رواية تابو .. وفضح المسكوت عنه

0
22

كتب : حسين علاوي

تعرّي رواية التابو للقاص والروائي حميد المختار, الواقع المر.. وتتخطّاه إلى تأويل قضايا الغيب وأعمال الشر والشيطان.. (الذي يعيش بين ظهرانينا يأكل وينام ويتزوج وينجب ولكن لا يموت.. والفرق بيننا إننا نموت وهو لا يموت.. فعلنا واحد, نحن جميعاً نشترك به, القتل والسرقة والفواحش..) ص13
والمؤلف يوظف ضمير المتكلم أساساً في كل ما يسرد به من وقائع وآلام وعوالم وممنوعات, حتى ليبدو ممسكاً بخيوط السرد, ومهيمناً بصورة كاملة على حركة الأحداث.. فتغدو الرواية بكاملها سيرة شبه ذاتية لحياة المؤلف.. إلّا أنها تصطدم بالتابوات وتحدّي المؤلف لها والتحريض عليها.. فهي تعني المحظور والمحرّم.. وقد تعني المقدس.. وكلها تعيش معنا, وتفرض سطوتها علينا.. ولأنَّ الإنسان العراقي وطوال تاريخه مضطهداً ومظلوماً ومقهوراً, فهو دائماً يدخل في حرم التابو.. بعد أن (تم ترحيلنا من جنس البشرية في حكم الجلّاد إلى حيوانات هجينة مطيعة بلا مخالب أو أنياب, وبمرورنا بالسجون والأزمات والحروب والحصارات..) ص28

فالمؤلف يُدين الكل الذي يعتبر التابو احتراماً للقوانين الهزيلة التي وضعتها السلطات المتعاقبة على العراق.. فيدخل في شؤون حياتنا.. بل وتحكمنا وتتحكم  بمصائرنا.. وإذا كانت هناك أنظمة تسير إلى المنع والحظر فهو عندنا يدخل في نطاق المقدسات حتى لو كانت غير موجودة في الدين أو تسيء إلى جوهرِه أو إلى ذات الخالق..!! فيجب احترامها والإذعان لسطوتها وتقديسها.. لهذا تجد للتابو جنود وأعوان وقوانين وأحكام يمتد العمل بها طوال حياة الحاكم وربما لورثتِه من بعده.. ونحن أول شعوب الأرض التي أورثت الحاكم كل شيء الدين والسياسة والاقتصاد والحريات.. بل وحتى الموت فهو الذي يتحكم بمصائرنا.. وهناك من يفتي ويشرّع له بقتلنا وتعذيبنا وقطع أجزاء من أجسادنا.. وحميد المختار يعرّي هذا التابو الذي كان وما زال مفروضاً علينا حتى في الأحاديث الخاصة.. سواء كانت في السياسة أو الحب أو الجنس أو الدين.. فهي خاصة لولي الأمر (الحاكم).. وهو من يجيز ويوافق ويرفض النقد ويبيح الثناء فقط.. وبما أنّ المؤلف شاهد عيان لعقود القهر والاضطهاد والمطاردة والسجن.. فهو (شاهداً على كل شيء منذ البداية وحتى نهاية هذه الكتابة.. ولا بد لي من الاعتراف وأنا الذي عشت عالمين متناقضين تماماً عالم الظلام الممتد لأكثر من خمس وثلاثون عاماً.. وعالم النور والفوضى الكبيرة التي نعيشها..) ص36
فالرواية تنتمي إلى مخيلة فنطازية جامحة.. فالراوي يستهل السرد ويحاول أن يضع مساحة بينه وبين السرد الحكائي من خلال تقنية (ما وراء الرواية) أو ما وراء السرد.. والتابو يكمن في العوالم السرية والغرائبية التي عاشها الراوي.. (لماذا أفكر بالعودة من جديد إلى الماضي هذا الماضي الذي ادخرت فيه كل حيواتي السابقة حيث الأجداد وعربات الطفولة وشيطانات الأرواح الحبلى بالأزمنة الغابرة كل هذا رهين بالعودة ثانية إلى أرض الأجداد وتتبّع حيواتهم من جديد..) ص28
والرواية تجمع كل المتناقضات من واقعي وحسّي، وسياسي وصوفي, وسلمي ومقاوم, وأشباح وأرواح, وملائكة وشياطين, وجلّاد وضحية, وديكتاتورية وحرية, وعائلي ومناطقي.. ويتداخل فيها السرد المحلي بالعالمي وبالعكس.. فهي ليس لها مكان محدد, بل تجمع بين الواقعي والأسطوري والغرائبي.. وتوظّف الحكاية التاريخية.. ويحاول المؤلف التعبير عن التجريب بأنماط جديدة من الميتاسرد والوثائقي.. فقد خلق من الحياة الواقعية والمألوف اليومي عالماً غرائبياً.. (أمي الآن تسكن في قبرها, لكنها ما زالت تسمع الأطفال في بيوتنا, وتحكي لهم الحكايات.. بينما أبي حتى وهو في قبره يظل صامتاً مترقباً.. عصي حتى في موته, ويغضب من شَد الأكفان, ورطوبة التراب..) ص107
ويذهب المؤلف إلى الشيطان وعوالمه, ويتحالف معه.. (لهذا كله قررت التحالف أنا الآخر مع فكر شيطاني الصغير الذي يمكث هنا معي..) ص17

وهذه الرواية رغم غرائبيتها إلّا أنها تنتمي إلى الواقعية النقدية, قد يجدها القارئ شبيهة بالقصص القصيرة, وقد تفترق العناوين العديدة عن واقعيتها.. إلّا أنَّ أحداثها مترابطة ومتصلة بعضها البعض.. والمؤلف فيها هو السارد وهو البطل.. وإنّ الكثير من الشخصيات مرتبطة به.. وهو يحتمي بالنصوص القديمة والمعاصرة ويجعلها تسرد وتحذّر مثل (نجم المخبّل).. وشباب قطاع (33) المنكوب والثوري واليائس, بعد أن أعطى الكثير من التضحيات.. والمؤلف يجمع أكبر عدد من القصص في قصة واحدة.. ويختلق أسماء أجنبية ويضعها عناوين للصفحات لعدد من الشخصيات مثل: الفارو, ألبرتو, مكاريوس, وبرنادو, وأنطونيو.. ثم يعود إلى شخصيات تاريخية صوفية وشعبية, مثل: فريد الدين العطار, ومحمد الشهواني, وجمولي الكوري, وسامي البصير, ونهاوند..

ورغم كثرة العناوين والأحداث إلّا أنَّ الاحتراف في الرواية وعوالمها المسحورة, تجعل القارئ لا يمل عن متابعة أحداثها المتشابكة والمختزلة .. وتشير رواية (تابو) إلى مجموعة من الإشكاليات الكبيرة وخاصة علاقة الإنسان بالشيطان.. والأساطير والأديان.. والممنوعات التي تحد من المتع الحسية والجمالية.. فالوصايا تقول: (عليك بالحكمة القذرة, ولا وقت لديك لتفكر براحة الآخرين.. كن عطوفاً ولكن لا تقع في الحب.. لا تؤمن بالأساطير والمحرّمات التي تقف في وجه سعادتك.. لا تبالي بخطاياك فالشيطان هو درعك من هذه الأخطاء.. ولن يحاسبك أي كائن عليها..) ص307
إن رواية (تابو) للقاص والروائي حميد المختار, من الروايات العراقية الجريئة التي تنتمي إلى تجربة الواقعية السحرية  .. وهي صناعة سردية مغايرة للمألوف من القص العراقي..

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا