البحث بدون تفكير نقدي ومستقل مثل الحاسوب بدون برنامج وذاكرة

0
6

كتب : البروفيسور محمد الربيعي

اؤكد ان انخفاض مستوى البحث العلمي في العراق يرجع في معظمه إلى ثقافة لا تشجع التفكير المستقل والنقدي. قد لا يخطر على بالك ان هذا السبب من الممكن ان يكون من اهم اسباب تردي مستويات البحث العلمي.

على مر السنين، كتب العديد من الاكاديميين عن البحث في العراق وتم مناقشة القضية بشكل متكرر على منصات الحوار الالكترونية. في جميع هذه المناقشات تقريبا، تم التأكيد على نقص التمويل وضعف المختبرات البحثية والبنية التحتية كأسباب رئيسة لضعف البحث العلمي في البلاد.

إلى حد ما اتفق مع هذه الاسباب. الأموال والتسهيلات العلمية مهمة بالفعل. ومع ذلك، فهي ليست الأسباب الوحيدة لاخفاقنا في إجراء بحث جيد. أصبح نقص التمويل تعميما مناسبا، وعذراً لاخفاقنا في النظر إلى المشكلات العلمية الحقيقية.

تتطور وتزدهر الابحاث في بيئة يُسمح فيها للفرد بالتعبير عن الأفكار الجديدة ومناقشتها، مهما بدت غريبة. هذه هي العملية التي نبلور من خلالها أفكارنا ونطهر عقولنا من الافتراضات الخاطئة.

يزدهر البحث بالجدل وعند المناقشة. إنه يزدهر عندما تناقش المجموعات العلمية بحرية وجهات النظر المختلفة. ويتم خنقه عندما لا نشجع الطلاب على مناقشة افكار الاساتذة. وما لم نخلق بيئة في مؤسساتنا التعليمية تساعد على التبادل الحر للأفكار، فلا يمكننا ببساطة إجراء بحث هادف. لكن من المؤكد ان يتكاثر عدد البحوث حتى في حالة عدم وجود مثل هذه البيئة، وهذا ما نراه حقا: كثرة من البحوث، لكنها تفتقر الى النوعية والجودة، ولا تعالج بدقة مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية.

في مثل ظروفنا الحالية، هناك ميل عام للالتزام بالموضوعات “الآمنة”، أو البحث في المجالات التي تم فيها إجراء بعض الأبحاث بالفعل في مكان آخر. البحث هنا يأخذ اقل حيز ممكن وبقية العملية اعادة تكرير.

ان إحدى أكبر المشكلات التي نواجهها هي ان الكثير من الطلبة يحصلون على شهادات الماجستير والدكتوراه، ومع ذلك يخفق معظمهم في أن يصبحوا مفكرين مستقلين.

معظم طلبة الدراسات العليا هدفهم الحصول على الشهادة ولا يهتمون كثيرا الى نوعية البحث الذي يتطلب منهم اجراؤه. اما التدريسيين فهدفهم من اجراء البحوث (او الاصح الاشراف على طلبة البحث) هو الترقية.

في الواقع ، ربط الوزارة للحصول على الشهادة بالنسبة لطلبة الدراسات العليا والترقيات للتدريسيين بنشر الأوراق البحثية ادى الى كثرة في العدد وقلة في الجودة.

كان المفروض ان تضع مثل هذه الشروط مسؤوليات كبيرة على عاتق كبار الأساتذة، ولاسيما رؤساء الأقسام والعمداء لخلق بيئة يتم فيها تشجيع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس المبتدئين على التفكير بشكل مستقل، وصياغة آرائهم والتعبير عنها بغض النظر عن الآراء السائدة، وعن طريق تنظيم ندوات ومناقشات حول مواضيع مختلفة وإنشاء نوادي المجلات واشاعة طريقة التدريس الجيدة وهي “التعلم القائم على حل المشكلات”، والتي تشجع الطلاب على استكشاف المشاكل والتوصل إلى إجابات بأنفسهم.

لنعترف ان الأموال ليست كافية لإنتاج بحث “هادف”. أود أن أؤكد هنا أن البحث ليس “غاية” في حد ذاته. بدلاً من ذلك، فإن البحث في حد ذاته ليس كافيا، إلا إذا تم استخدامه لحل مشاكلنا الحالية وللوصول الى قرارات قائمة على الأدلة تساهم في تقدم العلم.

سؤال يزعجني يتعلق بالحاضر والمستقبل. كم من أولئك الذين يعملون البحوث اليوم سيستمرون في إجراء البحوث على المدى الطويل؟ أم أنهم ينفذونها فقط للحصول على الشهادات او لكسب الترقيات؟

________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا