العطار يرد على السلطان

0
44

في 11 اكتوبر الجاري غرد الكاتب فاخر السلطان على صفحته في تويتر ، معلقا على الاهتمام الكبير الذي اولته اوساط رسمية وشعبية لرحيل الخطيب الحسيني العراقي الشهير السيد جاسم الطويرجاوي ، رضوان الله تعالى عليه ، حيث قال السلطان “كانت وظيفته أن يُبكيَ الناس ويحشو أذهانهم بالخرافات وبالكثير من الروايات والخزعبلات، فلما مات اعتبروه ظاهرة يجب تكريمها، وتم إرسال طائرة خاصة لنقله إلى بلده ودفنه. إن ردود الفعل هذه تعكس حاجتنا الماسة إلى الوعي والنقد والتنوير لا إلى التجهيل والتزييف”.

وقد انبرى الكاتب الاستاذ عبد النبي العطار ، للرد على تغريدة السلطان ، باسلوب حضاري متين لم يلمسه القارىء في تغريدة الكاتب الكويتي فاخر السلطان . وادناه نص الرد :

الاستاذ المحترم فاخر السلطان ..

لا اتفق معك في شكل و لا محتوى و لا التوقيت المرتبط بتغريدتك بتاريخ ١١-١٠-٢٠٢٠ بحق الخطيب الراحل السيد جاسم الطويرجاوي قدس سره، و لك ان تسأل لماذا؟
بداية لندع الجانب العقائدي و الشرعي ( على اهميته) في ما تفضلت به، لانه يبدو ان جنابك لم تتطرق اليه و ربما لا يحمل كثير هم بالنسبة لك، لذلك سنتجاوزه ( حاليا على الاقل) ، و لنناقش ما اظهره قلمك و لندع ما تخفي الصدور ،
– تفضلت ان فقيدنا رضوان الله تعالى عليه كانت و “ظيفته ان يبكي الناس”!!؟؟
و هنا لنا وقفة:- قضية البكاء و ابكاء الناس؟لنسأل انفسنا ما العيب في ابراز ارقى عاطفة يمتاز بها اهل العاطفة و الاحساس من البشر؟ البكاء و خصوصا البكاء التفاعلي مع الموقف و الحدث و القصة يعكس عاطفة لا يتمتع بها الا المتحضرون من الناس.
ابكاء الناس على مصيبة الحسين ع و تفاعل الحضور مع الكلمة و الرواية و القصة يعني ان هناك رسالة يوصلها الخطيب عبر الكلمة و الشعر و الرواية و التصوير الفني لاقت قبول و تعاطف و اقتناع من المتلقي في مشهد لا يعيه الا اهل القلوب و المشاعر.

عموما مبدأ تحفيز مشاعر الناس سواء أكان بالبكاء او الاضحاك لادخال السرور على القلوب يعتبر رسالة و فن و علم، و جمال و للاسف ان الاخ المحترم عاب مبدأ و فن الابكاء و حسنا انه لم يعب فن الاضحاك و الذي لاجله كرمت الحكومة البريطانية الممثل رون اتيكسون و الذي قام بدور مستر بين في حلقاته الفكاهية الشهيرة لانه ادخل السرور على قلوب الناس، اما البكاء و الابكاء فليتك شاهدت كم البكاء و الدموع التي ترقرقت حزنا تفاعليا مع بطلة رواية قصة حب ( Love story) للكاتب اريك سيجال و التي تحولت الى فيلم بنفس الاسم .
اذا الابكاء و الاضحاك مطلوب و مطلوب بشدة بشرط ان يكون ذا هدف لخدمة الانسان و المجتمع ( سوف نتطرق لهدف البكاء و الابكاء على الحسين ع لاحقاً).
– اما تهمة حشو اذهان الناس بالخرافات و الخزعبلات فعلينا ان ندقق اكثر ، فنعم تاريخ الامم و الشعوب مملؤ بالاساطير التي لا يعلم صحيحها من سقيمها و لكن تبقى هذه الاساطير جزء مهم و اساسي في الحفاظ على هوية و ثقافة الشعوب، فلابد ان جنابك قرأت ملحمتي الاوديسة و  الالياذة لهوميروس و ما تعج بها من اساطير حول بطولات الالهة و ممارساتهم العجيبه ، و لكن لا تجد مركز فكري يهتم بالثقافات سواء في اوربا او خارج اوربا من يستهزء بهذه الاساطير بل يعتبرها رافدا مهما الى جانب الشعر و الموسيقى و التمثيل للحفاظ على هوية الشعوب .

فنعم هناك بعض الاساطير تطرح على المنبر الحسيني بعضها مرفوض لسلبيته و كثرها مقبول لكونه يعتبر احد فنون القصة و الرواية هدفه دعم و تثبيت هوية التدين و التشيع استنادا الى احداث و وقائع حقيقية، و لكن من غير المقبول تسخيف و تحقير مثل هذا الفن الراقي و الداعي الى جلب تعاطف الفرد و المجتمع لقضية الحسين ع.
هذا الفن الذي يستعين بأرقى الادوات الحضارية مثل اشعار دعبل الخزاعي و الشريف الرضي و الكميت بن زياد و السيد حيدر الحلي و محمد مهدي الجواهري و امثالهم بالمئات بل بالالف من الادباء و الشعراء ، مثل هذا الفن الذي يوصل رسالة الحب و العشق و الاحترام لاطهر الناس و اطهر قضية عبر الكلمة و القصيدة التفاعلية جدير بالاحترام و التقديس و ليس الاحتقار و الاستهزاء .
و نعم للخيال القصصي الهادف دور في بناء الحالة العاطفية لاستجلاب تفاعل الناس و هذا ليس بالبدعة يحتكرها المنبر الحسيني ، فالخيال القصصي من اعلى و اهم مجالات الادب و الفن التي يحترمها العالم ككل و يكرمها ؛
فجامعات اكسفورد و كيمبردج هارفارد و غيرها تخصص كراسي للدراسات المتعلقة بادب شيكسبير و الذي هو عبارة عن خيال محض.
و سلسلة روايات هاري بوتر الممتعه للمؤلفة ج ك رولينغ الضاربة في الخيال و التي كرمها المجتمع الادبي اكثر من مرة و مع ذلك لم يحرؤ اي احد على الاستخفاف بفكرة هذه القصص الخيالية ، فالخيال الادبي محترم عند المحترمين، و هم كثر.

و كم سعدنا بقراءة القصص و اكثرها مبني على الخيال فقط و لكن كان لها تاثير عميق على ثقافة الشعوب مثل رواية العجوز و البحر لايرنست همنجواي، و ذهب مع الريح مارغريت ريتشل الامريكية.
اذا ما تسميه جنابك اساطير و خيال يسميه العالم كله ادب و فن و ما حقرته جنابك كرمه العالم كله.
وفقط لكي لا يختلط الحابل بالنابل، فالبكاء و الابكاء على الحسين ع يتعدى حدود الممارسة الفنية المحدودة .
فالبكاء على الحسين يعني احياء لاهداف ثورة الامام الحسين ، البكاء على الحسين ع  يعني انتصار الدم على السيف البكاء على الحسين ع يعني ان الحب ينتصر على الكراهية و ان الامل ينتصر على الياس و ان الحق ينتصر على الباطل .
سيدي المحترم ؛ 
من حقك ان لا تبكي الحسين ، و من حقك ان لا تتفاعل مع مجالس الحسين ع و لكن ليس من حقك تحقير من يدعو الى البكاء على الحسين ع و من يبكيه .

سيدي المحترم
من ابرز سمات المجتمعات المتحضرة صفة احترام الاخر و ان لم تتفق معه، و من حق البكاؤون على الحسين ان يحترمهم كل احد .
و يبقى سيدنا الخطيب الراحل السيد جاسم الطويرجاوي رحمة الله عليه علما في حياته و علما بعد رحيله و ان حاول البعض القليل الاستهزاء برسالته و دوره في بناء الثقافة و العاطفة فهناك الآلاف بل الملايين من يقدر دوره و يعشق فنه الراقي في البكاء و الابكاء على الحسين ع .
و كلمة اخيرة لك سيدي الفاضل؛ سيكون حالنا افضل لو احترم بعضنا البعض .

كتب : عبد النبي العطار

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا