الإثنين, يناير 18, 2021

تطعيمُ الأسرى الفلسطينيين مناقبيةٌ إسرائيليةٌ أم مخاوفٌ صحيةٌ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

شهدت الأروقة السياسية والأمنية والقضائية الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية، جدلاً كبيراً ونقاشاً واسعاً بين العديد من المسؤولين الإسرائيليين الكبار، حول مسألة تطعيم الأسرى الفلسطينيين باللقاح المضاد لكورونا، وذلك عشية وصول أكثر من أربعة ملايين لقاحٍ أمريكي إلى الكيان الصهيوني، وسط مظاهر الفرح والابتهاج التي أبداها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر وصول اللقاح بمثابة انتصارٍ شخصيٍ له، ونجاحٍ للجنة كورونا التي يرأسها، وتحدي ساخرٍ من كثيرٍ من خصومه ومنافسيه الذين شككوا في جهوده واتهموه، واستخفوا بإجراءاته وعارضوه.

لكنه وأغلب مستشاريه وأعضاء حكومته، كانوا فرحين بوصول اللقاح لصالح مستوطنيهم فقط، الذي دب فيهم الوباء واستفحل، وأصاب منهم ما يزيد عن 544 ألف مستوطنٍ، وتسبب منذ بداية الجائحة في وفاة أكثر من 3960 مصاباً، وما زال عداد الموتى والمصابين في ازديادٍ مستمرٍ، في ظل تسجيل أكثر من خمسة آلاف إصابة يومية.

ذكرت تقاريرٌ طبيةٌ إسرائيلية أن المستشفيات الإسرائيلية تشهد حالةً تشبه تلك التي عاشتها في حرب “يوم الغفران”، حيث اكتظت المستشفيات بالجرحى والمصابين، وباتت كل أسرتها مشغولة، ولم يعد بإمكانها استيعاب المزيد من المصابين، مما دفعها إلى فتح عشرات المستشفيات الميدانية، ونصب أسرةٍ في مداخل وممرات المستشفيات، لتلبية الحاجة الملحة من المصابين بالمرض أو خوفاً وهلعاً، ودعوا حكومتهم ولجنة الكورونا المختصة، إلى إغلاق كل الأبواب التي ينفذ منها الوباء، ومنها الرحلات الوافدة من الدول المصابة، والاختلاط الواسع غير المنضبط، وعدم الالتزام بإرشادات وتعاليم الوقاية العامة.

اعتبرت اللجنة العلمية أن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية يشكلون بؤرةً للوباء ومرتعاً خصباً للفيروس، الذي إذا أصابهم فإنه سيصيب حتماً قطاع السجون كله، وسينتقل إلى رجال الشرطة والحراس وجنود الجيش، والموظفين الإداريين فيها، وغيرهم من الاسرائيليين الذين يحتكون بالمعتقلين الفلسطينيين ويتعاملون معهم يومياً، الأمر الذي من شأنه أن يرفع من درجة الخطورة، ويزيد من نسبة الإصابة بين المستوطنين الإسرائيليين، ما لم يتم سد هذه الثغرة، وإغلاق هذا المنفذ الشديد الخطورة، وإلا فإن المعتقلين الأمنيين لن يصابوا وحدهم، بل سيصيبون بالعدوى “شعب إسرائيل”.

احتدم النقاش بقوةٍ على خلفية هذه المسألة بين المسؤولين الإسرائيليين، بين معارضٍ بقوةٍ لتطعيمهم وداعٍ للمباشرة بهم لأسبابٍ مختلفةٍ، ففي الوقت الذي أصر فيه وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا على عدم تطعيم الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وألا تكون لهم الأولوية في اللقاح حتى يتم تطعيم جميع الإسرائيليين، وليس فقط أصحاب الأولوية والحاجة من المرضى وكبار السن، والعاملين في المجال الطبي من الأطباء والممرضين وموظفي الخدمة العامة.

وبعد الانتهاء من حاجة “شعب إسرائيل” كله، يمكن حينها الالتفات إلى المعتقلين الفلسطينيين خاصةً، وإلى مناطق السلطة الفلسطينية عامةً، بل إن من مستشاري وزير الأمن الداخلي من اعتبر أن تطعيم الأسرى الفلسطينيين هو من اختصاص ومسؤولية السلطة الفلسطينية، وليس من اختصاص ومسؤولية وزارة الصحة الإسرائيلية.

إلا أن وزير الصحة الليكودي يولي أدلشتاين، العالم ببواطن الأمور، والخبير بأبعاد الأزمة ومخاطر الوباء، خاصةً بعد ظهور أجيالٍ جديدةٍ من الفيروس، والذي ترد إلى مكتبه مساء كل يومٍ أعداد المصابين والموتى جراء الإصابة بكورونا، فقد أصر على ضرورة تطعيم الأسرى الفلسطينيين ضمن الأولويات الأولى للوزارة، كونهم الأكثر عرضةً للإصابة، والأقل إمكانية للالتزام بضوابط التباعد الاجتماعي وتعليمات وزارة الصحة الصارمة بوضع الكمامات، ولزوم التعقيم المستمر وغير ذلك مما لا يمكن توفره أو الالتزام به في السجون، الأمر الذي يعني أن حراس السجون وجميع العاملين فيه، وأسرهم وذويهم، وكل من يختلط بهم ويجتمع معهم، سيكون عرضةً للإصابة بالفيروس، لهذا فقد كان قراره بضرورة المباشرة بتطعيم الأسرى أولاً، حمايةً للمجتمع الإسرائيلي لا حرصاً عليهم أو خوفاً على حياتهم.

أما المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيخاي منديليت الخبير بالقانون الدولي، والعالم في الشؤون القضائية، الذي يدرك مسؤولية كيانه عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وسكان الأرض المحتلة الذين يخضعون لسلطة قوة الاحتلال، فقد رأى أن حكومة كيانه ملزمة وفقاً للقانون الدولي، وقوانين جنيف المتعلقة بإدارة المعتقلين وقت الحرب، بتطعيم الأسرى الفلسطينيين والحفاظ على حياتهم، وضمان سلامتهم وتوفير الشروط الأساسية للصحة العامة، وإلا فإنها ستكون مسؤولة أمام المجتمع الدولي عما سيصيبهم في حال تفشي الإصابة بينهم، خاصةً أن الفيروس سريع الانتشار، والعدوى في السجون سهلة نتيجة الاكتظاظ في العدد والاختلاط الدائم بين المعتقلين.

أمام هذا الجدل الذي التحق به إعلاميون كبار، وشارك فيه مسؤولون أمنيون وعسكريون وسياسيون إسرائيليون، فضلاً عن خبراء في وزارة الصحة، وتدخل فيه العامة والمستوطنون، بعد أخذ رأي لجنة الكورونا، فقد اتضح السبب وراء التعجيل في تطعيم الأسرى الفلسطينيين، إذ رأوا جميعاً أن تطعيمهم هو من باب درأ الأخطار، وإغلاق الأبواب أمام فيروس كورونا.

وهو مسألة صحية إسرائيلية بامتيازٍ، يلزم القيام بها لحماية “شعب إسرائيل” فقط، وليس من باب الالتزام بالقانون الدولي، أو الخوف من المساءلة الدولية، أو حرصاً على حياة “قتلة ومجرمين”، “أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء الإسرائيليين”، أو هو من باب الرأفة بهم والخوف عليهم، الأمر الذي يؤكد بوضوحٍ تامٍ أن قرارهم ليس خلقاً قويماً ولا مناقبية عالية، ولا التزاماً دولياً وحرصاً قانونياً، إنما هو منفعة خاصة ومصالح ذاتية، تخلو من القيم والأخلاق، وتفتقر إلى القانون والأعراف.

بيروت : 18 يناير 2021

______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

مواقفٌ كويتيةٌ تجاه القضيةِ الفلسطينيةِ قوميةٌ رائدةٌ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

تأبى دولة الكويت وشعبها العربي المسلم، وأهلها الأباة النشامى الكرام، وهي التي تأذت يوماً من الموقف الرسمي الفلسطيني، وعانت فترةً بسبب قرار القيادة الفلسطينية، التي أخطأت التقدير وضلت الطريق، وفقدت الحكمة وجانبها الصواب، فآذتها وأساءت إلى ماضيها الأصيل، وجحدت فضل الكويت القديم عليها، وعضت اليد التي أكرمتها واحتضنتها، عندما تحالفت ضدها وانقلبت عليها، واصطفت مع عدوها عليها، وصدقته وناصرته، ودعمته وأيدته.

رغم ذلك فإن الكويت تأبى إلا أن تحافظ على صدق مواقفها، ونبل أخلاقها، وطهارة انتسابها، وأصالة انتمائها، وأن تكون وفيةً لمبادئها، ومحافظةً على أخلاقها، وصادقةً مع نفسها، ولا تقبل أن تتخلى يوماً عن فلسطين، أو أن تتأخر عن نصرة الشعب الفلسطيني والوقوف معه، ومساندته ودعمه، وتأييده في حقوقه ومقاومته، لإيمانها أن فلسطين هي قضية الحق ورسالة السماء، وأن نصرتها واجبة والدفاع عنها عبادة.

بقيت دولة الكويت للفلسطينيين رغم الجرح الغائر في تاريخها الحديث الوطن الرؤوم، والحاضنة الأولى للثورة الفلسطينية، والأم الحنون لقادتها التاريخيين، الذين أقاموا وعملوا فيها، وأسسوا على أرضها ثورتهم المعاصرة الأولى، التي عاش فيها وانطلق منها أغلب القادة التاريخيين للثورة الفلسطينية المعاصرة، ومنهم ياسر عرفات وأبو إياد وأبو جهاد، وعشراتٌ آخرون من قادة الثورة الفلسطينية، وفيها نشأت قيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” الأولى، ومنها انتشرت واتسعت، واشتد ساعدها وقويت شوكتها، وغدت حركة مقاومةٍ قويةٍ، باعها طويل، وبأسها شديد، وعطاؤها ممدود وتضحياتها بلا حدود.

في كل يومٍ تظهر دولة الكويت موقفاً جديداً يضاف إلى سجل مواقفها الخالدة، ويندرج تحت سياستها الأصيلة، يعلي مقامها ويرفع درجتها، ويسمو بها وشعبها، فهي لم تكتفِ فقط بمواقف وتصريحات، وكلمات وخطابات رئيس مجلس أمتها النارية، الذي اعتاد على الانتصار لفلسطين وأهلها في كل المحافل الدولية، ودأب على مهاجمة الكيان الصهيوني وتعريته، واعتاد على ادانتها (اسرائيل) وتوجيه الاتهام لها، والإصرار على أنها دولة احتلالٍ عنصريةٍ قاتلةٍ، ينبغي عزلها ومحاسبتها، ومحاكمتها ومعاقبتها، بسبب جرائمها الفاحشة وسياستها الظالمة ضد الشعب الفلسطيني، حتى غدا رئيس مجلس أمتها مرزوق الغانم رمزاً للأمة المقاومة ونوابها الثوار.

ومن قبل كان أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وكل أمرائها السابقين كما الجديد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، يؤيدون القضية الفلسطينية ويدعمون أهلها، ولا يتأخرون عن نصرتها وتقديم العون لها، ويصرون على العمل من أجلها والدفاع عنها، والقيام بواجبهم تجاهها في السياسة والإعلام، وفي الأرض والميدان، وفي الوطن والشتات، وفي تقديم الدعم المادي والرعاية الأخوية، فاستحق شيوخها من الشعب الفلسطيني كل حبٍ وتقديرٍ ووفاء، وهو ما أبدوه صادقين عند وفاة أميرها، إذ حزنوا لرحيله، وفتحوا سرادقات العزاء من أجله، وزاروا سفارات بلده في أغلب الدول لتقديم أصدق آيات العزاء بوفاته.

تتوالى مواقف دولة الكويت الرائدة، الناصعة الصادقة، فهي في زمن التردي والانحطاط الرسمي العربي، الذي تتدافع فيه الأنظمة العربية نحو الكيان الصهيوني اعترافاً وتطبيعاً وتعاوناً، وقبولاً وتفضيلاً ورعايةً، فإنها ترفض تقليدهم واتباع خطواتهم، وتصر على مواقفها الأصيلة ومبادئها الثابتة، التي تأبى الاعتراف بالكيان الصهيوني، وترفض الاعتراف به أو التطبيع معه، وتصر على مواقفها وتدافع عن سياساتها، رغم أنها تدين بالكثير إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاونت معها وخدمتها، وساهمت في تحريرها واستعادتها، إلا أنها ترفض أن تدفع لها الثمن من عفتها وكرامتها، وتصر على الحفاظ على شرفها القومي وطهرها الوطني.

تصر دولة الكويت حكومةً وشعباً، وقوىً ونواباً، ونخباً إعلامية وثقافية، على رفض استخدام مفردة “إسرائيل”، والإصرار على تسميتها بالكيان الصهيوني، وتصفها دائماً بالعدو الغاصب المحتل القاتل، وهو ما دعا مؤخراً صحيفة القبس الكويتية، إلى تقديم الاعتذار الصريح والشفاف، إلى شعبها الكويتي وأمتها العربية والإسلامية، وإلى الشعب الفلسطيني الشقيق، عن الخطأ الذي ورد سهواً في صفحاتها، ضمن خبر قائمة الدول الأسرع تطعيماً ضد وباء كورونا، حيث ذكرت من بينها “إسرائيل” بدلاً من “الكيان الصهيوني”، وقد ساءها كثيراً الخطأ الذي وقع فيه محرر الخبر، رغم أنه نقله عن وكالات الأنباء العالمية.

وما زالت الكويت ترفض المشاركة في أي محفلٍ يشارك فيه إسرائيليون، وتقاطع كل نشاطٍ سياسي وإعلامي، وفني وثقافي، ورياضي واقتصادي، يدعون إليه أو يشاركون فيه، وتتنازل عن كل المباريات والأنشطة التي تأتي القرعة بهم معهم، ويصر أهلها على عدم زيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى في ظل الاحتلال، ويتمسكون بحقهم في زيارتها والصلاة في مسجدها إذا تحرر وتطهر، وهم في موقفهم القومي الرائع سواء، سنةً وشيعةً، متدينين وعلمانيين، ففلسطين في ثقافتهم إيمانٌ، وفي دينهم عقيدة، وفي حياتهم عهدٌ ووعدٌ.

إنها الكويت واحدةٌ من القلاع العربية الأصيلة، التي بقيت على مواقفها، وحافظت على أصالتها، في زمن الانهيار العربي المشين والانحدار الرسمي المعيب، فألف تحيةٍ لها، وكل الشكر والتقدير منا جميعاً، عرباً ومسلمين وفلسطينيين، لأميرها وشعبها، ونوابها ونخبها، ونسأل الله عز وجل أن يحفظها وأمنها، وأن يبقيها وأميرها، وأن يجعلها سخاءً رخاءً، أرض الجود والكرم، وبلاد الخير والعطاء.

بيروت : 16 يناير 2021

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

سقوطُ النظرياتِ الإسرائيليةِ حولَ الأجيالِ الفلسطينيةِ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

يشكو الإسرائيليون، ويحذر المسؤولون الأمنيون، والخبراء الاستراتيجيون وعلماء النفس والاختصاصيون الاجتماعيون، من عناد كبار السن الفلسطينيين وإصرارهم، ومن إيمانهم وثباتهم على مواقفهم الأصيلة، وعدم يأسهم وقنوطهم رغم سوء أحوالهم السياسية وتردي ظروفهم المعيشية، وضعف قوتهم وتخلي الحكومات العربية عنهم، ويبدون خوفهم من عقيدتهم الصلبة، وإيمانهم الراسخ، وثباتهم الراسي، ويقينهم الذي لا يتزعزع، وإيمانهم الذي لا يضعف، وأملهم الذي لا يتبدد، ووعدهم الذي لا يفتر، من أن فلسطين لهم، وهي أرضهم ووطنهم، فيها حياتهم وفيها مماتهم، ومنها يخرجون ويبعثون تارةً أخرى، وأنهم على موعدٍ قريبٍ مع النصر فيها والعودة إليها.

يبدي الإسرائيليون قلقهم من تربية الفلسطينيين لأولادهم وتنشئتهم لأبنائهم، ووصاياهم لأحفادهم، وحكاياتهم لهم ورواياتهم عن ديارهم، وذكرياهم القديمة فيها، وقصصهم الكثيرة عنها، ويزعجهم أكثر تمسكهم ببقايا ديارهم، ومفاتيح بيوتهم، وإفادات ملكيتهم العقارية لأرضهم ومنازلهم، واحتفاظهم بمعالم قراهم وأسماء حواريهم، والتفاصيل الدقيقة التي ظن العدو الصهيوني أن الزمن قد طواها والغبار قد علاها، وأن أصحابها قد نسوها، فإذا بها أمامهم تنهض سلاحاً، وتتشامخ جداراً، وترتفع قلعةً، وتتعالى حصناً، وتقف صامدة أمام تحديات الشطب ومؤامرات التغيير والتحريف، ومحاولات التزوير والتزييف، وتثبت قدرتها على مواجهة سياستهم وتحدي روايتهم، ونفي شهادتهم، وتثبت أنهم أهل الأرض وأصحاب الحق.

تمتد شكوى الإسرائيليين وتكبر، ويتواصل قلقهم من الشيوخ وكبار السن الفلسطينيين، إلى الأطفال وصغار السن والأجيال الطالعة الشابة، الذين ورثوا عقيدة الكبار وعناد الشيوخ ويقين الآباء، فغدوا أكثر تمسكاً منهم، وأكثر إصراراً على حقوقهم من آبائهم، وأصبح بإمكانهم امتلاك أدواتٍ للمقاومة جديدة، وأسلحة للمواجهة فتاكة، غير تلك التي ناضل بها آباؤهم واستخدمها أجدادهم، فأصبحوا في اغترابهم البعيد وشتاتهم القاسي سفراء لبلادهم، وخير جنودٍ لوطنهم، يسخرون اللغات التي يتقونها، ويستغلون العلوم التي يبدعون بها، والمجالات التي يتميزون فيها، ليعبروا عن قضيتهم، ويسلطوا الضوء على معاناة شعبهم، ويشرحوا لغيرهم قصة نكبتهم وأساس محنتهم وملحمة تغريبتهم.

يواجه الإسرائيليون هذه العقيدة الراسخة لدى الفلسطينيين بتراجع الانتماء عندهم، وضعف العقيدة لديهم، وتفسخ المجتمعات وتحلل الروابط بينهم، فقد بدت أجيالهم الجديدة أقل إيماناً بالأرض الموعودة، وأضعف تمسكاً بالأحلام الموروثة والوعود القديمة، وأكثر ميلاً للحياة الرغيدة المرفهة، بعيداً عن الحروب والقتل والمواجهة، وغدوا أقل رغبةً في التضحية والفداء في سبيل شعبهم والدفاع عن قضيتهم، إذ لم تعد لديهم قضية جامعة أو مسألة مشتركة، فأغلبهم يتمتع بجنسيةٍ أخرى، ولديه في بلاده الأصلية مسكناً وعملاً وحساباً مالياً ومصالح تجارية وأخرى شخصية، وإليها يسافر فراراً كلما توترت الأوضاع في الكيان، وأصبح على شفير حربٍ جديدةٍ ومواجهةٍ شاملةٍ.

يعاني الإسرائيليون نتيجةً لتعدد مجتمعاتهم، واختلاف لغاتهم، وتناقض عاداتهم، وتباين تقاليدهم، وتنوع أصولهم، وفقدانهم للتراث المشترك والحضارة العميقة، من اتفاق الفلسطينيين في اللغة والثقافة، وانسجامهم في العيش والمواطنة، وامتلاكهم للقواسم المشتركة والتاريخ الممتد والحضارة القديمة، واستعداد أجيالهم الشابة والكبيرة للتضحية والفداء والبذل والعطاء، يقيناً منهم أنهم يضحون من أجل قضيةٍ عادلةٍ وحقٍ تاريخي، وأنهم يحملون أمانةً ورثوها عن الآباء والأجداد، ويجب عليهم أن يصونوها ويحفظوها، وألا يفرطوا فيها أو يتخلوا عنها، ويساندهم في حقهم إخوانهم العرب، وشركاؤهم في الأرض والوطن من المسلمين والمسيحيين على السواء، الذين يجمعهم الوطن وتوحدهم القضية.

ما زال الفلسطينيون في كل مكانٍ من المعمورة، في الشتات واللجوء وفي ربوع الوطن فلسطين، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، يحملون أسماء المدن والبلدات الفلسطينية، ويعلقون خارطة فلسطين على الجدران، ويزينون بها قلاداتٍ صدورهم، وذهباً تعلقها نساؤهم، ويرسمونها على صفحات كتبهم وأوراق مذكراتهم، ويجعلونها شعاراً لحساباتهم الشخصية وصفحاتهم الاجتماعية، ويحددون عليها بالعربية أسماء بلداتهم، ومواقع قراهم، ويصرون على مدينة القدس في القلب منها، عاصمة بلادهم، وزهرة مدائن وطنهم، ويتمسكون بكل المدن والقرى والبلدات الفلسطينية، ويعيدون رسمها كما كانت، وتثبيتها على الخارطة الأصلية، فلسطينية الهوية وعربية الانتماء والنسب.

وما زالت نساء فلسطين يحتفظن بأثواب بلادهن الزاهية المطرزة، المزينة المتنوعة، التي تنتمي إلى كل المدن الفلسطينية وتنتسب إليها، إذ كان لكل مدينة ثوبها الخاص وعلامتها الفارقة المميزة، وما زالت الصبايا كما العجائز يحفظن الأهازيج الشعبية، ويهدهدن أطفالهن على الأغاني الوطنية، والشبان كما الشيوخ، يحافظون على الكوفية السوداء والحمراء المرقطة، وعلى العقال التقليدي القديم، وما زالوا ينظمون حلقات الدبكة المشتركة، ويرددون المواويل الشعبية، وما زالت “عَلِّي الكوفية” أغنيتهم المفضلة، و”دمي فلسطيني” أغنيتهم السائدة، وغيرهما مما تزخر به الذاكرة الشعبية الفلسطينية، وقوداً فنياً وزاداً تراثياً يصلح للمقاومة والصمود.

لا أعتقد أن العدو الصهيوني مهما بلغ من القوة، ومهما حظي بالدعم والمساندة الدولية، يستطيع أن يطمس الهوية العربية الفلسطينية، وأن يبهت الانتماء ويزور الولاء، ويغير الوقائع ويبدل الشواهد، فهو لن يستطيع أن ينتزع من عقول الفلسطينيين وأدمغتهم ذاكرتهم التاريخية وحسهم الوطني، ولن يتمكن من تجميد الدماء الثائرة في العروق الفلسطينية، أو تجفيف ضروع الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن حب الوطن ويقين استعادته حراً والعودة إليه قريباً، ولن يتمكن من نبش قبورنا واستخراج رفات آبائنا من تراب وطننا، بل سيبقى الفلسطينيون في أرضهم يصبغونها بهويتهم ويلونونها بعروبتهم، ويحلمون بالعودة إليها ما بقي الزيتون والزعتر، وأثمر في أرضهم وأزهر.

بيروت : 14 يناير 2021

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

قُلْ للشباب .. !

كتب : نوار الاسدي

قُلْ للشباب .. تحفّزوا ! وتيقضوا .. نريدكم نخلةً باسقةً مثمرة يانعة!

قل للشباب .. قل لهم: إنّ الحياةَ عقيدةٌ وجهاد، وإنكم ملءُ العينِ والفؤاد وإنّ البناء بناء النفوس والأوطان، وليس إلا أنتم صانعون تمدون يد الخير والعطاء وترفعون راية العلم عالية خفّاقة تحية طيبة لكم وسلام وانتم تحثون الخُطى برؤوس عليها سيماء العزم والتصميم والثبات، وربما تأخذ الحيرة الواحد منا عن أيّ حديث وفي أي الطرقات يتحدث؟ وفي أي القضايا يخوض؟ ولعل اكثر الأمور إلحاحاً وأشدها فتكاً بالنفس ما لاحَ من بوادر وبين ما استجد بينكم من أمور، وتكاثرت الأعشاب والأشواك وقد صارت تشوه المعالم وتدمي الأقدام وربما تندفع نحو هذا وذاك شرورٌ وآثام وربما تقود هؤلاء وأولئك إلى شر مقصود وأتعس مقصود! واسأل وتسألون والحق أقول: إنّ الأمر خطير وذلك من بعض المعاناة التي قد تتأرجح في بعض الشباب فتأخذهم حضارة الغرب ومدنيته المزيفة وتسحب جذورهم تربية الأباء والأجداد إلى حضارة مقدسة أقاموها وحاول الغرب وما زال طمسها، فضلّ بعضهم الطريق وزلت في بعضهم الأقدام لضعف في النفوس وقلة في الالتزام بقواعد التربية والأخلاق وتجد غيرهم مذبذبین لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، تعصف بهم العواطف ! وتضرب في عقولهم العواطف .. فهل للشباب أَنْ يتفتحوا؟!

الشباب متفتح نحو كلّ خير، والشباب حيوية ونشاط والشباب وما أدراك ما هم؟ روائح الجنة في الشباب! شرفٌ عالٍ! وهمةٌ تزيل الراسيات وتهزأ بالصعاب وبالمستحيل؛ فأين ذلك من شبابنا؟ نعم أنهم آمال الوطن وأهداف المستقبل وحضارة المجد التليد! ولنتذكرْ إنّ في ارض الرافدين آمالاً عظاماً تنتظر السواعد المفتولة والرجولة الحقّة والشرف الكبير! وأيّ شرف وهل إلا مِن هذا الوطن؟ وإنما الشرف بكرامة الإنسان وعزةِ نفسه وترفعه عن ألدنايا والسقوط في أوحال الرذيلة، ولهم المثل الأعلى في رجال البطولات، ولهم القدوة الحسني في كل الطيبين الذين ذهب بهم الزمان ولكنهم لم يذهبوا ! بقيتْ أخلاقهم وبقيت آثارهم تشرق كالشمس تسطع! تنير الطرقات للماشين والسّارين تكتب المجد والتاريخ والعظمة لكلّ الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها فيا نابتة البلاد، وزهور الحياة تذكروا شاعرا قال:

فَتَجَشَّموا لِلمَجدِ كُلَّ عَظيمَةٍ     إِنّي رَأَيتُ المَجدَ صَعبَ المُرتَقى

مَن رامَ وَصلَ الشَمسِ حاكَ خُيوطَها     سَبَباً إِلى آمالِهِ وَتَعَلَّقا

فصبراً أيها الأعزاء وإجتهاداً في العلم والأدب، وأنتم في الذُرى حيوية في كلّ طريق، وتحية لكم وانتم تواصلون ربط الماضي بالحاضر وصولاً إلى الغد المشرق، هنيئاً لكل النفوس الأبية وهي تشقّ جداول المستقبل الرائع الخلاق تزرع الزهور والعطور في كلّ أرجاء الوطن وفي كل النفوس الطامحة نحو الخير والسعادة، فلتوقدِ الشموع على بابك يا وطن الشباب وحبذا هذا الشباب مُسلحاً بالعلوم والآداب!
لله درّكم ، ما أعظم أمركم !

امريكا لن تتغير سواء سكن البيت الابيض ديمقراطي ناعم ام جمهوري خشن!

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

على مدى أربع سنواتٍ قضاها دونالد ترامب في البيت الأبيض رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، أصدر العديد من القرارات، ووقع عشرات الاتفاقيات، وغَيَّرَ الكثير من السياسات، وقلب العديد من المعادلات، ونفذ الكثير من الوعود والتهديدات، التي وصفت بأنها انقلابية وغير اعتيادية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، سواء فيما يتعلق بالشأن الداخلي الأمريكي، أو ما يتعلق بسياساتها الخارجية الإقليمية والدولية، حيث انتهج في إدارته سياسةً عجيبةً غريبةً لم يعتد على مثلها المواطنون الأمريكيون، ولم يقم بمثلها أي من الرؤساء الأربعة والأربعين الذين سبقوه في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شكى من قراراته الطائشة مواطنوه وحلفاؤه، وأصدقاؤه وشركاؤه، وأغلب من تعامل معه واقترب منه.

كثيرةٌ هي القرارات التي أصدرها خلال ولايته، والتي أثارت الجدل وتسببت في خلق مشاكل عميقة وتوترات كبيرة في أكثر من مكانٍ في العالم، وقد كان ينوي مواصلة سياسته والمضي في قراراته لو قدر له أن يبقى في البيت الأبيض أربعة سنواتٍ أخرى، إلا أنه سيرحل مرغماً، وسيغادر البيت الأبيض كارهاً، تاركاً وراءه تركةً كبيرة من القرارات الطائشة وغير الحكيمة، وسيرثها من بعده خلفه الديمقراطي جوزيف بايدن، الذي يبدو للبعض أنه سينقلب على تركة سلفه، وسينكث غزله، وسيعيد استصدار القرارات وتصويب المسارات بما يخدم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية ويحسن صورتها التي شوهها ترامب لدى العالم.

لكن الحقيقة أن بايدن لن ينقلب كلياً على تركة ترامب، ولن يثور على موروثه السياسي كله، ولن يتراجع عن كل قراراته، بل قد يثبت بعضها ويلتزم بها، ويعمقها ويزيد عليها، في الوقت الذي قد يتراجع فيه عن بعض القرارات، ويتحلل من بعض السياسات غير الحكيمة من وجهة النظر الأمريكية، التي قام بها ترامب بطيشٍ سياسي وسفهٍ دولي، كتلك المتعلقة باتفاقية باريس للمناخ، وعضوية الولايات المتحدة الأمريكية في منظمة الصحة العالمية، والعلاقة مع تحالف الناتو، والحرب التجارية المعلنة مع الصين، أو مشكلة اللاجئين وأزمة الحدود مع المكسيك وتحدي الأسوار العازلة معها، أو ما يتعلق ببعض القضايا الداخلية كنظام التأمين الصحي والسياسات المتبعة لمواجهة وباء كورونا، وغيرها من السياسات الداخلية والخارجية التي أضرت بسمعة أمريكا وشوهت صورتها.

أما السياسات التي سيلتزم بها بايدن وسيحترمها، ولن ينقلب عليها أو يتراجع عنها، فهي بتفاوتٍ كبير تلك التي تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، إذ ليس من المتوقع أن ينسف كل قرارات ترامب التي تتعلق بالشأن الإسرائيلي وتلك التي تمس الجانب الفلسطيني، إذ لن يقوَ على إعادة نقل السفارة الأمريكية من مدينة القدس إلى تل أبيب، وإن كان قد يعيد فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، ويسمح لها بإعادة تقديم الخدمات إلى المواطنين الفلسطينيين، كما لن يستطيع التراجع عن الاعتراف الأمريكي بالمستوطنات الكبرى، وإن كان سيطالب بتجميد الاستيطان في الضفة الغربية، وسيمنع مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، ولكنه لن يطلب من الحكومة الإسرائيلية تفكيك المستوطنات، وإعادة الأراضي إلى أصحابها، تمهيداً للعودة إلى حل الدولتين.

وإن كان بايدن سيسمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بإعادة فتح مكتبها في واشنطن، فإنه سيصر على القيادة الفلسطينية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية وفق الحال الراهن، ودون أي شروطٍ مسبقةٍ، وإن كان لن يبشر بصفقة القرن ولن يدعو إليها أو يؤكد عليها، إلا أنه سيبني عليها في إطار رعايته للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

وفي الوقت الذي سيعيد فيه ضخ الأموال وتقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها المدنية وأجهزتها الأمنية، وقطاعها الصحي والخدمي، والهيئات الإنسانية والاجتماعية، والالتزام بدفع مساهمة بلاده في ميزانية الأونروا، فإنه سيصر على شطب قضية اللاجئين من جدول أعمال المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وسيطلب من القيادة الفلسطينية ومن حكومات الدول العربية العمل على إيجاد حلٍ عربيٍ مشترك للاجئين الفلسطينيين في بلادهم، ولبعض اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة.

السفير الامريكي دافيد فريدمان

قد يستبدل بايدن سفير بلاده في الكيان الصهيوني، وينهي خدمات المستوطن دافيد فريدمان، ويطلب من كوشنير وجرينبلات عدم السفر إلى منطقة الشرق الأوسط بصفتهم مبعوثين عن الإدارة الأمريكية، ولكنه سيبقي على أغلب العاملين في هذا الملف، وهم الأكثر إلماماً به ومعرفة، والأكثر خبرةً ودرايةً، مما قد يوحي كذباً أن السياسة قد تغيرت بتغيير الوجوه، ولكن الحقيقة أن جوهر النظرة الأمريكية المنحازة للكيان الصهيوني والظالمة للشعب الفلسطيني باقية، ولكن الأسلوب سيتغير والشكل العام سيتبدل، بينما الأساس الذي تعاهدت عليه الإدارات الأمريكية سيبقى.

وفي الوقت الذي سيعزز فيه ترامب اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية، فإنه سيقوم بتثبيتها وتوسيعها، وسيعمد إلى إقناع المزيد من الدول العربية للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، وسيضغط على بعضها، خاصةً تلك الضعيفة والخائفة، لتوقع وتعترف وتطبع، ولكنه لن يغطي سياساتها الداخلية، ولن يسكت عن سياساتها المجحفة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وسيسحب اعتراف بلاده بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، وسيوقف صفقة تزويد دولة الإمارات العربية المتحدة بطائرات F35 الاستراتيجية، وسيعمل على تطمين الكيان الصهيوني أكثر، وتزويده بما يريد ويحتاج إليه من أسلحةٍ حديثةٍ، لضمان تفوقه النوعي على كل دول المنطقة.

مخطئٌ من يظن أننا نجونا من سياسات ترامب الظالمة، وتجاوزنا ضغوطه القاسية وشروطه المهينة، وأننا سنطوي بعده صفقة القرن المخزية، وسنستعيد القدس، وسنحفظ صفة اللاجئ وحقوقه، وستعود أمريكا لترعى المفاوضات بنزاهةٍ وانصافٍ، بل سندرك بعد المائة يوم الأولى من حكم بايدن، أنه خلف ترامب في كل سياساته المجحفة بحق شعبنا الفلسطيني، الذي لم يزرع في السماء فقط بل غرس جذوره في الأرض أيضاً، فأمريكا التي ترعى الكيان الصهيوني وتحميه، وتدافع عنه وتساعده، ستبقى هي نفسها لن تتغير ولن تتبدل، سواء كان ساكن بيتها الأبيض ديمقراطيٌ ناعمٌ أملس، رقيقٌ لطيفٌ، أو جمهوريٌ خشن قاسي، غليظٌ فظٌ.

___________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

العراق .. سيّد الأوطان

كتب : نوار الاسدي

ورفضتُ حتى الكلمات !

كيف في ساحاتِ الترابِ تتألقُ هذه الحروف ؟! علّمني حُبكَ يا وطني أنّ في كل الباسقات عطاء، وأيّ عطاء ؟! لجروح الكبرياء أم لألحان السنابل؟ مثلما تبذُر حباتِ قمحٍ في حنايا الأرض، في صليل السّيف ترفع هاماتُ الرجال رايةَ الشمسِ أنكَ يا وطني سيّد الأرض وشموخ الطالعين الصاعدين .. مجداً تألّق في كل النجوم ! في محراب الوطن، لبيك يا عراق .. ولا سواك وارف الظلال، يانع الثمر، أقولُ نذرتُ نفسي عاشقاً مخلصاً، أحبّ الطيبين الطاهرين، نذرتك للتاريخ يا وطني، عزّاً باذخاً وشذّى عِطرك فّواح في كلّ الأرجاء على كل الروابي والسهول عظيمة هذه الأيام تدفعها أيامٌ مضتْ كنت فيها خالداً، عصراً ذهبياً وزّعتَ شذاك نحو الشرق حيث الشمس تشرق ومددتَ يداً نحو الأندلس حيث الشمس تغيب.

وها أنت بعد الحضارات ترنو إلى مستقبل يضيء للإنسان فجر حياته فإنبجست من رحم الأرض عيونٌ صافيات رائقات كي ينداح قرار الظالمين والمستبدين، فكانت أعمدة التاريخ ! وكنت الذي بنيتها وسطّرتَ حروف النور فوق جباهها، لا تسألوا ما هذا الشموخ في ارض الحضارات .

إِنَّ فــــي أَضــــلاعِــــنـــا آفـــئِدَةً     تَـعـشَـقُ المَـجـدَ وَتَـأبى أَن تُضاما

مهراً لعينيك يا وطن الأقلام والبنادق، والتاريخ والخنادق، والهامات العاليات والسفوح والجبال الشامخات، فأنت في القلب والروح ! حنانيك علمني الا أعرف الا اسمك ! فيا مَنْ يحيا اذا مات الجميع، ويا من غاب في الفؤادُ متوجاً بالنصر والكواكب، ما أعظمكَ سطراً خُطّ في لوح الوجود ! وما أروع الجمال مُرّخماً من فتحة الجرح في شظايا السنين ! ومنذ السنين والحنين والكلمات مخنوقة تتلقفها العيون، شوقاً للميلاد، هزّتها كل الأعاصير والغضب، صهَرَتها سيول الصمت والدّم حتى حان فجرها وشعاعها !

مسكينةٌ تلك الحروف، تحسب الدنيا نهاراً ! وما ذاك إلا من سناك ! أنها الجزء الذي لا يتجزأ مِن ضمير الحبّ والحياة، من شذّى حب العراق لم نزل في الساح، لكنّا عبرنا وكبرنا وفهمنا ! لم نزل في هذه الدنيا بأبعاد الخير والأنوار، تمنح الأبناء الحقيقة.

نهجنا هذا، هذا الطريق نحن والآباء عبدنا مداهُ ، وسرينا للشمس نكتبُ علاماتِ الطريق سيّد الأوطان في كلّ الشّفاه، كلّ شهم يأخدُ في الدنيا طريقه، أرضنا هذه زرعناها، فكراً وحباً ونزعنا مِن كلّ النفوس رداء الخيبة والانكسار، فإذا ما بدا كلّ مستحيل وجدنا رجالاً ترفض حروف الالتواء، وتقيسُ الأزمان كيف نبني وطناً مِنهُ بدأنا وإليه سنعود !

هكذا نحنُ شاء الآخرون أم أبوا، فأمُة التضحيات تصنع المستحيل، تصنع النصر نجوماً وكواكب نحن لا نملك الا نظرةً في علم ! ومفتاحاً لكلِ أدب وشعاعاً لكل خُلق، نحن من يبني بيوت السعداء في أرض الحضارات !فيا وطناً أضاءَ الظلمات ! ويا وطناً أحضانه، دجلة والفرات !سلاماً … سلاماً !

دولة الديمقراطية الأولى في العالم غدت خلال اقتحام “الكابيتول” غابةً تجوب فيها الضواري وتسكنها الغربان

كتب : مصطفى يوسف اللداوي

لعل أغلب سكان الكرة الأرضية كانوا يتابعون على الهواء مباشرةً ما يجري في العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم السادس من شهر كانون الثاني الجاري، وهو اليوم المخصص لاجتماع الكونجرس الأمريكي للمصادقة على انتخاب جوزيف بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أنه يومٌ وطنيٌ أمريكي بامتيازٍ، إلا أن العالم كله كان ينتظر نتيجته ويترقب قراره، ففيه سيتم تسمية رئيس أعظم دولةٍ في العالم، وقد يحلو للبعض تسميته بأنه يوم المصادقة على “رئيس العالم”.

فقد كان يوماً مشهوداً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لما سبقه ورافقه من خلافاتٍ ونزاعاتٍ حول شرعية نتائج الانتخابات، رغم أنه في أصله يومٌ مميزٌ له رمزيته ومكانته، وله شأنه الكبير بالنظر إلى مهمته ووظيفته، وللأثر الناشىء عن قراره، لكنه كان من أسوأ أيام حياتها، ومن أكثرها بؤساً وخزياً، فكان اربعاء أسوداً، ويوماً معيباً في تاريخ الشعب الأمريكي، إذ قلب الأفراح إلى أتراح، والاحتفالات إلى مآتم، والمهرجانات إلى اقتحامات، والتهاني إلى عزاء، والغناء إلى عويل، وكأنه كابوسٌ من الماضي وحلمٌ مزعجٌ ما كانت تتمناه، وقد كان مرشحاً لما هو أسوأ وأكثر خطراً، لولا أن تداركتهم رحمة ربهم فأنجتهم وحمتهم.

غدت دولة الديمقراطية الأولى في العالم في هذا اليوم غابةً تجوب فيها الضواري وتسكنها الغربان، ويحتلها اليمينيون المتطرفون والمحافظون العنصريون، ويعبث فيها الغوغائيون والمجرمون، الذين دخلوا مقر التشريع الأمريكي الأهم في العالم، واستباحوا مبنى الكابيتول هيل وعاثوا فيه خراباً، وعبثوا بمكاتب أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وأرادوا تغيير النتائج والانقلاب على الديمقراطية، انتصاراً لرجلٍ أهوجٍ مجنونٍ، أضر بسمعة أمريكا وأفسد علاقاتها، وشوه صورتها وعاب ديمقراطيتها، ورفض الاحتكام إلى صناديق الانتخابات، وأصر بالبلطجة والتشبيح أن يبقى سيد البيت الأبيض والرئيس الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية.

نظر العرب، أنظمةً ومواطنين، إلى الأحداث الجارية من أكثر من زاويةٍ، كلٌ حسب فهمه ورغبته، فغالبية المواطنين العرب وجدوا أن نصير الأنظمة الديكتاتورية العربية وحاميها الأول يقلدهم ويسير على هداهم، فها هو ينقلب على الديمقراطية ويتمسك بالسلطة، ويرفض الخضوع للقانون والاحتكام إلى صناديق الانتخابات، ويأبى التنازل عنها والتفريط بها، ولهذا دعا أنصاره ومؤيديه ليقفوا معه ويساندوه بالبلطجة والقوة والعنف، والتهديد والتخريب والتكسير، والاقتحام والاجتياح والاحتلال.

لكنه انكسر بسرعة وهزم على عجل، وباءت جهوده بالاخفاق، فاضطر خائباً إلى التراجع والانكفاء، والاعتراف بالهزيمة والتسليم بالخسارة، ففرح غالبية المواطنين العرب بالطاغية الذي هوى، وبالظالم الذي سقط، رغم أنه ليس رئيسهم، وأمريكا ليست بلادهم، لكن ذهابه بالنسبة لهم نصرٌ وكرامة، إذ سقط من ناصر حكامهم الظلمة، وأيد حكوماتهم الفاسدة.

أما بعض الأنظمة العربية فقد استبشرت بمسعاه، وفرحت بحشوده، وأيدته في زحوفه، وناصرته في دعواه، فقد ظنت أنه بغوغائيته سينتصر على خصومه، وبعنصريته سيتغلب على الشرعية، وبتغريداته الحمقاء سيغير المعادلة وسينقلب على القانون، فهم في أمس الحاجة إليه، وبدونه قد يصبحون أيتاماً على موائد شعوبهم الأصيلة، فمن ذا الذي سيحميهم من بعده، ومن الذي سيضمن بقاء أنظمتهم إذا سقط، فقد أعطوه كل شيء، وتجردوا له من ثيابهم الداخلية ليرضى، وسلموه ما يحب ويتمنى، وتنازلوا له عما يملكون وعما اغتصبوا وسرقوا، اعتقاداً منهم أنه الباقي والخالد، وأنه ساكن البيت الأبيض إلى الأبد، وأنه سيبقي عليهم نوقاً يحلبهم، وحميراً يركبهم، فقد صدقوه الوعد، وأعطوه العهد، وارتضوا أن يكونوا عنده أجراء مدى الدهر.

يأمل المواطنون العرب من الشعب الأمريكي ومن إدارته الجديدة، وقد رأوا جنون رئيسهم وسفه عقله وقلة وعيه، أن يدركوا أنه وإدارته الحمقاء قد أساؤوا إلى الشعوب العربية، وأخطأوا في حقهم يوم أن ناصروا أنظمتهم وأيدوا حكامهم، وساعدوهم على الظلم والبغي والعدوان، وأنهم ارتكبوا أفظع الجرائم وأشدها فحشاً ضد الشعب الفلسطيني، عندما تجنى رئيسهم المهووس على حقوقهم ومقدساتهم، وأيد الكيان الصهيوني في عدوانه عليهم، ومنحهم شرعيةً مزورةً، وغطاءً أمريكياً ظالماً، ليمضي قدماً في قضم الأرض الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان وطرد السكان والسيطرة على الحقوق والمقدسات، فهل ينتبه الشعب الأمريكي وإدارته الجديدة إلى أنهم قد أسسوا لما واجهوا من أزمةٍ أخلاقيةٍ، ومهدوا بسياستهم لها، أم يمضوا على ذات السياسة التي أضرت بهم وبسمعتهم، وأساءت إليهم وأفسدت حياتهم.

من جانبٍ آخر فقد فرحت الأنظمة العربية بما رأت، وسعدت كثيراً بما شاهدت، فها هي عاصمة الديمقراطية الأولى في العالم تقلدهم وتتبع خطواتهم، وتشبههم وتتصرف مثلهم، وتتأسى بهم وتتعلم منهم، فلماذا ينتقدون سياستهم ويعترضون عليهم إذا تمسكوا بالحكم وأصروا على البقاء في السلطة، ورفضوا الاحتكام إلى الانتخابات أو زوروا نتائجها.

ربما كانوا سيكونون سعداء لو استشارهم الخائب ترامب وطلب مساعدتهم، ولجأ إليه واستنصرهم، فخبرتهم في تطويع الشعوب وتغيير صناديق الانتخابات كبيرة، وتجربتهم واسعة وعميقة، وعندهم من الخبرات والقدرات ما يجعلهم الأوفر حظاً والأكثر فوزاً، ولكنه أثبت لهم أنه يجعجع ولا يطحن، ويبعبع ولا يفعل، بينما هم يفعلون ما يريدون، ويحققون ما يتمنون، وويلٌ لمن يعارضهم ويقف في طريقهم، أو يقاومهم ويتصدى لبغيهم.

لسنا شامتين ولا نحب أن نعيش على أحزان الآخرين، ولا نقبل أن نبني آمالنا على آلامهم، ولكنها فرصة نستغلها لنرفع الصوت عالياً في وجه الإدارة الأمريكية، أن تكف عن سياساتها الظالمة، وأن تنأى بنفسها عن نصرة الظالمين ومساعدة المعتدين، فما أصابهم عبرة، وما حل بهم درسٌ، فهلا استفادوا منه وآبوا، وتعلموا منه وتابوا، وأدركوا أن احترام الشعوب حق، والاعتراف بإرادتهم واجب، ونصرتهم فضيلة، والاعتداء على حقوقهم رذيلة، ومناصرة أعدائهم نقيصة.

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

وهل يستوي الذين يعلمون…؟

كتب : نوار الاسدي

مَنْ عَلََمَني حَرْفاً مَلَّكني عَبْداً، وما أجمله! قول النبي الكريم (ﷺ)، إذ يمكثُ حبا بين طيات القلوب وحنايا الصدور! يفيض تضحيات، ويزخر عنفواناً في ضمير كلّ حيّ، وكيف يكون الإنسانُ إنساناً؟ أليس بالذي يحملُ من جنائن معلقات في أضرحة العلوم والآداب؟! قد لّونتهُ الأيام والليالي في أحداق العيون يتطاول بالشموخ وبالتواضع، فذلك الذي يكتب الكتاب، وذاك الذي سهّر السهاد وأعيّاهُ بحثاً عن حرف ينير طريق النفوس؟! أو ذلك طرّز الكلمات فكانتْ بلسماً لجروح المعذبين أو جسراً من الحياة إلى الآخرة! وأنحنتْ كلّ الظهور حتى ملّتْ أصابع الزمن كتابة الألواح والأرقام! .. وهل يستوون؟

فلتتحدثْ القرون فقد ضاقتِ الصدور والصفحات بما في الكرم من صفات، وما في الشجاعة من ثبات! وتهدّلت أغصان الحنان ثماراً يانعات وما أنحنى علمٌ ولا أدبٌ، ولكن ظل شامخاً على مرّ العصور يهزأ بكلّ الجاهلين المتأرجحين! وأستلُ خيوط الفجر من عيون طفحتْ بالشوق الذي طالما رعتهُ القلوب، أهدهد فيه كلّ البسمات .. وأني ذلك؟ انه في علومِ كتاب! وفي صفحات أوراق! وهل يستوون؟

هذا يحمل الحبّ والخير والشرف والحلم والعلم وذاك فارغ يتطاول في كل اتجاه ويشمخ في كلّ سماء! ولكن هيهات! إنما تفيض الأنهار بقدرها! وتتعطرّ الأجواء بما في أرضها من زهور! وأين عطور المعارف والعلوم والآداب من فقاعات أسرع بها الخيال فانفجرت! وأين شذى الكتاب إذا فاح في كل الزوايا والضلوع وراحت الكلماتُ تتماوج في كلّ المنحنيات؟! فصبراً،صبراً، إنما العلوم کواکب لامعات وأصحابها أنوار ساطعات وأصحاب العلم مدينة الرشاد أهل الهداية والكرامة والشرف كلامهم نور وفعلهم الخير وسجيتهم التقوى وعاداتهم الإحسان .. فكيف يستوون؟

وهناك ظلام، والظلام كثيف وعقل سخيف! هذا جاهلٌ لا يميز بين الحقّ والباطل أو يعرفون نعمة الله وينكرونها؟ وذاك عالمٌ وأيّ عالم! ضاقت به الشياطين يحمل في كل كف مشاعل للأباء والعفاف والأمانة والصدق والحلم والعلم وهؤلاء يتعثرون في فضول الجهل والانحراف والفساد والرذيلة! وهؤلاء صراطٌ مستقيم تنظرُ نحوهم السّماء مشرقةً زاهية تضيء لهم كما يضيئون! فهل يستوون؟

فهذا أخي وأخوك متعلم على سبيل نجاة! وذاك قرية كاملة للعلم جامع وللدين فازع تراه في العلماء خير المتواضعين وشرف الطيبين تراه بالعقل مملوءً وبالعلم يمشي وينام، فهو لسان الشريعة وحصن الأمة ولسان الأدب ومجمع الدراية! وإذا رأيت ثم رأيتَ لتجدن في غيره ظلاماً دامساً ونفوسأ كئيبةً لئيمةً ضرب الجهل فيه ضربته فأين هذا من ذاك؟ وهل يستوون؟!
فيا أيها الفرح المتألق في عيون العلماء، سنجعل المداد شموعا يستضيء بها كلّ من ذاق حلاوة العلوم والآداب..

الشهيدان سليماني والمهندس ، الثأر لن يتوقف حتى تُشرق الأرض بنور ربها..

كتب : أياد الامارة

*لا* يعتقدن مَن يعتقد إننا سننسى قادة النصر الشهداء قاسم سليماني وابو مهدي المهندس (رضوان الله عليهما)، أو أن ذكرهم يقتصر على مراسم معينة، إطلاقاً..
نحن لم ننس شهداءنا منذ الفتح الأول وحتى يومنا هذا، نتذكرهم شهيداً شهيدا..
نردد أسماءهم ونعتز بإنتصاراتهم وننادي بالثأر لهم ونقتص من قاتليهم كلما سنحت لنا الفرصة.
هل نسينا الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشيخ عارف البصري والشيخ حسين معن وقاسم عبود وفوزي البدران؟

هل نسينا السيد عباس الموسوي وراغب حرب وسيد هادي والحبيب الرضوان عماد مغنية؟
هل نسينا باهنر وبهشتي ورجائي وصياد شيرازي ودقائقي؟
هل نسينا شهيدنا النمر وكل أخوته وصحبه؟
كل الشهداء معنا نتنفس روائحهم الزكية، نستمع إلى تراتيلهم وتهجداتهم وصورهم مرسومة على حدقات العيون.

دموع قائدنا الإمام السيد علي خامنئي (دام ظله الوارف) التي سالت على خده الزكي ،وهو يبكي أنصاره بكاء شديداً ، مازالت ماثلة امامنا مع كل آذان يرتفع فيه نداء “الله أكبر”..
أنا وأمامي كل الأحرار الثوار قلوبنا كصالية اللظى نبتهل إلى العلي القدير أن يرزقنا مقام الآخذين بثأر الشهداء لا نبالي إن وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا نستأنس بالمنية في هذا السبيل إستأناس الرضيع بمحالب أمه.

الشهيدان السعيدان سليماني والمهندس ليسا مجرد ذكرى..إنهما القضية التي عاشا وجاهدا وأُستشهدا من أجلها وفي سبيلها..
القضية ، الدين والقيم والنبل والمروءة والعزة والحرية ولا عبودية إلا لله تبارك وتعالى..
الشهيدان السعيدان سليماني والمهندس ، الثأر الذي لن يتوقف حتى تُشرق الأرض بنور ربها يوم الفتح الأكبر.

العهد ثم العهد يا سليماني والمهندس أن نبقى على طريقكما مهما كانت الصعاب نسير بخطواتكما ونتحمل ما تحملتما..
نصبر صبركما ونجوب الفيافي علنا نحظى برضا البارىء عز وجل ويتوفانا شهداء بين يديه تبارك وتعالى..
اللهم إننا عرضنا بضاعتنا “أرواحنا” وهي ملكك انت الواحد الأحد الفرد الصمد عرضناها بين يديك فتحنن علينا وأقبلها منا عسى أن يكون ذلك لنا شفاعة من عذاب يوم الآخرة إنك جواد كريم.

_______________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول .

الميول … بين العواطف والعقول !

كتب : نوار الاسدي

أوّ تعلم ما تقول؟
نعم ! حيّرني هذا الذهول ! وتدري ! ما المسافات بين الجبال والسهول؟

وكيف إذا أطبقت الجفون على العيون ؟ والرأي قبل شجاعة الشجعان ؟!

فمتى ما هبّتْ رياح عاتيات اسمها: العواطف ، كانت العقول بها نوازف وعواصف !! قلها إذن لابدّ من ألم وأمل! يتأرجح هذا هناك وفي الميزان والامتحان ثابتُ ذاك ! والناس في طياتهم أسرار الحياة يحملون ! ففي دمائهم شرايين العقل و العقلاء وهؤلاء في عروقهم العواطف والشهوات!فالإثنان كلاهما من طبيعة الإنسان، وكلاهما في ساحة السباق فرسان جامحان نحو الشّر والخير وعندهما يلتقيان ! كتابان خالدان ، وعليهما الحساب والميزان (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)  فالإنسان ليس كالحيوان هذا حاملُ كنز اسمه العقل ، به يفتح الأفاق و يغورُ في الأعماق، وذاك حاملُ الشهوات والعواطف ، والنوازل والزلازل ! فكيف ينقطع الرجاء ؟ وأنت تحمل أنواراً في كلّ النواحي والإرجاء ، فإذا كان معقولاً أنّ يفقد الإنسان عقلاً ، فما ترى في أيّ المهازل وضع نفسه ؟ يقولون بجانب العقل عاطفة ! فإيهما البطل وأيهما المهزوم ؟

للعقل مزاياه ، وللعاطفة مزاياها ، وكلُ الى غاية ونهاية ! ولكن شتان فالنور غير الظلام والسبيل غير السبيل ! إنّ الصفات كثيرات والسماوات غير الأرضين ، وإليك هذا المثل: الكرم والشجاعة صفتان يتفاخر بها كلّ الأناسي ، ولكن ! توقف وانظرْ ! فلو امتدت الشجاعة وتجاوزتِ الحدود والعهود والقيود لكانت كارثة ! وأصبحت صفة أخرى ظلماً وتهوراً ! والنتائج وخيمة والعواقب جسيمة! ولو إنّ الكرم والجود وهما صفتان رائعتان يمتاز بهما المؤمنون ، الصالحون ، تطاولا وتجاوزا القوانين والتعاليم والأعراف…فما أنتَ قائل ؟ ستجد انّك وقعتَ في الإسراف والتبذير وكانت العاقبة سوداء مظلمة ! لا خير فيها ولا حياة ، وانظر القول الكريم والكم الحكيم ستجد قِمة العقل والتوجيه وهزاز الحق والإنصاف: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) نعم ! هذا هو الحق: لا شرقية ولا غربية ، ولكنها من عين صافية ، ومن العجب العجيب إنّ الإنسان في كل يوم وفي كل ساعة تمر به الامتحان والتجارب والمشاكل والمسائل وهو يستفيد ولا يرعوي !! لا ينضر بنور الحكمة والعقل والصواب، بل سرعان ما تجرفه العواطف جيّاشة مدمرة ، تتدافع الدماء في الشرايين معلناً بركانه من الغضب والجنوح ثم جيلاً من الحزن والأسى ! ومن جمال المعاني رأيتك تقرأ قول المتنبي:

الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعانِ   هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني !

ولو أصابك ما أصابك ! وطرق الشرُّ بابك ، فما جوابك ؟ أبا العقل تضع المستحيل أم بالعواطف
تزيد النار حطباً ؟! والعقول وما أدراك ما العقول ؟ فهل يستطيع الإنسان أن يعيش واقفاً متحكماً بعقله وعواطفه ؟ بل الأخرى هل العقل يبقى صامداً أمام عواطفه ؟ نعم ! يستطيع الإنسان بما أودعه الخالق الحكيم من عقل رزين وقلب حصين أنّ يقف شامخاً ناظراً النتائج السيئة التي يعض عليها الأصابع ندماً وحسرة ! والحمد الله الذي أعطى العواطف والعقول ووضع لها قوانين والحدود ، فما النجاة بالعواطف وإنما بالعقول الطافحات إلى الذرى وكم من أمورٍ اهتزتْ لها الأركان ، لانّ عصراً من العواطف بات ساهراً في الندم والأسى وليته ظل ساکت غير قائل :

من ذا يُعيُركَ عينهُ تبكي بها   أرأيت عيناً للبكاءِ تُعارُ ؟!

لكن على اليقين نخطو بالحسنات نتدارك السيئات !

فقد فاز من فاز وبالعقل يمتاز ، وهو الذي مالتْ به الريح كل مرعي !

فدع مشاعر الانفعال والاشتعال !

فإنما القلوب ودائع العقول!

اخر الاخبار

اعلان

ad