العمارة الأجنبية في العراق .. مدينة الفيصلية ، من الثورة إلى الصدر

0
59

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

منذ بداية خمسينيات القرن العشرين بدأت في بغداد الحاجة للتوسع في إنشاء المدن السكنية الحديثة. في عام ١٩٥٤ بدأ مجلس الاعمار العراقي بالتخطيط للتوسع العمراني لمدينة بغداد لاستيعاب ازدياد عدد السكان بسبب المواليد والحاجة إلى مساكن جديدة ، وكذلك نمو الهجرة باتجاه العاصمة ونشوء أحياء عشوائية ومناطق فقيرة بائسة.

في تلك الفترة كان مجلس الاعمار الذي أنشأ عام ١٩٥١ قد قرر إنشاء مدن سكنية قادرة على سد الحاج الأنية والمستقبلية، منها مشروع إسكان غربي بغداد بنحو (٢٥) ألف دار في جانب الكرخ ، ومدينة الفيصلية في جانب الرصافة، وكلاهما واطئة الكلفة ، إضافة الى مدن الوشاش والطوبجي وغيرها. كما تقرر إنشاء مدن (زيونة) و(اليرموك) و(المأمون) ذات المساحة الأكبر.

قرر مجلس الاعمار إسكان أهالي الصرائف خارج بغداد ، وتوزيعها على الذين لديهم مهن وحرف. أما الفلاحين فتقرر إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية ومنح كل فلاح قطعة أرض بمساحة مائة دونم لزراعتها بشرط أن تبقى باسم الدولة كي لا يتم تقسيمها أو بيعها.

اتفق مجلس الاعمار مع المهندس المعماري اليوناني كونستانتينوس دوكسياديس ( ١٩١٤ – ١٩٧٥) على وضع تصاميم لبناء من خمسة إلى سبعة قطاعات نظامية لمنازل واطئة الكلفة بمساحة ٢٠٠ إلى ٣٠٠ متر لكل منزل، ويتم تجهيز المدينة بما تحتاجه من بنى تحتية وماء وكهرباء وتربية وصحة وشوارع مبلطة وغيرها.

مصمم مدينة الفيصلية

تخرج دوكسياديس من كلية الهندسة المعمارية في جامعة أثينا التقنية عام ١٩٣٥، وحصل على شهادة الدكتوراه من كلية شارلوت نبيرغ في جامعة برلين التقنية. في عام ١٩٣٧ تم تعيينه رئيساً لبدية أثينا ، ثم شغل منصب رئيس الإدارة الإقليمية وتخطيط المدن في وزارة الاشغال العامة. شارك في المقاومة اليونانية والتعاون مع الحكومة البريطانية. بعد الحرب العالمية الثانية تولى مهمة إعادة ترميم مدينة أثينا ،من خلال منصبه وزيرا للاعمار. وقد أكسبته تجربته الحصول على عقود مشاريع إسكان في عشرات البلدان.

في عام ١٩٥١ أسس دوكسياديس شركة خاصة للاستشارات الهندسية والتي نمت بسرعة حتى افتتحت عشرات المكاتب في ٤٠ بلدا في القارات الخمس. في عام ١٩٦٣ غيّرت الشركة اسمها إلى DA International co. Ltd  للاستشارات العمرانية.

لعل واحداً من أهم أعماله هو تخطيط مدينة إسلام آباد العاصمة الجديدة لباكستان بعد أن تقرر مغادرة كراجي كعاصمة قديمة. اتسم مخططه بفصل السيارات عن الناس، بشكل يتيح سهولة الوصول إلى وسائط النقل العامة والمرافق الحكومية والتجارية والحدائق. كما ابتكر تصاميم لمساكن واطئة الكلفة واستخدام مواد إنشائية محلية مناسبة لمناخ كل منطقة.

منحته اليونان وسام الأرز الوطني من رتبة فارس ، كما تم تكريمه عام 1965 من قبل الولايات المتحدة الامريكية. في 28 يونيو 1975 ، وفي مدينة اثينا باليونان  توفي المخطط الحضري والمهندس المعماري كونستانتينيوس دوكسيادس عن (61 سنة).

تصاميم المدن الجديدة

كان المخطط القديم لبغداد قد أعد من قبل مؤسسة مونوبريوالانكليزية ، وكانت حدود بغداد غرباً تنتهي عند نهر الخر ، وشرقاً عند سدة ناظم باشا، ما جعلها تتخذ شكلاً طولياً موازياً لنهر دجلة. لذا ووفق تصميم ومخطط دوكسيادس الجديد فقد تم إلغاء هذين الحدين ( السدة ونهر الخر) ما فسح المجال لنشوء مدن ملحقة جديدة وهي  بغداد الجديدة، وزيونة، والرشاد، ومن ثم مدينة الثورة شرقا ، والشعلة والمنصور والمأمون والدورة والداوودي غرباً. ووفق التصميم فقد تم التخطيط لانشاء مدينتين للضباط شرق وغرب بغداد فكانت مدينة الضباط والألف دار في مكانها الحالي لقربها من معسكر الرشيد والقاعدة الجوية، وكذلك مدينة اليرموك وحي الوشاش لقربها من معسكر الوشاش (متنزه الزوراء حاليا) ومعسكر أبوغريب .

جميع هذه المدن والأحياء المذكورة أعلاه تم التخطيط لإنشائها في منتصف الخمسينيات, وقسم منها نفذ في العهد الملكي  والباقي تم تنفيذه  ايام الجمهورية. كذلك انتهت في تلك الفترة تصاميم المطار الدولي الجديد، وفي موقعه الحالي قرب أبو غريب.

قامت شركة دوكسياديس ببناء منازل الإسكان والوشاش والطوبجي بالتعاون مع شركة تاجريان، وتم افتتاحها من قبل الملك فيصل الثاني عامي ١٩٥٧ و ١٩٥٨.

أما مدينة الفيصلية فلم يتم تشييدها آنذاك بسبب حصول انقلاب ١٩٥٨ حيث قام الزعيم قاسم بطرد الشركات الأجنبية. وتم تقليل مساحة الأرض إلى (١٤٤) متراً مربعاً. وزيادة عدد القطاعات إلى (٧٩) قطاعاً كل منها يضم ألف دار ، وقد اختلف تصميم بعض القطاعات مثل القطاع رقم (٢٣) و (٣٤).

وقام الزعيم قاسم بتوزيع الأراضي فارغة وليست دور جاهزة كما هو شأن المدن السكنية الأخرى.

من اهم تصاميم دوكسيادس  في العراق هي الحي العربي في بغداد ومجموعة  احياء  اطلق عليها  الإسكان.  وهي منتشرة في العديد من محافظات العراق منها بغداد وأربيل والكوت والحلة والتي اعتمد في تصميمها على التخطيط الشطرنجي لبث فكرة المساواة . وواضح ان دوكسيادس انتبه الى منظر النساء وهن  يتبادلن الحديث امام بيوتهن  ولمعرفته بطبيعة المجتمع العراقي فقد اصر على توفير مساحات صغيرة بين البيوت على شكل مربع  اسماها مربعات للثرثرة Gossip Squares  بعيدة عن انظار المارة واصحاب السيارات.

مشاريع قطاع الإسكان في العهد الملكي

أقر مجلس الاعمار الملكي مجموعة من المشاريع السكنية في بغداد والعراق مثل:

١-بناء (١٢٠) دار في منطقة الوشاش

٢-بناء (١٠٠٠) دار في منطقة الشالجية لعمال السكك

٣-وافق مجلس الاعمار على تنفيذ المنهاج الخاص الذي يشمل إنشاء نحو (١٠،٠٠٠) مسكنا يتضمن إنشاء (٤٠٠٠) دار في بغداد و (١٠٠٠) دار في الموصل و (١٠٠٠) دار في كركوك و (٢٠٠٠) في البصرة.

٤- إنشاء مساكن ملحقة بالمشاريع الصناعية ، منها (٨٦٠) مسكنا لموظفي ومستخدمي معمل الغزل والنسيج الجديد في الموصل، و(٥٥٠) مسكنا لموظفي ومستخدمي معمل توليد الطاقة الكهربائية في دبس ، وكذلك المساكن اللازمة لموظفي ومستخدمي معملي السمنت والسكر في الموصل.

٥- مخطط لإنشاء (٢٥٠٠٠) دار في مختلف أنحاء العراق في السنين الخمس الأولى حتى عام ١٩٦٠.

٦-مخطط إنشاء (٤٠٠) ألف وحدة سكنية في العراق حتى عام ١٩٨٠ .

٧-في منتصف الخمسينيات كلفت الحكومة العراقية مؤسسة دوكسياكس اعداد مخطط عصري وجديد لمدينة بغداد يحتوي على مشروع سكني للبناء والاعمار والتطوير وتدريب المهندسين. قامت المؤسسة بوضع مخطط لتطويق مدينة بغداد بوحدات سكنية جاهزة، متعامدة ومنفصلة، تمتد على مرور عريضة. وقد قسمت هذه المناطق بدورها الى وحدات “بلدية” بمراكز صغيرة وأحياء سكنية تابعة لها، ووضعت تحت منظومة من الطرق المقفلة. ويتألف كل مركز بلدي من سوق ومسجد ومرافق عامة.

٩- مشاريع الإسكان في المأمون واليرموك وزيونة وحي الإسكان غرب بغداد.

١٠-وكان من المقرر أن يتم حتى نهاية عام 1958 إنشاء 2800 دار ، وإعمار 1215 قطعة أرض وإنشاء قرية نموذجية في مشروع المسيب الكبير وإنشاء 2235 داراً وإعمار 1543 قطعة أرض وإنشاء ست قرى إضافية في مشروع المسيب الكبير.

١١-بوشر بالفعل فيها في كل من الموصل ودبس وسرجنار والسليمانية وكركوك والبصرة. فقد أعلنت مناقصات لانشاء مشاريع إسكان أخرى في الكوت والعمارة وكربلاء والمسيب الكبير.

التسميات والهيكل الاداري لمدينة الصدر

تقع مدينة الصدر شرق بغداد في جانب الرصافة . ويبلغ عدد سكانها ١،١٥ مليون نسمة حسب إحصاء ٢٠١٨ ، ومساحتها (١٣) كيلومتر مربع. وبذلك تبلغ الكثافة السكنية (٢٧) ألف نسمة لكل كم٢.

كانت أراضي المدينة تابعة للوزيرية، وكان فيها مزرعة تسمى (مزرعة حكمت سليمان). وكان حي الأورفلي فيها يسمى (تلول السديرة). وقد تم فرز الأراضي والشوارع والخدمات في عهد وزيرة البلديات الدكتورة نزيهة الدليمي (١٩٢٣-٢٠٠٧) التي كانت أول وزيرة في العراق والعالم العربي.

حتى عام ١٩٦٥ اختفت جميع الصرائف بعد أن باشر السكان ببناء مساكنهم بالطابوق والشيلمان. وفي ٣٠ أيلول ١٩٧١ بلغ عدد القطع الموزعة في منطقة الثورة (٦٣،٧٢٦ ) قطعة ضمن ٧٩ قطاعاً.

وبلغت مساحة القطاع الواحد (٢٥) ألف متر مربع.

مرت المدينة بعدة تسميات خلال تاريخها. ففي العهد الملكي كانت تسمى (منطقة الصرايف) وهي مساكن بنيت من القصب وأعواد النخيل.

 

 

وبعد توزيع الأراضي من قبل الزعيم عبد الكريم قاسم عام ١٩٥٩ أطلق عليها اسم (مدينة الثورة) تيمناً بثورة (انقلاب) ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨ ، وفي عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف (١٩٦٣- ١٩٦٨) سميت بـ (حي الرافدين) ، وفي عهد أحمد حسن البكر (١٩٦٨-١٩٧٩) أعيد اسمها إلى (مدينة الثورة). وفي عهد صدام (١٩٧٩-٢٠٠٣) تم استبدال اسمها إلى (مدينة صدام).

في ١ كانون الآول عام ١٩٩٩ قرر صدام تغيير الوضع الإداري للمدينة حيث تم استحداث (قضاء صدام) ومركزه في المحلة (٥١٤) في محافظة بغداد. وترتبط بالقضاء ناحيتين هما (ناحية الفداء) ومركزها محلة (٥٣٤) ، و(ناحية بطل التحرير) ومركزها محلة (٥٤٨).

وتم استحداث قضاء أخر باسم (قضاء القائد صدام) ومركزه في محلة (٥٣٥). وترتبط به (ناحية النخوة) ومركزها في محلة (٥٢٧) ، (ناحية الفارس العربي) ومركزها محلة (٥٦٥).

وبعد ٢٠٠٣ سميت (مدينة الصدر) تيمناً بعائلة الصدر التي قدمت اثنين من مراجع الدين ، الشهيدان السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر.

أما الهيكل الاداري فأصبح كالتالي:

قضاء الصدر ١ : وترتبط به (مركز القضاء) و (ناحية الفرات) و (ناحية الصديق الأكبر)

قضاء الصدر ٢ : ترتبط به (مركز القضاء) و (أبناء الرافدين) و (ناحية المنورة)

 

ديموغرافيا المدينة

إن الطابع العشائري يسود المدينة وخاصة طابع جنوب العراق . ويرجع ذلك إلى أن معظم سكانها تعود أصولهم إلى سكنة الأرياف والفلاحين وغالبهم (٩٠ بالمائة) من محافظة ميسان، إضافة إلى محافظات ذي قار والبصرة وواسط وبابل والنجف وكربلاء والمثنى والديوانية.

ينتمي ٩٠ بالمائة  من سكانها العرب إلى المذهب الشيعي ، وهناك ٥ بالمائة من الكرد الشيعة (الفيليين) والتركمان يسكنون في حي الأكراد، إضافة إلى ٥ بالمائة من السنة القادمين من نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين والأنبار.

بعد عام ٢٠٠٣ وبسبب الأحداث الطائفية في مناطق الكرخ والانبار ، هاجر عشرات الآلاف من الشيعة من مناطقهم وبنوا مساكن عشوائية في مدينة الصدر حتى سميت منطقتهم بالقطاع (صفر) ، وبذلك ارتفع عدد القطاعات إلى (٨٠) قطاعاً.

 

حتى سقوط النظام عام ٢٠٠٣ كان معظم سكان المدينة من الفقراء والمعدمين الذين يعملون بوظائف بسيطة في دوائر بغداد أو بدرجات صغيرة في الجيش والشرطة العراقية ، حيث كانوا يعانون من التمييز الطائفي ، ويعمل آخرون في علوة جميلة القريبة و الحي الصناعي (كسرة وعطش) القريب من السدة. وكان عدد كبير منهم يعمل في البسطيات أو أعمالاً لا تدر دخلاً كبيراً. وخلال السبعينيات والثمانينيات تمكن بعض طلابها المتفوقين من دخول الكليات والجامعات فتخرجوا أطباء ومهندسين وحقوقيين وإدارة وآداب وغيرها. وبرز من المدينة فنانون وأدباء وشعراء وإعلاميون وصحفيون ورياضيون لامعون رفعوا اسم العراق.

تشتهر المدينة بأسواقها الشعبية مثل (سوق مريدي) و (سوق العورة) و(سوق جمالة) و (سوق الجوادر) و(سوق الفلاح) ، (سوق الداخل) و (سوق جميلة) و (سوق حي طارق) و (سوق الحي) و (سوق الكيارة) و (سوق الوحيلات) و (سوق الأولى) و (سوق الرضوي) و (سوق العلاوي).

وتوجد في المدينة مساجد وحسينيات ومدارس كثيرة ونوادي رياضية وملاعب شعبية، وأربع مستشفيات ومراكز طبية وعيادات طبية شعبية، إضافة إلى عيادات الأطباء ومكاتب المحامين.

بعد السقوط عام ٢٠٠٣ شغل الكثير من أبناء المدينة وظائف عالية كالوزراء والنواب وأعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي والوكلاء والسفراء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والقضاة والمدراء العامين في الدوائر الحكومية وقادة فرق وألوية عسكرية وشرطة. كما تعين الآلاف في الدوائر الحكومية وفي المنطقة الخضراء وفي الرئاسات الثلاث ، حتى أنه في إحدى السنوات وبسبب إغلاق جسور قناة الجيش الموصلة بين المدينة وبغداد لأسباب أمنية تغيب غالبية موظفي المنطقة الخضراء وأكثرهم إداريون وسواق وحراس، فأصبحت كأنها في يوم عطلة رسمية.

منذ عام ٢٠٠٤ تعرضت مدينة الصدر إلى عشرات العمليات الانتحارية بين سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة وعبوات ناسفة استهدفت أسواقها وشوارعها ومساجدها ومدارسها وملاعبها أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتخريب الابنية فيها.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • موسوعة شذرات الذهب في ١٩ آذار ٢٠٢١
  • مشاريع السكن في العراق – تحسين الشيخلي
  • مدينة الصدر – وليد الصكر
  • التقسيمات الإدارية في بغداد منذ سبعين عاماً – د. صلاح عبد الرزاق

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا