قصور العباسيين في بغداد 2-2 القصر العباسي .. القصر الوحيد الذي بقي يطاول الزمن

0
209

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

6- دار الشجرة :

في الوقت الذي كان الأمراء الأتراك يحكمون بغداد ، كان الخلفاء العباسيون المغلوبون على أمرهم يقضون أوقاتهم في إنشاء القصور والتفنن في تنظيم البساتين والبرك والنافورات وغيرها للهوهم وأنسهم. ففي عهد المقتدر ، دار الشجرة – نسبة إلى الشجرة المصنوعة من الفضة كانت فيها- وقد وضعت الشجرة في وسط بركة كبيرة مدورة فيها ماء صاف . وللشجرة ثمانية عشر غصناً ، لكل غصن منها فروع كثيرة عليها الطيور والعصافير (المعدنية) من كل نوع مذهبة ومفضضة. وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها ذهب. وفي جانب الدار على يمين البركة تماثيل خمسة عشر فارساً على خمسة عشر فرساً قد ألبسوا الديباج وغيره،  وفي الجانب الأيسر مثل ذلك). 
وقد أنشيء بالقرب من قصر الفردوس (الجوسق المحدث) وهو دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة. 

7- القصر الحسني :

الذي بناه جعفر بن يحيى البرمكي، وكان يعرف باسم القصر الجعفري، وقصر الفردوس الذي شيده المعتضد في جوار القصر الحسني. وقد بناه ليكون موضع لهوه بعيداً عن مقر الخليفة وعيون الناس. وكان يعرف بالقصر الجعفري ثم أقام فيه المأمون فسمي بقصر المأموني . كما سميت المحلة الواقعة بجواره بالمأمونية نسبة إلى هذا القصر.
قال ياقوت (ثم انتقل القصر إلى المأمون ، فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه. واقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحير (حظائر) لجميع الوحوش). وقال تاج الدين ابن الساعي المؤرخ ، إن “هذا القصر صار إلى المأمون وكان من أكمل القصور وأبهاها، وأحب المواضع إليه وأشهاها، لاطلاله على دجلة وكماله في النظر، واشتماله على الروض والشجر، واكتسائه بالنور المشرق النائر، والزهر المونق الزاهر، فنزل بساحته ، وحلّ به حبى راحته ، وجرّر على رياض ذيوله، وطارد في ميدان سروره خيوله ، ملتذاً بسكناه، معتداً بهواه ، وصار منزل صيده وقنصه، ومحل نزهه وفرصه، واقتطع جملة من البرية فعملت ميداناً لركض الغلمان ، واللعب بالكرة والصولجان”. ومحلة المأمونية اليوم محلة عقد القشل والدهانة والهيتاويين وصبابيغ الآل. ثم أقام فيه الوزير الحسن بن سهل فسمي الحسني.
ويقال أن المعتضد وسّع القصر الحسني وأضاف اليه دوراً عديدة ، ثم ابتنى بين القصر الحسني وقصر الثريا لتمشي جواريه فيها وحرمه وسراريه. وكان قصر الثريا على مسافة ميلين عربيين (الميل العربي يساوي 2 كيلومتر) من القصر الحسني.  

8- قصر الرصافة للمهدي :

أمر المأمون ببنائه في شرقي نهر دجلة عام 151هـ، وهو أول مبنى أنشئ في هذا الجانب، وبنى له المنصور سوراً وخندقاً، فاتخذه الخليفة المهدي مقاماً له عام 151هـ وجعل ما حوله معسكراً لجنده، وبنى كبار القوّاد منازل لهم حول القصر. ثم تكاثرت المباني وتألفت من مجموعها محلة الرصافة جوار مشهد الإمام أبي حنيفة.

9- قصر الوضاح :

وقد بني للخليفة العباسي المهدي قرب رصافة بغداد وقد تولى النفقة رجل من أهل الأنبار يقال له وضاح فنسب إليه، وقيل الوضاح من موالي الخليفة أبوجعفر المنصور.  وذكر الخطيب البغدادي انه عند بناء بغداد أمر الخليفة المنصور باخراج الاسواق من المدينة إلى الكرخ، وان يبنى ما بين نهر الصراة إلى نهر عيسى، وان يبنى لأهل الأسواق مسجداً يجتمعون فيه يوم الجمعة لكي لا يدخلون المدينة ويفرد لهم ذلك، وقلد لهم ذلك رجلاً يقال له الوضاح بن شبا فبنى القصر الذي يقال له قصر الوضاح. ويقع في المنطقة التي سميت بالشرقية لأنها تقع شرق الصراة فهذا يدل على ان القصر بالكرخ.
وقد أشارت المصادر التاريخية إلى قصر الوضاح في الكرخ في الفتنة بين الأمين وأخيه المأمون والتي حدثت قرب سوق الكرخ في الجانب الغربي حيث ان قائد جيش المأمون طاهر بن الحسين حاصر قصر الوضاح وطارد الأمين حتى أسره وأمر حرسه من الأعاجم بقتله، فذبحوه من الخلف وذلك سنة 198ه‍. وذكر المؤرخ اليعقوبي 🙁 والكرخ السوق العظمى مادة من قصر وضاح إلى سوق الثلاثاء طولاً بمقدار فرسخين، ومن قطيعة الربيع إلى دجلة عرضاً مقدار فرسخ( .

10- القصر العباسي :

وهو القصر العباسي الوحيد الذي بقي من العهد العباسي. وقد بناه الخليفة الناصر لدين الله عام 576 هج/ 1181 م . ويذكر ابن جبير في رحلته  بأنه عندما زار بغداد عام 580 هج /    شاهد الخليفة الناصر لدين الله وهو يصعد من منظرته في الشاطئ الغربي لنهر دجلة إلى قصره في أعلى الجانب الشرقي.
وهناك رأي بأن المبنى في الأصل بناه قائد الجيوش شريف الدين إقبال الشرابي سنة 628 هج/   ليكون مدرسة تحمل اسمه، لكن الأدلة التاريخية لا تساند هذا الرأي لأن المدرسة الشرابية ليست في هذا المكان. 
وسمي القصر بدار المسناة ليكون للتنزه والمتعة ، ولذلك وضعت فيه نقوش وزخارف بديعة نحتت من الآجر . وتذكر بعض المصادر بأنها أول دار فرشت بالطابوق الملون. وكان الخليفة ملازماً لها. وقد تم تأثيثها بالأثاث الفاخر والفرش والسجاد والأواني الذهبية والفضية. وعين لها جيشاً من الحراس والخدم والطباخين وغيرهم. 
يتكون القصر من طابقين ، الطابق الأرضي أكثر ارتفاعاً من الطابق العلوي ، وكل منهما يضم مجموعة من الغرف الصغيرة نوعاً ما ، عدا أربع قاعات كبيرة. ويوجد رواق أمام أبواب الغرف من جهة ،  ويشرف على الباحة من الجهة الأخرى. ويستخدم عادة للمشي والانتقال بين الغرف بعيداً عن الشمس والمطر. يستند الرواق على ثمان دعامات في كل طابق إلا في القسم الشرقي حيث تم بناء إيوان كبير بارتفاع الطابقين معاً . والسقوف معقودة بالطابوق ، حيث لم يستخدم روافد من أي نوع ، بل جرى توزيع أحمال السقف لتصل إلى الجدران ثم إلى الأسس. 
توجد باحة وسطية مفتوحة على الهواء الطلق بأبعاد 21,5 × 20 متراً. وتوجد في وسط الباحة نافورة دائرية ترتفع عن الأرض. 

ولم ينس المهندس الذي شيد القصر تفاصيل كثير مثل فتحات التهوية والانارة.  وفيه من الزخرفة البديعة وجمال المقرنصات المنحوتة من الطابوق البغدادي بشكل فني بديع وتداخلات ذكية وماهرة تتناغم مع الاطار العام لمفردات البناء. وعلى بوابة القصر المرتفعة يوجد في إعلاها قسم تمت إزالته ، ولعله كان يضم كتابة تتحدث عن القصر واسم بانيه وسنة تشييده ، كعادة القصور والمدارس والجوامع العباسية. 
يقع القصر العباسي في الزاوية الجنوبية من مبنى وزارة الدفاع في منطقة باب المعظم وبجوار بيت الحكمة الحالي. يقع القصر على ضفة نهر دجلة لكنه لا يطل مباشرة على النهر بل توجد حديقة واسعة تبعده عن النهر بأكثر من 30 متراً . وهي مربعة ، مرصوفة حالياً بالطابوق ، تنمو الحشائش بين الطابوقات. وتوجد فيها بضعة أشجار بينها نخلات. ولعلها كانت جنة جميلة يقضي فيها الخليفة أوقاته متمتعاً بجمال النهر المنساب تحته.  

في العهد العثماني عانى المبنى من الاهمال وسوء الاستخدام ، مثل المدرسة المستنصرية التي نتحولت إلى دائرة كمارك ومخزن لملابس الجنود العثمانيين. ولم تصله يد الاعمال والصيانة إلا في العهد الملكي العراقي. ففي عام 1934 قامت مديرية الآثار القديمة والتراث العراقية عندما بدأت حملة لرفع الأنقاض والأوساخ والأتربة . كما أزيلت الأبنية المستحدثة التي أضيفت إلى البناء الأصلي في فترات مختلفة. وأجريت حفريات في بعض أجزائه ، وأظهرت أسس الأقسام المتهدمة منه . وتوصلت إلى معرفة مخطط  كامل للبناء ، وعليه جرت أعمال الصيانة التي أظهرته بالشكل الحالي عام 1980، (بحسب أستاذ الآثار ضياء نعمة).

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا