ما يُعقل ..إصلاحية النجف الأشرف!

0
205

كتب : جواد علي كسار
خلال قرن من الزمن حُشدت العقول وتحشّدت، تنظيراً للتغييرية الشاملة والانقلابية الكاملة في العالم الإسلامي؛ والقائمة طويلة تبدأ بـ«معالم» سيّد قطب التي استظلّت زوراً بتراث حسن البنا، ثمّ خطت عجلة التغييرية نحو تنظيرات تقي الدين النبهاني، قبل أن تحطّ رحالها في النجف الأشرف مع تنظيرات محمد باقر الصدر وعبد الهادي الفضلي ومحمد حسين فضل الله في مرحلته النجفية، وفتحي يكن في لبنان والمودودي في الهند، فكلّ هذه التنظيرات وما يقع على شاكلتها كانت تنتهي إلى نتيجة واحدة؛ هي بؤس الإصلاحية!
أعتقد أننا اليوم في أمسّ ما نكون حاجة إلى الإصلاحية الإسلامية الممتدّة المنفتحة، القادرة على استقطاب أدنى الجهود، واستيعاب الناس كلها؛ الحريصة على جمع ذرات الخير، وتحشيد طاقات الفعل عند الجميع.

من سمات التغييرية أنها حادّة عنيفة، تتصف بالنخبوية المتعالية، تفضي إلى قطيعة ليس مع الدولة وحدها والأنظمة القائمة، بل مع أغلب التيارات الفاعلة الحيّة في المجتمع، وتتعالى عليها وتشمخ بنفسها، من واقع نخبويتها الانقلابية الثورية العنيفة.
الإصلاحية في العمل السياسي لا تشترط تكييفاً آيديولوجياً معقداً للدولة، كما تفعل الانقلابية ـ التغييرية، بل مشروعها ببساطة هو الدولة العصرية، ومجتمعها بيسر هو مجتمع الحداثة المركبة أو الشاملة؛ علمياً وتكنولوجياً وصناعياً، في نطاق الذاتية الإسلامية وحفظ الخصوصية الحضارية. معنى ذلك أن الإصلاحية لا تعيش إشكاليات نظرية معقدة مع المجتمع والدولة وأنظمة الحكم، كما هو شأن التغييرية الحركية.
على عكس التغييرية وحظّها العاثر في التطبيق، على رغم التضحيات الجسيمة التي قدّمتها، والدماء الهائلة التي أُهرقت بسبب مواجهتها للأنظمة، والدمار الكبير الذي حلّ بالأوطان والإنسان، فقد استطاعت الإصلاحية الإسلامية أن تحقق تقدّماً واضحاً في تجارب مهمة من حولنا، كالتجربة الماليزية وما حصل في باكستان وأخيراً في تركيا، وإلى حدٍ ما في اندونيسيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى، لكن هذه التجارب محجوبة عنّا إلى حدّ كبير، بفعل اللغة، والمواقف النخبوية المضادّة لها مسبقاً، وأحياناً بدوافع الإعلام والسياسة.

لا يستطيع المثقف حتى العضوي أن يصنع مرجعية شعبية في مجتمعاتنا، خاصة مع التحوّل الذي يعيشه المجتمع الآن، وقد أثبتت التحوّلات التي ضربت العراق خلال أكثر من مائة سنة، ولاسيّما في المنعطفات الحاسمة، أن صوت حاضرة النجف الأشرف والمؤسّسة المرجعية، هو الأكثر تأثيراً على القاعدة العريضة. وأعتقد أن الأمر سيبقى هكذا في المدى المنظور، بالأخص مع ضعف قوى الإسلام السياسي، وهشاشة التيار المدني، وسطحية الآخرين.
لقد بات مؤكداً للجميع، أن في حاضرة النجف الأشرف اليوم تياراً ثالثاً، يقع وسطاً بين التديّن السلفي والتديّن الحركي؛ أو بين السلفية الجهادية والإسلام السياسي، لو أحسنّا الإنصات إليه، فإن فيه نفعاً كبيراً ليس لأزمة العراق وحده، بل لمحنة العالم العربي برمته.
النجف الأشرف رصيد عميق ومُتاح، لكنه مغيّب بفعل الإهمال والجهل والخجل والمكابرة أحياناً، لو جرّبنا أن نتحرّك في الإعلام والسياسة ومعنا رصيد الحاضرة النجفية، سنكسب الكثير لمجتمعنا، ونفوز باحترام الآخرين، ونحصّن أنفسنا إلى حدّ كبير من تدخلات الآخرين وتأثيراتهم التدميرية المخرّبة، من أصحاب الضدّ النوعي، كما من غيرهم!

____________________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا