العمارة الأجنبية في العراق.. جامعة آل البيت في بغداد صرح أكاديمي ضائع

0
71

كتب واعداد : الدكتور صلاح عبد الرزاق

تعود بدايات التعليم الأكاديمي في العراق إلى إنشاء مدرسة الحقوق عام ١٩٠٨ في عهد الوالي ،ناظم باشا، وكانت الدروس باللغة التركية. توقفت المدرسة عام ١٩١٧ ثم أعيد افتتاحها عام ١٩١٩ ثم تطورت إلى كلية الحقوق في ما بعد. وكانت هناك المدرسة العسكرية ومدرسة الصنائع في العهد العثماني. وبعد تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١ تم إنشاء دار المعلمين العالية عام ١٩٢٤ بطلب من وزير المعارف ، محمد حسن أبو المحاسن. كان الهدف خلق كوادر وطاقات علمية في شتى صنوف العلم والمعرفة وسد النقص في الدوائر والمؤسسات الحكومية اللازمة لإدارة دولة عصرية حديثة.

وقد أدرك الملك فيصل الأول ان العراق بحاجة إلى مؤسسات قادرة على النهوض بالبلد في كل المجالات التعليمية والتربوية والقانونية والإدارية والمالية والطبية والأدبية والدينية والعسكرية.

فكرة جامعة ال البيت

في ١٦ تموز ١٩٢١ وبعد الاستفتاء على ترشيحه والمناداة به ملكاً للعراق في ١١ تموز/يوليو ١٩٢١ وقبل تتويجه في ٢٣ آب /اغسطس ١٩٢١ قام الملك فيصل الأول مصطحباً معه مجموعة من العلماء بزيارة إلى المدرسة المستنصرية ببغداد، وكانت آنذاك خربة مهدمة شغلتها دائرة الكمارك في العهد العثماني وحولتها إلى مخزن. وجد الملك انها لا تصلح لجامعة حديثة، بل تصلح لإنشاء متحف أو مكتبة بعد ترميم وتأهيل بنايتها. عندها قرر الملك بناء جامعة جديدة في القرن العشرين وفق الطراز العصري الذي شاهده في زياراته إلى لندن وباريس.

أصدر الملك فيصل الأول ، الإرادة الملكية السامية بتأسيس جامعة آل البيت ، وفي ١١ كانون الثاني/يناير ١٩٢٢ تشكلت الهيئة التأسيسية التي تألفت من شخصيات عراقية وانكليزية. ترأس الهيئة وزير الأوقاف ، محمد علي فاضل أفندي وفهمي المدرس وأخرون. وضمت من المستشارين الأجانب كل من المهندس جيمس ويلسون (١٨٨٧- ١٩٦٥) مدير الأشغال العامة ، والمستر كوك مستشار وزارة الأوقاف، الذي كان يتحدث العربية. وكانا ضمن مئات المستشارين والمدراء التنفيذيين الذين عينهم الانتداب البريطاني على العراق.

ويعزو بعض الباحثين فكرة الجامعة انها جاءت من جيمس ويلسون وقدمها للملك. وهو ما يدعو للتساؤل: كيف يقترح موظف بريطاني إنشاء جامعة إسلامية عصرية؟ كما أن ويلسون كان مهندساً معمارياً له إنجازات عديدة وسبق له أن عمل في الهند، فهو لم يعمل في الجانب التربوي أو الإسلامي أو الأكاديمي. ربما قدم استشارات فنية وحتى مالية لكلفة المشروع.

تم تكليف الأستاذ فهمي المدرس (١٨٧٣-١٩٤٤) وهو عالم وأديب وشاعر من الموصل. كان يكتب بالتركية في صحيفة زوراء البغدادية منذ عام ١٩٠١ ، كما قام بتدريس الحقوق الإسلامية وآداب اللغة العربية لمدة خمسة عشر عاماً في الجامعة العثمانية (دار الفنون)، وله مؤلفات عديدة.

بناء الجامعة

قبل صدور الإرادة الملكية بتأسيس الجامعة، كان جيمس ويلسون أعد تقريراً أرسله إلى الملك ووزير الأوقاف. تضمن التقرير شرحاً تفصيلياً عن منشآت الجامعة وكلياتها وأقسامها ومرافقها. كما تضمن معايير التخطيط والمعالجات المعمارية لكل بناء من الكليات الست: الدينية والطبية والهندسية والحقوق والآداب والفنون.

تم اختيار حديقة واسعة تابعة لوزارة الأوقاف على طريق الأعظمية في بستان “الطلومبة” وبمساحة بلغت (٤٠٠) ألف متر مربع. وهو موقع بعيد عن العاصمة وضوضائها وازدحام شوارعها بالعربات والربلات والباعة. وكان من المقرر مد خط ترامواي Tramway ، وهي عربة كبيرة تجرها خيول وتسير على سكة حديد. والهدف هو توفير وسيلة نقل للطلاب والأساتذة والموظفين بين الجامعة ومركز بغداد.

كان التصميم يتكون من انشاء ستة أبنية مستقلة، مبنى لكل كلية. تصطف ثلاثة أبنية على جهتين متقابلتين يفصلهما ممر وحديقة وسطية. ويتصل كل مبنى بممشى مع الممر الرئيس ، وفي نهاية الممر يوجد (الصرح المركزي) الذي يضم القاعة الكبرى وإدارة الجامعة والمكتبة والمتحف والمرصد الفلكي والمسجد الملاصق للصرح. كما توجد أبنية خاصة للامتحانات الفنية والألعاب الرياضية. وتضمن التصميم مطاعم متعددة وأبنية خدمية، إضافة إلى ملاعب رياضية وساحات خضراء واسعة ، إذ يلاحظ توفير مساحات خضراء وفق التصاميم الغربية للمجمعات الأكاديمية ، وهو عنصر لم تألفه التصاميم الشرقية عادة حيث تتكدس الأبنية مع بعضها.  وخلف الصرح تم تصميم أقساما داخلية لسكن الطلاب الراغبين، وبيوتاً جميلة للأساتذة، وغرفا للعاملين في الخدمة.

كان كل بناء من الكليات يتسع لأربعمائة طالب، ويحتوي على قاعات المحاضرات التي تتسع كل منها لأربعين طالباً، إضافة إلى وجود قاعة كبيرة للندوات تتسع لـ (٢٥٠) شخصاً ، كما توجد غرف خاصة بالأساتذة والإدارة.

كانت مساحة الكلية الدينية تبلغ (٤٠٠٠) مترا مربعا، موزعة بطابقين تضم صفوفاً وإدارة ومخازن. وكان طول المبنى (٦٦،٣) متراً وعرضه (٢٧،٤) متراً. في الطابق الأرضي كان هناك ممر بعرض ثلاثة أمتار تصطف أربعة صفوف من كل جانب. وكانت توجد قاعتين تدريسيتين كبيرتين تقعان في طرفي المبنى. تتكون واجهة الطابق السفلي من ثمانية عقود تستند على أعمدة من الطابوق، أربعة على كل جانب، تشكل رواقاً يشرف على الحديقة. وتتوسط العقود بوابة المبنى التي يعلوها قوس نصف دائري، وتتميز بالفخامة والهيبة كما هو المتعارف في بوابات الأبنية الإنكليزية. أما الطابق العلوي فالشبابيك تشرف مباشرة على الحديقة ولا توجد عقود. البناء كله من الطابوق الذي يجيد الاسطوات العراقيون العمل به باعتباره من المواد المستخدمة منذ آلاف السنين في وادي الرافدين.

مراسم وضع الحجر الأساس

تم وضع حجر الأساس في يوم ٧ نيسان/ابريل ١٩٢٢ حيث قامت وزارة الأوقاف بنصب سرداق كبير في الحديقة، وتم عرض الخرائط التصميمية في مداخل الساحة. حضر الملك فيصل الأول وكبار رجالات الدولة والوجهاء والعلماء والأدباء والمعتمد السامي البريطاني ، السير برسي كوكس، وألقى وزير الأوقاف كلمة أشاد فيها بقرار الملك بإنشاء الجامعة، ثم قدم للملك أسطوانة مختومة بالرصاص وضعت فيها صورة للملك بتوقيعه، وخارطة للجامعة التي رسمها ، جيمس ويلسون، وخارطة للشعبة الدينية التي سيبدأ البناء بها، وصحف بغدادية لذلك اليوم، مع بيان كتب على الرق وعدد من العملات. قام الملك بوضع الأسطوانة في موضع الحجر الأساس ثم وضع فوقها حجر الزاوية ، ودق عليه بفأس فضية وهو يقول “كل عمل لا يشيّد على أساس متين كهذا الأساس لا تقوم له قائمة ، وها أنا أضع الحجر الأساس في أول جامعة تُشاد في هذا البلد. وأؤمل أن تقدرها الأمة العزيزة حق قدرها، وتُعنى بتأسيس الجامعات الكثيرة أمثالها وأرقى منها لتستعيد مجدها التاريخي وغارب عزها القديم وتتسنم مكانة رفيعة في عالم العلم والأدب والفن”.

مراسم الافتتاح

بوشر بالبناء عام ١٩٢٢ وانتهى العمل به عام ١٩٢٤ حيث اكتمل بناء الكلية الدينية في ١٦ آذار/مارس ١٩٢٤ حيث أطلقت عليه الصحف العراقية يوم الجامعة. ح

ضر الملك فيصل الأول لافتتاح الجامعة، فحمل مفتاحاً ذهبياً وفتح به بوابة الكلية الدينية ، وعاشت بغداد أجواء احتفالية في ذلك اليوم بحضور الملك ورجالات الدولة والعلماء والنواب وطلبة المدارس العالية وتلاميذ المدارس الرسمية والاهلية ، كما حضر المعتمد السامي ،هنري دوبس، وعدد من السفراء والموظفين الأجانب والسيدات الأجنبيات ، وكانت الجماهير المحتشدة تتقاطر على بوابة الجامعة وهي تسير بين حدائقها وساحاتها التي فرشت بالسجاد والبسط ، وعلقت الزينة والأعلام العراقية، وصُفّت كراسي الحضور الذين علقوا على صدورهم شارة تسمى (شارة روزه ت) وهي عبارة عن وردة من حرير ملونة بألوان علم “الثورة العربية” ، يتدلى منها شريطان كتب على أحدهما “تذكار جامعة آل البيت” ، وكتب على الثاني “سنة ١٣٤٢ هجرية”. وكان طلبة دار المعلمين يقدمونها إلى المشاركين بالاحتفال.

ألقيت في الاحتفال عدة كلمات واحدة لوزير الأوقاف ،صالح بيك باش اعيان، تلاها عنه مدير الأوقاف ،عطا أفندي الخطيب، عرض فيها خلاصة بما قدمته الوزارة وما ستقوم بها للجامعة ، وأوضح أن بناء الكلية استغرق عامين طبقاً للخرائط التي رسمها مهندسون بريطانيون هم ،الميجر جيمس، ويلسون ، والمستر ترنو. وذكر أن كلفة البناء بلغت (٥٧٩،٠٠٠) روبية أي نحو (٤٣،٤٢٥) ديناراً عراقياً. وأضاف”إن الوزارة قد شكلت لجنة من الخبراء لوضع نظام للجامعة ، وأنها قامت بوضعه طبقاً لأنظمة الجامعات، ثم قدمته إلى مجلس الوزراء للتصديق عليه، وأن الاستعدادات جارية للبدء بالتدريس واختيار الأساتذة”.

قدمت بعد ذلك أسطوانة إلى الملك خزنت فيها خارطة عامة للجامعة وخارطة للكلية الدينية مكتوب عليها: تم بناؤها في ٩ شعبان سنة ١٣٤٢ هجرية، وخارطة للمشروع القادم وهو الصرح المركزي، مع بعض الصحف والطوابع العراقية. استلم الملك الأسطوانة قائلاً: أشكر لوزارة الأوقاف عملها، وأقدر مسعاها في تشييد الشعبة الدينية، وأؤمل أن تواصل سعيها بتشييد بقية الفروع مع باقي الوزارات لترفع العراق في الجامعة مجداً خالداً. ثم وضع الأسطوانة في الحجر الأساس ودق عليها أربع دقات على كل ركن منه قائلا “بسم الله الرحمن الرحيم بحول الله وقوته أسس هذا الصرح”.

المنهج الدراسي للكلية الدينية

جاء في المادة الاولى من نظام الكلية الدينية ما نصه “أسست وزارة الاوقاف الشعبة الدينية لتخريج رجال دينيين مجهزين بالعلوم والفنون الحديثة قادرين على القيام بنشر مبادئ الدين الاسلامي وبث حقائقه السامية بأساليب تلائم روح العصر الحاضر، ولتخريج مدرسين وموظفين في وزارة الأوقاف” . كما نصت المادة (28) من النظام المذكور على توظيف المجازين في جميع وظائف الاوقاف من علمية وادارية وغيرهما وتوظيفهم في وظائف التدريس للغة والعلوم الدينية في وزارتي الاوقاف والمعارف وفي وظائف المحاكم الشرعية والافتاء ووظيفة مقرر في الشعبة نفسها.

ولعل من أبرز العوامل الرئيسة التي كانت وراء تأسيس الجامعة تفكير فيصل الاول في بناء تلاحم اجتماعي قوي بين ابناء العراق.. وتخليصهم من حالة الانقسام المذهبي والتعصب الطائفي وخصوصا بين السنة والشيعة وجمع الولاء للوطن فقط. إذ شمل تدريس الفقه الشيعي لأول مرة في تاريخ العراق الرسمي، حيث كان تدرس المذاهب الخمسة في حال وجد من يرغب بذلك. أما أصول الفقه فيدرس الطالب أصول الفقه السني والشيعي على أن يكون أحدهما إلزامياً.

وتضمن المنهج الدراسي مواد عصرية تزيد من إطلاع الطالب وتفتح ذهنه مثل: الفلسفة، علم النفس، علم الاحتماع، علم الأخلاق، علم ما وراء الطبيعة، تاريخ الأديان، الفلسفة الإسلامية بما فيها التصوف، حكمة التشريع والتاريخ. ومن القوانين المدنية: نظام القضاء، قانون الأجراء والصكوك، علم الاقتصاد. بالإضافة إلى البلاغة والخطابة، تاريخ ما قبل الإسلام وتاريخ الإسلام وآداب اللغة العربية.

أما مدة الدراسة في الكلية الدينية فكانت أربع سنوات حيث لا يمكن إكمال المواد الدراسية بأقل من ذلك. إضافة إلى أن الدراسة الثانوية في العراق كانت أربع سنوات، بينما في بلدان أخرى كانت من ٥ – ٦ سنوات.

لماذا اخفقت التجربة؟

رغم كل الإمكانيات التي توفرت للكلية الدينية التي كانت أساس جامعة آل البيت لكن الكلية تعثرت في عملها منذ سنواتها الأولى. وكانت التقاطعات الإدارية بين وزارة الأوقاف ووزارة المعارف والتنافس على عائدية الجامعة أحد الأسباب التي جعلت أطراف أخرى تتدخل مثل مجلس الوزراء ومجلس النواب. كما أن رئيس الجامعة فهمي المدرس لم يتمكن من إدارة الجامعة وحل مشاكلها وإبقائها مستقلة ما فاقم الأوضاع حتى وصلت إلى انقطاع الدوام وتفرق الطلبة ، وقد وصل العدد إلى اثني عشر طالباً في السنة الأولى. كما قامت وزارة الأوقاف في عام ١٩٢٧ بإلغاء تدريس بعض المواد الأساس كعلم النفس، علم الاجتماع، فلسفة التشريع، علم الاقتصاد، نظام القضاء، علم البلاغة والخطابة بشرط تعويض هذه العلوم بعلم المنطق وعلم الكلام. هذا القرار المرتجل أدى إلى وجود (٣٠) ساعة شاغرة أسبوعياً. وفي السنة الرابعة تمت إعادة تدريس بعض المواد والإبقاء على إلغاء أخرى. هذا الارتباك الاداري أدى إلى عدم الثقة بالجامعة وسمعتها، إضافة إلى انطفاء الحماس لدى الطلاب والأساتذة على حد سواء في الاستمرار بالدراسة.

ساطع الحصري

ساطع الحصري ودوره التخريبي

ولعل أحد أهم عوامل الاخفاق هو موقف ، ساطع الحصري ، مدير التعليم للمدارس العراقية ومسؤول عن وضع المناهج الدراسية ، إذ كان الحصري يهاجم الجامعة ومنهجها الدراسي والإجراءات الإدارية وتشكيلات المجلس العام للجامعة ، كما انتقد الحصري الجامعة في اللجنة الوزارية ، ودعا إلى عدم التسرع في وضع نظام عام للجامعة، وعدم الاستعجال في منح الجامعة سلطات واسعة ، وعارض الحصري رغبة ، فهمي المدرس، بضم دار المعلمين العالية ومدرسة الهندسة ومدرسة الحقوق إلى الجامعة وقد نجح في ذلك.

وكان الحصري يرسل كتباً رسمياً ومذكرات إلى الوزراء والمسؤولين يعارض فيها استمرار جامعة آل البيت. ففي مذكرة مؤرخة في ١١ نيسان/ ابريل ١٩٢٤ كتب يقول “إني أرى انه يكون كارثة عظمى للعراق تأسيس أول جامعة للقطر تحت تأثير قانون سيء التصور، وسيء الكتابة، ومليء بالسخافات مثل القانون الذي عُرض على مجلس الوزراء”. تصور أن الحصري يصف تأسيس جامعة عراقية بأنه كارثة عظمى، في حين لم تكن هناك جامعة في العراق كله ، وكانت مصر سبقت العراق بتأسيس الجامعة المصرية (فؤاد الأول) عام ١٩٠٨ وخرّجت زعماء وسياسيين ورجالات دولة، لكن الحصري يستحيف إنشاء جامعة عراقية حديثة. لقد تأخر تأسيس أول جامعة عراقية خمسين عاماً أي حتى عام ١٩٥٨ عندما تأسست جامعة بغداد.

فهمي المدرس

وهاجم الحصري رئيس الجامعة ، فهمي المدرس، ووصفه بالاستهتار. وكان يرفع مذكراته إلى مجلس الوزراء لايقاف عمل الجامعة ، وكان المدرس يرد على انتقادات ومذكرات الحصري ويدرك أن الحصري ينطلق من نزعات علمانية وشخصية، فيقول “إن السبب هو ساطع الحصري لأنه لا يروق له تشكيل الجامعة ما لم يكن هو أميناً لها أي ان القضية شخصية وليست مهنية كما يدعي الحصري” ، وأضاف “ربما لأنه يريد توجيه الشباب العراقي نحو الجامعة الأمريكية (في بيروت)”.

لم يكن موقف الحصري ضد إنشاء جامعة آل البيت وحيداً بل سبق له أن انتقد فكرة تأسيس (جامعة الأشبال) التي اقترحها السيد ، هبة الدين الشهرستاني، الذي كان وزيراً للمعارف. وكان الشهرستاني قدم مشروعه بناء على طلب الملك نفسه، لكن ساطع الحصري تصدى للمشروع وهاجمه، وأقنع الملك بعدم جدواه، مؤكداً له انه ليس من مصلحة العراق القومية والوطنية والاجتماعية تأسيس مثل هذه الجامعة، ففشل المشروع في مهده.

من المعروف أن ،ساطع الحصري، علماني لا يؤمن بالدين، وهو من مواليد حلب بسوريا، وليس عراقيا، وكان يتبنى الفكر القومي العروبي ويهاجم الدين ويرفض منحه أي دور في التعليم أو الحياة العامة. وكان الحصري يجد صدى لأفكاره ومواقفه بين الطبقة السياسية والحكومية العراقية ، وكان اغلب من جاء بهم فيصل معه من سوريا من العلمانيين، إضافة إلى شخصيات عراقية أخرى تنشط بالفكر والشعر والأدب مثل الشاعرين ، معروف الرصافي، الذي هاجم الرسول (ص) ، وجميل صدقي الزهاوي، الذي هاجم حجاب المرأة ودعا إلى التبرج. وكانت تلك الطبقة وراء علمانية الدولة وترسيخ القومية العربية في بلد كالعراق فيه تعدد قومي ولغوي ومذهبي.

نهاية جامعة آل البيت

إزاء تلك الحملات والانتقادات قرر مجلس الوزراء في ٢٤ نيسان/ابريل ١٩٣٠ غلق الكلية الدينية في جامعة آل البيت ، والاستعاضة عنها بإرسال بعثة من (١٨) طالباً من طلبة العلوم الدينية يوفدون إلى معاهد مصر. وفي الواقع لم يرسل سوى أربعة طلاب فقط.

انتهى بذلك الحلم الذي راود المثقفين والتربويين الحريصين على ازدهار العراق من خلال ترسيخ التعليم الأكاديمي.  تم تسليم بناية الكلية الدينية إلى المجلس النيابي العراقي، ثم تحولت فيها دار المعلمين العالية. وأما الصرح المركزي الذي كان من المقرر أن يكون مقراً لرئاسة الجامعة فتحول إلى مقبرة ملكية أول من دفن فيها الملك فيصل الأول عام ١٩٣٣ ودفن معه حلمه الطموح. يشغل المبنى حاليا كلية التربية ابن رشد.

 

المصادر

  • موسوعة ويكيبيديا
  • خالد السلطاني، عمارة جامعة آل البيت الدرس الحداثي الأول، المدى في ٤ تشرين الأول ٢٠١٣
  • سيار الجميل، جامعة آل البيت في العراق، موقع إيلاف في تشرين الأول ٢٠٠٦ .
  • جواد كاظم محيسن، دار المعلمين العالية، ملاحق المدى في ١٧ آذار ٢٠١٩

 

 

لا يوجد تعليقات