تهنئة لاشقائنا المسيحيين العراقيين مصحوبة بألم فراق “الشهيد سلام”

1
229

كتب : باسل الربيعي – رئيس التحرير

يسرني ان اتقدم لكل اشقائنا العراقيين من اتباع الديانة المسيحية ، ولمسيحيي العالم كافة، بالتهنئة والتبريك لمناسبة عيد الميلاد المجيد لنبي الرحمة والسلام والمحبة عيسى بن مريم ، على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام. متمنيا ان يكون العالم في العام الجديد خاليا من الحروب والازمات والاوبئة ، وان تسود قيم المحبة والود والسلام بين بني البشرية كافة ، وان يزول الظلم والتعسف والغطرسة والجوع والحرمان والفقر عن الشعوب.

واذ كان عيد ميلاد السيد المسيح (ع) في الخامس والعشرين من ديسمبر ، يحمل معه الفرح والسرور لاتباع الديانة المسيحية ، فانه يذكرني شخصيا بالم وجرح مازال غائرا في قلبي ولم يندمل ، ويمر عليّ هذا العيد وعلى عائلتي ، كل عام ، بحزن اتقدت جذوته عام 1980 واستمر لهيبه يكوي القلب ليومنا هذا .

في مثل هذا اليوم ، أي 25 ديسمبر ، من العام 1957 ، رزق والديّ بطفلهما الثاني ، واختارا له اسم “سلام” لكون ولادته جاءت متزامنة مع ميلاد نبي السلام والمحبة والتسامح عيسى بن مريم.

المرحوم الوالد والشهيدان يوسف وسلام

وفي مؤشر على انه سيكون لهذا الوليد الجديد “سلام” شأنا ومقاما رفيعا في السماء ، فانه ولد مختونا ولم يكن بحاجة لعملية ختان ، كما انه مع مضي السنوات كشف عن خلق وسلوك مسكونين بحبه لبني البشر بمختلف قومياتهم واعراقهم ، وركونه للتسامح والمحبة ورفضه للظلم والظالمين ، ومساعدته لمن يحتاج اليه من دون اي مقابل ، وكان يدخل بسرعة قلوب الناس برقته ودماثة اخلاقه وطيبته وصدقه ، هذا فضلا عن انه كان يمتاز بوجه نوراني جميل ، وكان اجمل افراد العائلة ، كما كان مؤدبا وخجولا جدا ، وكانت الفتيات في الحي الذي نسكنه يتسابقن لاجل التعرف عليه والحديث معه عسى ان يجلبن اهتمامه وتفاعله لكنه لم ينجر ابدا للخطيئة ، وكانت احداهن اذا ما اعترضت طريقه وبادرته بالتحية يبدأ بالتعرق ويصاب وجهه بالاحمرار خجلا وحياء فيرد عليها التحية ويمضي سريعا في طريقه.

من اليمين – صديقنا منعم وانا والشهيد سلام – مرآب النهضة 1979

بعد بلوغه سن الـ 18 عاما سيق “سلام” الى الخدمة العسكرية الالزامية ، ولكونه من مواليد مدينة العمارة فقد تم تنسيبه على مركز تدريب الشعيبة في محافظة البصرة ، وبعد تدريب اولي في المركز حضر ضباط من معسكر القوات الخاصة البحرية الذي كان يقع في منطقة “الجبيلة” بمدينة البصرة ليختاروا الجنود الذين يمتلكون اللياقة البدنية الجيدة لالحاقهم “قسرا” بالقوات الخاصة البحرية ، وكان شقيقي سلام احد الجنود الذين وقع عليهم اختيار ضباط هذه القوة. وقد ادخل بعد التحاقه بهذه القوات الى دورات عسكرية شاقة وخطيرة ، منها القفز بالمظلات والغوص والقتال باليد العزلاء (الجودو والكاراتيه) الى جانب التدريب على اصناف مختلفة من الاسلحة.

وكما كان في حياته المدنية يدخل قلوب الناس من اوسع ابوابها ، فانه دخل الى قلوب زملائه الجنود والمراتب وحتى الضباط في المعسكر، وطالما تحدث لي زملاؤه الجنود عن مقدار شغفهم باخلاقه وحبهم له وكان البعض منهم لايحتمل فراقه فيأتي الى بغداد للقائه حينما يكون مجازا لبضعة ايام.              

من اليمين – الشهيد سلام وابن عمنا الشهيد عبد الكريم وانا واخي الكبير الشهيد يوسف

واتذكر انه زارنا في احد الايام ، وقال للمرحوم والدي بان القيادة في المعسكر اصدرت امرا للفوجين السابع والثامن قوات خاصة بحرية يقضي بالتوجه الى شمال العراق ، لاجل ما سموه تطهير بعض الجبال والقرى من “العصاة” وضبط ما لدى الاهالي من اسلحة ، وكان هو ضمن جنود الفوج الثامن . وهنا قال له والدي “اسمع ياولدي ان ماتفعله الحكومة مع الاكراد هو ظلم جائر واياك ان تشاركها بهذا الظلم وافعل كما ربيتك ، واذا سمعت بانك الحقت الاذى بمواطن كردي فسأتبرأ منك واعقك”. وبعد عودته من مأموريته في شمال العراق حكى لنا عن حادث ، اذ قال “صدرت لنا الاوامر بتفتيش قرية بمنطقة جبلية نائية ، وكان احد الدور السكنية حصتي بالتفتيش عن السلاح ، وحينما دخلت الى البيت وجدت رجلا في عقده الخامس وزوجته وبناته الشابات ، كانوا يرتجفون من الخوف ، فقلت لهم لا داعي للقلق والخوف فانا لن الحق بكم الاذى ، وجلست على كرسي وطلبت من الاب ان يأمر بناته ببعثرة مخزن الملابس والافرشة وبعض الاثاث ، لان الضابط كان يدخل ليرى هل ان الجندي قام فعلا بتأدية واجبه ام لا. وحينما هدأ روع افراد العائلة اتت لي ربة البيت باللبن والخبز ، وبعد بضعة دقائق دخل الضابط وكان بعثيا شرسا فاخبرته بانني فتشت كل زوايا واركان البيت ولم اعثر على اي سلاح ، فخرج وكنت اتبعه ، وفي هذه الاثناء لاحظت ان الدموع بدأت تنهمر من عين الوالد والوالدة ، وشكرتهما على اللبن والخبز وغادرت منزلهما”.

يسار- الشهيد سلام وصديقه صباح اعربا في الرحلة النهرية عن قلقهما من شن الحرب على ايران

وفي عام 1979 ، وقد مضت فترة قصيرة على انتصار الثورة الاسلامية في ايران ،زرت اخي سلام في البصرة ، فانا لم اكن اطيق فراقه بضعة اسابيع ، وذهبت معه في رحلة نهرية في شط العرب رفقه احد الجنود ، واسمه صباح ، وكان من اقرب اصدقائه وبمثابة الظل لاخي وهو من اهالي مدينة ابو الخصيب ، وقد لاحظت ان مزاجهما لم يكن كالمعتاد، وحينما سألتهما عن السبب فاكد لي الاثنان ، بان صدام حسين يكن العداء لمفجر الثورة الاسلامية في ايران الامام الخميني ، وانه ربما سيشن الحرب على ايران. وبعد اللقاء ببضعة ايام حضر سلام الى بيتنا في بغداد واخبرنا بتلقيهم اوامر تقضي بالمشاركة في تدريبات عند جبل “سنام” في منطقة سفوان غرب محافظة البصرة ، وبعد عودته من التدريبات قال لنا بان صدام سيشن الحرب على ايران لان كل التدريبات التي تلقيناها كانت تؤشر بما لايقبل الشك الى عمليات اجتياز عسكري عراقي لمدن محافظة خوزستان الايرانية (جنوب).    

الشهداء الخمسة

ومع حلول الرابع من ايار /مايو 1980 اتخذ النظام المقبور قرارا يقضي بابعادنا عن العراق الى ايران ، ضمن جريمة التهجير القسري الكبرى ، واتصلت بابن خالتي وكان ضابط مدفعية بالبصرة وطلبت منه مساعدة سلام وشقيقي الاكبر “يوسف” ، وكان جنديا مكلفا في مركز تدريب الشعيبة، بالحصول على اجازة والحضور فورا الى بغداد، وفي المساء وصل الاثنان الى بيتنا ، وصباح اليوم التالي تم نقلنا جميعا الى مركز شرطة البتاوين، وهناك عزلوا والديّ وسائر الاطفال واخذوهم الى جهة لم نكن نعرفها حينذاك، وبقيت انا وشقيقيّ في مركز الشرطة ، ثم اتت سيارة مدنية (بيك آب) فيها شخصان وناداني للالتحاق بهما ، فلم نصدق نحن الثلاثة باننا سنفترق فاخذنا نقبّل بعضنا بعضا واجهشنا ببكاء مر ، وفي هذه اللحظات الحزينة تذكرت يوم مولد اخي سلام ، فانا كنت كل عام اقيم له حفلة لمناسبة عيد ميلاده يشارك فيها الاهل والاقرباء ، فقلت له “سلام ارجو ان تطمئن بانني ساقيم لك عيد الميلاد الى ان نلتقي مجددا ، فاحتضنني واجهش بالبكاء. ومن ثم سجنت انا في الامن العامة وهما في سجن الرشيد العسكري.

اول عيد ميلاد للشهيد في الغربة

وقد تم بالفعل ابعاد عائلتي عن طريق مدينة مندلي العراقية الى مدينة سومار الايرانية، وانا عن طريق مدينة خانقين العراقية الى مدينة خسروي الايرانية ، في رحلة مأساوية ساكتب عنها في فرصة مناسبة ، والتقيت بالعائلة في ايران بعد مضي اكثر من شهر عن التهجير ، واول سؤال وجهه لي والداي هو عن يوسف وسلام ، فحكيت لهم القصة فانهارا من هول الصدمة . وامضى الوالد ايامه وهو يستمع لسورة يوسف من جهاز تسجيل كان يضعه بجانبه بشكل دائم، ويبقى يبكي على ولديه يوسف وسلام الى انتهاء السورة ويدعو الله ان يرد له ولديه كما رد يوسف وشقيقه ليعقوب (ع)، وفارق المرحوم الوالد الدنيا كمدا وحزنا عليهما ، اما الوالدة فانها ماتزال حتى هذا اليوم تنشد “النعاوي” بطريقتها الجنوبية الحزينة ، على فلذتي كبدها بكلمات ينفطر لها قلب الصخر ، وفيها تقول “يالولد يابني ليش ماتدگ علي الباب اشو طال الغياب”، وحينما اسألها عن امنيتها في الحياة ، تقول “يمّه اتمنه الگه عظام اخوتك حته ابني ثلاثة گبور بوادي السلام، واحد ليوسف والوسط لي والاخر لسلام”.         

مراسيم تأبين اقمتها على ارواح الشهيد الخالد عز الدين سليم ورفاقه وشهداء العائلة

وفي ضوء المعلومات التي حصلنا عليها بعد سقوط الصنم عام 2003 ، فانه تم اعدام يوسف وسلام ، وابناء عمي الثلاثة عبد الكريم ونجم وفتاح ، اواسط ثمانينيات القرن الماضي ، ليتوجوا الى جانب سائر ضحايا جريمة التهجير القسري، بوسام الشهادة الالهي . وقد تم العثور على رفات ابناء عمي الشهداء الثلاثة عبد الكريم ونجم وفتاح في مقبرة محمد السكران ببغداد ، وتم التعرف على كيفية الاعدام ، رصاصة من خلف الرأس.

اساور وضعت على معاصم ابناء عمي الشهداء قبل اعدامهم عام 1986 تحمل الاسم وتاريخ الاعدام

وبقيت في الغربة احيي مع العائلة كل عام عيد ميلاد اخي سلام ، لكن الدموع والبكاء والاستغاثة حلت محل الفرح والسرور.

الاحتفاء بعيد ميلاد الشهيد قبل سقوط الصنم
شقيقتي الصغرى في بريطانيا احتفت هذا العام بذكرى الشهيدين

في كل عام يحتفي مسيحيو العالم ويبتهجون بحلول عيد الميلاد المجيد ، في حين ان عائلة عراقية وقعت ضحية لاجرام نظام سادي دموي ، تستقبل سنويا هذا اليوم بالاحزان والبكاء ، ومايزيد هذه الاحزان ان الاحزاب الحاكمة في وطني غارقة بالفساد ، وان الدولة العراقية الجديدة اهملت جريمة التهجير رغم اعترافها رسميا بانها “جريمة ابادة جماعية” وكان حريا بها رعاية وتعويض هذه الشريحة المظلومة واعادة حقوقها المسلوبة اليها وجبران خواطرها ، وتسليط الضوء من خلال وسائل اعلامها المختلفة وبشكل متواصل ، على المآسي التي كانت ومازالت هذه الشريحة المظلومة تقاسي منها ، اذ ان لكل عائلة مهجرة قصة تصلح لان تكون مادة درامية او فلما سينمائيا ، حتى يتعرف الجيل الحالي واجيال المستقبل على الطبيعة الاجرامية الفضيعة والبشعة للنظام الديكتاتوري المقبور الذي نلاحظ اليوم ان البعض يترحم عليه لكون هذا البعض يجهل الكثير من صفحات السجل الدموي الاجرامي لذلك النظام.    

1 تعليق

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا