العمارة الأجنبية في العراق .. القصر الملكي في الدغارة في قلب الفرات الأوسط

0
24

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

 

ناحية الدغارة مدينة صغيرة تقع على بعد ١٦ كم عن مركز محافظة الديوانية. يتوسطها نهر الدغارة المتفرع من نهر الفرات ، وسميت بالدغارة على اسم النهر، وتعني “الدفاع” لأنه يدفع السد الذي يقام عليه لتدفق المياه بسرعة، ثم أطلق الاسم على المدينة.

تقع الدغارة ضمن طبيعة زراعية خضراء ، وتشتهر بزراعة الحبوب وأشهرها الرز العنبر. وقد شهد القنصل الفرنسي جاك روسو في بغداد خلال الفترة (١٧٩٨-١٧٩٩) بجودة رز الدغارة وكثرته، حتى أنه يكاد يكفي لجميع سكان ولاية بغداد ، في كتابه “رحلة من بغداد إلى حلب” الصادر عام ١٨٩٩.

وهذا يعني أن الدغارة كانت أكبر من حجمها الحالي، ونشاطها الزراعي والتجاري أوسع مما هي الآن ، وهذا معروف في العراق حيث أن كثيراً من المدن كان لها دورها الاقتصادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ثم اضمحل نتيجة لظروف معينة ، مثل سوق الشيوخ التي كانت توصف بالرقي في مجال التجارة والعمران.

في عهد والي بغداد مدحت باشا (١٨٦٩-١٨٧٢) وضمن إصلاحاته الإدارية أصبحت الدغارة مركزاً  إدارياً وأصبحت بدرجة ناحية ، وكان محمد أفندي أول مدير ناحية. وهناك مصادر تشير إلى أن الدغارة كانت حاضرة معروفة عام ١٨٧٧ . وكان لها دور مشرق في احتضان  العلماء والأدباء والشعراء ، وكانت مقصداً للزوار حيث يقع فيها مرقد النبي شعيب، الذي أكد على صحة نسبته الشيخ باقر شريف القرشي في رسالة مختومة بختمه، إلى جانب وجود بعض المعالم الآثارية السومرية.

الجغرافيا والسكان

تبلغ مساحة الدغارة ٢٧٩ كم مربع تتوزع على ١٥ مقاطعة وفق التصنيف العقاري. أما سكان الدغارة فهم مجتمع مديني ذي خلفية عشائرية شديدة التأثير، وانقسمت الدغارة بين العشائر التالية:

  • آل شبانة: وهم من سلف الأكرع، وآل حاج حمزة، وآل شعلان، وآل شاطي.
  • آل عمر والهلالات: يسكنون المدينة الرئيسية، وهم آل حمد، والمجرولين، والحاج جاسم والحاج علي من الهلالات.
  • آل سعيد:مجموعة من السلف تتبع آل زبيد، ينتشرون في الجزء الجنوبي الشرقي من الدغارة.
  • آل بو نايل:هم من الأكرع وأشهرهم آل بو ناهض وآل بو ركة.

وصف القصر الملكي

بعد تنصيبه ملكاً ، بعد وفاة أبيه الملك فيصل الأول عام ١٩٣٣ ، قام الملك غازي بتشييد قصر الدغارة في عام ١٩٣٤. وهو يبعد (١٨٠) كم عن بغداد على ضفة النهر.

والحقيقة ان إطلاق كلمة قصر لا تنسجم مع الواقع، لكن الناس تسمي كل ما يسكنه الملك قصراً، فهو منزل متواضع البناء ، صغير الحجم ، بل هو أصغر من بيوت ومضايف كبار زعماء العشائر والملاكين في المنطقة ، فهو أقرب لدار ضيافة أو دار استراحة شتوية بسيط، وهو من طابق واحد.

المبنى مربع الشكل طول ضلعه (٢٥) متراً ، أي بمساحة ٦٢٥ متراً مربعاً. أما مساحة الأرض التابعة للقصر فتبلغ ثماني دوانم . بني القصر من الطابوق والجص ، ويضم ثلاث غرف واحدة للاستقبال ، وغرفة نوم واحدة، ومكتب، وغرفتين صغيرتين، إحداهما مخصصة للحرس ، والأخرى للبدالة بهدف التواصل مع الحكومة في بغداد عند حضور الملك فيه ، وغرف صغيرة بأبعاد ( ٢ في ٢ متر) كمخزن للأغذية وأخرى للهدايا التي يقدمها الملك لضيوفه ، كما كانت هناك غرفة مخصصة للمطبخ وإعداد الشاي والقهوة والعصائر.

أما الساحة الخلفية فهي عبارة عن فناء مكشوف يحتوي على صف من الغرف البسيطة كانت تستخدم كإسطبل للخيول ومرآب لسيارة الملك التي كانت تدخل من بوابة عريضة على أرض فرشت بالحصى.

يحمل البناء بصمات إنكليزية ، ويشابه في بعض تفاصيله البيوت التي بناها الانكليز في مناطق أخرى من العراق. إذ يلاحظ وجود نوافذ صغيرة في أعلى الغرف لجلب ضوء النهار حتى مغيب الشمس، وعادة تكون لها مظلات تمنع دخول أشعة الشمس مباشرة ، كما أن الأعمدة التي تحمل السقف والطارمات بنيت من الطابوق المحلي، وهي مربعة الشكل ، أما السقوف فقد استخدمت فيها الروافد الخشبية بشكل بارز نحو الخارج.

ورغم عدم وجود مصدر يذكر مصمم القصر ولا من أشرف عليه، لكن من المتوقع أن يكون مهندساً انكليزيا من معارف الملك أو من المعماريين الانكليز العاملين في الدوائر الرسمية العراقية آنذاك ، وأنه كلف عمالاً وبنائين مهرة من أهل المنطقة ، واستخدم في البناء الطابوق والجص وغيرها من المواد المحلية.

تحيط القصر حديقة زرعت فيها أشجار، قيل أن بعضها زرعها الملك غازي بنفسه. ويغطي الحديقة عشب أخضر ونباتات ، تتخللها ممرات للمشاة .

من الواضح أن أهم أهداف المبنى هو استقبال شيوخ العشائر وزعماء قبائل منطقة الفرات الأوسط لتشمل الديوانية والحلة والسماوة. كما يلتقي الملك ببعض السياسيين ورجال الدين والأدباء الذين ينتهزون الفرصة للقائه وتبادل الآراء في شتى القضايا ، ولا توجد صور توثق لقاءات الملك في القصر، ولا مصادر تتحدث عن تلك اللقاءات وما دار فيها. ربما توجد في مذكرات السياسيين والأدباء لكن لم نطلع عليها.

قصر الدغارة بعد سقوط الملكية

تعرض القصر للاهمال حتى تعرض لهدم بعض أجزائه وتلف أبوابه وشبابيكه وجدرانه وسطحه وحديقته، حتى وصفه البعض بأنه أشبه بمكب نفايات. وخلال الفترة الماضية تم استخدام القصر كمركز صحي، ثم مدرسة إعدادية ، بل وصار لفترة مستودعاً لوزارة الري حيث تحفظ فيه بالآليات التابعة للوزارة من جرارات ومكائن، ويشير بعض المصادر إلى استخدامه حظيرة للحيوانات!!!! ورغم الإهمال وعوامل الطقس لكن القصر حافظ على تماسكه وصموده خلال ٨٠ عاماً، رغم تعرض جدرانه للشقوق، ونمو النباتات والأحراش قربه وحوله.

أول عملية صيانة تمت في عام ٢٠٠٩ ، حيث باشرت محافظة الديوانية من ميزانيتها بترميم وصيانة القصر وتحويله إلى متحف تابع لمفتشية آثار وتراث الديوانية. ويعاب على عملية التأهيل هو إكساء الجدران الداخلية بالجص والجبس الأبيض حتى تمت تغطية الطابوق المدروز بالجص بشكل بديع الذي كان سمة واضحة في القصر.  وتم ترميم أعمدة القصر والتيجان الملكية والأقواس فوق الأبواب والشبابيك وترميم الجدران ، وتأهيل المرآب وغرف القصر الخارجية. وشمل التأهيل إنشاء كراج خارجي بمساحة ٦٢٥ متراً مربعاً مخصص للزوار والسياح القادمين للقصر والوفود وطلاب المدارس.

وتم وضع عدد من المدافع العثمانية في باحة القصر، وتماثيل تمثل الملوك الثلاثة.

يضم المتحف مجموعة من المقتنيات البسيطة التي تعود للفترة الملكية بينها نقود وأوسمة وطوابع ملكية، إضافة إلى أوعية نحاسية قديمة .

وعُلقت صور للملوك والعائلة المالكة تمثل الملك فيصل الأول وبناته والوصي عبد الاله ، وصور تمثل مناسبات وطنية وزيارات ولقاءات رسمية، إضافة إلى العلم العراقي في العهد الملكي. تم عرض المقتنيات في ستة خزانات زجاجية . وتم تأهيل الحديقة ونصب مصطبات وإنارة ليلية تجعل القصر شعلة من نور. الأمر الذي يجعل القصر معلماً سياحياً يقصده السياح والباحثين والصحفيين.

السياحة في الديوانية

من الضروري إحياء المعالم السياحية في محافظة الديوانية مثل القصر الملكي ومقام النبي شعيب (ع). وتوجد وثيقة بخط المرحوم الشيخ باقر شريف القرشي يؤيد فيها أن المرقد يعود لنبي الله شعيب.

وتحتضن الديوانية مراقد أخرى مثل مرقد السيد محمد بن الامام موسى الكاظم (ع) في مركز مدينة الديوانية، ومرقد السيد الحمزة الغريفي في قضاء الحمزة . تحتضن الديوانية مجموعة من الأثار السومرية مثل مدينة نيبور القديمة.

إن تشجيع الاستثمار السياحي في بناء الفنادق والمطاعم والمقاهي ومدن الألعاب والمتنزهات والحدائق المائية وحدائق الحيوانات ومتاحف التراث الشعبي ومتحف الشمع للشخصيات المشهورة ، ومحلا للمصنوعات الشعبية التي تشتهر بها المحافظة، كل ذلك يساهم في جذب السياح والزوار ويرفر فرص عمل.

 

 

كما أن تنشيط السياحة في هور الدلمج في الديوانية ، الذي تبلغ مساحته ١٢٠ ألف دونم ، بطول ٥٠ كم وعرض ٢٠ كم، وبعمق ٢٥ متراً. ويختزن ثروة سمكية توفر الرزق لحوالي (٢٥٠٠) عائلة.  ويمكن تزويد الهور بعدد أكبر من زوارق  مختلفة الأحجام تقوم بجولات جماعية أو زوارق تؤجر للعائلات كفيل بتوفير فرص العمل لشباب المحافظة التي تعاني من بطالة مرتفعة. كما يمكن استخدامه لإقامة مسابقات رياضية للشباب من بقية المحافظات. وكذلك ممارسة صيد السمك بشكل محدود.

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • جريدة الشرق الأوسط في ٤ كانون الأول ٢٠١٠
  • صحيفة الصباح في ١١ تشرين الثاني ٢٠١٩
  • موقع مدونات عربية في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٤

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا