الى القادة والنخب الاعلامية والسياسية العراقية : شهداء المهجرين يطالبونكم بحقوقهم وحقوق ذويهم لا باحتفالياتكم الدعائية

0
259

كتب : باسل الربيعي

في الذكرى الـ 41 لجريمة التهجير التي وصفها قادة العراق الجديد حينذاك ، أي حينما كانت مادة دسمة للمتاجرة بها وموجة ركبوها لتحقيق مآرب دنيوية ، بانها “جريمة العصر” نقف اليوم امام موت للضمير والوجدان والرجولة وحتى الشرف عند الكثير من قادة العراق الجديد والنخب السياسية والاعلامية ، ممن عاصروا تلك الحقبة الدموية السوداء التي ما شهد تاريخ العراق والمنطقة نظيرا لها ، لكونهم مع كل عام يمر على تلك الجريمة يشطبون على سطورها ويعملون على محوها من الذاكرة ويتجاهلون بشكل متعمد وسافر آثاراها وتداعياتها الانسانية الرهيبة التي دمرت اكثر من جيلين .

انني وكلما امسك القلم لاكتب عن جريمة تهجير العراقيين الى ايران في السابع من نيسان/ابريل عام 1980  ، وانا شخصيا وعائلتي من ضحاياها، واسعى لاستشرف كيفية تعاطي القوى السياسية ابان حقبة المعارضة مع ضحاياها ، وجلهم من الكرد الفيليين ، ثم اقلب صفحات مواقف الدولة العراقية الجديدة التي تبوأت فيها قوى المعارضة مواقع رئيسة ، تنفيذية وتشريعية، تتفجر في اعماق وجودي مشاعر من الغضب والنقمة ، واشعر بانني بحاجة لان اكيل لهؤلاء اخس واسوأ اشكال السباب والشتائم ، ثم تتداعى لذهني ابيات للشاعر مظفر النواب ، احذف منها اولاد …… وادون منها :

لست خجولا حين اصارحكم بحقيقتكم

ان حظيرة خنزير اطهر من اطهركم

تتحرك دكة غسل الموتى اما انتم .. لاتهتز لكم قصبة

لقد كان المهجرون العراقيون الى ايران جسوركم الى الشهرة والاكتاف والدماء والتضحيات التي بنيتم عليها كياناتكم السياسية والاعلامية والجهادية ، وكان حريا بكم الوفاء لهم ، لكنكم وكما قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب (سلام الله عليه ).. ” یا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لاَ رِجَالَ! حُلُومُ الاَْطْفَالِ، وَ عُقُولُ رَبّاتِ الحِجَالِ! لَوَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَرَکُمْ وَ لَمْ أَعْرِفْکُمْ مَعْرِفَةً ـ وَاللهِ ـ جَرَّتْ نَدَماً، وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً. قَاتَلَکُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلأتُمْ قَلْبِي قَیْحاً وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَیْظاً …ِ”.

ان جريمة التهجير التي تعد من الجرائم المركبة ، المتعددة الاوجه ، وذلك بشمولها اجتثاث العراقي من جذوره وابعاده عن ارضه وارض آبائه واجداده ، وسجنه ، ومصادرة امواله المنقولة وغير المنقولة ، واعدام نحو 20 الف من ابنائه واشقائه وتغييب اجسادهم الطاهرة ، نفذها الطاغية المقبور صدام حسين ابتداء من 7 نيسان /ابريل 1980 فصعودا ، في حين تابعت القوى السياسية الاسلامية “الشيعية” ابان حقبة المعارضة ، اي قبل سقوط الصنم عام 2003 ، تنفيذ اشكالا آخرى من الظلم والتهميش ضد الكرد الفيليين المهجرين.

في ايران التي احتضنت قوى المعارضة العراقية وقادتها ، الذين بالمناسبة كانوا ولا حتى بالاحلام يتصورون انه سيكون لهم الواقع معيشي المطنب بالثراء الذي هم عليه اليوم في العراق، كان هناك جماعة اياد سعيد ثابت والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وحزب الدعوة الاسلامية ومن انشق عنه ومنظمة العمل الاسلامي ومن انشق عنها وحركة المجاهدي وجند الامام وغيرها. ولابأس التذكير بان جماعة البعثي المنشق اياد سعيد ثابت قد حذفت سريعا من الساحة الايرانية بفعل “قشر موز” اسلامي.

ولست هنا في وارد الحديث عن كل هذه القوى السياسية لانني لم اعمل معها ، مع اننا نقرأ في موقع التواصل الاجتماعي انتقادات يوجهها لها اعضاء سابقون فيها قد تم تهميشهم او تهميش رفاقهم “المخلصين والثوريين الحقيقيين”.

هنا اتحدث عن المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق الذي عملت فيه ، وكيفية تعاطيه مع الكرد الفيليين المهجرين . اذ ما من “انسان شريف ومحايد” يستطيع ان ينفي حرمان المجلس الاعلى للكرد الفيليين من تبوأ اي مركز قيادي في قمة الهرم ، اي الشورى المركزية لهذا المجلس ، وحتى لم يمنح المجلس حق العضوية للكردي الفيلي المهجر في الامانة العامة التي ضمت البعض الذي يصدق تصنيفه ضمن “شعيط ومعيط وجرار الخيط” ، باستثناء الدورة العاشرة التي تشكلت قبل سقوط طاغية بغداد بفترة قصيرة ، حيث اختير احد الكرد الفيليين عضوا في الامانة العامة ، ولم يتم اختياره على اساس النشاط الجهادي والسياسي والفكري وانما لاجل “الحلب” فقط اذ كان من المحسنين ومن كبار التجار وكان المجلس يستفاد كثيرا من الدعم المالي الذي يقدمه له التجار الفيليون الذين نجحوا باعادة ترتيب امورهم التجارية في “بازار” طهران وبعض المدن الاخرى بعد ان كان الطاغية صدام جردهم من كل اموالهم. وفي احدى الاجتماعات عاتبت الشخص الذي اختيرا عضوا في الامانة العامة واكدت عليه بان يوحد وسائر التجار الفيليين جهودهم واموالهم لتشكل تنظيم سياسي فيلي يدافع عن حقوق المهجرين العراقيين ، بدلا من تقديمها الى المجلس الاعلى ، وذلك لان الجميع قد تخلوا عن هذه الشريحة المظلومة ، فرد علي “انك شاب ثوري ومتحمس اكثر من اللازم”.  وبالمناسبة كان للتركمان ممثلا في الشورى المركزية والامانة العامة في حين ان نسبتهم السكانية اقل من الكرد الفيليين ولم يقدموا شهداء كما قدم الفيليون.

في حسينيات الكرد الفيليين وفي الاجتماعات الخاصة بهم ، كان قادة المجلس الاعلى يطنبون ويبالغون في الحديث عن تضحيات ومظلوميات الكرد الفيليين ، ولكن في العمل كانوا يهمشونهم ولايمنحونهم اي دور في القرار السياسي ، بل كانت اعينهم بشكل دائم متجهة نحو جيوب التجار الفيليين ، وحتى اذا ما توفي شخص قريب لتاجر فيلي فان القيادة اما تذهب بنفسها او تبعث مندوبا عنها لتقديم واجب العزاء والمواساة ، في حين ما كانت تفعل هذا الامر مع عوائل شهداء الكرد الفيليين من مقاتلي فيلق بدر، لكونها من الطبقات المسحوقة التي لاتدر المال عليهم.

وتبنت الوحدة العسكرية التابعة للمجلس الاعلى في احدى السنوات ، مشروعا تحت عنوان “الشورى المركزي للكرد الفيليين” والذي كان مقررا له الاشراف على شورى الكرد الفيليين العراقيين في مناطق سكناهم في ايران ، وكانت هذه الشورى مجرد لافتة لاقيمة لها ومالبث ان طواها النسيان والاهمال .

وفي احدى الاعوام ايضا تقرر اقامة مؤتمرا للكرد الفيليين في مدينة ايلام (غرب ايران) ، وطلب مني المسؤولون كتابة البيان الختامي للمؤتمر على ان اعرضه على الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (رض) ليضع البصمات النهائية عليه، وكان هو وجمع غفير من كبار المسؤولين العراقيين والايرانيين من المشاركين في المؤتمر. السيد رحمه الله اعجب بالبيان الختامي لكنه طلب مني ان اغير عبارة “شريحة الكرد الفليليين” الى “امة الكرد الفيليين” لاعطائهم المزيد من المكانة في الواقع العراقي. وكنت اتوقع ان يحصل تغيير في المواقف العملية للمجلس من الكرد الفيليين وذلك من خلال الحاق عدد منهم بعضوية الشورى المركزية او الامانة العامة، لكن توقعي كان في غير محله ، باستثناء الدورة العاشرة التي لم تعمر طويلا بسبب سقوط النظام وعودة المجلس الى العراق وانتقال الشخص الذي تم اختياره الى رحمة الله لكهولة سنه .

وتم الاعلان عن تشكيل مجلس الحكم ، وتوقعت مرة اخرى ان يكون احد اعضائه من الكرد الفيليين ، وخاب توقعي ثانية فكان للاخوة التركمان والمسيحيين وغيرهم من الاقليات التي من حيث تعدادها السكاني هي اقل بكثير من الكرد الفيليين ، ممثلون في مجلس الحكم . ومع ذلك بقي قادة المجلس الاعلى يتحدثون عن بطولات وتضحيات ومظلومية الكرد الفيليين ، ولاسيما في المواسم الانتخابية . ولابد من التذكير ان اول شهيد في فيلق بدر كان من الكرد الفيليين .

وباتت مظلومية المهجرين العراقيين ، وجلهم كما ذكرنا من الكرد الفيليين ، ضائعة بين القادة الشيعة والقادة الكرد ، واصبحوا كالكرة يقذفها القادة الشيعة على القادة الكرد لان الفيليين كرد ، ويقذفها القادة الكرد على القادة الشيعة لان الفيليين شيعة.

كان احد اعضاء حزب الدعوة من الاخوة التركمان (ع.ب) يقيم في سوريا ، وكانت تربطني به علاقة صداقة ، لكن كانت لديه نقطة ضعف وهي حب الظهور المستمر على وسائل الاعلام ، لكن وسائل اعلام المعارضة العراقية آنذاك لم تكن تقيم له وزنا . وفي لقاء جمعنا باحد فنادق العاصمة الايرانية تكلم معي بشيء من الرجاء لاعمل حوارا معه وانشره في صحيفة “نداء الرافدين” التي كانت تصدر عن مكتب المجلس الاعلى في سوريا ، وكنت مدير مكتبها في طهران ، فاضطررت لاجراء الحوار معه وتم نشره . مرت الايام واذا بصاحبي يصبح عضوا في مجلس النواب ، وشاءت الصدف ان نلتقي مجددا في طهران ، وهنا انا رجوته بان يطرح مظلومية المهجرين العراقيين والكرد الفيليين تحت قبة البرلمان ، فرد علي قائلا “يمعود شعلي بيهم همه صوجهم ماموحدين صفوفهم”.

بعد النزاع الكردي – الكردي عام 1994 كان المجلس الاعلى وايران يقفان مع الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد اديت شخصيا دورا اعلاميا فاعلا في تغطية تداعيات ذلك الاقتتال اذ عملت العديد من الريبورتاجات الصحفية وبرنامج اذاعي تحت عنوان “الاجتياح” بث من اذاعتي “صوت العراق الثائر” و “صوت الثورة الاسلامية في العراق”،  ونسخة تلفزيونية تحمل العناون نفسه تم بثها على نحو 30 حلقة من “تلفزيون الانتفاضة” كما كنت اول صحفي يسلط الضوء على الواقع المأساوي للنازحين من اهالي السليمانية وسائر المناطق الخاضعة للاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة المرحوم جلال الطالباني ، الى منطقة “بانة” الايرانية الحدودية (غرب)، وذلك هربا من مناطقهم اثر استعانة زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ، مسعود البارزاني ، بالجيش العراقي في مواجهة قوات الطالباني،  وكانت افلامي الوثائقية مؤثرة للغاية بحيث طلب السيد الشهيد محمد باقر الحكيم ارسالها لمنظمة حقوق الانسان في جنيف.

وخلال زيارة قام بها وفد من المركز الوثائق لحقوق الانسان في العراق لمدينة السليمانية ، بعد تلك الاحداث ، وكنت من ضمن الوفد الزائر ، حصل اجتماع مع الرئيس الفقيد جلال الطالباني فاشاد امام كبار قادته بجهودي ودعاني لزيارة السليمانية برفقة عائلتي على ضيافته الخاصة . وحصلت الزيارة عام 2001 وقد استثمرتها في اعداد ريبورتاجات نشرت على 10 اجزاء ، كل جزء صفحة كاملة ، في صحيفتي الرأي العام الكويتية والراية القطرية ، وحملت عنوان “كردستان رحلة في عالم الحقيقة”. وغطت الريبورتاجات كل مفاصل الحياة في السليمانية واربيل وكان لي لقاء خاص مع المرحوم جلال الطالباني والسيد مسعود البارزاني فضلا عن عدد كبير من القادة والمسؤولين والمؤسسات التعليمية والطبية والثقافية وغيرها.

في تلك الزيارة استضافتني المرحومة “روناك محمد رؤوف” المعروفة بـ “لبؤة كردستان – او روناك خان” وهي والدة الرئيس العراقي الحالي برهم صالح ، ولم تكن تصدق بانني سانشر كل هذا الكم الهائل من الريبورتاجات ، وحينما حصل النشر باتت تربطني بها علاقة صداقة متينة واعتبرتني مثل ابنها الدكتور برهم ، حتى كانت تقول لزوجتي “انت جنتي لانك زوجة ابني باسل”.

وكانت المرحومة “روناك خان” تشعر بالاستياء حينما تسمع انني في السليمانية ولم ازرها في البيت لتناول الغداء او العشاء سوية . ومع ذلك فانني وفي احدى تلك الزيارات تحدثت اليها عن مظلومية المهجرين والكرد الفيليين ورجوتها بان تتكلم مع كبار القادة الكرد ، ومنهم ابنها الدكتور برهم صالح، للعمل على معالجة ماتقاسيه هذه الشريحة “الامة” المظلومة ، فردت علي قائلة “ان الكرد الفيليين شيعة وهذا واجب القادة الشيعة ان يرفعوا الحيف والظلم عنهم ويعيدوا لهم حقوقهم”.

قرار انقعناه وشربنا ماءه :

_________________

في التاسع من كانون اول/ديسمبر 2010 صدر عن مجلس الوزراء القرار رقم 426 ، ونصه:

“بناء على ما عرضه دولة رئيس الوزراء، بشكل طارئ خلال جلسة اجتماع مجلس الوزراء، واستنادا الى ما جاء في المادة (11) من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا رقم (10) لسنة 2005 المعدل بشأن جرائم الإبادة الجماعية. 
قرر مجلس الوزراء بجلسته الثامنة والاربعين الاعتيادية، المنعقدة بتاريخ 8/12/2010، الموافقة على اصدار البيان الآتي: 
أولا : يرحب مجلس الوزراء بقرار المحكمة الجنائية العراقية العليا الصادر بتاريخ 29/11/2010، والقاضي باعتبار قضية إبادة وتهجير الكرد الفيليين جريمة من جرائم الابادة الجماعية بكل المقاييس، معززا لما اقره مجلس النواب واكده مجلس الرئاسة بقراره رقم (26) لسنة 2008 المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد: (4087) والمؤرخ في 22/9/2008. 
ثانيا: يتعهد مجلس الوزراء بإزالة كافة الآثار السيئة التي نتجت عن القرارات الجائرة التي اصدرها النظام البائد بحق ابناء الشعب العراقي من الكرد الفيليين (كإسقاط الجنسية العراقية ومصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة والحقوق المغتصبة الاخرى)”.  
 

قرار لذر الرماد في العيون :

_________________

بعد اكثر من عام ، وتحديدا في 8 شباط/فبراير 2012 اصدر الرئيس الراحل جلال الطالباني القرار رقم (6) لسنة 2012  الذي تم نشره في جريدة الوقائع العراقية الرسمية ، وكان نصه: “باسم الشعب – رئاسة الجمهورية.  بناء على ما اقره مجلس النواب طبقا الى احكام البند (اولا) من المادة (61) والبند (ثالثا) من المادة (73) من الدستور . قرر رئيس الجمهورية بتاريخ 8/2/2012  اصدار القرار الآتي:

قرار رقم (6) لسنة 2012

اعتبار ماتعرض له الكرد الفيليين وبالاستناد الى قرار محكمة الجنايات العراقية العليا جريمة ابادة جماعية بكل مايعنيه هذا التكييف من معنى.

جلال الطالباني – رئيس الجمهورية (جريدة الوقائع العراقية – العدد 4231 /ص 21/ت 27/2/2012).

 ولم يلتفت احد الى جملة اخيرة ، لانعلم ان كان الرئيس الفقيد جلال الطالباني اسقطها عمدا او سهوا في هذا القرار ، وهي الجملة التي تذكر عادة في ذيل الكثير من القرارات وتوضع عادة اسفل امضاء الرئيس ، وعنوانها “الاسباب الموجبة” حيث يشرح فيها رئيس الجمهورية الاسباب من وراء اصدار اي قرار ، وكان من باب العقل والمنطق والانصاف ان يتضمن القرار شرحا لطبيعة التعويضات التي على الحكومة تقديمها للذين اعتبرتهم “ضحايا ابادة جماعية”.   

صفقة مشبوهة:

__________

اثناء ” المصالحة الوطنية ” وقوانين المسائلة والعدالة عام 2012 تحديدا ، تقدم احد النواب الدعاة “الشيخ محمد الهنداوي” ، مدعوما (على عهدة الرواي من قبل رئيس الوزراء ، الامين العام لحزب الدعوة، السيد نوري المالكي) بمشروع قرار يقضي باضافة محتجزي مخيم رفحاء (في السعودية) الى مؤسسة السجناء السياسيين ، وبعد شد وجذب بين الائتلاف الوطني العراقي (الشيعي) ، الذي الكثير من القوى السياسية المنضوية تحت مظلته كانت في ايران (وهي الادرى والاعرف من غيرها بعظم مأساة جريمة التهجير وتداعياتها) ، والقوى السياسية السنية الذارفة لدموع التماسيح على الاجهزة الامنية والعسكرية والحزبية المنحلة التي ذبحت وقمعت العراقيين على مدى 35 عاما من حكم حزب البعث ، تم عام 2013  ابرام “اتفاق وصفقة مشبوهة” وافضل ان اسميها “صفقة العار” ، حيث قضت بتمرير قانون رفحاء، اي اضافة محتجزي رفحاء الى مؤسسة السجناء السيايين، وذلك مقابل اقرار رواتب للاجهزة القمعية المنحلة ومنها فدائيو صدام والرفاق من عضو فرقة فما فوق والمخابرات وجهاز الامن الخاص والعاملون بالقصور الرئاسية والاستخبارات العسكرية والامن الداخلي وحمايات المقبور صدام ، والذين تذكر بعض التقارير ان عددهم الكلي يصل لنحو 350 الف مجرم . وبعد ان وضعت “صفقة العار” عام 2017 (ان لم تخني الذاكرة) ، على سكة التنفيذ ، حتى تقرر منح الجميع رواتب شهرية وباثر رجعي يعود لعام 2013 ، اي انهم استلموا فروقات مالية كبيرة بهذا القرار الرجعي.

وعلى الرغم من الواقع المعيشي الافضل لقطاعات واسعة من محتجزي رفحاء ، ممن يقيمون في اوروبا وامريكا، وعلى الرغم من ان اعدادا لايستهان بها من هؤلاء لم يشاركوا اساسا في الانتفاضة الشعبانية بل هربوا الى السعودية بعد جرائم القمع العشوائية والمنظمة التي نفذها نظام صدام ضد المدن التي ثارت وانتفضت عليه عام 1991 (وانا شخصيا بالاضافة الى الزملاء ابو حامد الكعبي (على ما اظن ويقيم حاليا في كندا) والمرحوم السيد ابو رياض الزيني (والد الشهيد الخالد الداعية الدكتور رياض الزيني) والمجاهد الداعية البطل المرحوم ابو زينب الاشقر والاخ ابو اسلام الصغير (شقيق الشيخ جلال الدين الصغير) كنا نعمل في وحدة العلاقات الدولية في المجلس الاعلى ، ومن مهامنا الاشراف على سجلات محتجزي رفحاء الذين فضلوا اللجوء لايران ،وكنا على معرفة باسباب لجوء الكثير من هؤلاء الى السعودية ، فان القوى الشيعية تجاهلت عن عمد اضافة المهجرين والمهاجرين الموجودين في ايران الى ذلك الاتفاق ، رغم ان هؤلاء بين من وقع ضحية لـ “جريمة العصر” (التهجير) او هاجر الى ايران للجهاد في سبيل الله او خشية اعدامه بسبب نشاطه السياسي المناهض حينذاك لنظام البعث ، وكان غالبية هؤلاء يعيشون في الواقع في سجن كبير اسمه ايران ، اذ لم يكن بوسعهم السفر الى خارجها ، وحتى السفر بين محافظاتها كان من الناحية الرسمية يتطلب موافقات خاصة من وزارة الداخلية “برگ  تردد” ، كما كانوا يواجهون مصاعب جمة في استحصال لقمة العيش بسبب القيود الايرانية المشددة على عمل الاجانب الى جانب قرار حكومة الرئيس محمود احمدي نجاد ، القاضي برفع الدعم عن السلع الاساسية  ما فاقم من اوضاعهم المعيشية، في حين مازال المئات من المهجرين العراقيين حتى بعد مضي 4 عقود يعيشون في المخيمات.

شهداء الفيليين يطالبون بحقوقهم وحقوق ذويهم لا باحتفاليات

_______________________________________

في الاول من نيسان /ابريل الجاري ، نظم  “المؤتمر الوطني العام للكورد الفيليين” في بغداد احتفالية لمناسبة يوم الشهيد الفيلي ، ونظمت فعاليات مشابهة ايضا في عدد من المدن العراقية والدول الغربية.

في احتفالية بغداد القى زعيم ائتلاف دولة القانون ، نوري المالكي، كلمة طيبة عن الكرد الفيليين ، وقد استوقفتني جملة مهمة للغاية في كلمته ، قال فيها “كم العذابات الذي تعرض له المكون الكوردي الفيلي من مصادرة للأموال والتهجير القسري واسقاط الجنسية وتغييب الاف من شبابهم في دهاليز البعث البائد يجعل من واجب من يتسلم دفة المسؤولية في العراق ان ينصفهم لما بذلوه من تضحيات”!!

وطبعا انا سمعت مثل هذا الكلام من معظم القيادات الشيعية وممن كانوا يترشحون للانتخابات، لكن ما ارغب ان اسأله من السيد المالكي (مع كل تقديري واعتزازي بجهوده ومواقفه البطولية الشجاعة والرجولية في الكثير من القضايا الوطنية وايصاله العراق الى بر الامان بعد الكثير من الفتن والتحديات والمنعطفات الامنية والسياسية الخطيرة التي واجهها البلد والشعب)، هو “الم تكن انت ياسيدي من دعمت وايدت ووقفت الى جانب الشيخ الهنداوي في قضية محتجزي رفحاء ؟ وبغض النظر عن وثيقة تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي ( ولم يتسن لنا التأكد ما ان كانت صحيحة ام مفبركة) ، تؤكد فيها موافقتك على “شمول مجاهدي رفحاء بقانون السجناء السياسيين” ، فانه كان بوسعك ، وانت تعرف ماتعرف عن مأساة المهجرين العراقيين ، الضغط باتجاه الحاق هؤلاء المظلومين الى جانب الاخوة من جماعة مخيم رفحاء ، ولاسيما ان هؤلاء الاخوة لم يتكبدوا خسائر مادية وبشرية ونفسية بمقدار ماتكبده المهجرون العراقيون !

انني وبعد اكثر من اربعة عقود على “جريمة العصر” اقولها وبكل شجاعة وصدق ، ان كل المؤتمرات والخطابات الرنانة التي تقام باسم المهجرين العراقيين وشهدائهم ، وعادة ما يسخن تنورها قبيل الانتخابات، انما هي جزء من الانشطة الدعائية الرامية الى كسب اصوات الفيليين المهجرين ، والا ما معنى تهميشهم وحرمانهم من حقوقهم وعدم منحهم التعويضات المجزية التي تمكنهم من تأسيس حياة كريمة لهم ولعوائلهم ، وما معنى نسيانهم طوال العام واستذكارهم قرب حلول كل عملية انتخابية؟

ومن الذاكرة ، حينما اعتقل نظام صدام المقبور افرادا من عائلة السيد الحكيم (رضوان الله عليهم) ، اقام المجلس الاعلى ، بمكتبه الرئيس في طهران وفروعه في الخارج، الدنيا ولم يقعدها ، اذ نظم المسيرات والتظاهرات والاعتصامات والمؤتمرات والملتقيات ، وما ان انتهت هذه الازمة حتى ساد السكون والصمت، فاضطررت حينها الى كتابة رسالة الى السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (رض) تساءلت فيها: هل من في السجون هم عائلة الحكيم فقط؟ وحذرت من ان النظام المجرم سيقوم بدون شك بتصفية ابناء المهجرين جميعا. وهذا التحذير كنت طالما اكرره على وزراء الخارجية في ايران في كل مؤتمر صحفي يعقدونه ، واطالبهم بالسعي لدى المنظمات الدولية لانقاذ الشباب المحتجزين ، حتى بات بعض الزملاء الصحفيين العراقيين يسخرون مني ، بالقول “هسه انت ماعندك غير هذا السؤال في كل مؤتمر” ، ومن كثرة الضغط الذي كنت امارسه في هذا المجال ، وجهت الخارجية الايرانية رسالة الى منظمة الهلال الاحمر الايرانية طلبت منها تزويدها باسماء الشباب المحتجزين في العراق الذي هجرت عوائلهم الى ايران ، وبالفعل استطاعت المنظمة ، وعلى عجالة ، تنظيم قائمة بـ (2050) اسم وبعثتها الى الخارجية ووصلت الاسماء عن طريق مندوب ايران في منظمة حقوق الانسان التابعة الى الامم المتحدة ، الى المقرر الخاص لحالة حقوق الانسان في العراق “ماكس فان ديرشتويل” الذي فاتح حكومة الطاغية بالموضوع ، لكن هذه الحكومة “العصابة” ردت عليه بالقول “ان هؤلاء عراقيون ، وهذا شأن عراقي وليس من حق ايران التدخل به”.

واستمر صمت الجميع حتى تمت تصفية كل الشباب المحتجزين باساليب لايصدقها العقل ، وان هؤلاء الشهداء المظلومين الابرار لايطالبون اليوم باقامة احتفاليات لهم بل يطالبون الدولة العراقية بالسعي الجاد للكشف عن اماكن دفنهم ، فسجلات الذين اشرفوا على قتلهم ودفنهم متاحة ومعروفة لدى الحكومة والاجهزة الامنية تحديدا، لتقر اعين من تبقى من ذويهم برفاتهم الطاهرة ، وهم يطالبون ايضا الدولة العراقية بان تنصف اهاليهم وذويهم من خلال رفع المعوقات التي تعترضهم في الكثير من مجالات الحياة ومنحهم تعويضات مجزية ومنها قطع اراضي مع تكاليف انشاء دور عليها واعادة اموالهم المنقولة وغير المنقولة اليهم بيسر وبعيدا عن الغرامات والرشوات والاتاوات ، لاجل ان تندمل بعض جراحهم الغائرة، وما من جرح اشد ايلاما من جرح فراق الوطن ، الى جانب احتساب مدة التهجير من عام 1980 حتى سقوط الصنم في عام 2003 ، على انها فترة سجن .

ولابد من التذكير بان الاجراءات التي حصلت قبل نحو سنتين ، اي فتح باب التسجيل مجددا لشمول المهجرين بقانون السجناء السياسيين، هي اجحاف حقيقي وظلم آخر ، فهي تمنح المهجر الذي سجن بضعة ايام منحة مالية ، يقال مقدارها 5 ملايين دينار على ان يمنح راتبا شهريا ان كان تم احتجازه شهرا واحدا او اكثر ، في حين يتم منح المهجرة راتب شهري حتى وان احتجزت يوما واحدا . وكما هو معروف ان عمليات الاحتجاز ماكانت تستمر سوى بضعة ايام قد لاتتجاوز الاسبوع ، الا في بعض الحالات الخاصة وهي قليلة. ثم ان الضوابط التي وضعت لاستكمال المعاملة من كفيل وضامن وشهود هي بحد ذاتها تكشف بوضوح جهل من وضع هذه الضوابط التعجيزية او انها وضعت عن عمد لكون الكثير من الجيران والاقرباء والاصدقاء الذين كانوا شهودا على جريمة التهجير اما فارقوا الحياة او انتقلوا الى اماكن غير معروفة. مع العلم ان جلب كفيلين ، حسب تلك الضوابط، يعتبر قريبا من المستحيل لانك ما ان تسأل صديق او قريب ليتكفلك حتى يعتذر لانه سبق ان تكفل آخرين لقروض مصرفية حصلوا عليها او لامور اخرى.     

سادتي قادة الاحزاب الشيعية ، نرجوكم لاتضطرونا ان نكرر على مسامعكم ما قاله الشاعر الراحل مظفر النواب.

ختاما سلامنا للسيدة “ايفان فائق جابرو” التي تستحق عن جدارة لقب “وزيرة النزوح والنازحين” ، متمنين عليها ان ترمي لافتة وزارة “الهجرة والمهجرين” في سلة المهملات لانه يبدو ان هذه اللافتة قد اثقلت كاهلها وعكرت مزاجها هي والمستشارين والوكلاء الشيعة والفيليين المحيطين بها والدائرين في فلكها والمهرولين خلفها طمعا بكسب قبولها ورضاها عنهم ، ومصداق ذلك لقاءاتهم وزياراتهم لمدن ومخيمات “انفسنا” في الغرب ، اما ابناء جلدتهم من المهجرين والمهاجرين في ايران “فطبهم طوب من نوع ابو خزامة”. 

واقعا بئس القوم انتم يامن تنكرتم لاهلكم ورفاق دربكم الذين على اكتافهم وتضحياتهم اصبحتم قادة وباتت لكم كيانات وثروات .. لكن بالمناسبة هل تعرفون اننا اسعد منكم واكثر راحة ضمير ووجدان واستبشارا برحمة وعفو وغفران رب العباد وحسن العاقبة ، لكوننا لم نتورط بما تورطتم انتم به من فساد وصفقات مشبوهة ، ولا تلاحقنا لعنات الايتام والارامل والثكالى والفقراء والمحرومين والعاطلين والمهمشين كما تلاحقكم في كل يوم وكل ساعة .. حسبنا الله ونعم الوكيل عليكم وعلى شركائكم في الفساد من الشمال والغرب.        

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا