في ذكرى انقلاب 17 تموز

0
82

كتب : الدكتور اكرم الحكيم


1- تقييم عام لحزب البعث في العراق :

النتيجة الطبيعية لأي حزب سياسي يصل إلى السلطة في العراق ويبقى فيها اعتمادا على الانقلابات والمؤامرات وعلى الدعم الأجنبي وليس على القاعدة الانتخابية الشعبية، هو الاستخدام المبالغ فيه للقمع والقتل وكل أساليب انتهاك حقوق المواطن العراقي وحقوق الجماعات السياسية المعارضة، للتخلّص من المخاطر التي ربما تهدد السلطة يوما ما. 
عدم الحوار والاتفاق مع القوى المعارضة والقيادات الاجتماعية والدينية، إلاّ لأغراض تكتيكية ومؤقتة، لا تتيح الفرصة مطلقا لنمو مؤسسات دستورية وآليات ديمقراطية تتيح للشعب ممارسة دوره ونيل حريته وكسب حقوقه السياسية، وأدّى ذلك في العراق إلى بناء عشرات الأجهزة القمعية المرعبة والعديد من التشكيلات المسلّحة الرسمية وشبه الرسمية، والمئات من القوانين المجحفة التي تتحكّم بكل صغيرة وكبيرة بما فيها المسائل الشخصية من حياة المواطن العراقي.

من جرائم صدام

وأيضاً من مقتضيات تلك السياسة، السعي لتدمير القيم والمنظومات الفكرية والأخلاقية والعقائدية والتراثية للمجتمع العراقي (وحتى أنماط العمران للمحلات ومناطق المدن العريقة) لقطع الارتباط بالتاريخ الحضاري، ومحاولة إعادة تشكيل المجتمع العراقي لتحويله إلى مجتمع مسخ فاقد لأية هوية حضارية ومجتمع خانع وذليل ومُسـتعبد ومهيأ لخدمة سياسات وخطط يحددها النظام الحاكم لأهداف محلية أو خارجية والتركيز على الحرب النفسية ونشر الرعب والفقر وفرض الحصار الكامل على المواطن لتحقيق ذلك. 
وأكثر من ذلك السعي لتغيير التركيبة السكانية للشعب العراقي باستقدام الملايين من مواطني دول أخرى، وكذلك السعي لتغيير البيئة الجغرافية والطبيعية لمجموعات سكانية كاملة، خدمة لنفس الهدف ، كما في مثال تجفيف أهوار الجنوب. 

تجفيف الاهوار

اعتمد النظام البعثي البائد سياسات القصاص الجماعي والمحاسبة على النوايا، وتفتيت الحركات من الداخل وإثارة الصراعات العنصرية والطائفية والمناطقية في المجتمع، ووضع المواطن أمام خيارين لا ثالث لهما: 
اما الانتماء إلى حزب السلطة وخدمة سياساته وخططه وحتى الاشتراك في تنفيذ جرائمه، أو اعتباره عدوا للنظام يستحق أقصى درجات العقاب بما فيها الاعدام فيما لو أنتمى إلى حزب أو مارس نشاط لا يرتضيه النظام البعثي الحاكم. 
النظام البعثي كباقي النظم الدكتاتورية الشمولية أغلق على نفسه كل أبواب الاصلاح والتطور الذاتي في النظام السياسي ومنع سنن التغيير في المجتمع من ان تأخذ دورها الطبيعي في الحفاظ على استقرار الدولة ونمو وسلامة المجتمع، وبذلك فتح الباب واسعا أمام التـدخّـلات الخارجية حتى وصلت الأمور إلى الاجتياح العسكري الاجنبي، وربما تنحصر عملية إسقاط هكذا نظام بتدخّل العامل الخارجي بغض النظر عن نوايا وأهداف القوى الخارجية المساهمة فيه. 
كما أعتمد النظام البعثي للبقاء والتفـرّد بالحكم: تأجيج الانقسامات ،القومية والدينية والمذهبية والحزبية والمناطقيه وغيرها، والتحالفات المرحلية لتحييد فئة او اكثر وضرب الفئات الأخرى وهكذا حتى تتم تصفيـة كل القوى التي تهـدّد النظام، وتوظيف ما باليد من عناصر قوة، لبناء مركز قوة اكبر ، مثلا توظيف علاقات رأس النظام العائلية والعشائرية والمناطقية لبناء مركز قوة له داخل حزب السلطة (حزب البعث)، وتم توظيف مركز القوة في الحزب لبناء مركز قوة في الدولة وما يهمنا في هذا المنهج تأثيره السلبي في بناء الهوية الوطنية والمواطنة، أضافة إلى توظيف الشعارات الفكرية والأيدولوجية العامة لصالح نظام الحكم القمعي العائلي.
فمن شعارات الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة إلى حملة الايمان الكبرى إلى الدعوة للجهاد ضد الصليبية العالمية، وضد حكام العرب عملاء القوى الشريرة، والغريب أنهم نفس الحكام الذين دعموه في الحرب ضد إيران بل وأقام أتحادا مع بعضهم مثل، حكّام مصر والأردن، إلى الدعوة لتوزيع الثروة العربية على الفقراء..!! توظيف الشعار الفكري او الأيدولوجيا الصحيح لخدمة مصالح سياسية ضيـّقة لنظام الحكم يتحول بالطبع إلى عامل مضاف لضرب مقومات او عناصر الوحدة والانسجام في المجتمع، لأنه يتسبّب بفقدان تلك الشعارات لمصداقيتها، وبالتالي خلط الأوراق لدى الشعب. 

انتفاضة عام 1991

أما بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في آذار 1991، قام النظام البعثي وبهدف توظيف العصبيات الطائفية والمناطقية والعنصرية في ترميم ركائز النظام التي بدأت بالانهيار السريع، برفع شعارات انقسامية صريحة مثل: المحافظات البيضاء وكان يقصد بها المحافظات الغربية والمحافظات السوداء ويعني بها محافظات كردستان العراق والفرات الاوسط والجنوب، وشعار «لا شيعة بعد اليوم» .. والكرد المرتدّين .. وغيرها. 
وحتى الشريحة والمنطقة التي حاول النظام الظهور بمظهر المدافع عنها والممثّـل او المعبّـر عن مصالحها، كشفت زيف سياسات النظام وشعاراته ،كما رأينا في انتفاضة مدينة الرمادي 1995 ،بعد تسليم جثمان المرحوم الطيّار محمد مظلوم الدليمي وزملائه من ضباط القوة الجوية والجيش العراقي الذين تم اعدامهم والتمثيل بأجسادهم بعد أتّهامهم بالأعداد لانقلاب عسكري. 

صدام كامل وحسين كامل

وكما رأينا أيضاً في التصفيات التي تمت بعد فرار ثم عودة صهري رأس النظام ، الشقيقين حســين كامل وصدام كامل. خلال فترة حكم النظام البعثي الثانية (1968 – 2003)، بلغت سعة وعمق الانقسامات والصراعات الجانبية داخل المجتمع العراقي وداخل الكيان العراقي، الحد الأقصى بالمقارنة مع الحقب السياسية السابقة لانقلاب 17/7/1968، بسبب سياسات التمييز المنهجي والمنـظّم التي مارستها السلطة تجاه شرائح متعددة من ابناء العراق، وهي الخدمة الكبرى التي قـدّمها النظام البعثي للقوى الاجنبية المتربـِصة بالوطن والتي تم توظيفها جيدا في خطط الاجتياح العسكري عام 2003، بل وتم توظيفها أيضاً في خطط الولايات المتحدة بعد احتلالها للعراق لبناء معادلة سياسية واجتماعية زاخرة بالتناقضات تتمكّن من توظيفها لصالح نفوذها ومصالحها في العراق.

2- سمات عامة لحزب البعث في العراق: 

1- لم يُعرَف حزب البعث في العراق وهو خارج السلطة بكونه حزبا ذا قاعدة شعبية واسعة، وإنما كان يضم اعدادا محدودة موزعة في مناطق ذات توجهات قومية وعشائرية خاصة، ويقال بان عدد اعضائه عند قيامه بانقلاب 17 تموز 1968 كان قليلا لذا لجأ إلى التحالف مع مسؤول الاستخبارات العسكرية في عهد عبد الرحمن عارف ، عبد الرزاق النايف، وقائد قوات الحرس الجمهوري ،عبد الرحمن الداود. 

عبد الرحمن عارف

2- ولكن عندما يكون في السلطة يستخدم الحزب إمكانات الدولة وأجهزتها للضغط على المواطنين للانتماء بالترهيب والترغيب إلى صفوف الحزب، حتى وصلت الحال في الثمانينيات، هو إن حصول العراقي على حقوق المواطنة يمر من خلال الانتماء إلى حزب السلطة الذي هو حزب البعث. ويتم إرغام الموظفين في دوائر الدولة على شراء كتب الحزب من خلال استقطاع قيمتها من رواتبهم الشهرية.
3- من يدرس تاريخ البعث في العراق، يكتشف ان اهم الوسائل التي اعتمدها حزب البعث للوصول إلى السلطة، ليست صناديق الانتخاب أو الحركة الشعبية الواسعة أو السبل الدستورية المعروفة وإنما أهم وسائله هي الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية. 
4- الأمر الغريب الاخر هو ان المتابع لفترة حكم البعث الاخيرة (1968 – 2003) سيكتشف ان أغلب زعامات الحزب المدنية والعسكرية تم تصفيتها مباشرة او بطرق غير مباشرة بقرار مباشرمن قبل صدام , وأكبر مجزرة نفذها صدام بحق رفاقه كانت مجزرة حدائق القصر الجمهوري في تموز 1979 عندما أراد احتلال الموقع الاول في الحزب والدولة والجيش بدلاً من احمد حسن البكر ، حيث قام بقتل نحو ثلثي القيادة القطرية وعدد كبير من الوزراء البعثيين وعدد من القيادات العسكرية البعثية وعدد من اعضاء قيادة فرع بغداد وغيرهم بذريعة التآمر..! 

5- تميزت فترة حكم حزب البعث بقيادة صدام بما يلي: 

• حملة واسعة لتصفية زعامات وكوادر وقواعد القوى الوطنية العراقية بمختلف توجهاتها الفكرية، وهو الأمر الذي لم تشهد العهود السياسية السابقة (1920 – 1968) له مثيلاً. 

المفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر

• انتهاكات صارخة وواسعة لحقوق الانسان العراقي حتى بلغت عدد السجون المئات وأعداد المعدومين رسميا مئات الالاف واعداد المفقودين مئات الالاف واعداد العراقيين المهجرين والهاربين بالملايين. 

• شن حروب خارجية على الدول المجاورة للعراق (كشن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وغزو دولة الكويت وضرب الرياض بصواريخ أرض، أرض وغيرها). 

خسائر الجيش العراقي في غزو الكويت

• تأجيج الصراعات العنصرية والطائفية والاجتماعية والسياسية بين ابناء المجتمع العراقي العريق، وهو ما نشاهد نتائجه ومضاعفاته الخطيرة هذه الايام. 

• تدمير القدرة الاقتصادية للبلد من خلال الحروب وفتح الابواب واسعة امام التدخلات الخارجية التي وصلت ذروتها في لجان التفتيش الدولية التي أستباحت كل المنشآت والدوائر الرسمية وحتى بيوت المسؤولين، وأخيرا الاجتياح العسكري الامريكي للعراق عام 2003. 

جندي امريكي يضع علم بلاده على تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس

• تخصيص 5٪ من عائدات النفط (كانت تسمّى بحصة كولبنكيان) لحساب امين الحزب آنذاك (صدام) وهو ما ادى إلى هدر المليارات من اموال الشعب العراقي. 
بالطبع هناك بعثيون اعتنقوا فكر حزب البعث وناضلوا في صفوفه في الحقب السياسية المنصرمة وناضلوا أيضاً ضد دكتاتورية صدام (غالبيتهم كانوا مرتبطين بالقيادة القومية المرتبطة بالنظام السوري)، ودفعوا ثمناً باهضاً بسبب نضالهم ذاك وعملوا من اجل خدمة المبادئ والشعارات القومية التي رفعها الحزب للنهوض بواقع الامة العربية. 

أولئك البعثيون لا يعتبرون جناح صدام هو الممثل والوريث الحقيقي لحزب البعث الذي يعتبروه حزباً وطنياً وقومياً ساهم في صياغة نضالات الشعب العراقي والأمة العربية لعقود من الزمن، ويرون كذلك ضرورة إعطاء فرصة عادلة لهم ليبرزوا الوجه الاخر لحزب البعث .. ذلك الوجه الذي لا تعتقد غالبية القوى الوطنية العراقية بوجوده اصلاً لأن ممارسات صدام وأعوانه هي في الواقع نتاج الفكر البعثي الذي يصفه مناوؤه بالعنصرية والفاشية والتخلّف.

________________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا