العتبة الكاظمية صرح يناطح الزمن (3-3)

0
129

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

إعمار الروضة الكاظمية عام 2004 :

بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وتأسيس ديوان الوقف الشيعي شهدت الروضة الكاظمية توسعات كبيرة واعمار جديد. إن أهم أهداف ديوان الوقف الشيعي هو إعمار وتأهيل وتوسعة العتبات المقدسة بشكل عصري وقادر على توفير مساحات مناسبة لتزايد عدد الزوار، وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وإدارة العتبات وفق أساليب علمية حديثة، ومنذ أيامه الأولى بدأ الديوان بحملة واسعة لإعمار العتبات والمراقد الدينية في أنحاء العراق ، وتم تخصيص موازنات كبيرة في الأعوام 2004 و2005 لهذا الغرض.

وخلال الفترة التي قضيتها في الوقف 2004 -2009 شهدت العديد من الإنجازات ، وشاركت في مناقشة خططها ، وقمت بزيارات عديدة لتلك المشاريع.

لقد كان ضيق المكان المحيط بالقبر الشريف للامامين الجوادين، أكبر معاناة يواجهها الزوار ، حيث كانت الجهتان الشرقية والغربية من الجدران تبعد مسافة 80 سنتمتراً فقط عن الشباك. إذ تستند القبتان ومن الجهتين على جدار سميك سمكه أكثر من مترين. وجاءت فكرة التوسعة من قبل الدكتور محمد علي الشهرستاني الذي أنجز توسعة مشابهة في الحرم الرضوي في مشهد. وتتلخص التوسعة في إزالة الجزء البارز من الجدار وعرضه 125 سنتمتراً ، وتقوية الجدار من خلال ثقبه وإنزال الحديد المسلح ثم صب الخرسانة داخله، ليكون قادراً على تحمل وزن القبتين. وكان بعض من يسمع بالفكرة  يعارضها ويقول إن فيها مجازفة بسبب احتمال انهيار القبتين ، وكان الدكتور الشهرستاني يعرض مخططاته وحساباته بشكل يدعو للإطمئنان. وقد أيدت الفكرة بقوة لأنها ستخدم زوار الإمام الكاظم (ع).

بدأ العمل في أعلى الجدار، وتم صب الخرسانة المسلحة، ثم بدأت عملية إزالة الجزء الزائد من الجدار. وكان على الجدار خط معرّق من أنفس ما تحويه العتبة الكاظمية من الخطوط العربية ، والخط يحيط بالروضة المطهرة بشكل أفقي كالحزام ، وكي لا يضيع هذا الكنز تم إعادته على الجزء الذي ظهر من الجدار، ولكن ارتفع نحو الأعلى ثم سار أفقياً ليعود بعدها أفقياً ، ومن يزور الروضة الشريفة يلاحظ ذلك.

في 20 نيسان 2004 أقمنا احتفالاً مهيباً في الصحن الكاظمي حضرته شخصيات أكاديمية ودينية وسياسية، إضافة إلى وسائل الإعلام التي سُمح لها بدخول الحرم المطهر. وتم تكريم الدكتور محمد علي الشهرستاني بدرع وشهادة تقديراً لجهوده الكبيرة في إعمار الروضة الكاظمية.

شباك جديد للروضة الكاظمية :

ومن انجازات الديوان في السنوات الأولى هو تبديل شباك المرقد الكاظمي. وكان الشباك قد صُنع في إيران وبتبرع من الإيرانيين ، في عام 1980 لكن غزو نظام صدام لأراضي إيران ونشوب الحرب بين البلدين ، جعل الحكومة الإيرانية تؤجل عملية الاستبدال إلى وقت آخر. بقي الشباك مخزوناً في إيران حتى سقوط صدام ، عندها فاتح الإيرانيون الوقف الشيعي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستبدال الشباك القديم بالجديد. تم شحن قطع الشباك ووصل إلى بغداد ، وتم خزنه في الرواق الشمالي للروضة الشريفة. كما وصل عدد من الفنيين والعمال الإيرانيين . وكان العمل كله بإشراف الدكتور المهندس محمد علي الشهرستاني (1932- 2011) وهو ذو خبرة طويلة في مجال الإعمار والبناء وخاصة العتبات والمراقد الدينية. في 17 نيسان 2005 تمت إزالة الشباك القديم وظهر صندوقان خشبيان ، أحدهما للإمام الكاظم (ع) والآخر للإمام الجواد (ع) .

مشاهداتي داخل الضريح المقدس :

أثناء العمل زرت الروضة الشريفة بعد إزالة الشباك الفضي.  وقفت بين الصندوقين وقمت بتقبيل الأرض من جهتي الرأس والرجلين. وكان الصندوقان من الخشب الساج عليهما نقوش وزخرفة وآيات قرآنية. وكتب عليهما تاريخ الصنع وهو عام 936 هج ( الموافق عام 1529 ميلادية) في عهد الشاه اسماعيل الصفوي . وهذا التاريخ يعني أن بغداد والعراق عموماً كان تحت السلطة الإيرانية بزعامة الشاه طهماسب (حكم 1524-1576م) والذي أولى رعاية خاصة للعتبات الشيعية. وتوجد كتابة أخرى توضح تاريخ تجديد الشباك من قبل الحاج عبد الهادي الجلبي عام 1363 هج الموافق عام 1944 ميلادي.

عندما أزيل الصندوقان شاهدت قبر الإمام الجواد (ع) مفتوحاً من خلال فتحة بأبعاد 20 × 20 سنتمتراً . وكان يُراد وضع قطع من المرمر. ويبدو أن أرض القبر الشريف التي يقف عليها الشباك ويطوف الزائرون عليها هي بمثابة سقف لسرداب عميق  تم دفن الجسدين الطاهرين فيه  قبل  اثني عشر قرناً.  كان المكان تغمره القدسية والروحانية والهيبة . وقد تشرفت بأداء صلاة ركعتين في مكان مقدس، ولا يتاح ذلك مرة أخرى ، ربما بعد قرن من الزمن في عملية إعمار قادمة. تم توسعة أساس الشباك لأن الشباك الجديد أوسع من الشباك القديم. كما تم حفر خندق حول القبر على عمق مترين وبسمك 25 سنتمترا ، ثم وضعت الخرسانة فيه مع مواد مانعة للرطوبة. والغرض من الجدار الخرساني هو حماية الضريح من الرطوبة حيث كانت آثارها بادية. وشاهدنا ثلاث قنوات من الضريح إلى الخارج، تقع تحت الأرضية المرمرية ، وهي على ما يبدو قنوات تهوية بنيت في العهد الصفوي كانت تقوم بتهوية القبر ، وعدم تجمع الرطوبة أو المياه الجوفية، لكن الذين جددوا البناء في الأربعينيات من القرن العشرين لم يعرفوا ماهية هذه القنوات فأغلقوها جهلاً بوظيفتها.

تم نصب الشباك الفضي ، والإزارة الذهبية في الأعلى ، ووجدت محفورا على الباب انه من إيران وتم إهداؤه في عهد زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992م). وعندما كان العمل يجري لإكمال الشباك اقترحت إنارة القبر من الداخل، لأننا اعتدنا أن تكون قبور الأئمة مظلمة ، أو ضوء أخضر خافت ، في حين يجب أن يشع القبر بنور الإيمان والهداية والقدسية التي يحتلها الأئمة (ع). كما وجدنا أن الزخرفة الداخلية للشباك والمرسومة في أعلى الشباك وعلى الخشب بسيطة جداً، وقد تم تكليف فنانين ونقاشين عراقيين لوضع نقوش وزخرفة جميلة ، فجاء عملهم آية في الفن والجمال ، وكان الشباك الجديد عالياً ، فبدت الثريا المتدلية على الشباك واطئة جداً ، فاقترحت رفعها متراً واحداً كي تظهر واضحة ، وأن يبرز جمال الشباك ، كما تم تبديل الأرضية بالمرمر الأخضر الفاخر ، وتم إيجاد مجرى لتصريف مياه غسل وتطهير الأرضية. وتم افتتاح نصب الشباك الجديد في حفل شاركت فيه شخصيات حكومية وسياسية ودينية.   

بعد مرور عقود على تذهيب القبتين ، أصبح لونهما باهتاً، وعلاهما الصدأ أو التأكسد جراء التأثر بالأجواء. فكان لابد من إعادة تذهيبهما ، وهناك حاجة لأكثر من سبعين كيلوغراما من الذهب ، قسم منه متوفر في حساب العتبة في مصرف الرافدين. إذ كانت الهدايا والمخشلات الذهبية تذوّب وتُخزن في المصرف. وتم شراء قرابة أربعين كيلوغراما من الذهب ، على ما أتذكر، لإكمال المخزون. تم استدعاء فنيين من إيران لديهم خبرة في طرق الذهب ليكون طبقة رقيقة جداً تُغلّف بها الكاشية المربعة التي ترصف بها القبتان والمنائر ، وأثناء العمل قمت بزيارة موقع العمل ، فصعدت سلماً ضيقاً حتى وصلت إلى سطح المرقد ، وتجولت في السطح ، كما قمت بإطلالة من خلال شبابيك القبة ، فشاهدت الزائرين من فوقهم. وهناك التفت إلى أن ارتفاع القبة التي تعلو المرقد أقل ارتفاعاً من القبة الظاهرة من الخارج. وسألت المهندسين فدلوني إلى سلم يصل إلى داخل القبة الذهبية ، وحينها عرفت بأنه توجد هناك قبتان: داخلية وهي التي يراها الزائرون من ألاسفل، ومنها تم تعليق الثريا الكبيرة فوق المرقد. وأخرى فوقها وأعلى منها بعدة أمتار، ومدعّمة بأعمدة وجدران من الآجر تمسك القبة الخارجية .

بدى لي أن من أنشأ العتبة كان في ذهنه بناء صرح ضخم يليق بالأئمة (ع) وليس تشييد مرقد أو ضريح. وذلك لأن الفخامة في ارتفاع السقف واستخدام أعمدة تتجاوز العشرة أمتار ارتفاعاً ، توحي بالعظمة والسمو. كما أن تزيين الجدران الداخلية بالمرايا الصغيرة لتغليف المقرنصات تعطي انطباعاً بالأبهة والفخامة. إن بناء قباب عالية كان يرمي لتحقيق هدف واضح ، وهو أن تُرى القباب من مكان بعيد أي في أطراف بغداد. فهي بالحقيقة أبراج ذهبية ، لو حسبنا ارتفاعها من الأرض، وليست مجرد قباب لضريح والله أعلم.

الجدير بالذكر قامت إدارة العتبة بمشاريع أخرى مثل:

1- صيانة شباكي ضريح الشيخ المفيد (رض) والشيخ الطوسي (رض).

2- استبدال أبواب الطارمات الفضية والخشبية بأبواب ذهبية، وعددها تسعة.

3- إنشاء صحن جديد من الجهة الشمالية بمساحة 7000 متر مربع تقريبا.

4- إكساء أرضية الصحن الشريف.

5- مشروع الكاشي المعرّق للأواوين وصيانة حجرات الصحن الشريف والغرف العليا وتأهيلها.

6- إعمار أبواب ومداخل الصحن واستحداث ثلاثة أبواب جديدة.

7- مشروع صحن الإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه) من الجهة الغربية وصحن الإمام علي (عليه السلام) المحاذي لصحن التوسعة ومشروع المرافق الصحية والحمامات.

8- مشروع إعمار مكتبة الجوادين (ع) التي أسسها السيد هبة الدين الشهرستاني (1884-1967)

9- نصب مظلات كبيرة في الصحن لحماية المصلين والزوار من أشعة الشمس.

ان هذه المشاريع المتوالية والمتعددة تهدف إلى إدامة هذا الصرح المقدس وصيانته وتطويره فهو الصرح الذي يؤمّه المسلمون من مختلف البلدان الذين ازدادت أعدادهم فأصبحت الحاجة إلى استحداث بعض المرافق الخدمية والصحية والإنشائية ــ والتي من أضخمها وأكبرها مشروع توسعة الصحن من الجهة الشمالية ــ لاستيعابهم وتقديم أفضل الخدمات لهم.

إدارة العتبة الكاظمية :

في الأول من تشرين الأول اكتوبر عام 2012 أقر مجلس النواب العراقي قانون الوقف الشيعي برقم (57) لعام 2012 . تنص المادة (9-ه) تشكيل دائرة إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية . وتم تأسيس إدارة لكل عتبة مقدسة يرأسها أمين العتبة الذي يرشحه رئيس الديوان بموافقة المرجع الأعلى في النجف الأشرف. يبقى الأمين العام لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط . وأمين العتبة موظف حكومي بدرجة مدير عام ، ويعاونه مجلس إدارة يتولى الاشراف على أعمال الاعمار والخدمات والمشاريع وغيرها.

تقدم إدارة العتبة الكاظمية الخدمات التالية:

1- توفير المياه وأنظمة التكييف المركزي والانارة والتنظيف .

2- أعمال الصيانة المستمرة للأبنية والسلالم والأروقة والأجهزة الكهربائية.

3- تجهيز منظومة كاميرات لمراقبة الزوار داخل الحرم وخارجه .

4- توفير المصاحف وكتب الزيارة والتربة الحسينية والرحلات للصلاة وفرش السجاد.

5- توفير الحراسات والحمايات والمفتشين من الرجال والنساء.

6- نقل الزوار كبار السن والمرضى والجنائز بسيارات كهربائية من وإلى العتبة.

7- إنشاء موقع ألكتروني لنشر الأخبار والمشاريع ومواقيت الصلاة . ويضم معرضاً للصور ومكتبة صوتية للأدعية والقصائد الحسينية . كما يوفر معلومات عن إنشاء العتبة وتاريخها عبر العصور.

8- إصدار كتب تاريخية وعقائدية ، ودوريات ومجلات ثقافية دورية مثل (ق والقرآن المجيد) و (منبر الجوادين) و (حشدنا أملنا) ، وللأطفال والشباب (براعم الجوادين) و (زهور الجوادين) و (شباب الجوادين).

9- توفير الكتب التاريخية والعقائدية وغيرها في مكتبة الجوادين (ع) الواقعة في الركن بين باب المراد وباب القبلة. وتضم المكتبة آلاف الكتب والموسوعات وقاعات للمطالعة للباحثين والدارسين.

10- تم افتتاح مركز الجوادين للوثائق الكاظمية الذي يضم وثائق تاريخية وصوراً قديمة. (انتهى)

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا