مليونية السيادة.. “صفعة” لترامب و “بطاقة صفراء” للاحزاب

0
158

كتب : باسل الربيعي

مثلما توقعنا ، فلقد اذهلت الجماهير العراقية بمشاركتها المليونية في تظاهرات “السيادة” الرأي العام العالمي والاقليمي حيث سارعت وسائل الاعلام الاجنبية والعربية بتناقل هذا الانفجار العظيم الذي لم يشهد له تاريخ العراق مثيلا بالمزيد من الدهشة والاعجاب لكونه يستهدف طرد اكبر قوة دولية من اراضيه رغم ان هذه القوة طالما تعاملت مع الشعوب بتكبر واستعلاء .. انفجار وجّه حقا “صفعة القرن” للرئيس الاميركي دونالد ترامب والصقور المحيطين به ، وفي مقدمهم وزير خارجيته “مايك بومبيو” الذي برهنت له هذه المليونية ان احلامه بعدم رغبة الاكثرية العراقية بجلاء القوات الاميركية عن بلادها ، انما هي مجرد اضغاث احلام غير قابلة للتفسير.

وما اعطى المزيد من القوة للرسالة التي وجهتها “مليونية السيادة” للادارة الاميركية المتغطرسة، نداء التأييد السريع لمطالب المليونية الذي صدر من لدن المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف ، والذي نقله للرأي العام في صلاة الجمعة بالصحن الحسيني الشريف بمدينة كربلاء المقدس ، وكيل المرجعية السيد احمد الصافي ، حيث جاء فيه “إنّ المرجعية الدينية تؤكد موقفها المبدئي من ضرورة احترام سيادة العراق واستقلال قراره السياسي ووحدته أرضاً وشعباً، ورفضها القاطع لما يمسّ هذه الثوابت الوطنية من أي طرف كان وتحت أي ذريعة، وللمواطنين كامل الحرية في التعبير ـ بالطرق السلمية ـ عن توجهاتهم بهذا الشأن والمطالبة بما يجدونه ضرورياً لصيانة السيادة الوطنية بعيداً عن الاملاءات الخارجية”.

كما بعثت “مليونية السيادة” رسالة واضحة المعالم ومن ثلاثة محاور رئيسة ، الى القوى والاحزاب السياسية المشاركة في السلطتين التنفيذية والتشريعية .

المحور الاول ، هو عبارة عن ضخ المزيد من الزخم والدفع الجماهيري لهاتين السلطتين من اجل ان تمضيا بقوة في تنفيذ قرار اخراج القوات الاجنبية من العراق وتحقيق السيادة الكاملة للارض والكرامة للانسان ، فالسيادة والكرامة امران لايمكن التفريط او التساهل بهما ، خصوصا ان استهتار الاميركي بهما بلغ مداه الاقصى حين استغلت قواته السماء العراقية لاغتيال ابناء الحشد الشعبي وقائد النصر على الارهاب الداعشي الشهيد ابو مهدي المهندس وضيف وسند العراق الفريق الشهيد قاسم سليماني ، وهي جريمة مركبة اذ كونها تنطوي على استباحة للسيادة من خلال استغلال السماء والارض العراقية لتنفيذها ، واستهانة بكرامة العراقيين حين يتم اغتيال احد ابرز رموزهم وقادتهم ، وامتهان للاعراف والتقاليد التي يؤمن بها العراقيون حين يتعرض ضيفهم للاغتيال وهو في زيارة رسمية لهم لبحث سبل تكريس الامن والاستقرار في المنطقة وازالة بؤر التوتر التي تعصف بالعلاقات بين دولتين مسلمتين ، ايران والسعودية.

اما المحور الثاني ، فان “مليونية السيادة” وبقرار عدم التجمع في ساحة التحرير، التي باتت ايقونة التظاهرات والاحتجاجات السلمية المطالبة بالاصلاح في البلاد ، قد قالت بصوت جلي ومسموع انها مع استمرار هذه الاحتجاجات حتى تحقيق الاصلاحات المرجوة ، وانها اختارت مكانا آخر للتجمع فيه غير ساحة التحرير لاجل الا تسيء احزاب السلطة ، والفاسدة منها على وجه التحديد ، اذا ما توجهت الجموع المليونية الى ساحة التحرير ، تفسير ذلك على انه يعبر عن رفض هذه الجماهير لما يحصل في ساحات الاعتصام ، فتستغله للمزيد من المماطلة في الاستجابة لمطالب الاصلاح ، فالذي يبتلع بفساده لقمة حرام واحدة يعتاد بعدها على اكل السحت والحرام ، حتى يصبح الحرام قرينه مادام حيا ، وفي ضوء ذلك فانه يبذل كل مابوسعه ويستغل اي حركة يمكن تأويلها للابقاء على الحياة السياسية مثقلة بالفساد الذي يعد بالنسبة اليه “الحبل السري” الذي يمده بمقومات الحياة.

وحظي هذا المحور ايضا بتأييد صريح ومباشر من المرجعية الدينية العليا ، اذ نقل السيد الصافي اليوم الجمعة، للعراقيين ما اوصت به المرجعية الشريفة في هذا الجانب ، ونصه “تؤكد المرجعية الدينية ايضاً على ضرورة تنفيذ الاصلاحات الحقيقية التي طالما طالب بها الشعب وقدّم في سبيل تحقيقها الكثير من التضحيات، وترى ان المماطلة والتسويف في هذا الأمر لن يؤدي إلاّ الى مزيد من معاناة المواطنين واطالة أمد عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلد… إنّ تشكيل الحكومة الجديدة قد تأخر طويلاً عن المدة المحددة لها دستورياً، فمن الضروري أن تتعاون مختلف الأطراف المعنية لإنهاء هذا الملف وفق الأسس التي أشير اليها من قبل، فانّه خطوة مهمة في طريق حلّ الأزمة الراهنة”.

وفي المحور الثالث ، فان “مليونية السيادة” ، رسمت لوحة رائعة وفريدة في وحدة الكلمة والصف بين مختلف القوى السياسية والجهادية والعشائرية والدينية والقومية العراقية ، وهي بذلك دعت بكل وضوح القوى المشاركة في المنظومة السياسية الى وحدة اللحمة والكلمة ونبذ الخلافات الفئوية والمصلحية الضيقة والالتفات الى امور الامة وشؤونها وتلبية مطالباتها الاصلاحية والكف عن جر الحبال باتجاهات متناقضة والمضي نحو مسار واحد يضمن امن العراق واستقلاله وسيادته ورفاهية شعبه. وقد جاءت توصيات المرجعية الدينية المباركة ، كما عهدناها ، لتؤكد وتشدد على اهمية الموقف الموحد للافرقاء السياسيين في هذه الظروف الصعبة والمعقدة ، وذكرت في خطبة اليوم الجمعة ، إنّ “المرجعية الدينية تدعو مرة أخرى جميع الافرقاء العراقيين الى أن يعوا حجم المخاطر التي تحيط بوطنهم في هذه المرحلة العصيبة، وأن يجمعوا أمرهم على موقف موحد من القضايا الرئيسة والتحديات المصيرية التي يواجهها، مراعين في ذلك المصلحة العليا للشعب العراقي حاضراً ومستقبلاً”.

هذه اهم رسائل “مليونية السيادة” ، وان كل طرف معني بها يجب ان يأخذها على محمل الجد وينفذ ما يتحتم عليه تنفيذه، وبعكس ذلك فان الامة ستضطر الى سلك السبل الاخرى التي بكل تأكيد سوف لن تسر من يعمل على السير بالعكس من تيارها ويتحدى ارادتها في ان يكون العراق سيد نفسه وان تكون ثرواته لها لا للغرباء والفاسدين.

وما اجمل ما قاله الشاعر العراقي الكبير احمد مطر ..

قالت أمي مرة : عندي لغز .. من يكشف لي سرّه؟ تابوت قشرته حلوة .. ساكنه خشب .. والقشرة زاد للرائح والغادي .. قالت أختي : التمرة ! حضنتها امي ضاحكة .. لكنّي خنقتني العبرة . قلت لها : ..بل تلك بلادي!

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا