الخميس, يوليو 29, 2021

بؤس التعليم في العراق

كتب : البروفيسور محمد الربيعي

بصراحة الوضع الحالي للتعليم في العراق لا يمكن وصفه بافضل من كونه وضع بائس. انحدر نظامنا التعليمي مع مرور الزمن ومنذ الربع الاخير من القرن الماضي. التعليم يبدو وكانه قادم من فترة مظلمة ساحقة او عصر من عصور الجهالة. لا تزال جامعاتنا ملتصقة بنمط تعليمي قديم لا يهتم بالنوعية ولا بالتميز. عيوب هذا النمط بارزة وتبدو طبيعية ومقبولة في الاوساط السياسية والاجتماعية ولهذا انحسرت الدعوات الجدية لاحداث تغيير جذري في النظام التعليمي بسبب ان قواعد هذا التغيير اصبحت مجهولة لضعف الخبرة والمعرفة بما يحدث في العالم ولكون فلسفة التعليم تختلف عما هي في العالم المتطور.

يعد انخفاض معدل الإلمام بالقراءة والكتابة وضعف جودة التعليم وانتشار الامية المقنعة من العوائق الرئيسة للنظام التعليمي في العراق. يتأثر نظام التعليم لدينا بعدد من العوامل. بعضها أكثر بروزا، مثل انخفاض معدل الالتحاق وارتفاع معدل التسرب في المرحلة الابتدائية والثانوية، ومعايير التعليم القديمة، وانخفاض مخصصات ميزانية قطاع التعليم، والتدخل السياسي والفساد، وتدني جودة المناهج والكتب المدرسية، وازدياد معدلات الفقر والبطالة وضعف جودة المعلمين والمدرسين، والاهتمام بالتلقين والحفظ على ظهر قلب على حساب التفكير الناقد، ونظام الامتحانات والتقييم المتدني. على الرغم من أن الوزارتين تدعي اتخاذ بعض الخطوات الجريئة للتغلب على هذه المشاكل، لم تظهر اية بوادر للتحسين.

من ناحية أخرى، لا يلعب الطلاب أي دور نشط في اكتساب المعرفة. تعليمهم كله سلبي وميكانيكي. نظامنا التعليمي يقوم فقط بحشو رأس الطالب بالكثير من الحقائق المفككة التي تُسكب في رأسه وكأنها سلة فارغة، ليتم إفراغها مرة أخرى في قاعة الامتحان، ويتم إعادة ملئ السلة الفارغة مرة أخرى وهلم جرا. هذا هو السبب في أن الطالب الذي ينجح بشكل جيد في الامتحان الخاص به يفشل فشلاً ذريعا في امتحان الحياة والمواهب والمهارات. الطلاب ليس لديهم حب الحكمة، ولا تعطش للمعرفة، ولكن فقط الرغبة في الحصول على الشهادات للعثور على وظائف معقولة.

هناك العديد من الشكاوى حول المدارس خصوصا حول رداءة التعليم الموجود فيها. أحد الشواغل الرئيسية هو الافتقار إلى التدريس المناسب وتدريب المعلمين وتحفيزهم. المعلمون ليسوا محترفين لدرجة كافية وليس لهم اهتمام كافي بمهنة التدريس، وهم يضرون بالنظام بأكمله.

في ضوء هذه العيوب، فإن نظامنا التعليمي يصرخ بالحاجة إلى التغيير. من أولى المهام وأهمها أنه يتعين علينا تحسين أجهزتنا التعليمية. علينا أن نطور خططا تعليمية حتى يمكن ان يكون التحسين ممكنا.

وبعدها يمكننا تحسين نظامنا التعليمي إذا اعتمدنا طرقا حديثة في التدريس. يجب التخلص من الفساد الوظيفي والاداري والمالي وأن يكون هناك التزام من المعلمين بمهنتهم وأن تلعب المؤسسات التعليمية الخاصة بدورها الفعال. يجب تنفيذ السياسات التعليمية مع التحقق من تكاملها وتوازنها. يجب أن لا يوفر نظام التعليم مجرد متعلمين وباحثين عن عمل، بل مواطنين أذكياء.

___________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

دوافعُ النخوةِ الأمريكيةِ لإنقاذِ السلطةِ الفلسطينيةِ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

تكاد تكون الصرخة المدوية التي أطلقها مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية هادي عمرو، هي الأولى من نوعها بهذه الصراحة والقوة والوضوح، التي يطلقها مسؤولٌ أمريكيٌ كبيرٌ، يحذر فيها إسرائيل والإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي كله، من الآثار الكارثية المترتبة على انهيار السلطة الفلسطينية، التي وصفها بأنها آيلة للسقوط والاحتراق.

إلا أن تحذيرات هادي عمرو لم تقتصر على سياسة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تجاه السلطة الفلسطينية، التي وصفها بأنها قاسية ومؤلمة، وأنها السبب في ضعف أداء السلطة واهتزاز صورتها، وإنما طالت تحذيراته السلطة الفلسطينية نفسها بمختلف أجهزتها الحكومية والإدارية والأمنية، وحملها جزءً كبيراً من سوء الأوضاع في المناطق الفلسطينية، وذلك بعد سلسلة من اللقاءات التي أجراها مع عددٍ من الشخصيات الفلسطينية المستقلة، وبعض رموز الحراك الشعبي الأخير “ارحل”، من المعروفين بمعارضتهم للسلطة الفلسطينية، ومن المؤيدين للمقاومة، والمشهود لهم بالمواقف الوطنية من الاحتلال الإسرائيلي.

ونقل عن عمرو أنه استمع إلى شهاداتٍ مباشرةٍ من الفلسطينيين الذين التقاهم في القدس الشرقية، بترتيبٍ مسبقٍ من القنصلية الأمريكية في القدس، واطلع على انتهاكات السلطة للحريات العامة ولحقوق الإنسان، وتجاوزات الأجهزة الأمنية المتكررة، واعتمادها العنف في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين، الأمر الذي قاد إلى مقتل الناشط نزار بنات في أحد مراكزها الأمنية، وشكى من التقاهم إليه سوء تعامل السلطة مع قطاع غزة، وأدانوا إجراءاتها العقابية ضد سكانه، وحرمانها موظفيه من حقوقهم.

ونقل إليه النشطاء الفلسطينيون صوراً عن فساد السلطة الفلسطينية، وتداعيات قرارها بإلغاء الانتخابات التشريعية، وتجاوزاتها للقانون الأساسي، وتغولها على القضاء وتدخلها في عمله، والتضييق على الحريات العامة ومحاسبة المواطنين على آرائهم، وسياسة الحد من الديمقراطية وحرية الرأي، وغير ذلك من الممارسات التي يعيبها الفلسطينيون على سلطتهم، فضلاً عن الفساد الإداري المستشري، وسوء الأحوال الاقتصادية بصورة عامة لدى مختلف المواطنين الفلسطينيين.

وحذر النشطاءُ من انهيارٍ مفاجئٍ في مناطق السلطة الفلسطينية، وانهيار كلي لمؤسساتها نتيجةً للسياسة الأمنية والاقتصادية التي تتبعها السلطة في مناطقها، وبسبب الحصار الإسرائيلي وسياسة العقوبات القاسية التي تنتهجها ضد الفلسطينيين عامةً.

هادي عمرو

شكل المبعوث الأمريكي هادي عمرو والفريق المرافق له فكرةً شبه كاملة عن الأوضاع الفلسطينية العامة، وعن التحديات الإسرائيلية وسياساتها الاستفزازية وعملياتها العدائية ضد الفلسطينيين عموماً، وعن انتهاكاتها لحقوقهم في المسجد الأقصى ومدينة القدس ومختلف مناطق الضفة الغربية، وأحاط علماً بالسياسات العقابية التي تمارسها ضد السلطة الفلسطينية، وتعمدها إحراجها وتشويه سمعتها لدى المواطنين الفلسطينيين، وتجميدها للعوائد الضريبية المخصصة لها بحجة أنها تصرف للأسرى والمعتقلين وذوي الشهداء، ورأى أن هذه الاجراءات تهدد سلامة استمرار عمل أجهزة السلطة المختلفة.

ودعا عمرو الحكومة الإسرائيلية التي تتعذر بضعف ائتلافها، وخشيتها من انهياره السريع في حال الإقدام على خطواتٍ سياسية تجاه الفلسطينيين، إلى وقف بناء مستوطناتٍ جديدة حول القدس، وخاصة على أراضي الفلسطينيين وفي بلداتهم، وعدم شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، وتخفيض عدد الحواجز الأمنية في الضفة الغربية إلى الربع، والسماح بزيادة عدد العمال الفلسطينيين العاملين في مناطقهم، وتخفيف القيود المفروضة على تجارة الفلسطينيين الخارجية، ورفض القيام بأي إجراءٍ من طرفٍ واحدٍ، من شأنه أن يهدد مشروع حل الدولتين.

ربما أعجبت السلطة الفلسطينية بمواقف المبعوث الأمريكي من السياسة الإسرائيلية المعتمدة ضدها، وهي التي كانت تشكو منها كثيراً وتتذمر، لكن أحداً لم يصغِ إليها، ولكن ساءها جداً وأغضبها كثيراً قيام هادي عمرو بالاجتماع مع مستقلين ورجال أعمال ومعارضين ونشطاء فلسطينيين، واعتبرت هذا العمل بمثابة إساءة لها وتهميش لدورها، وتأليب للشارع الفلسطيني ضدها، ورأت أن المعلومات التي جمعها مغلوطة وغير صحيحة، أو أنها غير دقيقة ومبالغ فيها، ودعته إلى إعادة النظر في كل ما سمعه بشأنها.

لكن عمرو الذي نقل رسالةً شديدة اللهجة إلى الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وحملها المسؤولية الكاملة عن انهيار السلطة الفلسطينية، وانتشار الفوضى وعموم الاضطرابات جميع مناطقها، دعاها إلى الكف عن استفزاز الفلسطينيين والتوقف عن محاولات طردهم من بيوتهم والاستيلاء عليها، ودان بشدةٍ قيام السلطات الأمنية الإسرائيلية بهدم بيت الأمريكي من أصل فلسطيني منتصر الشلبي، واعتبر أن هذه السياسات لا تخدم الاستقرار في المنطقة، بل تؤدي إلى خلق المزيد من العنف.

بالمقابل لم يتأخر هادي عمرو في لقاءاته المختلفة مع المسؤولين الفلسطينيين، وفي المقدمة منهم رئيس الحكومة محمد شتية وغيره، عن توجيه اللوم الشديد إلى سوء إدارتهم، وإلى تردي الأوضاع العامة في المناطق الفلسطينية لجهة حقوق الإنسان، والتضييق على الحريات العامة، ودعاهم إلى تحسين أدائهم، والشفافية في عملهم، ونقل إليهم استياء الرئيس الأمريكي جو بايدن شخصياً من خشونة تعامل الأجهزة الأمنية مع المتظاهرين والمحتجين على حادثة مقتل الناشط نزار بنات.

ما لا شك فيه أن هناك تغيير ملموس في السياسة الأمريكية تجاه الإسرائيليين ومع الفلسطينيين، الذين منحوهم المزيد من الدعم لصالح الأونروا والمؤسسات الدولية، وأكدوا على سرعة المباشرة في إعادة إعمار قطاع غزة، ومساعدة سكانه والنهوض بالأوضاع المعيشية للفلسطينيين عامةً، الأمر الذي يثير الاستغراب والكثير من الأسئلة عن الأسباب الحقيقية وراء النخوة الأمريكية، فما اعتدنا مثل هذه الغضبة، وما سبق لنا أن شهدنا مثل هذه الغيرة والنخوة، فلماذا؟….

بيروت : 18 يوليو 2021

_____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

ماذا بعد الانسحاب الامريكي من افغانستان ؟

كتب : حسين الديراني

جاء اعلان انسحاب القوات الامريكية وقوات حلف شمال الاطلسي من الاراضي الافغانية بعد 20 عاما من الاحتلال العسكري لافغانستان ، الذي جاء اثر هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الامريكية ، التي تبناها تنظيم القاعدة بزعامة السعودي، اسامة بن لادن، الذي كان يتخذ من افغانسان مقرا له ولتنظيمه وشارك فيها 19 شخصا بينهم 15 يحملون الجنسية السعودية .

وقد قرر الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش الابن الرد على تلك “العملية الارهابية” بغزو افغانستان ، وهذا ما تحقق في 7 اكتوبر 2001, وبعدها غزت القوات الامريكية العراق عام 2003 بعد ان مهد بوش لهذا الغزو لاسباب تبينت لاحقا انها عارية عن الصحة.

كانت تكلفة الحرب على افغانستان باهظة الثمن ماديا وعسكريا, حيث بلغت تكاليفها اكثر من 978 مليار دولار لغاية عام 2020, اما على صعيد الخسائر البشرية فقد بلغ عدد قتلى الجنود الاميركيين اكثر من 2300 جنديا, كما اصيب نحو 20660 آخرين, اما خسائر افغانستان المادية والبشرية فبلغت ارقاما كارثية, حيث تم تسجيل اكثر من 64100 شهيد من القوات الامنية الافغانية, واكثر من 111000 شهيد من المدنيين. وارتكبت القوات الغازية خلال 20 عاما من الاحتلال مجازر بشعة ضد الشعب الافغاني لا مثيل لها في تاريخ الحروب وتم توثيق الكثير منها, والتي يمكن استخدامها لتقديم دعاوى قضائية ضد القوات الامريكية امام محكمة العدل الدولية, اذا كان هناك من عدل امام الغطرسة الامريكية. 

ان قرار انسحاب القوات الامريكية من افغانستان اتخذ العام الماضي 2020 في الدوحة في زمن حكم الرئيس الامريكي السابق ، دونالد ترامب ، بعد مفاوضات بين الادراة الامريكية وقوات طالبان تحت رعاية قطرية, وجاء الرئيس جو بايدن ليكمل مهمة تنفيذ الاتفاق وسحب القوات الامريكية من افغانستان. وهذا بحد ذاته يعتبر هزيمة عسكرية نكراء للولايات المتحدة الامريكية وحلفائها من قوات حلف شمال الاطلسي. 

هل الانسحاب جاء بسبب الخسائر المادية والعسكرية ام لاسباب اخرى؟ 

المراقب لاحداث المنطقة العربية والاسلامية وطريقة الانسحاب, يجد بأن الانسحاب الامريكي من افغانستان ليس بسبب الخسائر المادية والبشرية فقط, بل يحمل بين طياته الكثير من الاهداف والمؤامرات, هذا العدو الشرس المتوحش لا يترك فرصة الا ويستثمرها لالحاق الضرر والشر باعدائه في المنطقة, فمن اهدافه غير المعلنة تسليمه الاراضي الافغانية لحركة طالبان كقوة احتياطية ممكن استثمارها كورقة ضغط على الخاصرة الايرانية خلال المفاوضات بشأن الملف النووي الايراني, ومن تابع المشاهد التي بثتها وكالة  ” ان بي سي ” و ” السي ان ان الامريكية ” عن استيلاء قوات طالبان على مخازن الاسلحة الامريكية الكبيرة, ونوعية الاسلحة المتطورة والحديثة وكمها الهائل يدرك انها اعدت لتسليمها لحركة طالبان لاستخدامها لاهداف تصب في المصلحة الامريكية, وكان بامكان القوات الامريكية تدمير تلك المخازن قبل الانسحاب وهم يدركون انها ستقع بيد قوات طالبان التي اعلنت اليوم انها احكمت السيطرة على 90 بالمائة من الاراضي الافغانية. والامر ليس غريبا عندما نسترجع تصريحات كبار المسؤولين الامريكيين ومنهم المرشحة السابقة لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية هيلاري كلينتون عندما قالت امام الكونغرس الامريكي ” نحن من صنعنا القاعدة وطالبان ” وهذه الاعترافات اصبحت من البديهيات ولكن للتذكير بمكر الشيطان الاكبر. 

وهناك امر اخر يثير الريبة في طريقة الانسحاب وهو طلب الحكومة التركية لارسال قوات عسكرية تركية بديلة عن القوات الامريكية لحماية مطار كابول الدولي, هذا الامر رفضته حركة طالبان وحذرت تركيا من هذا الامر, وردت حكومة (رجب طيب) اوردغان على تحذير الحركة بانها تسعى فقط لحماية المطار وليس المواجهة معها ، معتمدة على العلاقات القوية مع دولة قطر التي لها تأثير على طالبان, وقد يكون مستنقعا جديدا لتركيا للغرق فيه بعد المستنقعات التي غرقت بها في سوريا والعراق وليبيا واليمن. 

ايران وطالبان

الجمهورية الاسلامية الايرانية تراقب الانسحاب عن كسب, واستبقت الانسحاب باستضافة محادثات وحوار بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان بالعاصمة طهران, وقد تراس الوفد وزير الخارجية الافغاني السابق يونس قانوني, وترأس وفد طالبان عباس استانكزي نائب رئيس مكتب الحركة بحضور وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ، الذي رحب بالانسحاب الامريكي واعتبره هزيمة لواشنطن في افغانستان, وحض الطرفان على الحوار لحل النزاعات بين الاطراف الافغانية وحقن دماء الشعب الافغاني.

هذا ، وتدرك حركة طالبان جيدا ان نشوة الانتصار على امريكا لا يمهد لها الطريق امام توسيع نفوذها خارج افغانستان, ولا التفكير في العدوان على دول الجوار ولا يعطيها الحق في قمع وارهاب الاقليات الافغانية والمذاهب الاخرى, لان تجربة سوريا والعراق واليمن ماثلة امام الاعين. 

حركة طالبان ستمر بفترة امتحان, اما ان تتعلم من الدروس الاليمة الماضية والصراعات الاقليمية, وتعمل على حقن دماء الشعب الافغاني ونبذ التطرف والارهاب, او تورط نفسها في حرب جديدة تكون خدمة للمشروع الامريكي الخبيث في المنطقة, واثناء انتظار فترة الامتحان يجب الحض على عدم التفاعل مع ما يبث عبر منصات التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديوهات مرعبة ارهابية تعود الى سنوات مريرة ماضية على انها تحدث اليوم لوأد الفتنة وعدم تغذيتها لتفويت الفرصة على العدو الامريكي الصهيوني الذي يتربص بنا, وعلينا اعتبار اي هزيمة للمشروع الامريكي هو انتصار لمحور المقاومة. 

بعد الانسحاب الامريكي من افغانستان سوف تتوالى هزائم المشاريع الامريكية في المنطقة اذا احسن المعنيون استثمار هذا الانسحاب. 

وهل تتعظ الشعوب العربية والاسلامية التي تسير في الركب الامريكي بطريقة ذليلة عمياء من هذا الانسحاب المذل لقوات امريكا ” العظمى ” وهي تتوسل ان تخرج بسلام¸وتترك عملائها يواجهون الثأر والانتقام بسبب تعاملهم مع العدو؟ اشك بذلك لانهم لم يتعظوا من ” جيش لبنان الجنوبي ” العميل حين تركهم العدو الصهيوني وانسحب مذلولا مدحورا من جنوب لبنان عام 2000 امام ضربات المقاومة الاسلامية, ووقعوا تحت رحمة المقاومة الاسلامية التي لم تنتقم منهم بل سلمتهم للحكومة اللبنانية التي اخلت سبيلهم بعد فترة وجيزة.

________________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

التكنولوجيا الإسرائيليةُ الأمنيةُ تُطبعُ الأسواقَ العربيةَ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

بدت اتفاقية أبراهام للسلام الموقعة بين دولتي الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، كأنها فتحٌ إسرائيلي كبيرٌ وانتصارٌ سياسيٌ مهولٌ، ما كانوا يحلمون به علناً وفي وضح النار، وإن كانوا قد اعتادوا عليه سراً وفي الخفاء، فقد مكنتهم الاتفاقيات الجديدة من كشف ملفاتهم السرية، وإخراج كل ما كان مخفياً تحت الطاولة، والإعلان عما كان محظوراً سابقاً وممنوعاً عليهم، مما ساعدهم على سرعة الإنجاز وكثافة العمل، وانتهاز الفرصة وإثبات القدرة، والحضور المباشر والظهور المكشوف، والمنافسة القوية، والتطوير المستمر.

أدت الاتفاقيات الموقعة إلى انتعاش الحركة التجارية مع الكيان الصهيوني، ونشطت حركة الطيران التجاري والسفن العملاقة ما بين المياه العربية والموانئ الإسرائيلية في أسدود وحيفا وإيلات، المحملة بمختلف السلع التجارية الدولية الواردة إلى الكيان الصهيوني من المناطق الحرة في دولة الإمارات، والعائدة إليها بمختلف المنتجات الإسرائيلية للتسويق المحلي فيها، أو لإعادة التصدير منها والاستفادة من منطقتها التجارية الحرة، ما أدى إلى إغراق الأسواق العربية بمختلف أنواع المنتجات الإسرائيلية، وعلى وجه الخصوص منها المعدات الإليكترونية وصناعات التكنولوجيا الحديثة، التي وصفها البعض مبرراً دخولها إلى المنطقة العربية، بأنها متقنة الصنع وعالية الجودة، وتتمتع بمواصفاتٍ دوليةٍ مميزة.

لعل الشركات الإسرائيلية العاملة في مجال التقنيات العالية والتكنولوجيا المتطورة، قد سبقت الدبلوماسية السياسية الرسمية الإسرائيلية في التطبيع مع العديد من الدول العربية، إذ نجحت في فرض حالة من التطبيع التقني والتكنولوجي يصعب على المستفيدين منها التخلي عنها، سواء لجهة الحاجة إليها، أو بسبب المردود المالي الناتج عن بيعها، خاصةً أن المتحكم في الأسواق هو رأس المال الجشع وأصحابه المتوحشون، الذين يفتقرون إلى القيم والأخلاق الإنسانية، ولا يتطلعون إلا إلى المكاسب والمنافع المادية، ولو كانت على حساب الإنسان وقيمه العليا.

كثيرةٌ هي السلع التكنولوجية التي تستطيع إسرائيل بيعها إلى الدول العربية، منها تقنيات الكمبيوتر العالية، ومستلزمات الشبكات الخليوية لتقديم خدمات الجيل الرابع والخامس من الاتصالات، وأجهزة الحماية والرصد والمراقبة، والتقنيات الطبية الحديثة، والمختبرات العلمية المتطورة، فضلاً عن برامج الحوسبة المختلفة التي تحتاج إليها كل مجالات العمل المختلفة، المدينة والعسكرية والأمنية وغيرها، وبرامج الطيران ومختلف الخدمات الرقمية التي باتت سمة العصر الحديث.

إلا أن سوق التجسس والنشاط الأمني هو أكثر ما يبرع به الكيان الصهيوني، الذي وجد –وللأسف- من يحرص عليه ويطلبه من البلاد العربية، التي تتطلع إلى الاستفادة من التفوق النوعي الإسرائيلي في إحكام السيطرة على منافذ الدولة وشعوبها، ومتابعة نشاط مواطنيها وسلوك وحركة بعض المشتبه بنشاطهم ودورهم في العام في المجتمع، إذ تستطيع إسرائيل تقديم عددٍ من البرمجيات السرية التي يصعب اختراقها والتحكم بها إلا من خلال محركها أو صانعها، ما يجعلها قادرة على متابعة ومواكبة المطلوبين، واستدراك الأخطار وإحباط أي نشاطٍ محتملٍ، مما قد يوصف بأنه معادي.

يبدو أن الكيان الصهيوني الذي يلقى دعماً مالياً وعلمياً كبيراً من الولايات المتحدة الأمريكية، التي خصصت له هذا العام قرابة ملياري دولار للاستثمار في مجال التجسس السيبراني، تشجعه على الحلول محل الصين في البلاد العربية، ومنافستها في أسواقها التاريخية، والتضييق عليها لطردها منها، مقابل تقديم خدماتٍ أكثر تميزاً وتطوراً من منتجاتها، الأمر الذي مكن الكيان الصهيوني من توريد معداتٍ حديثةٍ كالطائرات المسيرة، وأجهزة الدفاع الإليكتروني، وروبوتات الحماية والحراسة، وغيرها من الأجهزة الحديثة التي بات من الصعب على المستفيدين منها التخلي عنها.

يعتبر الدافع الأمني والعسكري هو المحرك الأساس لمحاولات الاختراق الاليكترونية والتطبيع التكنولوجي مع الدول العربية، فهي بالقدر الذي تقدم فيه خدماتٍ إلى الجهات المستفيدة منها، فإنها تحصل بالمقابل إلى جانب المردود المادي المغري كثيراً، على كمٍ كبيرٍ من المعلومات والبيانات السرية والخاصة والعامة، التي تستفيد منها بعد إعادة تحليلها وتوظيفها، في خدمة استراتيجيتها الأمنية والعسكرية، علماً أنه يوجد خبراء وفنيون إسرائيليون يشغلون هذه المعدات، أو يشرفون على تشغيلها ويراقبون عملها، أو يقومون بأعمال الصيانة والتطوير لها، مما يعني أن العين الإسرائيلية حاضرة دائماً ولا تغيب.

نتيجةً لهذه المنافع القومية والمادية، والعلمية والمعنوية، التي فرضت إسم الكيان كواحدة من أهم الدول العاملة في المجال السيبراني والحقول التكنولوجية، نجد أن الجيش الإسرائيلية والأجهزة الأمنية المختلفة، والشركات التجارية المدنية والعسكرية، تعلن عن مسابقاتٍ لأمهر المهندسين وألمع الطلاب من الشباب، للالتحاق بهذه الأسواق الرائدة والرائجة، التي تحقق أعظم المنافع الإسرائيلية القومية العامة والفردية الشخصية.

لا يترك الإسرائيليون باباً إلا وينفذون منه لمحاولة إحداث خرقٍ في عالمنا العربي، لربط الدول العربية بها، وتطويعها وتطبيع علاقاتها معها، وجرها إلى مربع التنسيق الأمني معها، وهو التنسيق الذي يفضي إلى تنسيقٍ شاملٍ في مختلف المجالات، وهم في كل هذا يتطلعون إلى مصالحهم الخاصة، ويعملون لخدمة مشاريعهم وتثبيت كيانهم، وتأمين مستقبلهم، ولو كان على حساب مستقبل شعوب المنطقة العربية ومقدراتها القومية، فهل ندرك خبث مسعاهم وننتبه، أم نبقى نغط في نومنا العميق فلا نصحو إلا بعد أن يعم الخراب بيوتنا ويسلبون خيراتنا.

__________________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

الأسرى الإسرائيليون قنبلةُ نتنياهو في حجرِ بينت

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

غادر رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو منصبه مرغماً، مكسوفاً مكسور الخاطر، إذ لم يحقق حلمه القديم وأمله الكبير، ووعده الدائم باستعادة جنوده الأسرى ورفاتهم لدى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، رغم الحروب الدامية التي خاضها ضدهم، وهو الذي تعهد كثيراً أمام شعبه وذوي جنوده الأسرى بإعادتهم إلى بيوتهم، وجمعهم مع عائلاتهم، ودفن القتلى منهم في مقابر معروفةٍ، تحوي رفاتهم وتحمل أسماءهم.

إلا أن المقاومة الفلسطينية الصامدة في مفاوضاتها، والثابتة على شروطها، والمصرة على تنفيذ إرادتها، كشفت بصمودها سوأة نتنياهو، وأظهرت عجزه وأبانت ضعفه، وفضحته أمام خصومه ومؤيديه، وجرأت ذوي جنوده عليه، وأطلقت العنان لوسائل الإعلام لانتقاده واتهامه، وتوجيه اللوم له والهجوم عليه، فقد كان يتبجح بقرب استعادة جنوده، وادَّعي أنه الوحيد القادر على إنهاء ملفهم، وتعهد كثيراً في حملاته الانتخابية بتسويةٍ مشرفةٍ لملفهم، إلا أن شيئاً من وعوده لم يتحقق.

ماطل نتنياهو وأَخَّرَ، وناور وعاند وفشل في تحقيق هدفه، وعجز الوفاء بوعده، رغم المساعي الكبيرة التي بذلها على المستويين الأمني والعسكري لاستعادتهم بالقوة، أو بعملٍ أمنيٍ خارقٍ، دون أن يكون مضطراً لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، ودفعِ أثمانٍ باهظةٍ مقابلهم، ورغم جهود الوسطاء الدوليين الذين حاولوا مساعدته، وبذلوا جهوداً مضنية للتوصل إلى اتفاقٍ مرضي مع المقاومة في غزة، يحققون بها هدفه، وينقذونه من ورطته، ويساعدونه في الاحتفاظ بمركزه ورفع نسبة التأييد الشعبي له، إلا أن تبجحه خَسَّرَه، وعناده أفقده الفرصة، وغروره حرمه من نشوة النصر وفرحة الإنجاز. 

غادر نتنياهو منصبه الرفيع لخلفه نفتالي بينت، إلا أنه ورثه ملف جنوده المستعصي، وحَمَّله مهمة استعادتهم المستحيلة وتسوية قضيتهم المتعسرة، علماً أنه الذي كان يقف حجر عثرةٍ أمامه، ويضع شروطاً تعجيزيةٍ تقيده وتقعده، وتحول دون تمكنه من التفاوض والمساومة، فقد كان خلال وجوده في حكومات نتنياهو السابقة، وأثناء توليه حقيبة وزارة الحرب، يرفض رفضاً تاماً الإفراج عن أسرى فلسطينيين ممن يصفهم بأن أيديهم ملطخة بدماء اليهود، وكان يصرُ على موقفه، ويتشدد في شروطه، ويعلن وائتلافه معارضته لأي صفقة مؤلمة مع المقاومة الفلسطينية، ما أفشل جهود الوسطاء وأعيا نتنياهو وخَيَّبَه.

استغل نتنياهو الظرف وأطلق العنان لسيلٍ من الاتهامات والانتقادات العلنية المباشرة لغريمه الجديد وحليفه القديم نفتالي بينت، وطالبه بالتصدي لهذه الأزمة، وعدم تأجيلها أو القفز عليها، وأوعز إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من الأمنيين والعسكريين المؤيدين له والمتوافقين معه، بإطلاق التصريحات المحرجة وتسليط الضوء على بعض الثوابت المتعلقة بعمليات تبادل الأسرى، والأثمان التي يجب دفعها في سبيل إتمامها، مطالبين إياه بسرعة التحرك وفعالية التفاوض، واستغلال الظرف وعدم تفويت الفرصة، وإطالة أمد غياب جنودهم ومضاعفة معاناة أهلهم.

يعمل نتنياهو على إحراج بينت وحكومته، ويقول له أن التهدئة مع قطاع غزة يلزمها بعض الرفاهية، وفتح المعابر وزيادة حجم السلع والمواد الضرورية للتخفيف عن السكان، ولا يكفي التهديد بالقوة والتلويح بالشدة والعنف، ولا محاولات التظاهر بالذكاء والتلاعب بالتصريحات لتغيير الواقع، ولن يعود الجنود دون ثمنٍ تؤديه وبدلٍ تدفعه، ولا أثمان تملكها “إسرائيل” غير الأسرى الفلسطينيين.

وكان الجنرال احتياط غيورا آيلند قد تهكم على حكومة نفتالي بينت، وعلى كل من يعتقد أنه يستطيع إعادة الجنود دون دفع ثمنٍ، وقال في مقابلةٍ له مع إذاعة جيش كيانه، بأن “من يتوقع إعادة الجنود والمفقودين من غزة دون تحرير أسرى فلسطينيين هو واهمٌ، ولا يفهم في هذا الموضوع”، واعتبر أن الوفود الأمنية الإسرائيلية التي تفاوض في القاهرة تعرف الثمن جيداً، وتدرك أنه لا مفر من دفعه، إلا أن بينت يرفض ويكابر، ولكنه سيكون مضطراً لدفعه في نهاية الطريق.

قد لا يكون نتنياهو يريد لنفتالي بينت أن يحقق هذا الإنجاز، ويعيد الجنود إلى بيوتهم وأسرهم، وتقوم عائلات من قتل منهم بدفنهم والوقوف على قبورهم، فهذا إذا تحقق وفق رؤية بينت وشروطه، فإنه سيحسب له وسيصب في صالحه، وستكون سابقة حكومية تضر بسمعته الحكومية وتضعف مركزه، ولكنه يريد توريط بينت وفريقه في هذا الملف، ودفعه للقبول بشروط المقاومة والنزول عندها، والوفاء بها ودفعها ولو كانت مؤلمة وباهظة، ليثبت صوابية رأيه ورجاحة عقله وحكمة سياسته، وليظهر كذب بينت وخداعه، وضحالته وقلة تجربته، وأنه لا يحسن غير جعجعة المعارضة وغباء التعطيل.

يعلم نتنياهو وأركان حكوماته القديمة وقادة المعارضة الجدد، تماماً كما يعلم بينت وأقطاب ائتلافه المتهالك، ويدرك الأمنيون والعسكريون الإسرائيليون جميعاً، أن قضية جنودهم لن تحل دون ثمن، وأن استعادتهم لن تكون بغير حرية الأسرى الفلسطينيين، وأن أي معلوماتٍ بشأنهم أو تخصهم، لن يفرج عنها قبل إتمام صفقة شاليط الأولى، وإطلاق سراج جميع من أعيد اعتقالهم، فهذا وعدٌ قطعته المقاومة على نفسها، وتعهدت به تجاه شعبها، وخاضت في سبيله مع شعبها أصعب الحروب وأشدها، وهي تتمسك بشروطها، وتصر على مواقفها، وسيخضع لها عدوها ويلتزم صاغراً بها، وهي تعد بمفاجئاتِ جديدةٍ تسر شعبها وتغيظ عدوها، وتحقق به وعيدها وعددها 1111.

_______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

الإدارةُ الأمريكيةُ تنقلبُ على إسرائيلَ وتنتقدُهَا

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

يبدو أنها أضغاثُ أحلامٍ وأماني مستحيلة، وقراءاتٌ خاطئة واستنتاجاتٌ واهية، فهي ضربٌ من الخيال البعيد، أو هي شيءٌ من الوهم المريض، لا يجوز لنا أن نتصورها ولا يحق لنا أن نتخيلها، ومن السفه وقلة العقل أن ننتظرها أو أن نتوقعها، فهذا الأمر يكاد يكون مستحيلاً، بل هو المستحيل بعينه، فهو مخالفٌ للسياسة الأمريكية ومناقضٌ لثوابتها، ولا يتوافق مع تاريخها ولا ينسجم مع موروثاتها، فالولايات المتحدة الأمريكية تتبنى الكيان الصهيوني وتدافع عنه، وتتولى رعايته وتتحالف معه، وهي التي تتعهد قوته وتفوقه، وتحرص على أمنه ومستقبله، وتضمن سلامته وتعمل على حمايته، وتحول دون انتقاده وترفض إدانته، وتمنع مجلس الأمن من التصويت ضده أو التهديد بعقابه.

لكن هذا لا يمنعنا من ملاحظة المتغيرات الأخيرة في الخطاب الأمريكي تجاه الكيان الصهيوني، ومتابعة تصريحات الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن وأركان إدارته، خاصةً بعد معركة سيف القدس والعدوان على قطاع غزة، وممارساته العنيفة والعنصرية ضد المواطنين الفلسطينيين في مدينة القدس، ومحاولات الاعتداء على أحيائهم والتهديد بإخراجهم من بيوتهم، ومخططات طردهم منها والسيطرة عليها، ذلك أنه يوجد متغيراتٌ وإشاراتٌ يصعب إنكارها، ولا يسهل تجاهلها، بل يجب الوقوف عندها ودراستها، وتحليلها ومعرفة حقيقتها، والحكم عليها إن كانت جدية ولها ما بعدها، أو أنها شكلية ووهمية، وليست إلا لذر الرماد في العيون، ولفت الأنظار وحرف المجتمع الدولي عن الاهتمام بالأسباب الحقيقية لتفجر العنف في المنطقة.

فالرئيس الأمريكي الذي لا يخفي غضبه من رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو، وسخطه عليه وسعادته برحيله، كان قد اتصل به مراتٍ عديدةٍ موبخاً ومحذراً، وطالبه بالوقف الفوري لكافة العمليات الحربية ضد قطاع غزة، وكان من قبل قد استنكر إقدام الحكومة الإسرائيلية على تهديد السكان الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، ودعاها إلى حُسن معاملتهم واحترام حقوقهم، وعدم الإقدام على إخراجهم من بيوتهم، واعتبر ما قامت به الحكومة الإسرائيلية عملاً غير محترمٍ.

وفي السياق نفسه دعا الحكومة الإسرائيلية إلى الحفاظ على الأوضاع العامة في مدينة القدس، واحترام حقوق الفلسطينيين المشروعة بالصلاة وإقامة الشعائر الدينية في المسجد الأقصى، وعدم استفزازهم والتضييق عليهم، وعدم القيام بأي إجراءاتٍ من طرفٍ واحدٍ، من شأنها المساس بالمسجد الأقصى، وبالوضع التاريخي للقدس الشرقية وسكانها الفلسطينيين.

وكان الرئيس الأمريكي أعلن عن نيته افتتاح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، فيما بدا أنه تراجعٌ عملي عما قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وأعلن تسميه سفيرٍ جديدٍ لبلاده في الكيان الصهيوني، يختلف كلياً عن سلفه دافيد فريدمان، ولا يؤمن بأفكاره ولا يتبنى سياسته، ولا يشجع الإسرائيليين على الإمعان في الاعتداء على الفلسطينيين ولا يحرضهم عليهم.

كما سمى هادي عمرو مبعوثاً أمريكياً للسلام في الشرق الأوسط، ومسؤولاً عن الملف الفلسطيني والإسرائيلي في الإدارة الأمريكية، رغم اعتراض الحكومة الإسرائيلية عليه، وعدم رضاها عنه، ومطالبتها بتغييره أو عدم تثبيته كونه عربي الأصل، ويبدي انحيازاً إلى الفلسطينيين واضحاً، ويؤيدهم في حقهم بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية، فيما يعرف بحل الدولتين، ويعارض السياسات العنفية الإسرائيلية، ويحملهم مسؤولية التدهور الأخير في المنطقة، في الوقت الذي ينوي فيه الاقتراح على رئيسه بزيادة الدعم الأمريكي للسلطة الفلسطينية، والعمل على تحسين أدائها وتثبيت سلطتها وزيادة ميزانيتها، والتخفيف من المساس بهيبتها وتجاوزها والاعتداء عليها.

ووجه الرئيس الأمريكي انتقاداً شديد اللهجة إلى الحكومة الإسرائيلية لتعمدها تأخير وتعطيل عملية إعادة إعمار قطاع غزة، ودعاها ومصر إلى المباشرة في عملية الإعمار، وتحسين مستوى معيشة سكان قطاع غزة، وتسهيل إدخال مواد البناء والوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء.

وبلغت حدة الانتقادات الأمريكية أوجها في الأيام القليلة الماضية، عندما استنكرت الإدارة الأمريكية إقدام الحكومة الإسرائيلية على هدم بيت المواطن الفلسطيني منتصر الشلبي، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، على خلفية قيامه بقتل مستوطنٍ إسرائيلي وإصابة آخرين بجراحٍ مختلفةٍ، واعتبرت الإدارة الأمريكية أن سياسة العقاب الجماعي المتمثلة بهدم البيوت سياسة ظالمة، وهي لا تساعد في تحقيق الأمن وتثبيت السلام في منطقة الشرق الأوسط، بل إن الاستمرار فيها يجلب المزيد من العنف وعدم الاستقرار، ويخلق ردود فعلٍ قاسية وغير محسوبة، وكانت الحكومة الإسرائيلية قد دافعت عن موقفها، ورفضت الاستجابة إلى الرغبة الأمريكية، ونفذت أجهزتها الأمنية عملية الهدم، بحجة أنها تحمي أمنها وسلامة مستوطنيها.

ما لا شك فيه أن هناك خطاباً أمريكياً تجاه الكيان الصهيوني مختلف ظاهرياً، ولا يشبه الخطاب التقليدي الأمريكي المعتاد، وهو لا يقتصر فقط على الديمقراطيين، بل اشترك فيه بعض الجمهوريين من أعضاء مجلسي الكونجرس والشيوخ لأمريكيين، الأمر الذي يشي بأن تغييراً ما قد طرأ، وتطوراً في السياسة الأمريكية قد حدث، فهل هي تغييراتٌ جذريةٌ حقيقيةٌ، تمهدُ لانقلابٍ حقيقي في السياسة التقليدية الأمريكية، أم أنها فقط محاولة لإنقاذ إسرائيل من أزماتها وإخراجها من مآزقها، وانتشالها من غبائها، ومساعدتها على الخروج من ورطتها وتجاوز محنتها.

_________________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

سبعٌ عجافٌ بين الجرفِ الصامدِ وحارسِ الأسوارِ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

تجهد قيادة أركان جيش العدو الإسرائيلي في البحث عن أسماء لحروبها وعناوين لعدوانها، فتختار من بينها ما تراه عقيدةً وتاريخاً أنه سيكون الرد الرادع للمقاومة، والعلاج الشافي لها من شكواها، والخلاص التام من عيوبها ومشاكلها، وتعلن أن حاسوبها العسكري قد اختار هذا الاسم من بين مجموعةٍ من الأسماء المقترحة، وفق الأهداف المرجوة والغايات المقصودة، بعد التدريبات التي قام بها والمناورات الحية التي أجراها وحاكى بها حرباً مع المقاومة الفلسطينية.

لكن جيش العدو وقيادة أركانه تُمنى في كل مرةٍ بالفشل الذريع، وتعود أدراجها من أرض المعركة خائبةً، فلا تحقق أهدافها، ولا ترمم جيشها، ولا تستعيد ردعها، ولا تكسب ثقة شعبها، وتنهي عدوانها صاغرةً بينما تبقى منصات المقاومة منصوبة، وصواريخها تنطلق حتى الدقيقة الأخيرة من الحرب، ورجالها يجوبون الأرض ويقفون على الحدود والأسلاك الشائكة بكل قوةٍ وتحدي، وجرأةٍ وإصرارٍ.

سبعة سنواتٍ تفصل بين الحربين الإسرائيليتين على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، فقد وقعت الأولى التي أطلقوا عليها اسم “الجرف الصامد” في العام 2014، واستمرت 51 يوماً ضارياً، واندلعت الثانية التي أسموها “حارس الأسوار”  في العام 2021، واستمرت 11 يوماً قاسياً، وقد كان العدو ينشد في الحربين كي وعي الشعب الفلسطيني، وتفكيك مقاومته، ونزع سلاحها، وقتل رجالها، وإجبارها على الخضوع والتسليم، لتأمين مستوطناته، وتطمين مستوطنيه، والخلاص من تهديد المقاومة لهم وتعكير صفو حياتهم، وتنغيص عيشهم بالصواريخ التي لا تغيب عن سمائهم، وبعمليات الإرباك الليلي التي تطير النوم من عيونهم.

في الأولى التي دك فيها العدو قطاع غزة بكل أنواع الأسلحة المدمرة، وخاطر بجيشه في اجتياحٍ بريٍ محدود تمزق فيها صفه، وتصدعت فيها جبهته، وذهبت هيبته، وخسر خلالها العشرات من جنوده وضباطه، وفقد فيها –وفق ما هو معلن- اثنين من جنوده على أرض المعركة أسرى بين أيدي رجال المقاومة، لم يتمكن جيشه خلالها من فرض معادلاته الجديدة، وبسط سيادته الموعودة، واضطر إلى وقف العدوان والقبول بالشروط الجديدة التي فرضتها المقاومة بصمودها، وحققها الشعب بصبره وثباته، ورسخها بعطائه وتضحياته، وعاد المقاومون إلى معسكراتهم ودخلوا من جديد إلى أنفاقهم، يعدون العدة من جديد، ويستعدون للمعركة القادمة نحو الوعد الأكيد.

أما في الثانية التي فصلته عن سابقتها سبعة سنواتٍ، فقد ظن العدو أنه استطاع أن يحقق خلالها الردع، وأن يعيد التوازن في ميزان القوى، فأعد خطته الشهيرة “تنوفا”، وقَوَّى جيشه ودربه، وزوده بالمزيد من الأسلحة الحديثة والمتطورة، وحَدَّثَ بنك معلوماته، وحَدَّدَ بدقةٍ أهدافه، وقرر أن يخوض حربه الجديدة وفق آماله القديمة وأحلامه السابقة، التي تتمثل دائماً في تدمير مقدرات المقاومة ونزع سلاحها وتفكيك مجموعاتها، وزاد على ذلك أمله في استعادة جنوده الأسرى وتحريرهم دون أن يكون مضطراً إلى دفع أثمانٍ كبيرة، يؤديها من سجونه ومعتقلاته حريةً للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ولكن المقاومة الفلسطينية أفشلته وخيبته، وأيقظته بالقوة من سكرته، وأعادته بالصدمة إلى واقعه، ونبهته إلى استحالة تحقيق أحلامه.

اليوم وبعد سبعة سنواتٍ يحيي الإسرائيليون بغصةٍ وألمٍ ذكرى حربهم “الجرف الصامد”، يجترون فيه أحزانهم المريرة، ويتذكرون خيباتهم الكبيرة، ويستعيدون جراحهم الغائرة، ويحيون ذكرى من فقدوا في عدوانهم، ويسلطون الضوء على المصابين من جنودهم وضباطهم، ممن تركت الحرب في أجسادهم عاهةً مستدامة، أو خلفت في عقولهم ونفوسهم بالصدمة مرضاً نفسياً وخوفاً أبدياً.

يدرك الإسرائيليون يقيناً أن السنوات السبعة التي مضت كانت فرصةً للمقاومة أكثر مما كانت فرصةً لهم، وأنها كانت عجافاً عليهم بينما كانت سنابل غنية ًمثقلةً بالحصاد للفلسطينيين، فقد استعادت المقاومة خلالها رباطة جأشها، وعادت إلى مواقعها ومعسكراتها، وعوضت ما فقدت من ترسانتها الصاروخية، وزادت عليها الجديد والدقيق والبعيد المدى، وبدأت رحلة الإعداد والتجهيز للمعركة القادمة والحرب الجديدة.

يظن الفلسطينيون ويأملون كثيراً، ألا تكون هناك أكثر من سبعة سنواتٍ أخرى جديدةٍ تفصلهم عن العودة والتحرير، فالحرب القادمة التي يتطلعون إليها ستكون قريبةً، وستجري أحداثها وتقع فصولها خلف الحدود، وعلى أرضهم المحتلة عام 1948، يحررونها من المستوطنين الغاصبين، ويستعيدونها من الإسرائيليين المعتدين، ويطردون منها الغزاة المحتلين.

ولعل الإسرائيليين يعلمون ذلك أيضاً، ويدركون هذا اليوم يقيناً، ويعلمون أن ما بعد حرب الفرقان وحجارة السجيل والعصف المأكول وسيف القدس ليس إلا التحرير والعودة، وأن معارك الرصاص المصبوب وعامود السحاب والجرف الصامد وحارس الأسوار ليست إلا وهماً يخدعون بها أنفسهم، وسراباً يمنون بها شعبهم، فحصادها مرٌ عليهم، ونتائجها كارثية على كيانهم، بينما السبع المثاني التي جاءت منها أسماء معارك المقاومة، فإنها ستكون دوماً فتحاً لها ونصراً، وستكون أبداً عجافاً على العدو ووبالاً، وخاتمةً لكيانهم وزوالاً.

بيروت : 8 يوليو 2021

_____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

استقلالية الجامعات: خطوة لانقاذ التعليم العالي من مأزقه

كتب : البروفيسور محمد الربيعي

عانى التعليم العالي منذ تأسيس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قبل خمسين عاما من اشكال مختلفة من التدخل السياسي، حيث تم قمع أي شكل من أشكال المشاركة النقدية والحريات الاكاديمية والنشاط السياسي والاحتجاج إن لم يتم سحقها بعنف. أصبح التمييز بين التدريسيين قاعدة، والتدريس يعتمد بمعظمه على التلقين، والمناهج جامدة كالصخر والبحوث مقتبسة وعديمة الفائدة والقيادات الجامعية تخضع لإرادة السياسيين ولم يعد الالتحاق بالجامعة ولا بالدراسات العليا ولا الشهادات شأن من شؤون الجامعات وانما تحددها رغبات السياسيين وعدد من اعضاء مجلس النواب. ولا يتم تقدير الإبداع إلا من خلال تدابير قصيرة النظر مستندة على القياس الكمي او على معايير غريبة عن التعليم العالي.

عند تقييم أداء الوزارات المتعاقبة في التعليم العالي، يحتاج المرء إلى أن يكون على دراية بالوضع السياسي في الدولة. في حين أن نموذج الجامعة المستقلة التي دعينا اليها منذ 2003 لم يكن الا حلم وحاليا مجرد خيال في عراق اليوم، فإن إمكانية جعل الجامعات أكثر ارتباطا بالمجتمع، وان يصبح التعليم اكثر جودة من خلال الإصلاحات الاستراتيجية تم انهائها بالكامل في السنوات الاخيرة.

لقد تم إضعاف أي إمكانية للإصلاح من خلال التدخلات السياسية (ومنها قانون تعادل الشهادات)، والتخفيضات غير المعقولة في ميزانية التعليم العالي للبناء، والابتعاث  وبما يتماشى مع انتشار الفساد والنهب من ميزانية الدولة. التدخلات السياسية اصبحت حالة طبيعية، وهو ما يقلقني اكثر من اي امر آخر لان نظام التعليم الذي يحكمه سياسيين فاسدين لا يمكن الا ان ينتج “متعلمين جهلة”.

الطلاب هم من يتحملون وطأة انعدام الاموال الكافية، وهزالة االمرافق الاكاديمية، وضعف تدريب التدريسيين. اصبحت الشهادات العليا للوجاهة والمكانة الاجتماعية، ولم يعد حاملو هذه الشهادات يفهمون أنهم تعلموا من أجل أن يخلقوا قيمة أعلى وأكثر جودة في القطاعات الحكومية أو الخاصة. النقاش الأساسي حول معنى الجامعات كمؤسسات حاسمة للتعليم العالي والتي يجب أن تشكل نقطة البداية لأي استراتيجية للتعليم العالي غير موجود.

إذن ما هي سياسة الحكومات المتعاقبة بشأن التعليم العالي؟

لم يتم صياغة إطار سياسة شاملة يتناول التعليم العالي على وجه التحديد فيما عدا التوسع في القبول. ولا يبدو ان الحكومات تسترشد في خططها برؤية وأهداف محددة، أو واضحة، بل ان معظم قراراتها هي انعكاس للازمات التي تمر بها. ويبدو ان سياسة التوسع في السياسات العليا في ظاهرها استجابة للضغوط من خريجي الجامعات العاطلين ومن الذين يتطلعون الى تحسين منزلتهم الاجتماعية، وكذلك ضغوط اعضاء مجلس النواب سواء لتحقيق رغباتهم الشخصية او للحصول على مكاسب انتخابية. وتكمن خطورة هذه الاجراءات في ضعف وفساد الدراسات العليا وعدم تحقيقها لأهدافها في زيادة الدقة، والقوة والعمق في التخصص وتأهيل الدارس الى البحث العلمي المتعمق والتفكير النقدي، وحل المشاكل الاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، بالاضافة الى وقوفها حجر عثرة امام الابتعاث والذي يمثل الطريق الرئيسي لاكتساب المعارف والعلوم الحديثة والخبرة الدولية وتعلم اللغات وثقافات الشعوب والاحتكاك بالعلماء العالميين. 

ان ثقل ظاهرة بطالة الخريجين المباشرة وغير المباشرة وانخفاض الكفاءة التعليمية والتدريبية و”الجودة” وزيادة الفاقد التربوي تتطلب نهجا اداريا وتعليميا مغايرا لما هو قائم حاليا، لذا ادعو الحكومة وقيادات التعليم العالي الى التفكير والتخطيط لنظام تعليمي جامعي من خلال ثلاثة مفاهيم سبق وان اكدتُ عليها مراراً:
1- استقلالية الجامعة والمرونة التنظيمية والهيكلية لمختلف مؤسساتها.
2- تنمية مستوى كفاءات ومؤهلات الموارد البشرية.
3- تطوير المناهج وطرائق التعليم والتدريس.
ان نظرة سريعة على التنظيم الاداري لإدارة التعليم العالي والبحث العلمي سواء على مستوى الادارة المركزية، أم على مستوى الادارة الجامعية والمؤسساتية يكشف لنا مدى هيمنة الادارة المركزية، في حين يعاني التنظيم الجامعي من الخلل والضعف. لقد تناولتُ هذا الموضوع في عدد من المقالات، ووضعت فيها إطار عام لاستقلالية الجامعات يمكن للقارئ من مراجعتها بفتح الروابط في اسفل المقالة.

المشكلة تكمن في توزيع المسؤوليات، حيث تبدو صورة التنظيم اللامتوازن في طريقة توزيع المسؤوليات وممارسة السلطات لصالح الادارة المركزية وفي التزايد في تدخلات مجلس النواب واعضائه. وجود وزارة تدير التعليم العالي والجامعات حكومية وأهلية ينتج بالضرورة توزيع مسؤولية وتقسيم عمل في دوائر ادارية تسند الى اشخاص يتولون ادارتها وتسييرها لتحقيق الاهداف العامة للوزارة. فكلما كان التنظيم الاداري في الوزارة محكما، وكلما تخلت ادارات الجامعات عن المطالبة بادارة نفسها بنفسها، نتج عنه زيادة في هيمنة الادارة المركزية على مستوى ممارسة السلطات المالية والادارية والاكاديمية، خصوصا عندما يكون تنظيم الادارة الجامعية اصلا ضعيفا وناقصا وهشا لكون معظم التعيينات مستندة على المحاصصة الحزبية او موافقة الاحزاب. ويمكن ملاحظة ان المسؤولية مرتبطة بالإدارة المركزية وعلاقاتها بكل جامعة على حدة ممثلة برئيس الجامعة والعمداء والكليات بينما ينعدم الارتباط بين الجامعات على مستوى التنظيم المؤسساتي وحتى بين الكليات داخل كل جامعة وفيما بين الجامعات مما نتج عن ذلك هيمنة المركز على الجامعات على مستوى ممارسة السلطة الادارية. ان هذا الوضع اثر تأثيرا كبيرا في عقلية الاستئثار بالقرارات، سواء على مستوى النوع ام الكم بين مجلس النواب والوزارة من جهة والجامعات من جهة اخرى مع ان الاخيرة تقع اصلا تحت رحمة القوى السياسية من خلال نظام المحاصصة الذي يحكم تعيين قياداتها. ومهما كانت أهمية القرارات المركزية لتسيير الجامعات فأنها تتصف بخاصيتين سلبيتين، هما انها شمولية لا تأخذ بنظر الاعتبار رأي التدريسي في التسيير الاداري والتربوي والاكاديمي، ولا في خصوصية وضع الجامعة كمؤسسة علمية لها مسؤولية في تحديد رؤاها وأهدافها في القبول والمناهج والتخطيط الاكاديمي والاشراف والتدبير المالي.

هناك شيئان قوّضا من امكانية منح الجامعات العراقية استقلاليتها. أولاً،  للوزارة سلطة قوية للغاية، وثانيا، التدخل السياسي في الجامعات. دعونا نأخذ هذين العاملين واحدا تلو الآخر. الوزارة مسؤولة عن تعيين الاداريين والتدريسيين ورواتبهم وعن الترقية والمكافئات وما إلى ذلك، وهي الامور التي جعلت السيطرة على الأوساط الأكاديمية أسهل. ثم تأتي البرامج والمناهج وتحديد ما يتم تدريسه ومن يقوم بتدريسه على اساس الاعتراف بالاختصاص. تليها قواعد القبول، ومن يمكن له ان يتقدم لدراسة الماجستير، أو الدكتوراه وما إلى ذلك. تم تمويه كل واحدة من هذه التدخلات في استقلالية الجامعات في اطار المنفعة المشتركة والتنظيم المشترك القائم على اساس ان الوزارة تعرف مصلحة البلد بافضل مما تعرفه كل جامعة على حدة. ولكي نكون منصفين، منذ ان بدأت إعداد كبيرة من الكليات والجامعات الاهلية، كان العديد منها يقدم برامج دون المستوى. علاوة على ذلك، نظراً لوجود طلب للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، ولاعتقاد الجامعات بأن منحها لهذه الدرجات يكسبها منزلة افضل، فإن العديد من الجامعات بدأت تمنح الماجستير والدكتوراه. لكن لماذا حدث هذا؟ كان يحدث لأن سياسات الحكومات شجعت الكمية. في السبعينات من القرن الماضي عندما بدأت الدراسات العليا، كانت جامعة بغداد  تقدم برنامج دراسة لماجستير قوية مدتها سنتان. كانت مثل درجة البكالوريوس العادية من جامعة بريطانية أو أمريكية. كان معظم التدريسيين والمشرفين على طلبة الماجستير من خريجي الدول الغربية او كانوا انفسهم من الدول الاجنبية. تم الآن استبدال هذه القواعد الصلبة بجودة متغايرة. يتعلم المرء في الماجستير العراقي أقل بكثير مما يتعلمه في برنامج الماجستير الرصين من ناحية التفكير الذاتي والنقدي وطرق وأساليب البحث والنشر نظراً لأن مكون البحث هو في الغالب مفترس، او سطحي عديم التأثير أو الفائدة. ثانيا، معظم المشرفين لا يقومون بواجباتهم في الاشراف الصحيح ولا بتعريف الباحث على القواعد واللوائح الخاصة بإجراء وبكتابة البحث العلمي في الجامعة ومتابعتهم لإجراء الطالب للخطوات الأكاديمية.

ليس هذا كل شيء. تتحكم الوزارة في المناهج وتصر على توحيدها. لا يمكن للقسم او الكلية او الجامعة ان تحدد منهجا مغايراً او مختلفا عن الجامعات الاخرى. انه بصورة بسيطة طريقة مشابهة لعملية وضع المناهج في المدارس الابتدائية. باختصار، ليس هناك استقلالية أكاديمية للجامعات.

ومما زاد الطين بلة، أن الجامعات نفسها تخضع لرقابة مُحكمة، وأحد أكثر الأجهزة المهينة التي توصلوا إليها هو تحديد وقت الدوام. يبقى أعضاء هيئة التدريس في الجامعة لعدد محدد من الساعات وعليهم المغادرة في أوقات معينة. هذا يدمر تماما احترام الذات، والاستقلالية الشخصية للتدريسيين. لم يحصل ذلك في السابق ولم يتم القيام به في جامعة بغداد، حيث عملت معيداً. أتحدى أي شخص أن يطلعني على أي جامعة محترمة تنتج أبحاثا عالمية المستوى لا يبقي أعضاء هيئة التدريس الا لعدد محدد من الساعات. إن أعضاء هيئة التدريس الذين يتم التعامل معهم على هذا النحو لن يكونوا ببساطة مبدعين.

وكأن كل هذا ليس كافيا، بدأ اعضاء البرلمان بالإشراف المباشر على الوزارة والجامعات. والأسوأ من ذلك، بدأ السياسيون في تمرير الأوامر لرؤساء الجامعات كما لو كانوا يحكمونها. كيف حدث هذا؟ ابتدأت الحكومة بالسيطرة على الجامعات منذ ان شعر حزب البعث باهميتها في ترسيخ الفكر القومي الشوفيني. وللأسف استمرت هذه السيطرة بعد 2003 عن طريق الاحزاب الحاكمة، وطريقة تقاسمها السلطة، مما أدى  إلى تقويض ما تبقى من استقلاليتها.

إذن، هل هناك حل لهذا الوضع؟

نعم، لحسن الحظ هناك حل. إذا منحنا الجامعات حكما ذاتيا، فيمكننا البدء في إحداث تغيير. يجب أن يكون تشكيل مجلس امناء الجامعة والحصول على اعتماد مؤسساتي على رأس أولويات الجامعات. يجب أن يتم تزويدهم بالتمويل الذي يحتاجون إليه، بما في ذلك الرواتب والامتيازات لأعضاء هيئة التدريس ويجب أن يكونوا مستقلين. يجب ألا يكون للحكومة أي سيطرة عليها على الإطلاق. بالطبع البرلمان سيادي ويمكنه تعيين لجنة للتعامل مع شؤونهم إذا لزم الأمر، لكن هذا كل شيء. لا ينبغي أن يكون للجزء التنفيذي من الحكومة أي علاقة بها بخلاف التمويل. يتم تشكيل المجلس الاعلى للجامعات ولا يكون فيه أي عضو من الدولة ويتم انتخاب رئيس كل جامعة من قبل تدريسي الجامعة.

ستضمن هذه التغييرات أن تظل الجامعات التي لديها أفضل أعضاء هيئة التدريس مستقلة بذاتها بدلاً من كبح الاستقلالية الأكاديمية بأسم “الرصانة” والتي في الواقع تم الاضرار بها كنتيجة التدخل الحكومي في شؤون الجامعات.
ــــــــــــــــــــــــــــ

الثقافة الجديدة تحاور الاستاذ الدكتور محمد الربيعي https://iraqicp.com/images/pdf/dialogue.pdf

عودة أخرى لموضوع استقلالية الجامعة والحرية الاكاديمية: https://akhbaar.org/home/2013/9/153873.html

_______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

حزب الله والحشد قوتان تواجهان تحديات الداخل والخارج

كتب : محمد علي ابو هارون

لعل المشترك الأكبر بين حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وكذا حركة أنصار الله اليمنية هو أن هذه الجهات هي محاور مقاومة ضد مخططات استهداف الأمة وسيادتها وثقافتها ووحدتها وعقيدتها وثرواتها .
والمشترك الآخر بين حزب الله والحشد هي أن لهما اعداء ا في الداخل والخارج  حيث تقف أمامهما العديد من الدوائر الاستكبارية والصهيونية والتكفيرية .

في العراق ولبنان يتعرض كل من الحزب والحشد إلى مخططات خبيثة تقف وراءها الجهات التي هرولت وتهرول ورأء التطبيع مع  الكيان الصهيوني والجهات التي تسير في فلك واشنطن وتل أبيب والرياض وأبوظبي .

الحزب والحشد مشتركان  كذلك في الحاء التي تمثل رمز الانتصار الا وهي رمزية حب محمد وال محمد .
ولعل  القول الماثور من مات على حب ال محمد مات شهيدا هو مصداق يمثل المشترك الاقوى الذي يحمل في طياته تحديات من قوى الشر المعادية لهوية الأمة وتراثها الثر .
العراق ولبنان شهدا خلال السنوات الأخيرة أزمات مصدرها واحد وهو قوى الشر الحاكمة في العالم والمتمثلة بسفارتي واشنطن في  بغداد وبيروت، أنهما وكر التجسس الأمريكي على الأمة .
وما اجمل ما سمى الامام الخميني الراحل (رض) سفارة واشنطن بطهران بأنها “وكر الجاسوسية”.  أنها نقطة وعي خميني حري بالأمة في كل مكان خاصة في العراق ولبنان أن تستلهم منها الدروس والعبر  .
كلمات الراحل السيد الخميني ترن في مسامع  صاحب الاذن الواعية وهي أن كل مشاكلنا من امريكا.
امريكا وبريطانيا تعملان في إطار مشترك لتشويه هوية الشعوب وعقيدتها وتماسكها .
أنها مؤامرة كبرى تقف وراءها لندن وواشنطن وتل أبيب من أجل تخدير الأمة عبر مخططات التطبيع وحوار الأديان ولقاء زعامات دينية مختلفة بهدف تشويه المرتكزات  الأساسية للأمة .

علينا أن ننتبه إلى  حجم المخططات التي تستهدف الأمة ودينها.
وما خطة السفير الأمريكي  السابق في بغداد  دوغلاس سيليمان  في بغداد  القائمة على العمل الاستراتيجي الأمريكي  لإبعاد الدين والتشيع والمرجعيات في النجف عن المشهد السياسي العراقي الا  انموذج  الاستهداف الواضح والحقيقي للأمة  لكن  ما يؤسف  له هو أن النخب السياسية في العديد من بلداننا  أما في سبات دائم أو تعيش تخديرا عبر المال والجاه والنفوذ والاستحواذ على ثروات الشعوب .
لننتبه إلى ما يحاك لأمتنا من دسائس ومؤامرات من قبل أعداءالامة وعملائهم في بلداننا .

ان الوعي الجماهيري كفيل  بايقاظ النائمين من أبناء الأمة.
أنها تذكرة لمن شاء ان يتذكر .

___________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

حقائق قانونية.. لايحق لمن انتمى للبعث المحضور الترشح للانتخابات البرلمانية في العراق

كتب : المحامي ازهر الاعرجي

الدستور العراقي النافذ والقوانين العراقية تمنع من انتمى لحزب البعث المحضور من الترشح للانتخابات البرلمانية ومن دون استثناء مهما كانت درجته الحزبية 
ومن اجل التفسير القانوني الصحيح لمواد القانون المختصة التي عالجت هذا الامر ومنها قانون هيئة المسائلة والعدالة ينبغي ان نميز بين الموظف والوظيفة و بين التمثيل النيابي.(النائب في البرلمان العراقي).
حيث ان القوانين العراقية تعرف الموظف العام بالتالي:

قانون الخدمة المدنية رقم (١٠٣  لسنة ١٩٣٩)  الذي نص في مادته الثانية على تعريف الموظف بقوله (هو كل شخص عهدت اليه وظيفة دائمة داخلة في ملاك الدولة الخاص بالموظفين ) نلاحظ في هذه المادة شرط ان تكون الوظيفة «دائمة» .  وقد اقتبس نفس هذا التعريف في قانون الخدمة المدنية رقم  ( ٥٥ لسنة ١٩٥٥ ) وكذلك قانون الخدمة المدنية رقم ( ٢٤ لسنة ١٩٦٠). وقانون انضباط موظفي الدولة  رقم ( ١٤ لسنة  ١٩٩١ ) عرف الموظف العام بانه ( كل شخص عهدت اليه وظيفة داخل ملاك الوزارة او الجهات غير المرتبطة بوزارة )  ننتبه  لمصطلح ملاك الوزارة او غير مرتبطة بوزارة.  وكذلك توجد معايير تميز الموظف العام من سواه واهم هذه المعايير المميزة للموظف ان تكون الخدمة في عمل دائم والمعيار الاخر ان يعين الموظف من قبل السلطة التي تمتلك حق التعيين ( يعين وليس ينتخب )  وكذلك من السمات المميزة ان تكون للموظف درجة وظيفية في وزارة المالية العراقية وان يخضع لقوانين الخدمة المدنية وانضباط موظفي الدولة وقانون رواتب موظفي الدولة والتقاعد الموحد. 
من التعاريف اعلاه والسمات المميزة نستلخص ان الموظف هو كل شخص ( عين )  من جهة لها حق التعيين وعهدت اليه وظيفة ( دائمة ) داخل ملاك الدولة الخاص بالموظفين ويخضع لقوانين الخدمة العامة وانضباط موظفي الدولة ورواتب موظفي الدولة.  
هنا نصل الى نتيجة مهمة بأن الموظف صفة قانونية تختص بمن تتحقق فيه هذه الشروط والسمات  .  
اي ان المترشح للانتخابات البرلمانية والنائب الفائز بالانتخابات والمؤدي لليمين الدستوري هو (  ليس موظف ضمن ملاك موظفي الدولة )   كونه غير معين وغير خاضع للقوانين الخاصة بالموظفين وشروطها وشرائطها التي تحكم علاقة الموظف بالمؤسسة. 
ولهذا فأن من يترشح لانتخابات البرلمان لا تشمله مواد قانون المساءلة والعدالة الخاصة ( بعودة الموظفيين الى وظائفهم ومنها المادة السادسة بجميع فقراتها ). 
حيث ان قانون المساءلة والعدالة عالج موضوع ( الموظف ) المنتمي لحزب البعث المحضور وحسب درجاتهم الحزبية فسمح لبعضهم البقاء في وظائهم ومنع آخرين من البقاء في الوظيفة. 
بالتالي فأن قانون المساءلة والعدالة منع كل من انتمى لحزب البعث المحضور ( فكرا وادارة وسياسة وممارسة )  من العودة الى السلطة والحياة العام في العراق تحت اي مسمى (مادة 3 اولا من قانون المساءلةوالعدالة) (  ومنها الترشح في الانتخابات طبعا عملا بمضمون المادة المذكورة) ، بل وامر في المادة (3 ثانيا من قانون المساءلة والعدالة)  من تطهير القطاع الحكومي والمختلط ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمع العراقي من منظومة حزب البعث المنحل تحت اي شكل من الاشكال.  
ولم يرد اي نص قانوني يسمح لمن انتمى لحزب البعث المحضور المشاركة في الانتخابات ومنها قانون هيئة المساءلة والعدالة وانما سمحت مادته السادسة بجميع فقراتها للموظف المنتمي للبعث بالعودة للوظيفة حصرا وسبق ان عرفت الوظيفة تعريفا شاملا واضحا وبينت شروطها وسماتها المميزة. لذا فأن المرشح لانتخابات البرلمان ليس موظفا ولاتشمله فقرات المادة السادسة من قانون المساءلة والعدالة. 
وان كل من انتمى لحزب البعث المقبور غير مسموح له الترشح للانتخابات مهما كانت درجته الحزبية من عضو صعودا ومن دون اية شروط او محددات ( كشرط الاثراء على حساب المال العام وغيره)  المختصة بعودة الموظف المنتمي لحزب البعث المنحل للوظيفة العامة. 
حتى ان المادة ( ١٢ من قانون المساءلة والعدالة )  لا تجيز لمن يشمل بأستثناء خاص ان يرشح للانتخابات لانها ايضا اختصت بالموظف والوظيفة حيث نصت (  لمجلس الوزراء حق النظر في الحالات الخاصة الاستثنائية للعودة « للوظيفة »  للمشمولين بهذا القانون وحسب مقتضيات المصلحة العامة…….  الخ.
ونلاحظ هنا ان هذه المادة هي ايضا حصرت الاستثناء بالوظيفة اي ان ( اي استثناء حصل سابقا وشارك المستفيد منه في الانتخابات ) هو مخالف لنص القانون وعلى المؤسسات المختصة معالجة الامر واسترداد جميع المبالغ والغاء الامتيازات. 
فالمرشح والنائب ليس موظف عام بدرجة خاصة ليشمل بمواد قانون المساءلة والعدالة التي تسمح لمن انتمى لحزب البعث المنحل والمحضور للعودة الى الخدمة الوظيفية في دوائر الدولة واي سماح لترشح اي بعثي مهما كانت درجته الحزبية هو مخالفة للدستور العراقي النافذ بمادته السابعة ( يحضر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له وبخاصة حزب البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت اي مسمى كان ولا يجوز ان يكون ضمن التعددية السياسية في العراق ) ومخالفة للقوانين الخاصة وقانون هيئة المساءلة والعدالة كما بينا اعلاه.

_____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اخر الاخبار

اعلان

ad