اخي سلام.. شهادتك حالت دون ان تموت حزنا وكمدا على شعبنا العراقي وما حلّ به منذ 2003

0
116

كتب : باسل الربيعي

 اخي الشهيد “سلام” ، اليوم هو الخامس والعشرين من ديسمبر ، وفي مثل هذا اليوم ولد سيدنا المسيح عيسى بن مريم ، على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام. وبعد ولادة اخينا الكبير الشهيد يوسف عام 1956 ، ابصرت انت النور في 25 ديسمبر 1957 ، فجاء يوم مولدك متزامنا مع مولد رسول السلام والمحبة لذلك اسماك والدينا “سلام” تيمنا بهذا اليوم الذي ولد فيه رسول السلام .

كنت متميزا بين افراد العائلة بدماثة الاخلاق وطيب السريرة وطهر القلب والحياء المشهود ، هذا فضلا عما حباك الله به من وجه نوراني جميل.

هل تتذكر كيف كنت اقيم لك حفلة “عيد الميلاد” في مثل هذا اليوم ، حيث يشارك الاهل والاقرباء والاصدقاء فيها ، وكنت ابذل قصارى جهدي لكي تكون الحفلة لائقة بك لما تميزت به شخصيتك عنا ، في كل الامور، حتى بت محل اعجاب الجميع .

 

من اليمين : الشهيد سلام، ابن عمنا الشهيد كريم، كاتب السطور، الشهيد يوسف عام 1962

من اليمين: ابناء عمنا الشهداء فتاح وعبد الكريم ونجم، والشقيقان الشهيدان يوسف وسلام عام 1978

هل مازلت تتذكر انه حينما كنت انا في المرحلة الاخيرة من الدراسة الاعدادية ، رافقتني انت الى حفل اقامته المدرسة ، وبعد انتهاء الحفل جاءني احد زملاء الدراسة وكان يشعر بالغيرة الشديدة منك لان اقرباءنا من نساء ورجال كانوا يلتفون حولك ويبدون اهتماما متميزا بك اثار انتباه المشاركين في الحفل . هذا الزميل استغل وجودك مع الاهل وشرع يكيل لك السباب والشتائم ولم يكن يعرف انك شقيقي  ، وقال لي لماذا اتيت بهذا الشاب المغرور بشكله الى الحفل “شايف روحه شوفه” ؟ فسألته : الا تعرفه ؟ فاجاب بالنفي ، فقلت له صدقني انه شاب رائع وليس مغرورا ابدا وان شاء الله ستتعرف عليه وتعجب به، فلم يصدق. اخبرتك بعد عودتنا الى البيت بما حصل وانواع الشتائم التي طاولتك لكنك ضحكت وقلت لي لاتخبره بانني شقيقك وارغب التعرف عليه بعد ان اعود من المعسكر بالاجازة القادمة . كنت حينذاك جنديا مكلفا في القوات الخاصة البحرية بالبصرة ، وتمتلك قدرة بدنية قتالية عالية ، وكان باستطاعتك تلقين ذلك الزميل درسا لن ينساه في حياته ، لكنك لم تفعل وتلقيت ما اخبرتك به بروح رياضية.

من اليمين: المرحوم الوالد ، الشهيد يوسف ، الشهيد سلام عام 1958

حينما عدت في اجازة اصطحبتك الى المدرسة واستدعيت زميلي الذي ما ان رآك حتى اعتلى الوجوم وجهه ، وما ان اقترب منا حتى بادرته انا بالقول “اقدم لك شقيقي سلام” . وشعر زميلي بالصدمة وسألني هل “انت جاد في ما تقول ، هل هو شقيقك من والديك؟” فقلت له نعم . فتلعثم لسانه وارتبك وبات لايعرف ماذا يقول ، وبعد ان هدأ روعه سألني : كيف انك تحملت كل تلك الشتائم “الهابطة” التي وجهتها لاخيك؟ وهنا بادرت انت الى مصافحته وتقبيله وانت تضحك وتقول له “ماصار شي احنه اخوة”.. ومنذ ذلك الوقت وبات زميلي يذوب حبا وعشقا بك وطالما كان يسألني عن موعد اجازتك من المعسكر لمقابلتك وتجاذب اطراف الحديث معك.

المرحوم الوالد يؤدي خدمة العلم في معسكر الوشاش

اخي سلام .. اعلم انك الان صاحب مقام رفيع عند رب العباد ، ومع الشهداء ، اخينا الكبير يوسف وابناء عمنا ، عبد الكريم ونجم وفتاح وسائر شهداء الاسلام .. احياء عند ربكم ترزقون.. لذلك اغبطكم احيانا لانكم فارقتم هذه الدنيا باوسمة الهية لاشيء ارفع واسمى منها ، في حين مازلنا نحن نقاسي ونتألم من متغيرات ومصائب الدهر وهموم الدنيا.

اخي الشهيد.. كنت محبا لوطنك وشعبك الى حد الجنون ، لكن هل تعرف ماذا حل بهذا الوطن وهذا الشعب؟ هل تتذكر كيف كنا نتحدث عن بعض من معاناة شعبنا ؟ انها اليوم باتت اضعاف ما كنا نتجاذب اطراف الحديث بشأنها .. اذ ان كل القوى السياسية المشاركة في الحكم ، وحتى تلك التي جاهدت وناضلت ضد الديكتاتور الذي اعدمكم ظلما وعدوانا ، باتت متورطة في الفساد ، وفساد هذه القوى ليس فقط ابقى على المعاناة القديمة للشعب بل زادها اضعافا مضاعفة .

حبيبي واخي .. في يوم ميلادك الميمون رغبت بان اشكو بثي وحزني لله ومن ثم اليك ، فانني امضيت اجمل ايام عمري من بعد اعتقالكما ، انت ويوسف، بالجهاد في سبيل الله ، امتثالا وعملا بوصية سيد شهداء العراق الامام السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه) ، حينما دعانا ، قائلا على كلّ مسلم في العراق وعلى كلّ عراقي في خارج العراق أن يعمل كلّ ما بوسعه – ولو كلّفه ذلك حياته – من أجل إدامة الجهاد والنضال لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب وتحريره من العصابة اللاإنسانيّة وتوفير حكم صالح فذٍّ شريف يقوم على أساس الإسلام”.

من اليمين : الجندي قوات خاصة بحرية صباح ، الشهيد سلام نزهة في شط العرب 1979

واخيرا سقط الصنم وذهب الى مزبلة التاريخ ، لكن يا أخي وقرة عيني ، نحن اليوم نرى انفسنا وقد بتنا ضحايا لاكثر من صنم .. اصنام عاثت بالعراق فسادا حتى انها دمرت المنظومة المجتمعية في هذه الارض المقدسة ، فبات الفساد متغلغلا ليس فقط في اركان الدولة بل في هذه المنظومة ، وبات من مازال منا متمسكا بقيمه ومبادئه السابقة يشعر بانه غريب في هذا الوطن ، واحيانا اتساءل : هل هذا الشعب هو نفسه الشعب الذي ابعدنا عنه قسرا مطلع ثمانينيات القرن الماضي ؟

ان الطاغية المقبور (صدام حسين) عمل كثيرا على افساد الشعب وخلق فجوة بين هذا الشعب ومعتقداته وتقاليده الرائعة ومنظومته الاخلاقية ، وللاسف جاءت الاحزاب من بعده لتجهز على مابقي من تلك القيم والمعتقدات والتقاليد ، واذ كان الفرد يتفاخر امام عائلته في الماضي بانه فعل كذا من الخير لاخيه في الوطن ، فاليوم هو يتفاخر امام عياله كيف انه نجح بالحصول على رشوة مالية مقابل تمشية معاملة لاخيه في الوطن.

اخي سلام .. من كنا واياهم في خندق واحد ، ونعرف احوالهم مثلما نعرف انفسنا ، اصبحوا بين ليلة وضحاها من اصحاب القصور الفخمة والسيارات الفارهة والحسابات المصرفية في الداخل والخارج ، اما الخدم والحشم وجيوش المتملقين والمتزلفين ، فحدث ولا حرج.

من اليمين: العميد مدفعية ابن خالتي رضا السوداني، الشهيد سلام ورفيقه في القوات الخاصة البحرية عكله.

كنا نتطلع لان تتغير حال الشعب الى احسن الحال لكنها ومع هذه الاحزاب ذهبت الى الحضيض وباتت جيوش العاطلين تغزو الشوارع ، وكم من العوائل توصل ليلها بنهارها ببطون خاوية جائعة ، وكم من يتيم  وارملة يحصلون على لقمة العيش بشق الانفس ، وكم من تلاميذ يتحسرون على صفوف تقيهم قيظ الصيف وزمهرير الشتاء . اما الخدمات يا اخي الحبيب فهي من سيء الى اسوأ ، وكل الحكومات التي تعاقبت على السلطة بعد الطاغية عجزت عن معالجة الكثير من الازمات الخدمية ، وكل واحدة بالطبع تجيد فن لعن وتكفير من سبقتها وتنحي عليها باللائمة في ازمة الخدمات وتتهمها بالفساد وهدر المال العام .

والمشكلة الاكثر ايلاما يا اخي الشهيد الغالي ، هي ان العراقيين باتوا متعددي الولاءات الا ما رحم ربي ، فالبعض يوالي هذا الحزب او ذاك لذلك تراه يعبد صنمه ويكفّر ويسقّط الطرف المقابل بكل الاساليب والوسائل المتاحة ، واغلبها غير اخلاقية ومنحازة ، والاخر يشتغل عميلا وذيلا لهذه القوة الاقليمية او تلك الدولية، اما الروح الوطنية الصافية فلا تجدها سوى عند عباد الله المخلصين أو من تم تهميشهم او عند اولئك الذين هبوا للتضحية بدمائهم وانفسهم حينما دنس الارهاب ارضنا المقدسة.

اخي سلام ، ارجو ان تعلم بان والدتك التي جفت الدموع في عينيها من كثرة البكاء على فلذتي كبدها ، مازالت تمني نفسها بالعثور على رفاتكما ، انت واخي يوسف، لكي تتوسطكما حينما تغادر هذه الزائلة الى بارئها ، واعلم بان سورة يوسف التي كان يصدح صوت قارئها المرحوم عبد الباسط محمد عبد الصمد من جهاز تسجيل ، لم تفارق المرحوم الوالد حتى وافته المنية حزنا وكمدا عليكما وكان يؤمل نفسه بان يعيد الله اليه ولديه يوسف وسلام كما اعاد الله نبيه يوسف وشقيقه الى يعقوب ، لكن امنيته هذه لم تتحقق وذهبت معه في الغربة تحت التراب ، اما انا وسائر الاشقاء والشقيقات فمازالنا جميعا نحيي كل عام ذكراك ويوم مولدك ، لكن ليس كما عهدته انت ، بالفرح والسرور ، بل بالحزن والدموع والاهات لاننا فقدنا انسانا لم نر نظيرا له قط.

نم قرير العين يا نور العين وأملي ان تشفع لي يوم الحساب فان لكم ، انتم الشهداء، شأنا من الشأن عند رب السماوات والارض.. واللعن الدائم على من قتلكم ظلما وجورا وعدوانا.    

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا