الثلاثاء, أبريل 13, 2021

هكذا تصور إسرائيلُ نفسها .. الضحيةُ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

رغم أنها المعتدية دائماً، والقاتلة أبداً، والمحتلة لأرضنا قديماً، والغاصبة لحقوقنا كثيراً، والمخالفة للاتفاقيات الدولية عمداً، والمنتهكة لها علناً، والمعطلة للقوانين والقرارات الأممية قصداً، إلا أنها نجحت بمكرٍ ودهاءٍ، وتمكنت بخبثٍ وخداعٍ في عرض قضيتها وتصوير نفسها بأنها الضحية المعتدى عليها، وأنها المظلومة والمساء إليها، وأنها المضطهدة في المنطقة، والمحرومة من الأمن، وأن العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً يتآمرون عليها ويستهدفون وجودها، ويعملون على استئصالها والقضاء عليها، وأنهم ينظرون إليها بعنصريةٍ وعدوانية، ويكرهونها وينكرون حقوقها، ولا يعترفون بما تعرض له شعبها من شتاتٍ ومعاناةٍ ومحرقةٍ.

هكذا تصور إسرائيل نفسها أمام الرأي العام الدولي، الذي يصغي إليها ويصدق روايتها، ويتبنى موقفها ويدافع عنها، أنها مستهدفة ومقصودة بعمليات المقاومة العسكرية، الفردية والمنظمة، والتي تستخدم فيها أسلحة نارية أو بيضاء، والتي تقع في القدس والضفة الغربية، أو في المدن والبلدات والمستوطنات الإسرائيلية، وتصفها بأنها تخريبية وإرهابية، وأنها تعرض حياة مدنييها ومستوطنيها للخطر، وتلحق بهم وبممتلكاتهم أبلغ الضرر، وتتسبب لهم في حالاتِ ذعرٍ وخوفٍ وقلقٍ واضطرابٍ، وتعطل الحياة العامة في بلدات غلاف غزة التي فقدت أمنها واستقرارها، وفي بقية المدن الإسرائيلية في القلب وعلى الساحل التي باتت تصلها صواريخ الفلسطينيين.

جرائم الاحتلال خلال عدوانه على قطاع في غزة

ربما باتت صواريخ المقاومة تصلها فعلاً وتدك مبانيها، وتصيب بدقةٍ أهدافاً كثيرةً فيها، وتلحق بها أضراراً كبيرةً في الأرواح والممتلكات، فضلاً عن الخسائر المادية المختلفة التي يتكبدها المستوطنون والحكومة، جراء إغلاق المؤسسات ووقف العمل في المصانع والمعامل، وإلغاء البرامج والأنشطة ورحلات السفر، ووقف العمل في المزارع والمناطق المكشوفة، وغيرها من المرافق الاقتصادية المتضررة، مع عدم إهمال العمليات اليومية الصغيرة والكبيرة التي تقع في مستوطنات الضفة الغربية والقدس، ولكن هذا هو حقنا الطبيعي، وهي ليست عدواناً ولا إرهاباً، ولا تخريباً عبثياً، ولا هي عملاً مقصوداً ضد المدنيين، بل هي مقاومة مشروعة قانوناً وعرفاً، وهي واجبة شعبياً ولازمة وطنية، ومحل تقديرٍ واحترامٍ أممي، وإن شوهها الاحتلال ووصفها بما يريد.

لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تتعمد تشويه المقاومة وتبرئة نفسها، تلجأ إلى تصوير المناطق التي تسقط فيها صواريخ المقاومة الفلسطينية، وتركز على البيوت التي تصيبها، والدمار الذي يلحق بها، والآثار التي تخلفها، وتنقل صور مستوطنيها من النساء والأطفال وكبار السن، وهم في حالةٍ من الذعر والخوف الشديدين، وهم يسقطون على الأرض، ويتخبطون بأنفسهم ويتعثرون أثناء محاولاتهم الفرار من القصف، والهروب إلى الملاجئ والأنفاق، ويظهرونهم وهم يستلقون وينبطحون على الأرض، خوفاً من الصواريخ أو شظاياها، وتنقل كاميرات التصوير صراخهم وشكواهم، ولا تتردد في التركيز على بكاء بعضهم، أو تسليط الضوء على نحيب نسائهم وشكوى عجائزهم، وغير ذلك من المشاهد التي يعتقدون أنها مؤثرة إنسانياً، وتجلب التأييد الدولي لهم، وتتسبب بالغضب والسخط على الفلسطينيين.

كما تجول الكاميرات ووسائل الإعلام الإسرائيلية على المستشفيات والمراكز الصحية، وتتنقل بين أسرةِ المصابين وغرف الجرحى والمتضررين، تركز على إصاباتهم، وتعرض صوراً “مؤلمة” عن حالتهم، وتجري مقابلاتٍ معهم، وتستمع إلى رواياتهم وتعليقات أسرهم وأطفالهم، وتنقل إلى الحكومة الإسرائيلية والعالم شكواهم ومطالبهم الأمنية والإنسانية والاقتصادية، وحاجتهم إلى الحماية والرعاية، ولأن قوى المقاومة الفلسطينية أصبحت على مقربةٍ منهم، أو تحت الأرض في الأنفاق أسفل بيوتهم ومدارسهم وأسواقهم ومحلاتهم، فهم يحرضون حكومتهم وجيش كيانهم على الرد والقصف، لوقف إطلاق الصواريخ على بيوتهم ومؤسساتهم، التي حولت حياتهم إلى جحيمٍ لا يطاقٍ.

توزع المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية الرسمية والخاصة، والأمنية والعسكرية التابعة إلى وزارة الحرب والأجهزة الأمنية، والتي يديرها خبراء ومختصون قديرون في مختلف العلوم الاجتماعية والنفسية والسيكولوجية والإعلامية، صور “ضحايا العدوان الفلسطيني” إلى كبريات المؤسسات الإعلامية الدولية، وإلى وكالات الأنباء العالمية، التي تتنافس في نشر الصورة ونقل الخبر، لتقوم بإعادة نشر المواد الإعلامية إلى جميع المؤسسات الإعلامية الأخرى في العالم، باللغات العالمية الحية وبالمحلية والدارجة، ليتسنى للعالم كله أن يطلع على روايتهم، وأن يستمع إلى قصتهم، وأن يرى الخبر من زاويتهم، ليتعاطف معهم ويقف إلى جانبهم، ويبرر لهم الحملات العسكرية المسعورة ضد الفلسطينيين، حيث يصورون عدوانهم الهمجي على قطاع غزة خصوصاً بأنه دفاعٌ مشروعٌ عن النفس، وأن من حق “إسرائيل كدولةٍ مستقلةٍ” أن تدافع عن مستوطنيها، وأن تعمل ما أمكنها لحمايتهم ورد الاعتداء عنهم.

لا أعتقد أنه يوجد في العالم كله شخصٌ عاقلٌ أو مؤسسةٌ حكيمةٌ، أو حكومةٌ فاضلةٌ، أو هيئةٌ دولية عادلةٌ أو منظمة أممية نزيهةٌ، تصدق الرواية الإسرائيلية، وتبرئ الاحتلال من الجرائم اليومية التي يرتكبها بحق الفلسطينيين، ولا ترى حجم الفضائع التي يرتكبها جيشه، والفواحش التي يقترفها مستوطنوه، فالاحتلال الإسرائيلي موسومٌ بالقتل ومعروفٌ بالظلم، ومشهودٌ له بالعدوان، ولا يخفى على العالم كله ما يقوم به، ولكنه كيانٌ انتهازي يقوم على التهديد والابتزاز، والكذب والتضليل والخداع، ويلجأ إلى التزوير والتشويه والادعاء، فتخضع له الدول، وتنفذ مشيئته الحكومات، ولو كان في مواقفها ظلمٌ وانحيازٌ وعدم اتزان، فلا تخيفنا دعاية العدو، ولا تربكنا أكاذيبه، ولا تضعف من عزيمتنا أحابيله، فسيبقى هو العدو المجرم القاتل، وسنبقى نحن مقاومون شرفاء وأصحاب قضيةٍ عادلة، حتى تتحقق عودتنا وتقوم دولتنا، وترتفع فوق تلالها وعلى رباها راياتنا المظفرة وأعلامنا المنتصرة.

______________________________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

ما هي جريمة اليمني المسكين لكي تقطع أوصاله بكل هذه الوحشية؟

كتب : أياد الامارة

العدوان الإرهابي الذي يشنه تحالف آل سعود التكفيري لا يسمح لنا بمد يد السلام مع السعوديين الذين تلطخت أيديهم من قبل وما زالوا مع السوريين ومعنا نحن أيضاً وزمر شذاذهم وعتاتهم يقبعون في سجوننا بتهم الإرهاب.

لاسلام مع نظام الذهن الخالي الذي لا يعرف معنى السلام منذ أن نز بتآمره لكي يستحوذ على الدرعية وإلى اليوم الذي لا يزال يقتل اليمنيين بالجملة لمصلحة الكيان الصهيوني الإستيطاني الغاصب لأرض فلسطين..
السعودية بفكر بن عبد الوهاب هي صورة الإسلام المشوهة التي أرادها الكفر العالمي لكي تكون بديلاً عن الإسلام المحمدي الأصيل، السعودية هي القتل على الهوية والتكفير البشع والتقطيع بالمناشير فأي سلام سيكون معها؟

هجوم الوهابيين على كربلاء عام 1802

تجربتنا مع السعوديين التكفيريين الإرهابيين منذ هجماتهم الأولى على العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ومحاولتهم هدم مراقد أئمة الهدى عليهم السلام سابقاً مروراً بتفجيرهم مرقد الإمامين العسكريين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام بعيد العام (٢٠٠٣) وإلى يومنا هذا.

الجرائم التي يقوم بها الكيان السعودي الإرهابي التكفيري ضد الشعب اليمني يندى لها جبين كل حر غيور ويرفضها بقوة..
حمم الشر السعودي تمطر على رؤوس الشعب اليمني الأعزل، بشيوخه ونسائه وأطفاله، لا لذنب أو جريرة سوى أن اليمنيين يريدون أن يعيشوا بحرية وبعزة وكرامة..
أين اليمني من السعودي لكي تجمع السعودية معها كل أشرار العالم لضرب اليمن؟
ما هي جريمة اليماني المسكين لكي يقطع الإرهاب السعودي التكفيري أوصاله بكل هذه الوحشية؟

من ثمار “عاصفة الحزم”

لذا حري بنا أن نقف مع اليمانيين ننصرهم بكل ما أوتينا من قوة، ننصرهم:

١. بمد يد العون لهم ومحاولة فك الحصار عنهم..
٢. بكتاباتنا وتظاهراتنا “السلمية” التي تندد بعدوان آل سعود..
٣. بمواقفنا الساندة لليمانيين على المستويين الرسمي والشعبي..
٤. بمقاطعتنا للإرهابيين التكفيريين السعوديين وكل مَن يساندهم في عدوانهم على اليمنيين.

وموقفنا من الكيان الصهيوني الإستيطاني الغاصب لأرض فلسطين واضح وثابت ولا يتغير..
هذا الكيان الإجرامي الإستيطاني العنصري ليس بديلاً عن دولة فلسطين العربية التي ستعود قريباً بإذنه تعالى على أيدي المقاومين الأكارم..
الكيان الصهيوني الإجرامي لا يقف حائلاً دون عودة فلسطين دولة من جديد تُلغي وجوده غير الشوعي على هذه البقعة من الأرض فحسب، بل هو الدافع والمخطط وقد يكون المنفذ أيضاً لأغلب الجرائم التي تحدث في منطقتينا العربية والإسلامية، لذا لا سلام مع هذا الكيان غير الشرعي البشع بل هي المقاومة التي تُنهي وجوده وتزيله من الوجود..

المقاومة الفلسطينية

إن خيارنا مع هذين الكيانين الإرهابيين الصهيوني والسعودي هو المقاومة التي ستطيح بهما ويحقق الله وعده بالنصر للمؤمنين..
فلا سلام مع للصهاينة ..
ولا سلام مع أذناب الصهاينة حتى يتحقق النصر..

البصرة : 6 ابريل 2021

______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

تجاهل حقيقة “ان الانسان هو العنصر الفاعل في كل مجالات الاصلاح”

كتب : محمد عبد الجبار الشبوط

مازالت الدعوات الاصلاحية والتغييرية التي نسمع اصواتها بشكل مستمر في بلدنا تتجاهل الفاعل الرئيس في الاصلاح والتغيير، وهو الانسان. ان الدعوة الى محاربة الفساد، او الدعوة الى النظام الرئاسي، او الدعوة الى اصلاح الاقتصاد، والدعوة الى اصلاح الخدمات، وحتى الدعوة الى اصلاح الانتخابات، كل هذه الدعوات تتجاهل حقيقة ان الانسان هو العنصر الفاعل في كل هذه المجالات، وما لم يتم اصلاح الانسان فليس من المتوقع ان تحقق هذه الدعوات اي نجاح يذكر في مجال الهدف الذي تنادي به.
طبعا استثني من ذلك الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة، لانها قائمة ابتداءً وانتهاءً على  تنشئة الانسان المتحضر الحديث.
واذا كان الانسان هو محور التغيير والاصلاح، اداةً وغاية، فانه يتعين على دعوات التغيير والاصلاح ان تبدأ بتغيير الانسان نفسه.
وهذا يتطلب ان تعكف الدعوات الاصلاحية والتغييرية على دراسة طبيعة الانسان ونفسيته والعوامل المؤثرة في سلوكه ومواقفه.

وهذا يحيلنا مرة اخرى الى الاية القرانية المفتاحية في موضوعنا وهي اية التغيير الواردة في سورة الرعد والتي تقول: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”، ومفادها كما هو ظاهر من نصها ان التغيير الاجتماعي لا يتحقق الا بالتغيير النفسي. وتغيير المحتوى النفسي يشتمل على عنصرين هما الفكر والارادة. 
يتوقف النجاح في تحقيق التغيير على صياغة سلوك الانسان في مجال علاقاته الاجتماعية وعلاقاته الطبيعية. فاما علاقاته الاجتماعية فتشمل علاقاته مع الافراد، ومع المجتمع، ومع الدولة ومؤسساتها المختلفة، وغني عن الذكر ان العلاقات الاجتماعية السليمة يجب ان تقوم على اساس الثقة والتعاون والاحترام المتبادل والنزاهة والاشتراك في منظومة قيم اخلاقية وحضارية عليا تضبط سلوك الافراد.فيما تتشكل علاقته مع الطبيعة من استثمارها والحفاظ عليها والتمتع بخيراتها. وغني عن الذكر ايضا ان العلاقة مع الطبيعة تقوم على اساس العلم التراكمي بالتجربة وغيرها، والعمل سواء الفردي او الجماعي (التعاون). 
وهذا كله يتوقف على الاتجاهات السلوكية العامة التي يؤمن بها الافراد وعلى اتفاقهم حول منظومة قيم عليا تتحكم بهذه الاتجاهات. ونسمي كل هذا بالثقافة السائدة في المجتمع. ومن هنا يأتي القول بالدور الكبير الذي تمارسه الثقافة في صياغة سلوك الفرد ونمط علاقاته الاجتماعية وعلاقاته مع الطبيعة.

وتوصلنا هذه المقدمات الضرورية الى القول بان العمل الاصلاحي والتغييري في اي مجال هو عمل ثقافي في المقام الاول سواء كان مجال الاصلاح السياسة او الاقتصاد او الادارة او الخدمات او الاجتماع او الدين او اي مجال اخر. والثقافة لا تعني فقط قراءة الكتب كما هو معروف، وانما تعني، كما قال تايلور في بداية كتابه “الثقافة البدائية” الصادر عام 1871  “ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع”، وهذا كله مما يؤثر في الاتجاهات والانساق السلوكية للفرد. ومعروف ان الانسان يكتسب هذا في البيت والشارع والمسجد والمدرسة والاعلام و التواصل الاجتماعي. واذا كان من الصعب التحكم بالبيت والشارع فان ذلك ممكن في المسجد والمدرسة. ومن هنا جاءت اهمية ان تنطلق العملية التغييرية من المسجد والمدرسة بعد ان تتبنى هاتان المؤسستان الاجتماعيتان المهمتان منظومة القيم الاخلاقية العليا الصانعة للاتجاهات السلوكية التي يتطلبها التغيير والاصلاح.

ومن هنا ايضا ارتبطت الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة في العراق بالدعوة الى تنشئة الاجيال الجديدة على منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري المجسدة للثقافة الجديدة المعتبرة شرطا في التغيير.

_____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

الأحزابُ لنتنياهو : كيفَ نصدقُكَ وهذا أثرُ فأسِكِ؟

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

أغلقت الصناديق وانتهت الانتخابات الإسرائيلية الرابعة، ووضعت الحرب الدعائية أوزارها، وسكتت مكبرات الصوت، وتوقفت الحناجر عن الوعود والتعهدات، وسكنت الأحزاب أوكارها، وعادت إلى مراكزها ومقراتها، فقد مضى وقت الغراس وحان وقت الجني والحصاد، وأعلنت النتائج وظهرت الأرقام، فتبين منها أن الواقع لم يتغير، والجمود لم يتبدل، حيث عادت الأوضاع إلى ما كانت إليه، فالاستغلاق محكم، والاستحكام ضيق، والتموضع شديد، والعجز مسيطر، وقد عاد الخاسرون منكسي الرأس، ورجع المنتصرون خائبين بفوزهم الذي جاء مراً وكأنه الهزيمة، مهيناً وكأنه الرهينة.

الكل في حاجةٍ إلى الكل، والكل يريد أن يستغل الكل، والقوي ضعيف إلا أن ينصره الضعيف، والضعيف قويٌ إذا ناصر القوي، ولكن لكلٍ شروطه التي يراها الآخر تعجيزية، وينظر إليها على أنها انتهازية، ولكنه لا يستغنى عنها ولو كانت مذلة، ولا يفرط فيها ولو أنها كالقيد في الرسغ ثقيلة، فالأحزاب الصغيرة على صغرها وضآلة حجمها شديدة التأثير، فهي كالقط المربوط إلى الجمل، والجمل بقرش والقطة بألف، والبيع لا يتم إلا معاً، وعلى القوي أن يقبل بالعرض ولا يعارض، وإلا يطرد ويحرم، فالحاجة كبيرة والمنافسون كثير، و”ذو الحاجة دائماً أرعنٌ” يخضع ويقبل، وإلا فإن غيره سيسبقه ويدفع أكثر ويرضى.

بدا نتنياهو كالفأر داخل المصيدة مذعوراً خائفاً يترقب، يبحث عن شريكٍ ينصره، أو حليفٍ يعاضده، أو مطيةٍ يركبها حتى محطته القادمة، فهو وائتلافه اليميني في حاجةٍ لعشرة أصواتٍ، إذ أن مجموع ما يشكله فريقه بلغ 52 عضواً في الكنيست، لذا فقد توجه فور صدور النتائج الأولية للانتخابات صوب زعيم يمينا نفتالي بينت، وعرض عليه دعم تحالفه مقابل تعهدٍ واضحٍ له بالاستقالة من رئاسة الحكومة بعد سنةٍ من تشكيل الحكومة، لكن نفتالي بينت رفض عرضه وذكره بتحالفه مع بيني غانتس، وكيف أنه غدر به وخدعه، وتخلى عنه بعد أن استفاد منه وعبر به المرحلة.

جدعون ساعر

مال نتنياهو صوب حزب أمل جديد الذي يرأسه خصمه اللدود جدعون ساعر، لكنه لم يخاطب رئيسه لعلمه أنه لن يستجيب له ولن يقبل به شريكاً، وإن كان بعض العالمين ببواطن الأمور يرون أنه أرسل له بن شبات مبعوثاً من طرفه، لكن المعلن أنه خاطب بعض أعضاء حزبه الذين خرجوا للتو من حزب الليكود، وشكلوا مع ساعر حزبه الجديد، وحاول أن يستميل بعضهم ويحرضهم للعودة إلى صفوف الليكود من جديد، مقابل مناصب مكفولة لهم، والتزاماتٍ يقدمها ويقطعها على نفسه، بألا يتحالف مع القائمة الموحدة، وألا يلتزم تجاه زعيمها منصور عباس بأي التزام، لكن أعضاء حزب أمل جديدٍ وقفوا في وجه كالسد المنيع، فرفضوا عرضه، وأصروا على موقفهم الداعي إلى رحيله، فهو بالنسبة لهم كاذبٌ يناورُ، ومنافقٌ يتلونُ، يبحث عن مصالحه الشخصية أولاً، ولو أنها تعارضت مع مصالح دولته وشعبه.

بيني غانتس

أما بيني غانتس الخاسر دوماً المغبون أبداً، الغر الذي استغله نتنياهو وتهكم به واستخدمه، وبَهَّتَ صورته وهمشه، وتسبب في عزلته وأضعفه، فسيستبقيه نتنياهو حتى اللحظة الأخيرة، معتقداً أنه سيقبل بعرضه، وسيتبعه مقابل عظمةٍ جديدةٍ يلقيها إليه، فهو أضعف من أن يصمد، وأكثر ضحالةً من أن يفكر ويخطط، وأشد حاجةً من أن يترفع ويَتَعَزَّزَ ويدعي الكرامة، إلا أن أتباعه الذين ناصروه في ساعة العسرة وأيدوه رغم العثرة، قد قيدوه بالأحكام، وشددوا عليه الشروط والمواثيق، حتى يبقى في معسكر “بديل نتنياهو”، وألا يصدق وعود الأخير الذي غدر به وأحرجه.

إلا أن نتنياهو سيحتفظ بهذه الورقة في جيبه حتى اللحظة الأخيرة، ظناً منه أنه سيربحها، خاصةً إذا وعده بضم حزب القائمة الموحدة “رعام” بزعامة منصور عباس، إذ لا قيمة لغانتس وحده دون القائمة الموحدة، ولا قيمة للأخيرة دون غانتس، فكلاهما معاً يحققان له النصاب المطلوب، ويمكنانه من تجاوز العقبة وضمان الأغلبية البسيطة المؤيدة لحكومته في الكنيست، لكن الرجلين يدركان أن نتنياهو سينقلب عليهما، ولن يلتزم معهما، بل قد يستفيد منهما في تمرير الحكومة والتمديد لنفسه سنةً إضافية، قبل الدعوة إلى انتخاباتٍ خامسةٍ يستغرق الوصول إليها أكثر من سنةٍ، يبقى خلالها رئيساً للحكومة فترةً إضافيةً.

يتساءل العديد من المراقبين الإسرائيليين والمتابعين لمساعي محاولات نتنياهو الحصول على ترشيح رئيس الكيان له بتشكيل الحكومة، هل سينجح في شق الصفوف وتمزيق الأحزاب واختراق الكتل، واستمالة بعض الذئاب المنفردة، أمثال شاشا بيتون وهي الشخصية الثانية في حزب “الأمل الجديد” بعد ساعر، أو رئيس الحزب الصهيوني الديني بتسلئيل سموتريتش، حيث يبدو أنهما الأقرب إليه رغم عدم ثقتهما به.

بدأت أوراق نتنياهو تنفد وبطاقاته الرابحة تحرق، ولم يعد ساحراً ناجحاً يخرج أسراب الحمام من أكمامه، وينتقل من فوزٍ إلى آخر، ويكسب كل معاركه ويخرج منها منتصراً، فقد أصبح مفضوحاً في الساحة الحزبية الإسرائيلية، فلا أحد يصدقه، ولا يوجد من يأمنه، والكل يدرك أنه يتطلع لأن يكون رئيساً للحكومة الإسرائيلية لا أكثر، وقد ينجح خصومه هذه المرة في إسقاطه وسحب البساط من تحت قدميه، فلا يعود مرشحاً لتشكيل الحكومة، أو قادراً على تشكيلها.

فهل انتهى مفعول السحر، وانقلب الأتباع على الساحر وكشفوا لعبته، وأصبح من الصعوبة بمكانٍ عليهم أن يصدقوه وهم يرون أن بوائقه كثيرة وأكاذيبه عديدة، وآثار غدره باقية تتمدد وتتجدد، أم أن لعاب الطامعين سيسيل، وبريق المناصب سينتصر، وطبيعة الانتهازيين ستغلب، وسَيُعَوِّمُ السذجُ البلهاءُ الخبيثَ المكارَ؟

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

العودةُ إلى غزةَ كما فلسطين حقٌ مقدسٌ فمرحباً بالعائدين

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

يعيش قطاع غزة اليوم مشاعرَ متضاربة يسكنها الفرح ويشوبها الحزن، وتعلوها البهجة ويكسوها الألم، وتسوده مظاهر مختلفة تمتزج فيها أهازيج الاستقبال وزغاريد العودة بصيحات الغضب وعبارات السخط، وتتداخل فيها شعارات الترحيب وأغاني الثورة، مع سيلِ الذكريات الأليمة والأحداث المحزنة، لكن الفرحة تطغى، والسعادة تنتصر، والعودة تتحقق، والتعالي على الجراح يكبر، ونسيان ما حدث يسيطر، والعفو عما مضى يتقدم، وباقات الورود تعلو على أكاليل الغار، إذ الفرحة بادية والسعادة حقيقية، وقد طال انتظار هذا اليوم الذي كان سيأتي مهما كانت الأسباب وتعقدت الظروف، فما من وطنيٍ إلا كان يدرك أن الغائب سيعود، والمطرود سيرجع، والخائف سيأمن، والمفجوع سينسى، والمتضرر سيعوض، وستتدافع الأجيال وستتغير الظروف، وستسمر الحياةُ وستمضي سنتها، وسيتفق الخصوم ويلتقي الأنداد.

آن لأهل غزة أن يتجاوزوا الأحداث المريرة وأن يداووا الجراح القديمة، وأن ينسوا مرَّ الأيام وسوداوية الذكريات، وأن يواجهوا حقيقة أننا شعبٌ واحدٌ، نعيش في وطنٍ واحدٍ، وتجمعنا قضية واحدة مشتركة، وأننا أسرٌ مختلطةٌ وعائلات متنوعة، أخوةٌ وأشقاءٌ، وأقاربُ وجيرانٌ، فيها الحمساوي والفتحاوي، والجبهاوي والجهادي، وفيها المستقل وابن التيار وغيرهم، يلتقون فيما بينهم ويتعاونون، ويختلفون ويتفقون، لكن لا يتصارعون ولا يقتتلون، فنحن جميعاً ما زلنا نعاني من الاحتلال ونشكو من الحصار، ونتألم من سياسات العدو العدوانية وغاراته الهمجية، ويحزننا صمت المجتمع الدولي المريب وتآمره المشين وانحيازه المخزي، وأننا جميعاً مهما اختلفنا وتعددنا نتوق إلى يومٍ فيه نفرح ونسعد، وفيه يلتقي جمعنا ويلتئم شملنا، وتتفق كلمتنا ويتحد صفنا، ويستقل قرارنا وتقوى جبهتنا.

أما وقد التئمت الجراح، وسكتت البنادق، وخفتت أصوات الثأر والانتقام، ورضيت النفوس التي عوضت، وقبلت العائلات بالديات التي دفعت، وأسقطت حقوقها وتصالحت، فأهلاً وسهلاً بالعائدين إلى بيوتهم، والراجعين إلى وطنهم، وحق لهم أن يفرحوا بالعودة وأن يسعدوا بحفاوة الاستقبال، فهذا وطنهم الذي لا يساويه وطنٌ ولا تعدله أرضٌ، وتلك بيوتهم ومنازل طفولتهم ومراتع صباهم، وهنا أمهاتهم وأسرهم، وعائلاتهم وأهلهم، وقد طال بُعادهم، وتعسرت رغم السنين عودتهم، وما كان لهذه العودة الكريمة أن تتحقق لولا أصالة أهلنا وعظيم خلق شعبنا، الذي أكرمه الله عز وجل بالصبر ورحابة الصدر، وبالحكمة ورجاحة العقل، فعفا وغفر، وسامح وأسقط حقه، ولان خطابه ورق كلامه، وصفت نفوسه وراقت قلوبه.

لا يَمُنُ أحدٌ على أحدٍ بالعودة، ولا يتفضل فلسطينيٌ على آخر بفتح بوابات الوطن، فالعودة إلى الوطن، كله أو بعضه، حقٌ مقدسٌ يكفله القانون وترعاه النظم، وكما هو بالنسبة لللاجئين الفلسطينيين حقٌ فرديٌ مقدسٌ، لا يُفقَدُ ولا يسقط بالتقادم، ولا تمنعه سلطة ولا يحده قانون، فالعودة إلى أي بقعةٍ من الوطن مكفولةٌ محفوظة، بل مصانةٌ ومحروسةٌ، ويحق لكل فلسطيني أن يمارس حقه بالعودة متى شاء، والقانون يحمي من أراد العودة، وييسر له سبلها، ويكفل بقوته وسيادته أن يشمله العفو الذي يخصه، وأن يطاله الصفح العام الذي صدر، اللهم إلا من جريمةٍ جديدةٍ أو مخالفةٍ أخرى.

ما أجمل غزة اليوم وقد لبست حلةً من الطيب والصفح، والصدق والعفو، وازدانت بالرضا والقبول والفرح والسرور، والبهجة والأمل،واستبشرت بغدٍ أجملَ ومستقبلٍ أفضلَ، سعادةً بأهلها العائدين وشبابها الوافدين، وأملاً في مستقبلٍ أبيض لا أسود، مشرقٍ لا معتم، فيه يتعاضد الفرقاء ويتفق الأنداد خدمةً لشعبهم وحرصاً على أهلهم، وتنافساً في خدمة مناطقهم ورفعة مواطنيهم.

تعالوا بنا اليوم نفرح ونحن نفتح بوابات غزة المحاصرة لأهلها، ونفتح أذرعنا الحانية لأهلنا، ونقول لعدونا أننا يوماً إلى أرضنا سنعود، وسنحطم الأغلال ونفتح الحدود ونكسر السدود، ونوحد الأرض ونجمع الشعب كله، ومعاً سنفرح بالعودة وسنجللها بصلاةٍ جامعةٍ في المسجد الأقصى المبارك، نجمع فيها شتاتنا الكبير، ونكون فيها صفاً واحداً خلف إمامٍ حاكمٍ عادلٍ واحد.

ما أعظمها غزة اليوم وهي ترسم لأبناء الوطن وشركاء الأرض صورةً ناصعةً حقيقية، لا كذب فيها ولا تدليس، ولا خيلاء فيها ولا كبرياء، ولا غطرسة ولا غرور، بل رحمةً وتعاطفاً، وتواداً وتسامحاً، تثبت فيها أن صوت العقل هو الغالب، ورأي الحكماء هو السائد، وتعيد راضيةً إحياء سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، فتقول لبعضها من منطلق القومة والتمكين صادقةً واثقةً، اذهبوا فأنتم الطلقاء، فلا ثأر ولا انتقام، ولا غدر ولا خيانة، ولا تآمر ولا مناورة، ولا تخوين ولا تكفير، ولا إقصاء ولا حرمان، ولا طرد ولا تجريد، وإنما تعاونٌ وتعاضدٌ، وتنافسٌ وسباقٌ تجاه الخير العام ونحو الأفضل المنشود، إذ هذا ما ينتظره شعبنا وما تأمله منا أمتنا.

غزة أيها السادة جميلةٌ بصورتها، زاهيةٌ بتسامحها، رائعةٌ بتعاونها، عظيمةٌ بانتصاراتها، شامخةٌ بثباتها، قويةٌ بصمودها، عزيزةٌ بإبائها، فحافظوا اليوم على صورتها المهيبة، ودعوا العالم كله يتغنى بها ويفرح لها، فاحضنوا العائدين، وأكرموا الوافدين وبشوا في وجوههم، ولا تقطبوا الجبين غضباً ولا تنظروا إليهم شزراً، فمن عفا لا يرجع، ومن سامح لا يغدر، ومن أصلح لا يفسد، ومن أبرم اتفاقاً لا ينكث، فقد أعطينا العهد وقطعنا الوعد، ونحن خير من يفي بالعهود ويحفظ الوعود، فأهلاً وسهلا بالعائدين، ومرحى بهم إخواناً لنا متقابلين، وكلنا أملٌ بالعودة الكبرى والرجوع العظيم إلى فلسطين التاريخية، الأرض والوطن، الحق والتاريخ، والوعد المقدس الأكيد.

_______________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اليوم الوطني للصمود..اليمنيون هم أهل القوة والعزم والشجاعة

كتب : أياد الامارة

*اليوم الوطني للصمود* صمود الشعب اليمني الأبي أمام تحالف العدوان الوهابي السعودي التكفيري الذي يخطط له ويرعاه الصهاينة والأمريكان للإمعان في إذلال المنطقة وإستعبادها وسلبها إرادتها..
في السادس والعشرين من شهر آذار/مارس عام (٢٠١٥) وقف اليمنيون بقوة وعزم وشجاعة وإصرار لردع الكفر الوهابي السعودي ومَن احتشد معه على رمال الذهن الخالي القاحلة وقالوا انه “الحزم” وما استطاعوا له سبيلا بكل أعدادهم الذين جمعوهم من كل حدب وصوب هزيل وبكل عدتهم وما فيها من اسلحة ثقيلة فتاكة، ما استطاعوا للحزم سبيلا أمام اليماني المغوار الذي عاش حراً ابي الضيم يتنفس العزة والكرامة مرفوع الرأس.

انصار الله

اليمانيون هم أهل الصمود الذي أرعب الأعداء منذ العام (٢٠١٥) وإلى يومنا هذا، وقالها الإمام الخامنئي “دام ظله الوارف” بعد ايام قليلة من بدأ العدوان بأن اليمنيين سيمرغون أنف السعودية بالتراب، وفعلوها فعلاً..
هناك في أرض العقيق الأحمر شيدت الجباه السمر صرح المجد ونصبت فوقه راية “اليماني” المنتصرة التي ستمحق الفسق والفجور والآثام والظلم والعدوان وتملأ الدنيا قسطاً وعدلا تحت راية إمامنا الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف وأرواحنا لتراب مقدمه فداء.

اسير سعودي

في اليوم الوطني للصمود نقف نحن الذين يبهجهم نصر اليماني العظيم نقف من مواقعنا لتحية هذا الصمود الكبير..
نقف لتحية شهداء هذا الصمود جميعاً وفي مقدمتهم الشهيد الصامد ابو الفضل صالح الصماد رضوان الله عليه..
في اليوم الوطني للصمود نقف لتحية صمود المقاومة في كل مكان في فلسطين ولبنان وسورية والعراق والبحرين لأن هذا الصمود بعضه من بعض..
نقف لتحية كل شهدائه وفي مقدمتهم الشهداء العماد مغنية والتقي حميد تقوي والخراساني السليماني والجمال الرافديني المهندس رضوان الله عليهم.

قاصف 2K

وأكرر قولي في هذه المناسبة الكريمة بأن الدرس من اليمن من صمود هذا الشعب العظيم..
من هناك من الجبل اليمني الصوان يكون الدرس بأن العزة لله جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب وعمل المقاومة “الصالح” يرفعه.
علينا أن نُدرك ونتعلم من أن مقاومتنا هي طريق عزتنا ومن خلالها نحقق آمالنا وطموحاتنا ولا سبيل لنا بحياة حرة كريمة إلا بهذه المقاومة..
علينا أن نكون مقاومين بعقولنا وقلوبنا، ببنادقنا  وألسنتنا وأقلامنا ولا تأخذنا في الله لومة لائم.

البصرة : 26 مارس 2021

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

في زمنِ التطبيعِ سوقُ المرأةِ الإسرائيليةِ ينشطُ ويزدهرُ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

كأنهنَّ انطلقن من عقالهن، أو فلتن من زمامهن، وخرجن من محشرهن، فرادى وزرافات، كاسياتٍ وعارياتٍ، متبرجاتٍ ومزيناتٍ، جميلاتٍ ومُتَجمِّلاتٍ، فتياتٍ قاصراتٍ، وشاباتٍ يافعاتٍ، وأخرياتٍ ناهزن الثلاثين واقتحمن الأربعين، وغيرهن ومثلهن كثيرات، خرجن بسرعةٍ وعلى عجل، ودون انتظارٍ أو وجلٍ، يسابقن الزمن ويُراهِن على الغد، وجمع الأموال والعد، وقد حزمن أمتعتهن، وصررن ثيابهن، وحجزن رحلتهن، وضَمِنَّ غرفهن في أفخم الفنادق وأجمل المدن، وأبعد الدول وأقربها، فهذا هو موسمهن وسوقهن، وهو عملهن الرائج ومهنتهن القديمة، يُتْقِنَّهَا بدقة، ويُحْسِنَّ العمل فيها بسعادة، ويتنافسن فيها بغنجٍ ودلالٍ، وقد عملن في بلادٍ كثيرة، لكنهن كُن يَتُقْنَ للعمل في الدول العربية، الغنية النفطية، المزدهر اقتصادها، العامرة كازينوهاتها، والجاذبة مراقصها، الكثيرة زوارها، الوافرة أموالها.

لم تكد بعض الدول العربية توقع اتفاقية سلامٍ مع الكيان الصهيوني، وتعترف به وتباشر التطبيع معه، وتبدأ الرحلات الجوية المباشرة بينهما، حتى شدت المرأة الإسرائيلية بهويتها وجواز سفرها الإسرائيلي، الرحال صوبها تنشد العمل والاستثمار بجسدها ومواهبها فيها، وقد سبقها إليها رجالُ أعمالٍ ومديرو عمل فناناتٍ وراقصاتٍ إسرائيلياتٍ، ممن يعرفون الأسواق العربية، ويفهمون أذواقهم ويعرفون اهتماماتهم، ويستطيعون تلبية احتياجاتهم وتوفير طلباتهم، بل وإغراقهم بالجديد والغريب الذي يستطيب به بعضهم ويسعى إليه، ولعل الإعلانات التي انتشرت عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة، تبين أن الفرق الفنية الإسرائيلية قد بدأت بالفعل مشروعها الرسمي والمعلن، حيث تظهر الأسماء والعناوين والهواتف، والصور والقدرات والمميزات، بصورةٍ واضحةٍ وصريحةٍ لمن يرغب في المشاهدة والاستمتاع.

لسن كلهن بائعات هوى، وساعيات للربح والاستفادة المادية، وإن كُنَّ لا يمانعن من الاستمتاع والاستفادة والربح، ولكنهن يتسترن بالبغاء وحقيقتهن العمالة، ويظهرن وكأنهن فنانات أو راقصات، وهن عاملات في الموساد والمخابرات الإسرائيلية، إنهن مجنداتٌ في الوحدات الخاصة، ومكلفات بمهامٍ سرية، وناشطاتٌ في الأمن الإسرائيلي، وإن ظهرن كمومسات تحت مسمياتٍ مختلفةٍ، تماماً كوزيرة الخارجية الأسبق تسيفني ليفني التي تتباهى بأنها استخدمت جسدها في مهامٍ خاصة، ومارست الجنس تسهيلاً لعملها وضماناً لحسن النتائج، فلم تمنعها مكانتها وشخصيتها عن ممارسة الدعارة حيناً، أو العمل نادلة في أحد المطاعم حيناً آخر، طالما أن الهدف كان لديها خدمة “دولة إسرائيل وشعب إسرائيل”.

وجدت المرأة الإسرائيلية أن الآفاق العربية قد فتحت أمامها هذه المرة بطريقةٍ مختلفة، فقديماً كُنَّ لا يستطعن تجاوز مصايف ومنتجعات سيناء وشرم الشيخ والغردقة، ولا يسمح لهن بالخروج من الفنادق إلا ضمن مجموعاتٍ خاصةٍ وفي ظل حمايةٍ ومرافقةٍ أمنية، وبعلم السلطات العربية وتنسيق وموافقة السفارة الإسرائيلية، ولكنهن اليوم يستطعن دخول مدناً عربية كثيرة، والإقامة في فنادقها، والعمل فيها رقصاً واستعراضاً، وسهراً وقماراً، وغير ذلك مما كن يحلمن به، وأصبحن يستطعن نسج علاقاتٍ خاصة، بعضها غرامية بقصد التكسب والمنفعة، وأخرى مقصودة ولها أهداف محددة، ولكنها تغلف بعلاقاتٍ غرامية وسهراتٍ فنيةٍ ولقاءاتٍ خاصةٍ، وقد يكون بالقرب منهن من يوجههن ويتابعهن، ويرشدهن ويحميهن.

لا تقف المخابرات الإسرائيلية وخاصة جهاز الموساد متفرجةً أمام الانفتاح الجديد والتطبيع الحميم، بل تعتبر أن هذه التطورات هي من صلب عملها، وهي تصب في تخصصها وتساعد على تنفيذ مهامها وتسهيل عملها، وهي فرصتها السانحة وضالتها المنشودة، لهذا فلا نستغرب أنها من ينظم سفر المرأة الإسرائيلية، ومن ينسب الأسماء وينسق المواعيد، ويحدد لها الزبون ويطلب منها المهمة، وهو من يصدر لها بطاقات التعريف وتسهيل العمل والانتقال، لتصبح مهمتها سهلة وممكنة، ولتكون شخصيتها مقبولة ومأمونة، ليسل على الفريسة الوقوع في الفخ، والاطمئنان إليها والعمل معها، ولعل أروقة المخابرات المصرية وملفاتها الخاصة تحتفظ بالكثير من الحوادث والقصص التي كانت المرأة الإسرائيلية، عميلة الموساد الإسرائيلي بطلتها، ولكن السرية الأمنية تمنع نشر قصصهن وفضح مغامرتهن.

يخصص الموساد أقساماً خاصة بوحداتٍ تخصصية، مزودة بكل الإمكانيات والقدرات، ولديها الكثير من البيانات والمعلومات، وفيها مراكز للتدريب والتأهيل، لتسهيل عمليات اختراق الأوساط العربية من خلال المرأة الإسرائيلية، التي تشارك في مثل هذه الأعمال بعد خوضها مسابقاتٍ رسميةٍ تعلن عنها إدارة الموساد، وتضع الشروط المطلوبة في المرأة المرشحة، لجهة السن واللون، والشكل والجمال، والجاذبية والحضور، والثقافة واللغة، لتتمكن من أداء الأدوار المطلوبة منها على أكمل وجه، فالمطلوب منها توريط شخصياتٍ كبيرة وربط أخرى هامة، وتجنيد العملاء وجمع المعلومات ورصد الأهداف، وبث الرذيلة ونشر الفاحشة، وإفساد المجتمع وتخريب الجيل، ليتسنى لهم السيطرة والتحكم، والتوجيه والإدارة.

انتبهوا أيها العرب، زواراً ومواطنين، رجالاً ونساءً، حكاماً ومسؤولين، فقد أصبحتم قريبين من الفخاخ الإسرائيلية، وعلى تماسٍ مع الفتنة الأمنية، فلا يغرنكم الجمالُ، ولا تطمس على عيونكم المتعة، ولا تسقطوا فريسة الفتنة، فأنتم الهدف المقصود صيده، والعميل المطلوب الإيقاع به وربطه، فاحذروا العدو وتصدوا له، وأغلقوا الأبواب في وجهه، وضيقوا الفرص أمامه، واعلموا أنه يعمل ضدكم ويخطط للنيل منكم، ولا يظهر لكم الود إلا للوصول إليكم والتواصل معكم، ولا سبيل لمواجهته والتصدي له، وإفشال مخططاته وإحباط مشاريعه، إلا بإعلان الحرب عليه ومقاطعته، ورفض الاعتراف به ومواجهته، فهذا لعمري هو أيسر السبل وأهونها، وأكثرها أمناً وسلامةً، وستعلمون حقيقة ما أقول ولو بعد حينٍ فانتبهوا.

بيروت : 26 مارس 2021

__________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

لماذا يسمح القادة العراقيون للاميركيين بالتدخل في شؤون بلادهم؟

كتب : محمد الياسري

تتواصل الانتهاكات الاميركية للسيادة العراقية بشكل اكثر واكبر حتى باتت تطالب بانتخابات تفرز قوى تملي عليها واشنطن ما تريد بشكل معلن وفاضح لكل القيم الوطنية.

السفير الاميركي في بغداد ماثيو تولر ، قال “نريد اشراك المراقبين الدوليين في الانتخابات المبكرة حتى لاتتكرر تجربة 2018 وتفوز قوى تؤثر عليها ايران في البرلمان”، أي ان السفير الاميركي يريد عملاء وادوات وعبيد في البرلمان المقبل، ينفذون ما تطلبه واشنطن منهم غير ابهين بمصير الشعب العراقي.

والغريب في الامر ان تصريحات تولر جاءت بعد اجتماعه مع احد قادة الكتل السياسية في العراق، والاغرب منه ان اصحاب القرار في بغداد لم يعلقوا على البيان اطلاقا باستثناء المقاومة التي ردت على تولر ووصفت بيانه بالخبيث وطالبت الحكومة والبرلمان بأتخاذ اقصى التدابير الدبلوماسية الفورية ازاء الاستفزازات الاميركية. 

اميركا راعية الفوضى في العراق وحامية الفاسدين المطلوبين للقضاء العراقي تشكك بنتائج الانتخابات منذ بدايتها اذا كانت لاتسير وفق رغباتها لتستخدم بذلك نمط الثورات الملونة كالثورة البرتقالية في اوكرانيا.

التركيز على الاشراف الاممي على الانتخابات يعني التلاعب باصوات واراء العراقيين وتغييرها نحو المسار الاميركي او مقاطعة الانتخابات في حال تيقنت واشنطن من اخفاقها في تغيير النتيجة وبالتالي الاستمرار بالتصعيد وهو المشروع الاخطر والدخول في النفق المظلم ما لم تتكاتف القوى السياسية وتتوحد في قراراتها وتجبر السفير الاميركي على الالتزام بالاطر الدبلوماسية.

والسؤال هنا: هل تسكت واشنطن لو ابدى السفير العراقي لدى واشنطن رأيه في الانتخابات الاميركية او فضل حزبا على اخر؟ الم تتهم اميركا روسيا بالتلاعب بنتائج الانتخابات وفرضت عليها عقوبات فضلا عن خطابات مشحونة بالاتهامات تجاه موسكو بعد انباء عن تدخل روسي بالانتخابات الاميركية ولم تثبت لغاية الان صحة تلك الادعاءات؟

لماذا يسمح القادة السياسيون في العراق للاميركيين بالتدخل في الشأن العراقي؟ 

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

ارتفاعُ الأسعارِ بين جشعِ التجارِ والدعوةِ إلى الانتحارِ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

ارتفاع الأسعار ظاهرةٌ يشكو منها كل الناس، وتعاني منها كثيرٌ من الشعوب، العربية والإسلامية والغربية على السواء، فهي ظاهرةٌ عالمية، لا تعرف الحدود، ولا تعترف بالخصوصيات، ولا تقف عند دولةٍ وتجتاح أخرى.

بل إنها أصبحت ظاهرة معدية، تنتقل عدواها بسرعةٍ فائقة، وتحملها منتجاتٌ عدة، يحتاج إليها جميع الناس، ما يجعل انتقال العدوى سهلاً وممكناً، وسريعاً وإيجابياً، فهي تنتقل عبر المواد الغذائية، والسلع الاستهلاكية، وتنتقل أيضاً عبر السيارات والكماليات، وبواسطة الأدوية والملابس، وتنقلها أجهزة الهاتف ووسائل الإتصال الحديثة، وغيرها الكثير من الوسائل الفاعلة والنشطة، التي لا تجدي معها كل وسائل الحماية والوقاية، إذ أن أسعارها في ارتفاعٍ دائم، فلا تتوقف عند حد، ولا تتراجع كرامةً لأحد.

وهي ظاهرةٌ يشكو منها الأغنياء كما الفقراء، وإن كانوا أقدر من غيرهم، وأحسن حالاً من سواهم، إلا أن أحداً لا ينجو منها، ولا يقوى على شعبٌ على تجنبها، ولا تستطيع الدول أن تحصن نفسها منها إلا بصعوبةٍ بالغة، وعبر إجراءاتٍ كثيرة، وخطواتٍ معقدة، ووسائل حماية مبتكرة، وتشريعاتٍ وقوانين مشجعة، وأنظمة اقتصادية رحيمة، تنأى بنفسها عن الأنظمة الرأسمالية المتوحشة، التي لا ترحم فقيراً، ولا تحنو على ضعيف، ولا تساعد محتاج، ولا تقف إلى جانب محرومٍ معدم، أو عاطلٍ لا يعمل، ولا يهمها من الإنسان إلا ما يدفع، في الوقت الذي تغرقه بكمالياتها واغراءاتها التي تضره وتنفعها، وتفقره وتغنيها، وتجعل منه طيلة حياته، عبداً أجيراً يعمل لسداد ما عليه من ديون، أو دفع ما ترتب على شرائه من أقساط، وينقضي العمر ويفنى، ولكن لا تنتهي الأقساط والديون ومتطلبات الحياة المسعورة.

لا أرغب هنا في هذه العجالة أن أعالج أزمة ارتفاع الأسعار عالمياً، ولا مناقشة أسبابها، والتعرف على دوافعها، ومن المحرك لها، ومن المستفيد منها، إذ أنها ظاهرة تستعصي على الدراسة، ويعجز المحللون عن فهمها، وإن ادعوا أنهم يعرفون أسبابها، ويدركون منطلقاتها، ويضعون المعادلات الرياضية والمنطقية لها.

ظاهرة ارتفاع الأسعار مشكلة لا تخضع لقوانين، ولا تحركها قواعد، ولا تسيرها أنظمة، إنما تشغلها نفوسٌ شرهة، وقلوبٌ متحجرة، ووحوشٌ اقتصادية ضاريةٌ متوحشة، تحركها منافع فردية، ومكاسب شخصية، ولا يهمها غير ذاتها، وما تحققه من مكاسب، وما تزيده في أرصدتها وحساباتها البنكية، التي تزداد وتتضاعف في متواليةٍ هندسيةٍ لا تتوقف ولا تشبع، علماً أن أرصدتهم الخرافية هي من جيوب الفقراء، ومن قوت المعدمين، ومن دماء وعرق الشعوب الكادحة.

ما يهمني هنا هو المواطن العربي الفقير في بعض الدول العربية، الذي ينتظر بشغفٍ وترقب نهاية كل شهرٍ، لينعم أياماً معدودة براتبٍ لا يكفيه وأسرته، ولا ينفعه وأولاده، ولا يكاد يلبي جزءاً من حاجاته ومتطلباته، في ظل تدني الرواتب والأجور، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وتفشي ظاهرة البطالة وندرة فرص العمل، وارتفاع الأسعار الكبير، وحالة الغلاء الفاحش التي تطال كل شئ، ولا تستثني سلعة، ولا تتجاوز منتجاً.

كثير من المواطنين العرب في أغلب البلاد العربية، باستثناء بعضهم التي تمتاز بلادهم بقلة عدد السكان، الذين لا يزيدون في بعضها عن عدد سكان مدينة أو مخيمٍ فلسطيني، بالإضافة إلى ثراء بلادهم، وغناها بالنفط والغاز والذهب، واستقرار عملاتهم الوطنية، فإن الآخرين يعيشون ضائقة في حياتهم، ويعانون في عيشهم، ويشكون من عدم قدرتهم على شراء حاجاتهم اليومية، أو تحسين ظروف عيشهم البسيط، سواء فيما يتعلق بمساكنهم وأثاث بيوتهم، أو في ما يؤدي إلى النهوض بمستوى عيشهم العام.

في بيوتنا العربية، وأسرنا الصغيرة والكبيرة، نجد عائلاتٍ كثيرة لا تعرف مذاق اللحوم إلا مرةً في الشهر، وأحياناً تمر على بعضهم الشهور ولا يطبخ في بيوتهم لحم، يشتهونه لكنهم لا يشترونه، يوفرون من مصروفهم ليشتروا منه أقل القليل مما يلون طعامهم ويغير مذاقه، رغم أن أغلب مشترياتهم بالدين، أو على الدفتر، التي تتراكم فلا يقوى الراتب على سدادها، ولا تقوى برامج الحمية والتقنين على القضاء عليها.

ومن العائلات العربية من تورث أبنائها وأحفادها الثياب والملابس، التي يلبسها الآباء والأولاد والأحفاد، فهي لا تهترئ لأنها لا تكوى، ولا تبلى لأنها لا تغسل بالمنظفات الصناعية، لعدم قدرة بعضهم على شرائها، فيكتفون بغسلها بالماء، أو ببعض المنظفات البسيطة، التي تذهب الرائحة، وتحافظ نسبياً على اللون، ولكنهم يتدخلون فيها تضييقاً وتوسيعاً، وتطويلاً وتقصيراً، لتلائم الجميل، وتناسب كل مستعملٍ لها.

كثيرةٌ هي العائلات العربية التي لا تشتري الفواكه إلا الرديئة منها، في الوقت الذي لا تعرف مذاق أو نوع الكثير منها، ولا تغير أثاث بيتها إلا إذا وجدت آخر مستخدماً بسعرٍ بسيطٍ، أو يرغب صاحبه في التخلص منه، فيمتلكه من ينقله، ويحوز عليه من ينزله من مكانه.

أما الأطفال فعلى الرغم من أنهم لا يفهمون الأسباب، ولا يتفهمون الظروف، ولا يقبلون بالأمر الواقع، إلا أنه يبدو أنهم قد أقروا بالأمر الواقع، واقتنعوا بأن الكثير مما يرون ليس للطعام ولا للشراب، وليس للشراء والاقتناء، إنما هو زينةٌ فقط، يمتعون عيونهم بالنظر إليها، ويوهمون أنفسهم بالاستمتاع بمذاق بعضها خيالاً، كطفلٍ يرغب في شرب عصيرٍ، فأراه يشرب كميةً من الماء بشراهةٍ كبيرة، ثم يتبعها بجرعةٍ من عصيرٍ، ليبقي على الطعم، ويوهم نفسه أنه شرب عصيراً لا ماءً.

ثم يتساءلون لماذا تثور الشعوب العربية، ولماذا تنتفض، ولماذا تخرج على حكوماتها، وتتظاهر ضد أنظمتها، ويضعون المتاريس ويغلقون الشوارع والطرقات.

يتجاهلون أن حكوماتهم هي سبب انتفاضاتهم، وأنظمتهم هي التي تدفعهم للثورة، عندما يرون أن السلطات الحاكمة تنهب خيرات البلاد، وتسرق قوت العباد، وتجلد ظهور الناس، وتكمم الأفواه، وتقيد الأيدي.

وتتهمهم بأنهم مأجورين ومندسين وإرهابيين أو مدمنين، إذا طالبوا برغيفِ خبز، أو بعض طعام، أو إذا تطلعوا إلى وظيفةٍ وسألوا عن عمل، أو إذا تجرأ أحدهم ونصب على الطريق بسطةً فيها خرضوات للبيع لا أكثر، أو فواكهه وخضارٍ لا تشترى، أو إذا تطور فكرهم، وتنور رأيهم، فطالبوا برفع الأجور، والحفاظ على الدعم، وعدم تخيفض العملة الوطنية، أو الاستجابة إلى شروط البنك الدولية.

حق لهؤلاء الفقراء أن يثوروا، ووجب على حكوماتهم أن تتنحى بإرداتها، أو أن تسقط بالقوة رغم أنفها، أو أن تحارب فسادها، زتتوقف عن سرقاتها، وتعيد للمواطنين كرامتهم، وتوفر لهم لقمة العيش الكريمة والحياة الهانئة البسيطة.

____________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

دبلوماسيةُ اللقاحاتِ الإسرائيليةِ ابتزازيةٌ وغير إنسانيةٍ

كتب : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

رغم أنها غير مصنعة لأيٍ من لقاحات كورونا، ويلزمها مئات الآلاف منها لتلقيح شعبها ووقاية مجتمعها، والخروج من أزماتها، وإعادة تنشيط قطاعاتها الاقتصادية ومرافقها العامة، وفتح المجال أمام تشغيل المطارات وعودة السياحة وفتح الأسواق، وإعادة الثقة بمؤسساتها السياسية والصحية، إلا أنها باتت تتحكم في سوق اللقاحات الدولية، ولديها القدرة على عقد صفقات وإبرام اتفاقيات مع العديد من دول العالم، وذلك من خلال علاقاتها القوية مع الشركات المصنعة للقاح كورونا، ومساهماتها المالية والعلمية في انتاجها، وفائض المخزون لديها، الأمر الذي يجعلها قادرة على التحكم في لقاح كورونا المتعدد الأنواع بالطريقة التي تريد، والاستفادة منه سياسياً وأمنياً واقتصادياً في تحقيق بعض أهدافها التي كانت مستعصية، وباتت مع لقاح كورونا ممكنة وسهلة.

لا تعتمد إسرائيل المعايير الأخلاقية ولا القيم الإنسانية في التعامل مع الدول الأخرى فيما يخص مضادات فيروس كورونا، في الوقت الذي تدعو فيه منظمة الصحة العالمية إلى تخصيص ميزانيات دولية لتغطية نفقات تزويد الدول الفقيرة باللقاح، تحرص حكومة الكيان الصهيوني ورئيسها بنيامين نتنياهو على استغلال الحاجة إلى العقاقير المضادة، واستخدامها في تطويع الدول وإخضاع الحكومات، وإرغام الهيئات والأشخاص على التعامل معها، والاستجابة إلى شروطها، وتنفيذ ما تطلبه منهم، سواء بما يخدم المشروع الصهيوني وكيانهم بصورة عامة، أو بما يخدم بنيامين نتنياهو في معركته الانتخابية القادمة، التي يطمح فيها أن يكسر القيود الحزبية التي كبلته في الدورات الثلاث الماضية.

بعد أن غطت حكومة الكيان الصهيوني حاجتها من العقاقير، ولقحت طواقمها الطبية والمرضى والمسنين فيها، ومستوطنيها وجيشها، والأجانب المقيمين فيها والعاملين عندها، التفتت إلى الدول العربية والأخرى الدولية الفقيرة، التي تعاني من العجز المالي والحاجة الصحية، ومن بينها السلطة الفلسطينية، تبتزها وتضغط عليها، وتفاوضها وتشترط عليها، مقابل كمياتٍ من العقاقير تمنحها إياها، أو أخرى تسهل عليها استلامها من المصدر المصنع، فتدفع عنها أو تيسر شروط نقلها إليها.

لم يبد الإسرائيليون خجلاً من سياستهم، ولم ينفوا الأخبار المتناقلة عن محاولات الابتزاز غير الإنسانية التي يمارسونها، بل بلغ الأمر ببعض الإسرائيليين أن عبروا عن استيائهم من سياسة رئيس حكومتهم، الذي بات يستخدم المعاني الإنسانية والقيم الأخلاقية في خدمة مشروعه الشخصي، الذي برر أفعاله الدنيئة بأنه يتصرف في الجرعات الفائضة عن الحاجة، وقد ذكر ديوانه الحكومي أن وزارة الصحة فيها أكثر من سبعة ملايين جرعة مزدوجة، مقدمة من ثلاثة شركات أمريكية وألمانية، ولهذا تتصرف الحكومة بالجرعات الفائضة.

وضعت الحكومة الإسرائيلية أولوياتها فيما يتعلق بدبلوماسية اللقاحات، فأعلنت استعدادها تزويد الدول التي تنوي نقل سفاراتها من تل أبيب إلى مدينة القدس، أو تلك التي تعترف بالقدس عاصمةً للدولة العبرية، وجاء في مقدمتها دولة هندوراس التي تسلمت خمسة آلاف جرعةً دفعةً أولى، وستليها غواتيمالا وتشكيوسلافيا مقابل استعدادهم نقل سفارة بلادهم إلى مدينة القدس، علماً أن الدول الثلاثة سبق لها أن اعترفت بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ونقلت سفاراتها بالفعل إليها.

ومن جهةٍ أخرى نشطت الدبلوماسية الإسرائيلية في تحريك قنوات الاتصال مع بعض الدول العربية والإسلامية، وأبدت استعدادها لتقديم ما تحتاجه من لقاحاتٍ وخبراتٍ في مواجهة كورونا، ولكنها استغلت المساعدات الطبية في تحريك ملف الحوارات المباشرة، وإمكانية توقيع اتفاقيات سلامٍ جديدةٍ مع تل أبيب، أسوةً ببعض الدول التي وقعت واعترفت بكيانهم، وقد شعر نتنياهو أن سياسته أثمرت شكراً واتصالاتٍ مبشرة، تبشر بعلاقاتٍ ثنائية رسمية وعلنية.

وبغض النظر عن مدى صدقية المعلومات، إلا أنها تصب في ذات السياق غير الأخلاقي، فقد نجح نتنياهو في استعادة شابةٍ إسرائيلية كانت معتقلة في دمشق بعد تجاوزها للحدود السورية، مقابل عدة آلاف جرعة من لقاح “سبوتنيك في”، قام بأداء ثمنها إلى الشركة الروسية المصنعة، على أن تقوم بتوريدها إلى سوريا، حال وصول الشابة الإسرائيلية إلى موسكو قادمةً من دمشق.

وبالمقابل تمتنع الحكومة الإسرائيلية عن تزويد السلطة الفلسطينية باللقاح، إلا إذا تعهدت أو الدول المانحة بتغطية تكاليفها، وتشترط عليها إضافةً إلى ذلك الالتزام ببعض الشروط السياسية والأمنية التي تحاول فرضها على الفلسطينيين بالقوة، مقابل منحهم بعض الجرعات الفائضة لديهم، وكانت في وقتٍ مبكرٍ قد ربطت تعاونها مع السلطة الفلسطينية في مواجهة أزمة كورونا، بعودة الأخيرة إلى التنسيق الأمني المشترك.

أما بالنسبة لقطاع غزة المحاصر إسرائيلياً، فإن الحكومة الإسرائيلية تشترط تزويد أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين فيه، أو السماح بوصول الهبات والمساعدات الطبية إليهم، بالحصول على معلومات عن جنودها المفقودين في القطاع، أو بالإفراج عنهم مقابل حصولهم على اللقاحات المضادة.

على الرغم من اعتراض بعض المسؤولين الإسرائيليين على سياسة نتنياهو، حيث وصف بعضهم ما يقوم به نتنياهو بأنه تجارة غير أخلاقية، وأنه يتصرف في الأموال التي يدفعها الشعب ضرائب، وكأنه ملكٌ يملك حرية التصرف وليس رئيس حكومةٍ مسؤول، فيوزعها هباتٍ وهدايا كما يريد، إلا أن معارضتهم تصنف ضمن الكيد الحزبي والمناكفة الداخلية لا أكثر، إذ يرى المعارضون أن هذه السياسة التي يعتمدها نتنياهو تخدم أهدافه القريبة والبعيدة، وستظهر نتائجها لصالحه قريباً في صناديق الانتخابات.

يحاول نتنياهو الذي يبدو مبتسماً عندما يتحدث عن وباء كورونا، متباهياً مزهواً بنجاحه في تلقيح قرابة أربعة ملايين إسرائيلي، مما خفض عدد الإصابات والوفيات اليومية، الدفاع عن نفسه في مواجهة تهمة الابتزاز والضغط غير الأخلاقي، أنه تلقى طلباتٍ مباشرة من بعض الدول الصديقة، التي صادف أن سفارتها تعمل في القدس، ولكنه لا يمارس ضغطاً عليها، ولا يكرهها على تحريك طائرات الشحن إلى تل أبيب لتتسلم حصتها من اللقاحات، ولكن ابتسامته الخافتة لا تخفي نواياه الخبيثة، ولا تستر عيونه الماكرة، ولا تقنع خصومه ببراءة مساعيه وحسن أخلاقه وكرم نفسه.

___________________________

وكالة نخلة: المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اخر الاخبار

اعلان

ad