ملامح الشخصية العراقية 2- 2 قراءة في كتاب د. علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

0
144

كتب : الدكتور صلاح عبد الرزاق

يعتبر الدكتور علي الوردي من أشهر علماء الإجتماع العرب في العصر الحديث . وقد صرف معظم أبحاثه للغوص في الشخصية العراقية ، فكتب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” الذي حاول فيه أن يضع نظريته في تفسير طبيعة تكوين هذه الشخصية المعقدة . كما كانت دراسته الموسوعية “لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث” تعكس نظرته لخلفية الشخصية العراقية ومكوناتها وموروثاتها التأريخية التي تراكمت على مدى القرون . فكان الوردي يقوّم الأحداث من خلال قراءة تحليلية للواقع الإجتماعي قبل وأثناء وبعد الحدث التاريخي ، وكانت له أبحاث أخرى مثل “شخصية الفرد العراقي” و “الإزدواجية في شخصية الفرد العراقي” .

الصراع الثقافي في العراق:

يرى الوردي أن العراق بقي بلداً مفتوحاً على الصحراء ، ومنها تسللت إليه القبائل البدوية واستقرت فيه تدريجياً ، حتى غدا العراق بودقة إجتماعية تتفاعل فيها القبائل الجديدة القادمة من الصحراء مع سكان العراق القدماء . وعندما تأتي هذه القبائل تحمل معها قيمها وأخلاقها وعاداتها ، وتتفاعل مع السكان وقيمهم وعاداتهم فتتأثر بهم ، كما أن السكان يتأثرون بالقبائل . هذا التأثير المتبادل يسمى في علم الإجتماع بصراع الثقافات Clash of Cultures . ويؤكد الوردي بأنه دون التعمق في دراسة هذا الصراع لا نستطيع أن نفهم طبيعة المجتمع العراقي . ثم يأخذ في تقسيم العراق إلى مناطق جغرافية-ثقافية وهي :

1- المنطقة الجبلية : التي يسكنها الأكراد ، وفيها أقلية تركمانية تسكن في مدن وقرى واقعة في خط مستقيم تقريباً ، هو الخط الذي يكاد يفصل بين هذه المنطقة وبقية مناطق العراق . وفي المنطقة أقليات دينية كالآشوريين والايزيدية وبعض الطوائف المسيحية . وتأثرت هذه المنطقة بالقبائل الجبلية أكثر من القبائل الصحراوية .

2- منطقة ديالى : وتقع جنوب المنطقة الجبلية إلى الشرق من بغداد . وهي منطقة لها أهمية اجتماعية واقتصادية على الرغم من صغر حجمها . وهي منطقة زراعية تشبه من بعض الوجوه غوطة الشام ودلتا مصر . وقد امتاز سكانها بأنهم أقرب إلى قيم الحضارة من جيرانهم . فهم لا يستنكفون من زراعة الخضر . وهذا أمر له دلالة إجتماعية لأن زراعة الخضراوات تعد حرفة (وضيعة) في العرف القبلي .

3- منطقة الجزيرة : وهي المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات إلى الشمال من بغداد . وهي شبه صحراوية ، وتعد من الناحية الجغرافية امتداداً لبادية الشام. والقبائل التي تسكنها أشد تمسكاً بالقيم البدوية من القبائل الجنوبية ، إذ أنها أقرب منها عهداً بحياة الصحراء . فلهجتها قريبة من اللهجة الصحراوية ، كما أنها تعتنق المذهب السني السائد في صحراء العرب . أما القبائل الجنوبية فهي شيعية في الغالب .

   يشير الوردي إلى أن التشيع من العلامات التي نستدل بها على قدم السكنى في العراق ، حيث أن أكثر القبائل البدوية أخذت تعتنق المذهب الشيعي بعد مجيئها إلى العراق بزمن قصير أو طويل أمثال قبائل تميم والخزاعل و زبيد وكعب و ربيعة والخزرج والجبور وبنى لام . ويعلل الوردي هذه الظاهرة الإجتماعية بأن الظروف النفسية والإجتماعية التي تحيط بالقبائل هي التي جعلتها تتأثر بالدعاية الشيعية القادمة من المراكز الشيعية كالحلة والنجف وكربلاء ، والتي تبعث بالخطباء والدعاة في مواسم محرم وصفر ، وجذب الزوار إليها لزيارة المراقد المقدسة لأئمة أهل البيت (ع) .

4- منطقة الصحراء : وهي منطقة واسعة تقع إلى الغرب والجنوب الغربي من العراق . ولم تكن جزءً من العراق قديماً ، ولكنها أعتبرت جزءً منه في العهد العثماني لأغراض إدارية . وهذه المنطقة ذات طابع بدوي شامل ، وليس فيها من الصراع الثقافي إلا قليل .

5- المنطقة الرسوبية : وتشمل وسط العراق وجنوبه . وهي أكثر مناطق العراق أهمية من الناحية الإجتماعية والتاريخية. وأن القدماء إذا ذكروا العراق عنوا به هذه المنطقة . ويرى الوردي أن هذه المنطقة “هي التي أعطت العراق طابعه الإجتماعي الذي اشتهر به منذ قديم الزمان . وهي البودقة الرئيسة للمجتمع العراقي ، وفيها تبلورت الشخصية التي تميز بها الفرد العراقي بوجه عام” ( ص 145 ) . وهي المنطقة التي احتضنت الحضارة ، وتحمل مقوماتها إذا ما ازدهرت الزراعة فيها .

6- منطقة البصرة : وتقع أقصى جنوب العراق ، وتضم مزارع النخيل الكبيرة . ويمتاز سكان هذه المنطقة بأنهم أضعف من غيرهم في العراق في نزعتهم القبلية وفي تمسكهم بالقيم البدوية . وقد سماها الباحث الأنثربولوجي هنري فيلد Henry Field إسم “البقعة غير القبلية” . ويبدو أن طبيعتها البستانية قد أثرت فيها تأثيراً يفوق ما حدث في ديالى .

هذه التقسيمات تبدو بحاجة إلى مراجعة بسبب ما أصابها من تغيير ديموغرافي واجتماعي واقتصادي جراء سياسة نظام صدام حسين خلال ثلاثين عاماً ، من حروب وتهجير وقصف وتدمير قرى وإزالة أخرى من الوجود ، وسياسة الحصار وتجفيف الأهوار وغيرها من النكبات التي أصابت الشعب العراقي . كما حدثت تغييرات أخرى بعد سقوط النظام في 2003 ودخول عناصر ثقافية وسياسية جديدة فيها. 

مكونات الشخصية في الريف:

الشخصية بمعناها العلمي عبارة عن تركيب نفسي يتألف من صفات مختلفة ، وهو يميل نحو الإنسجام والتوافق مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فكل إنسان يملك شخصية خاصة به تميزه عن غيره من الناس . والناس يختلفون في نمط شخصياتهم تبعاً لتفاوت مقدرتهم على التجاوب مع الثقافة الاجتماعية السائدة . فمنهم من ينجح ومنهم من يخفق. والإنسان هو صنيعة ظروفه وعوامله النفسية والاجتماعية . والشخصية هي نتاج الظروف الواقعية .

بقي الريف العراقي يحافظ على القيم البدوية حيث أن الفرد من القبائل العراقية يتمسك بهذه القيم التي هي مناط المفاخرات والمشاتمات . ويشعر كل فرد بميل قوي نحو الإتصاف بصفات الفخار والابتعاد عن صفات الشتيمة . والمشكلة أن الفرد في الريف يعاني من ضغوط غير موجودة في الصحراء مثل سيطرة الحكومة ، وجود الأسواق والمرابين ، تحول رؤساء القبائل إلى بداية حالة من الإقطاع بسبب تعسفهم في معاملة أتباعهم ، ظهور دوافع الربح وحب المال لدى بعض الريفيين و استغلال المرأة الريفية ، وأساليب الزواج وامتهان المرأة وقتلها لمجرد الشبهة .
فالفرد الريفي يبقى يعاني من ضغط الواقع عليه تجعله غير قادر على الإستمرار في التمسك بالقيم البدوية التي يحترمها ويعتز بها . وتضطره الظروف إلى الانحراف عن بعض الخصال البدوية ، ما يؤدي إلى ظهور الصراع في تكوين الشخصية الريفية . 

الوضع الإجتماعي في المدن :

أغلب مدن الوسط والجنوب تأسست في النصف الأخير من القرن التاسع عشر كقلعة صالح ، العمارة ، المجر الكبير ، علي الغربي ، الكميت ، شيخ سعد ، الكوت ، النعمانية ، الصويرة ، العزيزية ، الناصرية ، الشطرة ، الرفاعي ، قلعة سكر ، الحمزة ، الشامية ، أبو صخير ، المسيب ، الهندية والمحمودية . وهناك ثلاث مدن تأسست في القرن الثامن عشر هي الديوانية وسوق الشيوخ والزبير . أما الحي فقد تأسست في بداية القرن التاسع عشر ، والهاشمية تأسست في بداية القرن العشرين . ويعزو الوردي هذه الحالة إلى تغير مجاري الأنهار حيث تختفي مدن وتظهر أخرى على ضفاف النهر. 

هذه الظاهرة جعلت أغلب سكان هذه المدن من أبناء القبائل المجاورة ، فهم (لملوم) حسب المصطلح القبلي . أما في منطقة الجزيرة أو ديالى فالمدن باقية على قدمها بسبب ثبات مجاري الأنهار . فلم يطرأ عليها تغيير كبير من حيث مواقعها وأسمائها . ويعتقد الوردي أن الكثيرين من سكان هذه المدن هم من بقايا الأقوام القديمة ، وأنهم قد استعربوا في لغتهم وقيمهم الإجتماعية من جراء احتكاكهم بالقبائل المجاورة لهم .
وتعاني المدن من الصراع الثقافي حيث بقيت بعض العادات والقيم البدوية تتصارع مع القيم الحضرية ومظاهر المدنية من بنايات ودوائر ودور فارهة وسيارات حديثة وأجهزة كهربائية ومدارس وروضات أطفال ودور سينما وغيرها .

عادات بدوية باقية :

بقيت بعض القيم البدوية تأخذ أشكالاً متنوعة في السلوك ، فمثلاً نجد الكرم البدوي بالإهتمام بالضيوف وإكرام وفادتهم وتهيئة الطعام الجيد لهم . وإذا كان أهل المدن يفتقدون للمضايف ( الديوان المفتوحة سابقاً) فإن عادة إكرام الضيف بقيت جزءً من شخصية العراقي . وتتصاعد وتيرة الإطعام في المواسم الدينية كمحرم وصفر ورمضان . وما زالت عادة (الوير) أي دفع ثمن الشاي في المقهى أو ثمن التذكرة في الباص وغيرها . 
وهناك عادة أخرى هي عندما تزور بيتاً وقدم لك صاحب البيت شيئاً من الشراب والطعام ، وجب عليك أن تتمنع وتتعزز ، ووجب عليه أن يصر ويلح . وصاحب البيت لا يرحمك ، ويدفع الطعام إليك بالقوة ، وهو يقسم عليك بأكلها.

وعندما يزورك أحد ويقدم لك هدية ، فينبغي أن تتظاهر بقلة الإكتراث ، أو تقول له (ليش هالزحمة) حتى تقبلها باشمئزاز أو ترميها في زاوية من البيت . كما أن الزائر يدرك ذلك فلا يسلمك الهدية بنفسه بل يضعها في مدخل الدار أو في ركن من الدار كي لا يحرجك بتقديم الهدية ، فتشعر أنه صنع لك معروفاً ، فهو أحسن منك ، فتصعد عندك القيم البدوية المتأصلة . 
ويفاخر بعضهم بالموائد التي يمدها أثناء وجبات الطعام ، أو يتباهى بأنه يشتري أفخر أنواع الأطعمة والفواكه والملابس وغيرها . وقد يتكلف البعض في الولائم فوق طاقته من أجل أن يطريه الناس .
وبعضهم تقدم له الشاي أو الطعام فيقول لك لقد شربت أو أكلت للتو ، في حين أنه يرغب بتناول ما تقدمه له . هذه العادات مستمدة من قيم الأنفة والعزة والإباء التي هي من خصال الثقافة البدوية .
ويتميز المجتمع العراقي عموماً بالتماسك العائلي القوي ، ويمتاز أفراد العائلة بالتضامن وقوة الرابطة والوقوف مع بعضهم البعض أثناء الأزمات والمشاكل . فالعائلة تشعر كأنها عشيرة صغيرة تجاه غيرها . وكل عار أو فخار يصاب به أحد أفرادها لابد أن يصيب بقية الأفراد فيها . 

ظاهرة الإزدواجية في الشخصية العراقية :

إزدواج الشخصية ظاهرة اجتماعية موجودة في كثير من المجتمعات البشرية ، وهي قد تكون ضعيفة أو قوية تبعاً لتفاوت الظروف في كل مجتمع . وسببها وقوع المجتمع تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم ، فيضطر بعض الأفراد من جراء ذلك إلى الإندفاع وراء أحد النظامين تارة ، ووراء الآخر تارة أخرى . فهم يناقضون أنفسهم دون اكتراث ظاهر . والفرد العراقي يعاني من هذه الظاهرة بشكل كبير ، فهو يهيم بالمثل العليا والدعوة إليها في خطابه ومجادلاته وكتاباته ، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس بعداً عن تلك المثل في سلوكه وواقعه .

وهنا لابد من الإشارة إلى الإختلاف الواضح بين تعريف إزدواجية الشخصية لدى علماء النفس وعلماء الإجتماع . فالإزدواجية تعتبر من الناحية النفسية مرضاً نادراً يعتري بعض الأفراد . وهذا المرض شذوذ في تكوين الشخصية حيث يتقمص صاحبه شخصية معينة تارة ، وتارة شخصية أخرى . ويدعى أيضاً بإنقسام أو فصام الشخصية .

أما إزدواج الشخصية بالمعنى الإجتماعي فهو ليس مرضاً نفسياً ، بل هو ظاهرة اجتماعية . ويحدث لدى كثير من الناس الذين يعانون صراعاً ثقافياً . وقد تسمى هذه الحالة بـ(الثنائية الثقافية) . ويفسر بعض علماء الإجتماع هذه الظاهرة بأنه عندما يتعرض الفرد لمطاليب ثقافات اجتماعية متناقضة ، لاسيما في مراحل  نموه الأولى ، قد لا يتمكن من تكوين شخصية متكاملة في نفسه . فهو يحاول أن يوفق بين تلك المطاليب المتناقضة دون جدوى . ولهذا فهو قد يصبح ذا شخصية مزدوجة قليلاً أو كثيراً .

النزعة الجدلية في الشخصية العراقية :

يعلل الدكتور علي الوردي هذه الظاهرة بأن العراقيين يميلون إلى الجدل والولع به . وأن النزعة الجدلية قوية في الشخصية العراقية . ولعلها أقوى من أي بلد عربي أو إسلامي آخر . كما أن لها جذورها التاريخية ، حتى أن أمير المؤمنين علي (ع) قد قال عنهم أنهم ملأوا قلبه قيحاً . وبعد موته ازدادوا تعلقاً به وبمثله وقيمه حتى صار التراث الفكري في العراق مطبوعاً بطابع المثالية العلوية . وأخذوا يحلقون في تفكيرهم المثالي تحليقاً عالياً حين تخيلوا به نظاماً للحياة السياسية والإجتماعية مستمداً من السيرة الفاضلة لعلي (ع) . وهذه السيرة كان من الصعب تحقيقها بعد وفاة صاحبها .

كان تعرض العراقيين للظلم في العهدين الأموي والعباسي قد أدى إلى فجوة واسعة بين مثلهم العليا وواقعهم الإجتماعي والسياسي . وساعد على توسيع هذه الفجوة ظهور مذهب المعتزلة الذي يعتمد على الجدل المنطقي والأدلة العقلية في نشر عقائده . وحين كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها في القرن الرابع الهجري كانت النزعة الجدلية في أوج قوتها ، وكانت بغداد حينذاك عاصمة العالم الإسلامي ومركز الجدل المنطقي في آن واحد . 
وكانت النزعة الجدلية من أهم معالم النزاع الطائفي . فكان العوام يتحاربون بالخناجر والهراوات ، بينما كان الفقهاء يتحاربون بالأدلة العقلية . وعندما احتل العثمانيون العراق ، ازدادت النزعة الجدلية بسبب النزاع الطويل بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية . 

آثار النزعة الجدلية في الوضع المعاصر :

وبقيت النزعة الجدلية قوية حتى اليوم ، إلا أنها لم تقتصر على القضايا الدينية بل أخذت تدور حول مواضيع أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية . وللنزعة الجدلية جانب إيجابي حيث أنها تجعل الشعب أكثر ميلاً للإطلاع والقراءة وأوسع أفقاً من الناحية الذهنية ، ولكنها تحمل جانباً سلبياً هو أنها تجعله مشتت الأهواء والآراء ، لا يستقر على مبدأ واحد مدة طويلة ، ولا يعجب بزعيم أو يلتف حوله ويستمر على تأييده .

إن النزعة الجدلية تجعل الناس مثاليين في تفكيرهم أكثر مما ينبغي ، فإذا انتشر بينهم رأي أو ظهر زعيم ، فلابد أن يجدوا فيه نقصاً على وجه من الوجوه . فهم يتحمسون له في البداية ، ثم تقل حماستهم له شيئاً فشيئاً ، إذ أنهم يستخدمون تجاهه أقيستهم المنطقية ومثلهم العليا ، فيرونه أقل مما تصوروه في بادئ الأمر . وعند هذا يبدأون بالنفرة منه وبالإنفضاض من حوله .

من عيوب النزعة الجدلية أنها تعلّم الفرد أن يطلب من غيره أعمالاً لا يستطيع هو أن يحققها بنفسه . فهو يريد من غيره أن يكون مثالياً في أعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي ، ونراه عندئذٍ شديد النقد ، سليط اللسان ، يفترض في من ينتقدهم أن يكونوا معصومين من الخطأ . فإذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخّمها بأدلته العقلية . أما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها ، وقد يأتي بالأدلة ليبرهن على أنه لم يفعل سوى الصواب .

إن الفرد الجدلي يطالب بالحقوق أكثر مما يقوم بالواجبات ، وأدلته وانتقاداته جاهزة في كل الأحوال . فإذا تقاعس عن القيام بواجباته كما تقاعس غيره ، وضع اللوم على غيره وبرّأ نفسه منه . فهو قادر على أن يبرهن أنه قام بواجباته خير قيام ، وأن السبب في الآخرين .

من الجدير بالذكر القول أنه ليس جميع العراقيين على درجة واحدة في هذا الإزدواج . فالبعض منهم قد انصهروا في الثقافة الحديثة انصهاراً جعل ظاهرهم وباطنهم متقاربين . كما أن ظاهرة التدين قد هذبت قسماً كبيراً من حالة الإزدواج رغم أنها لم تختف بعد في أوساط المتدينين والمتمسكين بأهداب الدين .

وغالباً ما تكون مرحلة الطفولة هي التي تكسب الفرد شخصيته ، حيث تبقى الأسرة والوضع الإجتماعي والمستوى المعيشي وطبيعة العلاقات داخل الأسرة والمستوى التعليمي ذات تأثير على بناء شخصية الرجل أو المرأة .

إن المشكلة في أولئك الذين كانوا في طفولتهم أشقياء أو محرومين أو لم ينالوا قسطاً من الحنان والتربية السليمة ، ثم يصيرون رجالاً ، ويحصلون على الشهادات العالية أو يتسنمون مراكز النفوذ والسلطة . فهؤلاء المزدوجين يبقون يرددون المبادئ والقيم العليا أمام الناس ، بينما هم في سلوكهم الواقعي لا يختلفون عن غيرهم ، ولعلهم أكثر انحرافاً عن المبادئ التي ينادون بها .

إن المبادئ الحديثة التي جاءت إلى العراق طارئة ، إذ أنها لم تنبعث من طبيعة ثقافته الإجتماعية الأصيلة . فبقيت على شكل محفوظات وأناشيد وهتافات وشعارات . والفرد يتعلمها في المدارس ، ويقرأها في الصحف والمجلات والكتب ، ويسمعها في الإذاعة والتلفزيون ، وتلقى عليه في المظاهرات والإحتفالات . فتبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والإنتقاد فقط . ومن الصعب أن تتغلغل بتأثيرها في النفوس . فالفرد قد يجادلك على أساسها ، إنما هو لا يستطيع أن يغير سلوكه بها إلا في نطاق محدود جداً .
ولا ننسى أن الحكومات المتوالية على حكم العراق بقيت تردد الشعارات وتمارس عكسها ضد الشعب ، مما رسخ حالة الشعور بالتفاوت الفاضح بين القول والواقع .

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا