروع ، وكانت كلفة المستشفى التعليمي تبلغ (٢) مليوني دينار عراقي.

في عام ١٩٥٥ بدأت معارضة استملاك الأرض من قبل اليهود الذين يملكون الأرض ولديهم منازل فيها ومستشفى مير الياس ، ثم تمت موافقتهم عدا ثلاثة بيوت ثم وافقوا وغادروا المكان.

عام ١٩٥٦ تم تقديم طلب إنشاء المستشفى إلى مجلس الاعمار. كان الجميع موافقين عدا أحد الأعضاء الذي طرح إشكالا تمثل في استفساره “في حال إنشاء المستشفى التعليمي هل أن التصميم مطابق لمواصفات المستشفيات العالمية مثلاً في أمريكا؟” عندها قرر صائب شوكت أن يسافر على حسابه إلى أمريكا ويطلع على المستشفيات هناك، من خلال اتصاله مع جراح القلب الشهير مايكل دبكي وجراح آخر اسمه تشرشل. زار شوكت ١٨ مستشفى في أمريكا ، وشاهد الردهات وغرف العمليات والمختبرات وحتى المخازن والسجلات والمطابخ، وعلاقة الطبيب مع المريض، وتدريب الطلبة وغيرها. وعندما عاد إلى العراق قدم تقريراً بما شاهده هناك. وبعد الاطلاع على التقرير تمت الموافقة النهائية.

بناء المستشفى

من حيث المساحة تُعد مدينة الطب خامس مجمع طبي في العالم.

تم تقديم تصميم يضم ست بنايات للمشروع أولها هو المستشفى التعليمي. في عام ١٩٥٨ حدث تغيير سياسي في العراق وتأسست الجمهورية. أحيل المشروع إلى شركة  وايتنج  Whiting Letchfield & Panero   الأمريكية التي قامت بإعداد التصاميم المطلوبة ، وشاركت كل من شركة إير & كادور وشركة عراقية (شاهين الجنابي) والاستشاري المهندس هشام منير في التنفيذ. وحدثت إشكالية حول كلفة المشروع ثم حلت المشكلة وتقليص الكلفة بقيام الشركة العراقية بتنفيذ الفقرات التي يمكنها تنفيذها مثل الشبابيك والأبواب وغيرها.

قام الزعيم عبد الكريم قاسم بوضع الحجر الأساس للقسم الأول من مستشفى مدينة الطب على شاطئ دجلة الغربي في 8 آذار 1961 أما المدينة كلها فستضم المستشفى الجمهوري وتوابعه ورصد لها مبلغ قدره 000ر450ر5 دينار. وفق التصميم كان من المقرر أن يكون المستشفى الجمهوري 12 طابقا ودار التمريض الخاص 8 طوابق ومستشفى الاطفال 16 طابقا ومدرسة الممرضات 8 طوابق ودور الأطباء 8 طوابق وعيادة خارجية.

استغرق بناء المشروع تسع سنوات ، ثم افتتح في ١٤ تموز / يوليو عام ١٩٧٠ من قبل رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر وحضور عزت مصطفى. ومن المؤسف أنه لم يُدع صائب شوكت لحفل الافتتاح. وبعد سقوط النظام قام الدكتور جليل الشمري مدير عام مدينة الطب بتسمية شارع صائب شوكت في المجمع.

بعد ذلك بدأ إنجاز الأبنية والتخصصات الأخرى مثل: مستشفى التمريض الخاص عام ١٩٨٠، مستشفى الأطفال عام ١٩٨٣، مستشفى الطب النووي للأمراض السرطانية عام ١٩٨٥، مستشفى الجراحة التخصصية عام ١٩٩٠.

تضم مدينة الطب حالياً المستشفيات التالية:

مستشفى بغداد التعليمي

يقدم التشخيصية، العلاجية، الطبية، الجراحية والتعليمية في مختلف فروع الطب وتشمل جراحة عامة، نسائية وتوليد، باطنية، أمراض الكلية وغسل الكلية، إنعاش القلب، إنعاش الرئة، الكشف المبكر لأورام الثدي. وهناك عيادات خاصة تشمل: عيادة الجلدية، عيادة تصلب الأعصاب، وهن العظام، أمراض الدم، استشارية الأورام، العلاج الطبيعي، عيادة تنظيم الأسرة.

يعمل في المستشفى (189) مائة وتسع وثمانون طبيب اختصاص في جميع الفروع الأنفة الذكر ، و (302) ثلاثمائة واثنان طبيب دراسات عليا . سعة المستشفى (1000) ألف سرير. عدد المرضى الراقدين شهريا، نحو (2212) ألفين ومائتين وأثنى عشر مريضا. عدد العمليات (380) ثلاثمائة وثمانون عملية شهرياً. عدد المرضى للعيادات الاستشارية (26883) ست وعشرون ألف وثمانمائة وثلاث وثمانون مريض شهرياً.

وهناك مستشفيات أخرى وكل منها يضم أقساماً وعيادات تخصصية:

مستشفى الجراحات التخصصية، مستشفى الدار التمريض الخاص، مستشفى حماية الأطفال، مستشفى امراض الجهاز الكبدي والهضمي، مستشفى المختبرات التعليمي، المركز العراقي لأمراض القلب، مركز أمراض الدم.

مجمع سكني للأطباء

الجدير بالذكر ان محافظة بغداد قامت ، في عهد المحافظ الدكتور صلاح عبد الرزاق ، ببناء مجمع سكني لأطباء مدينة الطب ، يضم المجمع (٤٨) شقة بنوعين، واحدة بمساحة ٨٠ مترا مربعا وتحتوي غرفتي نوم ، واخرى بمساحة 100 مترا مربعا وتحتوي ثلاث غرف نوم، مع صالة ومطبخ ومرافق ومجهزة بمكيفات هواء . تبلغ مساحة كل عمارة (٤٠٠) متراً مربعاً . كما تم تجهيز المجمع ببهو للأطباء يمكن استخدامه كقاعة اجتماعات أو مناسبات، وحديقة للأطفال ومواقف للسيارات ، إضافة إلى تجهيز أربع مولدات بسعة (٨٠) ك ف.

يوفر المجمع السكني مكانا للسكن خاصة للذين لا يملكون سكناً في بغداد، ويقلل من مشكلة النقل بين مسكن الطبيب والمستشفى، إضافة إلى توفير الأمن للطبيب وعائلته وقريب من محل عمله. كما يجعل حضور الأطباء بسرعة في الحالات الطارئة والمستعجلة امرا سلسا.

وقدمت المحافظة لمدينة الطب أجهزة طبية شملت: أجهزة الرنين المغناطيسي، أجهزة المفراس، أجهزة القسطرة، أجهزة غسل الكلى، أجهزة الانعاش الرئوي، أجهزة الحروق، أجهزة المعجلات الخطية للأورام، أجهزة الطوارئ، أجهزة الولادة المتطورة و تجهيز كل صالات العمليات.

 

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • وكالة ترك برس في ١ مايس ٢٠١٨
  • سعد الفتال، هكذا عرفت مدينة بغداد المستشفيات، ملاحق المدى في ١٤ آب ٢٠١٦
  • عبد الحميد العلوجي، موقع بغداديات أيام زمان في ١٤ آذار ٢٠١٦ .
  • رفعت مرهون الصفار، مستشفى المجيدية أحداث بين المكان والذاكرة، موقع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في ١٨ كانون الأول ٢٠٢٠
  • محاضرة الدكتور سعد الفتال في ١٦ كانون الأول ٢٠١٥
  • محمد رضا الجلبي، موسوعة العمارة العراقية ج٣، ص ٣٦٦

العمارة الأجنبية في العراق.. جامعة آل البيت في بغداد صرح أكاديمي ضائع

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعود بدايات التعليم الأكاديمي في العراق إلى إنشاء مدرسة الحقوق عام ١٩٠٨ في عهد الوالي ،ناظم باشا، وكانت الدروس باللغة التركية. توقفت المدرسة عام ١٩١٧ ثم أعيد افتتاحها عام ١٩١٩ ثم تطورت إلى كلية الحقوق في ما بعد. وكانت هناك المدرسة العسكرية ومدرسة الصنائع في العهد العثماني. وبعد تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١ تم إنشاء دار المعلمين العالية عام ١٩٢٤ بطلب من وزير المعارف ، محمد حسن أبو المحاسن. كان الهدف خلق كوادر وطاقات علمية في شتى صنوف العلم والمعرفة وسد النقص في الدوائر والمؤسسات الحكومية اللازمة لإدارة دولة عصرية حديثة.

وقد أدرك الملك فيصل الأول ان العراق بحاجة إلى مؤسسات قادرة على النهوض بالبلد في كل المجالات التعليمية والتربوية والقانونية والإدارية والمالية والطبية والأدبية والدينية والعسكرية.

فكرة جامعة ال البيت

في ١٦ تموز ١٩٢١ وبعد الاستفتاء على ترشيحه والمناداة به ملكاً للعراق في ١١ تموز/يوليو ١٩٢١ وقبل تتويجه في ٢٣ آب /اغسطس ١٩٢١ قام الملك فيصل الأول مصطحباً معه مجموعة من العلماء بزيارة إلى المدرسة المستنصرية ببغداد، وكانت آنذاك خربة مهدمة شغلتها دائرة الكمارك في العهد العثماني وحولتها إلى مخزن. وجد الملك انها لا تصلح لجامعة حديثة، بل تصلح لإنشاء متحف أو مكتبة بعد ترميم وتأهيل بنايتها. عندها قرر الملك بناء جامعة جديدة في القرن العشرين وفق الطراز العصري الذي شاهده في زياراته إلى لندن وباريس.

أصدر الملك فيصل الأول ، الإرادة الملكية السامية بتأسيس جامعة آل البيت ، وفي ١١ كانون الثاني/يناير ١٩٢٢ تشكلت الهيئة التأسيسية التي تألفت من شخصيات عراقية وانكليزية. ترأس الهيئة وزير الأوقاف ، محمد علي فاضل أفندي وفهمي المدرس وأخرون. وضمت من المستشارين الأجانب كل من المهندس جيمس ويلسون (١٨٨٧- ١٩٦٥) مدير الأشغال العامة ، والمستر كوك مستشار وزارة الأوقاف، الذي كان يتحدث العربية. وكانا ضمن مئات المستشارين والمدراء التنفيذيين الذين عينهم الانتداب البريطاني على العراق.

ويعزو بعض الباحثين فكرة الجامعة انها جاءت من جيمس ويلسون وقدمها للملك. وهو ما يدعو للتساؤل: كيف يقترح موظف بريطاني إنشاء جامعة إسلامية عصرية؟ كما أن ويلسون كان مهندساً معمارياً له إنجازات عديدة وسبق له أن عمل في الهند، فهو لم يعمل في الجانب التربوي أو الإسلامي أو الأكاديمي. ربما قدم استشارات فنية وحتى مالية لكلفة المشروع.

تم تكليف الأستاذ فهمي المدرس (١٨٧٣-١٩٤٤) وهو عالم وأديب وشاعر من الموصل. كان يكتب بالتركية في صحيفة زوراء البغدادية منذ عام ١٩٠١ ، كما قام بتدريس الحقوق الإسلامية وآداب اللغة العربية لمدة خمسة عشر عاماً في الجامعة العثمانية (دار الفنون)، وله مؤلفات عديدة.

بناء الجامعة

قبل صدور الإرادة الملكية بتأسيس الجامعة، كان جيمس ويلسون أعد تقريراً أرسله إلى الملك ووزير الأوقاف. تضمن التقرير شرحاً تفصيلياً عن منشآت الجامعة وكلياتها وأقسامها ومرافقها. كما تضمن معايير التخطيط والمعالجات المعمارية لكل بناء من الكليات الست: الدينية والطبية والهندسية والحقوق والآداب والفنون.

تم اختيار حديقة واسعة تابعة لوزارة الأوقاف على طريق الأعظمية في بستان “الطلومبة” وبمساحة بلغت (٤٠٠) ألف متر مربع. وهو موقع بعيد عن العاصمة وضوضائها وازدحام شوارعها بالعربات والربلات والباعة. وكان من المقرر مد خط ترامواي Tramway ، وهي عربة كبيرة تجرها خيول وتسير على سكة حديد. والهدف هو توفير وسيلة نقل للطلاب والأساتذة والموظفين بين الجامعة ومركز بغداد.

كان التصميم يتكون من انشاء ستة أبنية مستقلة، مبنى لكل كلية. تصطف ثلاثة أبنية على جهتين متقابلتين يفصلهما ممر وحديقة وسطية. ويتصل كل مبنى بممشى مع الممر الرئيس ، وفي نهاية الممر يوجد (الصرح المركزي) الذي يضم القاعة الكبرى وإدارة الجامعة والمكتبة والمتحف والمرصد الفلكي والمسجد الملاصق للصرح. كما توجد أبنية خاصة للامتحانات الفنية والألعاب الرياضية. وتضمن التصميم مطاعم متعددة وأبنية خدمية، إضافة إلى ملاعب رياضية وساحات خضراء واسعة ، إذ يلاحظ توفير مساحات خضراء وفق التصاميم الغربية للمجمعات الأكاديمية ، وهو عنصر لم تألفه التصاميم الشرقية عادة حيث تتكدس الأبنية مع بعضها.  وخلف الصرح تم تصميم أقساما داخلية لسكن الطلاب الراغبين، وبيوتاً جميلة للأساتذة، وغرفا للعاملين في الخدمة.

كان كل بناء من الكليات يتسع لأربعمائة طالب، ويحتوي على قاعات المحاضرات التي تتسع كل منها لأربعين طالباً، إضافة إلى وجود قاعة كبيرة للندوات تتسع لـ (٢٥٠) شخصاً ، كما توجد غرف خاصة بالأساتذة والإدارة.

كانت مساحة الكلية الدينية تبلغ (٤٠٠٠) مترا مربعا، موزعة بطابقين تضم صفوفاً وإدارة ومخازن. وكان طول المبنى (٦٦،٣) متراً وعرضه (٢٧،٤) متراً. في الطابق الأرضي كان هناك ممر بعرض ثلاثة أمتار تصطف أربعة صفوف من كل جانب. وكانت توجد قاعتين تدريسيتين كبيرتين تقعان في طرفي المبنى. تتكون واجهة الطابق السفلي من ثمانية عقود تستند على أعمدة من الطابوق، أربعة على كل جانب، تشكل رواقاً يشرف على الحديقة. وتتوسط العقود بوابة المبنى التي يعلوها قوس نصف دائري، وتتميز بالفخامة والهيبة كما هو المتعارف في بوابات الأبنية الإنكليزية. أما الطابق العلوي فالشبابيك تشرف مباشرة على الحديقة ولا توجد عقود. البناء كله من الطابوق الذي يجيد الاسطوات العراقيون العمل به باعتباره من المواد المستخدمة منذ آلاف السنين في وادي الرافدين.

مراسم وضع الحجر الأساس

تم وضع حجر الأساس في يوم ٧ نيسان/ابريل ١٩٢٢ حيث قامت وزارة الأوقاف بنصب سرداق كبير في الحديقة، وتم عرض الخرائط التصميمية في مداخل الساحة. حضر الملك فيصل الأول وكبار رجالات الدولة والوجهاء والعلماء والأدباء والمعتمد السامي البريطاني ، السير برسي كوكس، وألقى وزير الأوقاف كلمة أشاد فيها بقرار الملك بإنشاء الجامعة، ثم قدم للملك أسطوانة مختومة بالرصاص وضعت فيها صورة للملك بتوقيعه، وخارطة للجامعة التي رسمها ، جيمس ويلسون، وخارطة للشعبة الدينية التي سيبدأ البناء بها، وصحف بغدادية لذلك اليوم، مع بيان كتب على الرق وعدد من العملات. قام الملك بوضع الأسطوانة في موضع الحجر الأساس ثم وضع فوقها حجر الزاوية ، ودق عليه بفأس فضية وهو يقول “كل عمل لا يشيّد على أساس متين كهذا الأساس لا تقوم له قائمة ، وها أنا أضع الحجر الأساس في أول جامعة تُشاد في هذا البلد. وأؤمل أن تقدرها الأمة العزيزة حق قدرها، وتُعنى بتأسيس الجامعات الكثيرة أمثالها وأرقى منها لتستعيد مجدها التاريخي وغارب عزها القديم وتتسنم مكانة رفيعة في عالم العلم والأدب والفن”.

مراسم الافتتاح

بوشر بالبناء عام ١٩٢٢ وانتهى العمل به عام ١٩٢٤ حيث اكتمل بناء الكلية الدينية في ١٦ آذار/مارس ١٩٢٤ حيث أطلقت عليه الصحف العراقية يوم الجامعة. ح

ضر الملك فيصل الأول لافتتاح الجامعة، فحمل مفتاحاً ذهبياً وفتح به بوابة الكلية الدينية ، وعاشت بغداد أجواء احتفالية في ذلك اليوم بحضور الملك ورجالات الدولة والعلماء والنواب وطلبة المدارس العالية وتلاميذ المدارس الرسمية والاهلية ، كما حضر المعتمد السامي ،هنري دوبس، وعدد من السفراء والموظفين الأجانب والسيدات الأجنبيات ، وكانت الجماهير المحتشدة تتقاطر على بوابة الجامعة وهي تسير بين حدائقها وساحاتها التي فرشت بالسجاد والبسط ، وعلقت الزينة والأعلام العراقية، وصُفّت كراسي الحضور الذين علقوا على صدورهم شارة تسمى (شارة روزه ت) وهي عبارة عن وردة من حرير ملونة بألوان علم “الثورة العربية” ، يتدلى منها شريطان كتب على أحدهما “تذكار جامعة آل البيت” ، وكتب على الثاني “سنة ١٣٤٢ هجرية”. وكان طلبة دار المعلمين يقدمونها إلى المشاركين بالاحتفال.

ألقيت في الاحتفال عدة كلمات واحدة لوزير الأوقاف ،صالح بيك باش اعيان، تلاها عنه مدير الأوقاف ،عطا أفندي الخطيب، عرض فيها خلاصة بما قدمته الوزارة وما ستقوم بها للجامعة ، وأوضح أن بناء الكلية استغرق عامين طبقاً للخرائط التي رسمها مهندسون بريطانيون هم ،الميجر جيمس، ويلسون ، والمستر ترنو. وذكر أن كلفة البناء بلغت (٥٧٩،٠٠٠) روبية أي نحو (٤٣،٤٢٥) ديناراً عراقياً. وأضاف”إن الوزارة قد شكلت لجنة من الخبراء لوضع نظام للجامعة ، وأنها قامت بوضعه طبقاً لأنظمة الجامعات، ثم قدمته إلى مجلس الوزراء للتصديق عليه، وأن الاستعدادات جارية للبدء بالتدريس واختيار الأساتذة”.

قدمت بعد ذلك أسطوانة إلى الملك خزنت فيها خارطة عامة للجامعة وخارطة للكلية الدينية مكتوب عليها: تم بناؤها في ٩ شعبان سنة ١٣٤٢ هجرية، وخارطة للمشروع القادم وهو الصرح المركزي، مع بعض الصحف والطوابع العراقية. استلم الملك الأسطوانة قائلاً: أشكر لوزارة الأوقاف عملها، وأقدر مسعاها في تشييد الشعبة الدينية، وأؤمل أن تواصل سعيها بتشييد بقية الفروع مع باقي الوزارات لترفع العراق في الجامعة مجداً خالداً. ثم وضع الأسطوانة في الحجر الأساس ودق عليها أربع دقات على كل ركن منه قائلا “بسم الله الرحمن الرحيم بحول الله وقوته أسس هذا الصرح”.

المنهج الدراسي للكلية الدينية

جاء في المادة الاولى من نظام الكلية الدينية ما نصه “أسست وزارة الاوقاف الشعبة الدينية لتخريج رجال دينيين مجهزين بالعلوم والفنون الحديثة قادرين على القيام بنشر مبادئ الدين الاسلامي وبث حقائقه السامية بأساليب تلائم روح العصر الحاضر، ولتخريج مدرسين وموظفين في وزارة الأوقاف” . كما نصت المادة (28) من النظام المذكور على توظيف المجازين في جميع وظائف الاوقاف من علمية وادارية وغيرهما وتوظيفهم في وظائف التدريس للغة والعلوم الدينية في وزارتي الاوقاف والمعارف وفي وظائف المحاكم الشرعية والافتاء ووظيفة مقرر في الشعبة نفسها.

ولعل من أبرز العوامل الرئيسة التي كانت وراء تأسيس الجامعة تفكير فيصل الاول في بناء تلاحم اجتماعي قوي بين ابناء العراق.. وتخليصهم من حالة الانقسام المذهبي والتعصب الطائفي وخصوصا بين السنة والشيعة وجمع الولاء للوطن فقط. إذ شمل تدريس الفقه الشيعي لأول مرة في تاريخ العراق الرسمي، حيث كان تدرس المذاهب الخمسة في حال وجد من يرغب بذلك. أما أصول الفقه فيدرس الطالب أصول الفقه السني والشيعي على أن يكون أحدهما إلزامياً.

وتضمن المنهج الدراسي مواد عصرية تزيد من إطلاع الطالب وتفتح ذهنه مثل: الفلسفة، علم النفس، علم الاحتماع، علم الأخلاق، علم ما وراء الطبيعة، تاريخ الأديان، الفلسفة الإسلامية بما فيها التصوف، حكمة التشريع والتاريخ. ومن القوانين المدنية: نظام القضاء، قانون الأجراء والصكوك، علم الاقتصاد. بالإضافة إلى البلاغة والخطابة، تاريخ ما قبل الإسلام وتاريخ الإسلام وآداب اللغة العربية.

أما مدة الدراسة في الكلية الدينية فكانت أربع سنوات حيث لا يمكن إكمال المواد الدراسية بأقل من ذلك. إضافة إلى أن الدراسة الثانوية في العراق كانت أربع سنوات، بينما في بلدان أخرى كانت من ٥ – ٦ سنوات.

لماذا اخفقت التجربة؟

رغم كل الإمكانيات التي توفرت للكلية الدينية التي كانت أساس جامعة آل البيت لكن الكلية تعثرت في عملها منذ سنواتها الأولى. وكانت التقاطعات الإدارية بين وزارة الأوقاف ووزارة المعارف والتنافس على عائدية الجامعة أحد الأسباب التي جعلت أطراف أخرى تتدخل مثل مجلس الوزراء ومجلس النواب. كما أن رئيس الجامعة فهمي المدرس لم يتمكن من إدارة الجامعة وحل مشاكلها وإبقائها مستقلة ما فاقم الأوضاع حتى وصلت إلى انقطاع الدوام وتفرق الطلبة ، وقد وصل العدد إلى اثني عشر طالباً في السنة الأولى. كما قامت وزارة الأوقاف في عام ١٩٢٧ بإلغاء تدريس بعض المواد الأساس كعلم النفس، علم الاجتماع، فلسفة التشريع، علم الاقتصاد، نظام القضاء، علم البلاغة والخطابة بشرط تعويض هذه العلوم بعلم المنطق وعلم الكلام. هذا القرار المرتجل أدى إلى وجود (٣٠) ساعة شاغرة أسبوعياً. وفي السنة الرابعة تمت إعادة تدريس بعض المواد والإبقاء على إلغاء أخرى. هذا الارتباك الاداري أدى إلى عدم الثقة بالجامعة وسمعتها، إضافة إلى انطفاء الحماس لدى الطلاب والأساتذة على حد سواء في الاستمرار بالدراسة.

ساطع الحصري

ساطع الحصري ودوره التخريبي

ولعل أحد أهم عوامل الاخفاق هو موقف ، ساطع الحصري ، مدير التعليم للمدارس العراقية ومسؤول عن وضع المناهج الدراسية ، إذ كان الحصري يهاجم الجامعة ومنهجها الدراسي والإجراءات الإدارية وتشكيلات المجلس العام للجامعة ، كما انتقد الحصري الجامعة في اللجنة الوزارية ، ودعا إلى عدم التسرع في وضع نظام عام للجامعة، وعدم الاستعجال في منح الجامعة سلطات واسعة ، وعارض الحصري رغبة ، فهمي المدرس، بضم دار المعلمين العالية ومدرسة الهندسة ومدرسة الحقوق إلى الجامعة وقد نجح في ذلك.

وكان الحصري يرسل كتباً رسمياً ومذكرات إلى الوزراء والمسؤولين يعارض فيها استمرار جامعة آل البيت. ففي مذكرة مؤرخة في ١١ نيسان/ ابريل ١٩٢٤ كتب يقول “إني أرى انه يكون كارثة عظمى للعراق تأسيس أول جامعة للقطر تحت تأثير قانون سيء التصور، وسيء الكتابة، ومليء بالسخافات مثل القانون الذي عُرض على مجلس الوزراء”. تصور أن الحصري يصف تأسيس جامعة عراقية بأنه كارثة عظمى، في حين لم تكن هناك جامعة في العراق كله ، وكانت مصر سبقت العراق بتأسيس الجامعة المصرية (فؤاد الأول) عام ١٩٠٨ وخرّجت زعماء وسياسيين ورجالات دولة، لكن الحصري يستحيف إنشاء جامعة عراقية حديثة. لقد تأخر تأسيس أول جامعة عراقية خمسين عاماً أي حتى عام ١٩٥٨ عندما تأسست جامعة بغداد.

فهمي المدرس

وهاجم الحصري رئيس الجامعة ، فهمي المدرس، ووصفه بالاستهتار. وكان يرفع مذكراته إلى مجلس الوزراء لايقاف عمل الجامعة ، وكان المدرس يرد على انتقادات ومذكرات الحصري ويدرك أن الحصري ينطلق من نزعات علمانية وشخصية، فيقول “إن السبب هو ساطع الحصري لأنه لا يروق له تشكيل الجامعة ما لم يكن هو أميناً لها أي ان القضية شخصية وليست مهنية كما يدعي الحصري” ، وأضاف “ربما لأنه يريد توجيه الشباب العراقي نحو الجامعة الأمريكية (في بيروت)”.

لم يكن موقف الحصري ضد إنشاء جامعة آل البيت وحيداً بل سبق له أن انتقد فكرة تأسيس (جامعة الأشبال) التي اقترحها السيد ، هبة الدين الشهرستاني، الذي كان وزيراً للمعارف. وكان الشهرستاني قدم مشروعه بناء على طلب الملك نفسه، لكن ساطع الحصري تصدى للمشروع وهاجمه، وأقنع الملك بعدم جدواه، مؤكداً له انه ليس من مصلحة العراق القومية والوطنية والاجتماعية تأسيس مثل هذه الجامعة، ففشل المشروع في مهده.

من المعروف أن ،ساطع الحصري، علماني لا يؤمن بالدين، وهو من مواليد حلب بسوريا، وليس عراقيا، وكان يتبنى الفكر القومي العروبي ويهاجم الدين ويرفض منحه أي دور في التعليم أو الحياة العامة. وكان الحصري يجد صدى لأفكاره ومواقفه بين الطبقة السياسية والحكومية العراقية ، وكان اغلب من جاء بهم فيصل معه من سوريا من العلمانيين، إضافة إلى شخصيات عراقية أخرى تنشط بالفكر والشعر والأدب مثل الشاعرين ، معروف الرصافي، الذي هاجم الرسول (ص) ، وجميل صدقي الزهاوي، الذي هاجم حجاب المرأة ودعا إلى التبرج. وكانت تلك الطبقة وراء علمانية الدولة وترسيخ القومية العربية في بلد كالعراق فيه تعدد قومي ولغوي ومذهبي.

نهاية جامعة آل البيت

إزاء تلك الحملات والانتقادات قرر مجلس الوزراء في ٢٤ نيسان/ابريل ١٩٣٠ غلق الكلية الدينية في جامعة آل البيت ، والاستعاضة عنها بإرسال بعثة من (١٨) طالباً من طلبة العلوم الدينية يوفدون إلى معاهد مصر. وفي الواقع لم يرسل سوى أربعة طلاب فقط.

انتهى بذلك الحلم الذي راود المثقفين والتربويين الحريصين على ازدهار العراق من خلال ترسيخ التعليم الأكاديمي.  تم تسليم بناية الكلية الدينية إلى المجلس النيابي العراقي، ثم تحولت فيها دار المعلمين العالية. وأما الصرح المركزي الذي كان من المقرر أن يكون مقراً لرئاسة الجامعة فتحول إلى مقبرة ملكية أول من دفن فيها الملك فيصل الأول عام ١٩٣٣ ودفن معه حلمه الطموح. يشغل المبنى حاليا كلية التربية ابن رشد.

 

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • خالد السلطاني، عمارة جامعة آل البيت الدرس الحداثي الأول، المدى في ٤ تشرين الأول ٢٠١٣
  • سيار الجميل، جامعة آل البيت في العراق، موقع إيلاف في تشرين الأول ٢٠٠٦ .
  • جواد كاظم محيسن، دار المعلمين العالية، ملاحق المدى في ١٧ آذار ٢٠١٩

 

 

العمارة الأجنبية في العراق.. وزارة التخطيط “مجلس الاعمار الملكي” صرح معماري على ضفة دجلة

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

مجلس الاعمار في العهد الملكي

كانت خطط التنمية السابقة لحكومة العهد الملكي عاجزة لوحدها عن النهوض بالتنمية المطلوبة وذلك بسبب قلة العائدات النفطية آنذاك. ففي الفترة من عام ١٩٣٢ ، أي استقلال العراق وانضمامه إلى عصبة الأمم المتحدة، وحتى عام ١٩٥٠ كانت عائدات النفط بلغت (٣٦ ) مليون دينار. وهذا يعني أنه خلال ١٨ عاماً كان معدل الايراد السنوي يبلغ مليوني دينار فقط ، وهذا رقم ضئيل لا يفي باحتياجات البلد نحو التقدم والنهوض.

ومنذ مطلع الخمسينيات شهدت إيرادات النفط العراقي المصدّر ارتفاعاً ملحوظاً، وذلك بعد عقد وزارة “نوري السعيد” اتفاقية مناصفة الأرباح مع الشركات الأجنبية العاملة في نفط العراق عام  ١٩٥١ ، إذ ارتفعت عائدات النفط العراقي المصدّر من (٣) ملايين دينار عام ١٩٤٩ إلى (٥٠) مليون دينار عام ١٩٥٣ ، ورغم أن الاتفاقية لم يصدّق عليها المجلس النيابي العراقي في شباط/فبراير ١٩٥٢، لكن العائدات العالية مهدت الطريق أمام الحكومة للبدء بمشاريع الاعمار والبناء وتفعيل مجلس الاعمار الذي تأسس بموجب القرار رقم (٧) لسنة ١٩٥٠ وباشر أعماله في ١٩٥٢-١٩٥٣. وتضمن القانون تخصيص إيرادات النفط كلها لمشاريع الاعمار والبناء، أي أن عائدات النفط كلها تخصص للموازنة الاستثمارية ، وأما الموازنة التشغيلية التي تضم رواتب الموظفين والنفقات الحكومية فكانت تسدد من العائدات غير النفطية وخاصة من الصادرات الزراعية والصناعية والتجارية والرسوم والضرائب والكمارك. وقد بلغت حصة مجلس الاعمار من ايرادات النفط عام  1952 ما يربو على 23  مليون دينارا عراقيا، وارتفعت عام 1954 الى نحو 39 مليونا ثم وصلت في عام 1955 الى اكثر من 42 مليون دينار (كان سعر الدينار العراقي يعادل آنذاك أكثر من ثلاثة دولارات امريكية).

مجلس الاعمار برئاسة نوري السعيد

ترأس المجلس رئيس الوزراء ، وبعضوية وزيري الإعمار والمالية وستة أعضاء آخرين، يشكلون سكرتارية المجلس ، إضافة الى اللجان المختصة والتي ترتبط بوزير الإعمار ، وخلال أسبوع الإعمار كان نوري السعيد رئيس المجلس كونه رئيس الوزراء ، ووزير الإعمار ضياء جعفر. وتركزت أهداف المجلس بالدرجة الأساس على النهوض بالواقع العمراني والاقتصادي والصناعي في العراق، ورفع مستوى معيشة الشعب من خلال الوظائف وفرص العمل التي توفرها المشاريع المنجزة ، ووضع منهاج تنفيذ للمشاريع المتعددة، مع تقديم تقرير سنوي حول ما تم إعماره والمقترحات للمشاريع الجديدة. وبدأ المجلس بإعداد خطط تنهض بالواقع العراقي في كل الميادين الزراعية والصناعية والبنى التحتية والمعامل والطرق والجسور والماء والكهرباء ومشاريع الإسكان والسدود وغيرها، فكان من اللازم استيعاب الدوائر والأقسام الملحقة بالمجلس في بناية يضمها وقادرة على تلبية الحاجات الإدارية والمستقبلية بإنشاء أقسام تخصصية في التخطيط والمتابعة، إضافة إلى الإشراف على العقود مع الشركات الأجنبية التي تتولى تنفيذ المشاريع.

مصمم مبنى وزارة التخطيط (مجلس الاعمار)

تم اختيار قطعة أرض تشرف على نهر دجلة في منطقة كرادة مريم ، قريبة من البلاط الملكي (القصر الجمهوري) والمجلس الوطني (البرلمان الملكي).

في عام ١٩٥٨ تم تكليف المهندس المعماري الإيطالي جيو بونتي (١٨٩١- ١٩٧٩) Gio Ponti وهو من أشهر المعماريين الايطاليين وله أكثر من مائة مبنى في جميع أنحاء العالم، ومنها برج بيرللي Grattacielo Pirelli في مدينة ميلانو الذي تم بناؤه للفترة ١٩٥٦- ١٩٦٠. وهو برج يتألف من ٣٢ طابقاً وبارتفاع ١٢٧ متراً، ومساحة الطابق الواحد تبلغ (٢٤) ألف متر مربع.

يعد “جيو بونتي” من رواد العمارة الحديثة، ومن المعماريين الايطاليين أمثال بيتر أشيري و جيوفاني موزيو و مارسيلو بياسينتيني الذي كان مسؤولاً عن التحولات الحضرية في العديد من المدن الإيطالية. وقد أصدر جيو بونتي بالتعاون مع جيوفاني سيميريا مجلة معمارية شهرية اسمها دوموس Domus بدءاً من ١٥ كانون الثاني/يناير عام ١٩٢٨، وكان مقرها في ميلانو. بقي جيو بونتي يعمل محرراً للمقالات الهندسية والمعمارية والصناعية حتى عام ١٩٤١. لكنه عاد إليها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث باشر مرة أخرى عام ١٩٤٨ ، وتميزت في فترة الخمسينيات والستينيات بالحيوية الكبيرة في العمارة والفنون والرسم.

 وصف المبنى

تعد البناية إنجازاً معمارياً حداثوياً ذا طابع إيطالي يرتفع في قلب بغداد ببهاء وجمالية ورشاقة. تألف المبنى من جسمين معماريين، أحدهما بارتفاع (١١) طابقاً والآخر يضم سبعة طوابق. المبنى الرئيس عبارة عن برج مضلع حيث ينساب الضلعان الطويلان بشكل مستقيم، بينما الضلعان الجانبيان الصغيران يتكون كل منهما من ضلعين صغيرين بزاوية منفرجة. مقطع جسم المبنى يشبه سفينة عالية تتجه للنزول في نهر دجلة. والبرج يشابه تصميم

برج بيرللي في ميلانو من حيث الشكل العام والشبابيك. تم تغليف الواجهات بالسيراميك الأرجواني اللوني الذي حافظ على لونها وتركيبها من الأجواء العراقية منذ إنشائها ولحد الآن، علماً بأن أغلب مواد البناء تم استيرادها من إيطاليا وسويسرا.

إضافة إلى البنايتين القريبتين من نهر دجلة وجسر الجمهورية (جسر الملكة عالية سابقاً) هناك خمس بنايات أخرى أصغر حجماً لكنها تعد جزءاً من المبنى وفيها أقسام عائدة للوزارة.

يمكن دخول المبنى من خلال جسر صغير يبدأ من الشارع ويصعد حتى مدخل المبنى، مما يمنحها هيبة وتأثيراً للداخل إليها ، ويوجد موقف للسيارات خاص بالموظفين والزائرين.

عقبات تواجه الإنشاء

بسبب أحداث تموز / يوليو ١٩٥٨ وسقوط النظام الملكي ونشوء النظام الجمهوري وما رافقه من تغييرات وتشكيلات وزارية ومؤسساتية ، والانشغال بمحاكمات رموز العهد الملكي والتظاهرات والاجتماعات والنشاطات، تأخر العمل في تنفيذ البناية، كما أن إلغاء مجلس الاعمار الذي كانت البناية مخصصة له قد اوجد حالة من الارباك تسببت في تأجيل العمل بها حتى عام ١٩٦١

استلمت شركة المقاول العراقي المهندس عبد اللطيف العاني مهمة إنشاء البناية، ولكن الشركة لم تتمكن من تسليم المبنى في الموعد المقرر، ما أدى إلى تكبد الشركة غرامة قدرها مليون وربع مليون دينار عراقي (٣ ملايين دولار).

توقف العمل في المبنى وحدثت عدة انقلابات وجاءت عدة حكومات حتى حدث انقلاب ١٧ تموز/يوليو ١٩٦٨ وطلب المقاول من الحكومة مساعدته في إكمال البناء، لكنها رفضت وأصدرت قرارا بمصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة ، وكان بإمكان المقاول إعلان إفلاسه رسمياً لتفادي مصادرة أمواله، لكنه رفض لأن الإفلاس يضر بسمعته ، ومع ذلك تمكن من إنجاز العمل وتسليم البناية في عام ١٩٦٩ لتصبح جاهزة لوزارة التخطيط.

في عهد الوزير علي الشكري (٢٠١٠-٢٠١٤) قام بنصب تمثال للمقاول عبد اللطيف العاني في مدخل الوزارة تكريماً لإصراره على إنجاز البناء رغم ما تعرض له من مصادرة أمواله والإضرار بسمعته. جاء ذلك لمناسبة مرور ٥٠ عاماً على إكمال المبنى ، وكان الأحرى بالوزير نصب تمثال للمصمم الإيطالي جيو بونتي الذي قدم أروع تصميم معماري للبناية، وتخليداً لما قدمه للعاصمة بغداد. فالعادة لا تخلد الشركات المنفذة بل الذي قام بالتصميم خاصة إذا كان شخصية مشهورة.

في ١٢ آذار ٢٠١٢ قامت محافظة بغداد بإنشاء استعلامات ألكترونية بكلفة ١٢٤ مليون دينار وبمدة إنجاز (٥٠) يوماً. وقام بافتتاحها وزير التخطيط علي الشكري ومحافظ بغداد صلاح عبد الرزاق ، وتضمنت قاعة مكيفة لجلوس المراجعين، ومكاتب لموظفي الأقسام الإدارية والمالية والقانونية وغيرها في الوزارة. وعندما يدخل المراجع يستلم بطاقة مكتوب عليها رقمه وعدد المراجعين قبله والشباك الذي يراجعه ، وكان موقع الاستعلامات يشرف على النهر، ثم ارتأت الوزارة نقلها إلى مدخل البناية مباشرة.

تعرض البناية للأضرار

أثناء عمليات حرب الخليج عام ١٩٩١ تعرضت الأبنية الملحقة بالوزارة إلى قصف صاروخي من قبل الطائرات الأمريكية لكن المبنى الرئيس لم يصب إلا بأضرار طفيفة. وكانت البناية ذات السبعة طوابق تستخدم من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء. ففي آب/اغسطس عام ١٩٩٤ قام حسين كامل ، صهر صدام حسين،  بإلغاء وزارة التخطيط ، لكونه كان يرفض الخضوع لتعليمات الوزارة في العقود الحكومية فتحولت إلى هيئة، وأصبح وزير التخطيط سامال مجيد فرج (في المنصب من عام ١٩٨٢- ١٩٩٤) وزير دولة يعمل في المبنى الصغير.   

أثناء الحرب على العراق في ٢١ آذار/مارس ٢٠٠٣ تعرضت وزارة التخطيط لهجوم جوي بالصواريخ عندما شنت الطائرات الأمريكية على البنايتين الرئيستين ، إذ تصدعت بعض الجسور والأعمدة والسقوف. أما البناية (E) فقد أصيبت بست صواريخ حطمتها بنسبة ٦٠ بالمائة ، لانها كانت تستخدم مكتبا حزبيا لـ”عبد حمود” سكرتير صدام.

وبعد سقوط النظام في ٩ نيسان/ابريل ٢٠٠٣ تعرضت الوزارة إلى نهب محتوياتها من قبل اللصوص، وقاموا بإحراق بعض طوابقها وأثاثها ومكاتبها.

هشام المدفعي

يروي المعمار العراقي هشام المدفعي: في عام ٢٠٠٤ بدأت الجهود لإعادة إعمار البناية بالتعاون مع مجموعة مازن كمونة (مكتب المعين) للأعمال المعمارية ومجموعة أمين زوين (مكتب دجلة) لأعمال الكهربائيات والتكييف والصحيات والخدمات الأخرى ، وأستكملت الوثائق المطلوبة كافة من خرائط وصور ومخططات ومواصفات ، وكانت كل التصاميم مع جدول الكميات موضوعة على أساس عمل مقاول عالمي بأسلوب تصميم وبناء Design Build.

يضيف المدفعي:  لا ادري لماذا سألني وزير التخطيط آنذاك  الدكتور “مهدي الحافظ” عن تفاصيل شبابيك وزارة التخطيط وهل هي بنفس المواصفات التي وضعها (جيو بونتي) ام لا.. ؟ كون هذا الموضوع خارج اختصاصه وبينت له بأن الشبابيك الموضوعة من قبلنا هي بنفس الأشكال والأبعاد، الا ان مواصفاتها أحسن لأننا نطلب الآن استعمال ألواح زجاج مزدوجة عازلة للصوت والحرارة، ومعدن الشباك هو من الالمنيوم عالي النوعية لعدم توفر هذه المواصفات عندما وضع المصمم الايطالي المواصفات السابقة.

 

يذكر المدفعي: عملت الحكومة الايطالية على تخليد أسماء عظمائها بشكل واضح . ولما كان المعمار  جيو بونتي  ،وهو مصمم أبنية وزارة ومجلس التخطيط ، يعتبر من كبار المعماريين الايطاليين المشهورين الذين تعمل حكومته على تخليد أعماله ، فقد تولدت فكرة أهمية التعرف على تفاصيل أعماله وإعادة الحفاظ على التصاميم الأصلية لهذا المعماري الايطالي المشهور . ومن هذا المنطلق وجهت إدارة اليونسكو في ايطاليا الدعوة الينا لزيارة مدينة وجامعة ميلانو في حزيران/يونيو 2004 لعرض تفاصيل أعمال ألـ (Renovation Of The Ministry Of Planning Building ) ، التقينا في قاعة الاجتماعات بجامعة ميلانو ، بالعديد من المهندسين والمعمارين وطلاب دراسات الحفاظ على التراث ، الذين طلبوا مني ان أشرح لهم مقدار الأضرار التي تعرضت لها ابنية وزارة ومجلس التخطيط ، وشرح فكرة الصيانة التي عملنا عليها للحفاظ على تراث المعماري «جيو بونتي» في بناية وزارة التخطيط في بغداد. وبعد شرح كامل لعدد الأبنية وأسلوب العمل الذي اعتمدناه ونوع العلاجات لكل بناية والأهم من ذلك اعطاء الأهمية القصوى الى الأبنية المصممة من قبل «جيو بونتي» ، توضحت سلامة العلاجات المعتمدة من قبلنا في بغداد . بالإضافة الى ذلك فتحنا باب العمل المستقبلي بيننا وبين جامعة ميلانو في ما يحتاج العمل عليه سوية بالمستقبل.
المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • أحمد هادي ، موقع عراق ألترا ALTRA في ٣٠ أيلول/سبتمبر ٢٠١٩
  • شذى خليل ، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية في ٢٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠
  • أحمد عبد السلام حطاب ، ملاحق المدى في ٢٢ أيلول/سبتمبر ٢٠١٩
  • إبراهيم الحيدري ، شبكة الاقتصاديين العراقيين في ٦ حزيران / يونيو ٢٠١٥
  • موسوعة ميمر Mimir
  • موقع المتحف العراقي في ١٤ شباط /فبراير ٢٠١٩
  • مذكرات هشام المدفعي (نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والاعمار) ، ملاحق جريدة الصباح الجديد في ١ نيسان/ ابريل ٢٠١٨
  • إذاعة بي بي سي البريطانية في ٢١ آذار /مارس٢٠٠٣

 

ثورة (انقلاب) 14 تموز والمرجعية الدينية

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

الأوضاع السياسية غداة الثورة

كان النظام البرلماني في العهد الملكي يتشكل من مجموعة من الأحزاب السياسية مثل ( حزب الإستقلال ) وهو حزب قومي تزعمه محمد مهدي كبة وصديق شنشل ، و( الحزب الوطني الديمقراطي) بزعامة كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل ، وثلاثتهم من الأرستقراطية ، و( حزب الأمة ) الذي أسسه صالح جبر . لقد إصطبغ البرلمان العراقي بلون عسكري إذ كان أغلب الساسة الذين تولوا رئاسة الحكومة ضباطاً ( نوري السعيد ، ياسين الهاشمي ، جميل المدفعي ، نور الدين محمود ..) . وكانت الحكومة هي التي تعيّن وترشح وتوصل من تريده إلى البرلمان . فالوضع كان مقلوباً في العراق، إذ أن الحكومة هي التي تشرف على البرلمان وتحدد من يدخله وليس العكس كما في برلمانات العالم.
وكان الإختناق السياسي قد تزايد بسبب القمع المتواصل للأحزاب السياسية والمثقفين ، وزادت المطالب الوطنية بالإصلاح الدستوري وإلغاء القواعد البريطانية ، وإطلاق سراح المعتقلين ، وإلغاء حلف بغداد وقطع الإتصال بإسرائيل . وكان الخلاف في أوجه بين نوري السعيد وجمال عبد الناصر الذي تزعم إنقلاب 23 تموز 1952 ، وتأثير أفكاره القومية والعروبية على الأوساط السياسية والفكرية في العراق .

شخصية عبد الكريم قاسم 

كان عبد الكريم قاسم من أصل ريفي من مدينة الصويرة قرب مدينة الكوت . والده عربي سني وأمه كردية فيلية شيعية . له أخ (حامد جاسم) يعمل وسيطاً للنقل النهري وحالته جيدة . نشأ عبد الكريم قاسم عصامياً ، إذ أكمل الكلية العسكرية ، وحاز مناصب عسكرية ، إذ كان برتبة عميد ركن ومرشح لرتبة أمير لواء ركن . وهي رتبة عسكرية يسمى حاملها (باشا) في الجيش العراقي . كان ذا ثقافة جيدة ، يجيد العربية الفصحى ، مطلع على الأدب العربي القديم . ويجيد الإنكليزية ، إذ أنه قد درس الأركان في مدرسة كبار الضباط في بريطانيا عام 1950 . ومع إختلافنا مع سياسته وأفكاره وإتهامه بالدكتاتورية ، إلا أنني لم أجد من يذكر سلوكه الشخصي بسوء ، فقد كان مستقيماً ، لا يدخن ، ولا يحب السهرات ، جدي ، متواضع ، لم يبن قصراً بعد توليه الرئاسة ، بل سكن في غرفة في وزارة الدفاع . كان سائقه يجلب له طعامه ( سفرطاس) من بيت أخيه . لم يتزوج ، وعلاقته جيدة مع أسرته وأصدقائه . لم يحتفظ بأحقاد شخصية قديمة ، بل كان يعفو عن كثير ممن أساؤا له وحاولوا إغتياله . كان يعمل طوال اليوم ، ولم يتقيد بمواعيد الدوام . وغالباً ما يقوم بجولة ليلية لتفقد سير العمل في قناة الجيش وتبليط الطرق والساحات . لم يمنح رتباً عسكرية خارج القانون أو منح قدم لغير مستحقيها ، وحتى نفسه .

سياسة عبد الكريم قاسم 

قام عبد الكريم قاسم وبمساعدة بعض الضباط بالاستيلاء على السلطة في انقلاب عسكري ضمن خطة (عملية صقر) ، وتمت تصفية العائلة المالكة في ظروف غامضة . قام عبد السلام عارف بقراءة البيان الأول لـ “الثورة” من دار الاذاعة العراقية . ثم قام بتشكيل حكومة جديدة استعان بها بالوجوه السياسية القديمة والمعارضة للنظام الملكي. 
بالنسبة لسياسة قاسم في الأعوام الخمسة التي حكمها هناك تفاصيل كثيرة لسنا هنا بصددها ولكننا سنركز على ما أهمها .

على الصعيد الخارجي تقارب عبد الكريم قاسم مع الإتحاد السوفياتي نكاية بأميركا وبريطانيا بعد غضبهما على إصدار قانون رقم 80 الذي يقيد التنقيب عن النفط في مساحة محدودة . على الصعيد الداخلي إهتم ببناء المشاريع العمرانية والإسكانية والمصانع ورفع المستوى التعليمي والصحي ، مما عزز شعبيته بين الجماهير وخاصة الطبقة المسحوقة التي كانت تعيش على هامش المدن ، فبنى مدينة الثورة ببغداد ومنح مساكن شعبية لأصحاب الصرائف وغالبيتهم من الشيعة.

موقف المرجعية الدينية 

المرجع الحكيم وقاسم

إستقبلت المرجعية الشيعية ، التي كان يرأسها المرجع الديني السيد محسن الحكيم (قدس) ، التغيير السياسي بترحاب . وبعث السيد الحكيم رسالة إلى عبد الكريم قاسم جاء فيها: “ولقد سرني ما يبلغني عنكم من خطوات سديدة جبارة في هذه الآونة القصيرة. الأمر الذي يستوجب لكم الاكبار والاعظام. لذلك أبارك لكم فيما أولاكم الله به، وأدعو لكم بحسن التوفيق لخدمة الدين والاسلام ، والمحافظة على الصالح العام”. وقد أجابه قاسم بما يلي: “تلقينا كتاب سماحتكم بمزيد من الشكر، سائلين المولى أن يوفقنا لأداء الواجب الملقى على عاتقنا نحو الأمة وحماية شعائر الاسلام وإقامة موازين العدل والمحافظة على الصالح العام، مستمدين العون من عناية الله ومؤازرة الأمة وبركات أئمة الدين” . 

لم يمض شهر العسل طويلاً بين المرجعية وقاسم إذ سرعان ما توترت العلاقات بعد بروز نجم الشيوعيين وانتشار نفوذهم ما جعل الحركة الإسلامية والحوزة العلمية تغير موقفها . بدأت بإقامة إحتفال سنوي ضخم بمناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) في كربلاء وولادة الإمام الحسين (ع) في النجف ، ليكون تظاهرة إسلامية كبرى . بدأت الحركة الإسلامية في تعبئة الجماهير ضد التيارات المنحرفة ونشر الكتب والمجلات ، من أجل تحصين الأمة بالثقافة الإسلامية ، وإقامة الإحتفالات والندوات والدروس . وجاء إصدار الشهيد محمد باقر الصدر لكتابيه (فلسفتنا وإقتصادنا ) في تلك الفترة . وأصدرت جماعة العلماء مجلة (الأضواء) عام 1959 ، واستمرت حتى عام 1962 . 

الاصطدام مع الاسلام 

لم يؤسس قاسم حزباً سياسياً بل بقي يلعب لعبة التوازنات ومسك العصا من الوسط وضرب هذا الحزب بذاك . قوي في عهده نفوذ الحزب الشيوعي العراقي ، وأخذت مظاهر الكفر والإلحاد تتزايد ، وتصاعد الإنتقاص من الإسلام والشريعة الإسلامية واتهامها بالرجعية والتخلف. كما واجهت المرجعية اتهامات ومدعيات ضدها. 

فقد أصدر قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 والذي نشر في جريدة الوقائع العراقية في 28 تموز /يوليو 1959. وألغى القانون كل القوانين الاسلامية المتعلقة بقضايا الأحوال الشخصية كالزواج وتعدد الزوجات ، فقد ألغى القانون ضرورة الحصول على موافقة ولي الزوجة أو حضور القاضي في عقد الزواج ، كما منع القانون الزواج بأكثر من واحدة ، ومنح المرأة حق الطلاق وأن يكون لها حقاً مساوياً للرجل في الإرث ، كما ألغى القانون جملة من القوانين الاسلامية مثل قانون الخلع والظهار والايلاء ، ولم يلتزم به قضاة المحاكم الشرعية ، بل رفضت النساء أخذ حصصهن بموجبه . 

محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم بمشاركة صدام حسين

وقد اعتبرت المرجعية الدينية أن القانون يشكل ضربة موجهة لها لأن وظيفة المرجع هي الدفاع عن الأحكام الاسلامية. ولذلك أرسل السيد الحكيم وفوداً لقاسم طالباً منه إلغاء القانون، فلم يستجب لطلبه. وحض السيد الحكيم على نقد القانون في الاحتفالات العامة، وكلف الدكتور السيد محمد بحر العلوم بتأليف كتاب يرد على القانون فقام بتلك المهمة.

ورافق ذلك مظاهر عنف ووحشية مثل تعليق الأجساد وسحل الجثث في الشوارع ، ومحاكمات كوميدية من قبل فاضل عباس المهداوي ، ووحشية ( المقاومة الشعبية ) التي استبسلت في الفتك بالمواطن الأعزل . الأمر الذي دفع قاسم إلى نفض يده من تأييد الشيوعيين ، إذ ألقى خطابه المعروف  في كنيسة مار يوسف في شهر مايس 1959 والذي هاجم فيه الشيوعيين  ووصفهم بالفوضويين.

انتهزت المرجعية الدينية تدهور العلاقات بين قاسم والحزب الشيوعي فأصدر السيد محسن الحكيم في 12 شباط/فبراير 1960 فتوى بحرمة الإنتماء للحزب الشيوعي ، وأن الشيوعية كفر وإلحاد وترويج لهما . وأصدر فتوى بحرمة اللحم المأخوذ من القصاب الشيوعي . ساند المراجع فتوى الحكيم بصدد الشيوعية وأيده كبار الفقهاء كالسيد الخوئي والشاهرودي وعبدالله الشيرازي والشيخ مرتضى آل ياسين والسيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي والشيخ عبد الكريم الجزائري . ورفض مراجع آخرون إصدار فتاوى أمثال حسين الحمامي وعبد الكريم الزنجاني والشيخ محمد فاضل القائيني. وقد اتهم الثلاثة بتهم الشيوعية والعمالة لبريطانيا والجنون على الترتيب. 

بقي السيد الحكيم ماضياً في سياسة القطيعة مع قاسم. ولذلك أعرب عن رغبته بلقاء الحكيم عند زيارته للنجف، لكن السيد الحكيم رفض ذلك الطلب. وقد حاول قاسم تلافي التدهور الذي أصاب رصيده السياسي، فقام بزيارة إلى النجف لكنه فشل في لقاء المرجعية الشيعية.  وقد أضعف موقف المرجعية قاسماً حيث استفاد أعداؤه القوميون من عزله عن الشعب ثم إسقاطه. 

موقف الإسلاميين السنة

الاخوان المسلمون في العراق

 وقف الإخوان المسلمون الممثلين بالحزب الإسلامي العراقي موقفاً إيجابياً ومؤيداً من حكومة عبد الكريم قاسم ، إلا أن هذا الموقف تغير بعد هيمنة الحزب الشيوعي . فساهم الإخوان في التصدي للتيار الشيوعي وأفكاره . 
وكان الحزب الإسلامي حصل على الترخيص بالعمل بقرار محكمة الإستئناف بعد رفض وزارة الداخلية منحه الترخيص عام 1960 . وكان الحزب قد قدم السيد محسن الحكيم بوصفه راعي الحزب .

تعرض الإخوان عام 1959 لهجمة شرسة في الموصل ، بعد اخفاق حركة عبدالوهاب الشواف في الموصل ، قتل عدد منهم ، فيما إضطر بعضهم للهرب كالشيخ محمد محمود الصواف وعبد الكريم زيدان وعبد الرحمن السيد محمود إلى السعودية . وفي 5 تموز/يوليو 1960 اصدر الحزب الإسلامي العراقي بياناً شجب فيه الشيوعية بعنف ، وحذر الأمة من دعايتهم الخبيثة ومكائدهم . كما قدم عريضة إلى عبد الكريم قاسم تضمنت نقداً لاذعاً للحكومة لإغفالها تعليم الدين الإسلامي ، ولتبنيها التعاليم الشيوعية الإلحادية ، وطالبت بإلغاء الشيوعية . وبسبب النقد المتزايد للحكومة ، سحبت وزارة الداخلية إجازة الحزب واعتقلت من بقي من زعمائه .

______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

“داعش” ينشىء 4 ولايات في منطقة بحيرة تشاد

متابعة : وكالة نخلة

كشف تقرير أمني أن تنظيم “داعش” يعيد انتشاره بشكل واسع في شمال وغرب إفريقيا، مستغلا جنوب ليبيا كأهم محطة لتحرك مقاتليه، وأنشأ 4 ولايات في منطقة بحيرة تشاد.

وتحدث تقرير معهد الدراسات الأمنية الإفريقية أن التنظيم يعتمد على شبكة معقدة من الاتصالات والطرق التي تمتد عبر غرب وشمال إفريقيا، بين دول ليبيا والجزائر ومالي والنيجر ونيجيريا، لتسهيل تحركات مقاتليه وضمن حركة التنقلات، ضبطت السلطات في تشاد مجموعة من الشباب أثناء تسللهم إلى جنوب ليبيا للانضمام إلى المعارضة التشادية التي تضم فصائل إرهابية، وتتمركز ببعض مناطق الجنوب الليبي استغلالا لحالة الانفلات التي يعززها تنظيم الإخوان في ليبيا لمواجهة الجيش.

وهذه التحركات لتنظيم “داعش” وبقية الجماعات الإرهابية بين جنوب ليبيا ودول الجوار، وصولا إلى نيجيريا، مدفوعة بالتنافس الساخن بين إيطاليا وتركيا وفرنسا حول مساحات النفوذ في ليبيا وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي، وتبدو فيها إيطاليا وتركيا تنازعان فرنسا نفوذها التقليدي في إقليم فزان بجنوب ليبيا، ما دفع مراقبين إلى الحديث عن توافق إيطالي تركي حول دعم الميليشيات هناك، أو على الأقل غض الطرف عنها والتنافس بين إيطاليا وتركيا من جانب وفرنسا من جانب آخر ليس مستغربا، بحسب مراقبين، كون إيطاليا هي المحتل القديم لليبيا وتواجهها في الحدود البحرية، وتركيا لها نفوذ كبير حاليا هناك، والبلدان يطمعان في أخذ أكبر نصيب من الثروات الليبية، ويعتبرانها بوابة سهلة للسيطرة على البحر المتوسط من ناحية، وللتوغل داخل إفريقيا من ناحية أخرى.

وفرنسا، إضافة لمصالحها أيضا في البحر المتوسط، تهتم بجنوب ليبيا لاشتراكه في الحدود مع دول في الساحل الغربي لإفريقيا، حيث تتمركز قوات فرنسية تحت اسم قوة برخان.

ووفقا لدراسة صدرت حديثا لمركز دراسات الوحدة العربية بعنوان محددات وقضايا التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا ، فإن العلاقات الفرنسية الإيطالية شهدت تنافسا سياسيا ملحوظا حول ليبيا بعد إطاحة نظام العقيد معمر القذافي سنة 2011، وظهر تضارب مصالحهما مما انعكس على صراع المبادرات الذي تم بين باريس وروما حول الحل الأنسب لأزمة ليبيا

وأوضحت الدراسة أن الخلاف الأمني هو الأبرز بين البلدين، فتقوم الرؤية الفرنسية على أولوية أمن منطقة الساحل ومنع نقل الأسلحة عبر الحدود الليبية إلى الجماعات التي تستهدف المصالح الفرنسية في إفريقيا، فيما تتركز الرؤية الإيطالية الأمنية على منع تدفق عبور المهاجرين عبر البحر المتوسط إلى السواحل الإيطالية.

وكذلك هناك صراع نفوذ بين فرنسا وتركيا، دفع الأخيرة إلى التوافق مع إيطاليا في ملفات كجزء من التعاون لإزاحة النفوذ الفرنسي من جنوب ليبيا.

المصدر : وكالات 17 يوليو 2021

اخر الاخبار

اعلان

ad