ديكتاتورية تلد أخرى!!

0
50

كتب : عبد الجليل الزبيدي 

في ازمنة الطغاة ،تخضع الشعوب الى برنامج مكثف غايته فصل العقل عن المشاعر بما يؤدي الى تقييد السلوك وتقنينه وفق محددات صارمة وضعها النظام المتسلط الذي يتغنى عادة بالتظاهرات المؤيدة له ويعتبرها نجاحا حققه في تدجين الشعب  .
ويقصد بالانفصال، هو منع عقل الانسان المواطن من الاستجابة لمستقبلات المشاعر وذلك لكي لا ينتج فكرا وتصورا وشعرا وكلمة.
ان الانفصال بين العقل والمشاعر ،وعلى المدى البعيد، سيؤدي الى فصل الذاكرة عن المستقبل ،واقصد هنا فقدان الامل بحياة افضل وافق اجمل .
ويرى خبراء ،ان برنامج الطغاة يركز في آلياته  على صناعة الغباء وتعميمه ليصبح خلية بيولوجية قابلة للانشطار وتتفاعل وتبقى حية لسنوات طويلة حتى بعد رحيل الديكتاتور.

واجمعت البحوث العلمية على ان الانسان في ظل حكم الديكتاتور  يفقد الاحساس بالمحيط وينكفئ من اجل الحفاظ على مصلحته الخاصة بعد ان يتركب لديه شعور العدائية حيال مجتمعه ، وهو بالتاكيد غاية النظام المستبد  الذي يحصل لديه مجتمع مفكك وفرد لا يميل الى الجماعة ،بمعنى آخر .صناعة فرد لا يتفاعل عقليا ووجدانيا مع مفاهيم ومصطلحات العمل الجماعي من قبيل : الثورة ، التغيير ، الوطن ، الوطنية ووو.. 

وفي اعتقادي ان الفردية وهذه الانانية ،هي السبب في حصول الجرائم والممارسات غير القانونية وحالة الفوضى وذلك عقب زوال النظام الديكتاتوري ونهاية الضغوط .
ولذلك سيكون من الخطأ اطلاق الحريات في اوسع ابوابها امام هكذا مجتمعات التي بالاساس فقدت الاحساس بحرياتها وبحدود وحريات الاخرين.
من خلال قرائتي الدقيقة لمجريات الاحدات في العراق وفي دول شهدت ظاهرة الثورات الشعبية هو ان الفرد العادي يتصرف في مرحلة الثورة  على اساس ان المرحلة التالية هي مرحلة اللاقانون وانه موسم استحصال المكتسبات الفردية وبمعزل كامل عن حقوق ومكتسبات الجماعة ، ولذلك يحصل السلب والنهب واعمال التدمير وكانها حالة انتقام  من النظام المستبد ولكن هي في جوهرها  حالة انتقام من الفرد نفسه ومن محيطه .
وخطا من يعتقد ان هذا الفرد الخارج من مرحلة التدجين انه يمارس فعلا ثوريا ،لانه وببساطه لايفهم منهج وحركة الثورة ،لانه دجن بالاساس لكي لا ينتمي الى نهح الجماعة ، وهي المجتمع والنظام والقانون والدولة .

وفي تجارب التغيير في العالم الثالث ، تبقى فئات من المجتمع تتوق الى الديكتاتور وتظل وفية لسلوك عبادة الفرد ،  ولذلك تجد الفرد سرعان ما ينتمي الى حزب سياسي في مرحلة التغيير ،ليس للتعبير عن الانضمام الى الجماعة وانما لكي يمارس عبادة الفرد وهو زعيم الحزب الذي انتمى اليه ، وهي حالة خطيرة وكارثية لان هذا الفرد سيبقى يحتفظ بامراضه الاميبية وبفايروساته المتوارثة في ظل العهد الجديد.
وكمثال على خطورة اختباء الفايروسات في ظل احزاب العهد الجديد ، هو ان هذه الاحزاب سرعان ما تصاب بالديكتاتورية ، وايضا تتحول هذه الاحزاب الى دكاكين تستثمر بالجهل وتتخلى عن وظيفتها التربوية والتوعوية. 
والحقيقة هي ان هذه الامراض الاخلاقية والقيمية التي تزرعها الانظمة المستبدة ،من الصعب معالجتها بالطرق التقليدية ، مالم يكن البديل ثوريا واعيا وعارفا  بالامراض التي خلفتها الحقبة السابقة . وبالتالي كان عليه ان يعكف وبطرق علمية على معالجة العقد  وتفكيكها ،وذلك على غرار تجارب كثيرة حصلت في الصين وسنغافورة.
والتحولات الاخيرة في العالم العربي اثبتت ان النظم البديلة الضعيفة كما حصل في العراق وليبيا ،يسمح ضعفها او طريقة حكمها التقليدية في خروج الازمات والعقد النفسية الفردية الى العلن وتصيب الاجسام الحية اوتلك التي لديها المناعة . 

ويحدث ان التغيير من النظام الديكتاتوري الى النظام الدستوري او الديمقراطي ،ان يواجه مشاكل كبيرة في مرحلة فرض الدستور والنظام والقانون.
ومنطقيا ان الذي يعتبر نفسه البديل الثوري ،كان يفترض ان يمتلك برامج اصلاحية علاجية مع آليات تنفيذ دقيقة لكي يبدا مهمة ضبط العقد عبر ضبط السلوك الانتقالي . 
وقد حدث في مراحل تاريخية ان زعامات ثورية رفضت القيام بالتغيير لانها لم تهيء برامج التغيير والمعالجة في تلك المرحلة حينما كانت الظروف مواتية للثورة .

وفي تقديري ، انه بالاخفاق في تحقيق التغيير الممنهج والواعي ، فان الاوضاع ستنقلب بالضد من طموحات البديل والذي سيصبح بعد سنوات قليلة ،نخبة ديكتاتورية بنسخة ضعيفة ومتقوقعة تتستر بغطاء التغيير  وتتغنى بامجاد الماضي.

_________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا