تجربة هولندا الحضارية (4-4) الاسلام في هولندا

0
142

كتب وتحقيق : الدكتور صلاح عبد الرزاق

وسائل الاعلام الاسلامية


تمتلك هولندا خبرة طويلة في نشر المطبوعات الإسلامية حيث صدرت أول مطبوعة إسلامية عام 1947 من قبل طائفة الأحمدية وهي بعنوان الإسلام Al-Islam. كما صدرت مطبوعات أخرى مثل الفارق Al-Fariq ، بعثة الإسلام الهولندية Holland Islam Missie، إشاعة الإسلام Isha’at-ul-Islam، إقرأ Iqra ، و الفجر Al-Fadjr.

مخطوطات عربية قديمة في مكتبة جامعة ليدن الهولدنية

في عام 1980 أصدر Muslim Information Center في العاصمة السياسية لاهاي، العدد الأول من المجلة الدورية “قِبْلة” Qiblah. وهي مجلة تصدر باللغة الهولندية وتخاطب ثلاثة جماعات في المجتمع الهولندي:
1- المسلمين الناطقين بالهولندية والذين يشكل الجيل الشاب من أولاد المهاجرين القسم الأعظم منهم.
2- المسلمين من أصل هولندي الذين يقدر عددهم بحوالي (5000) مسلم ومسلمة.
3- أولئك المهتمين بالإسلام وبالمهاجرين المسلمين ويرغبون بالتعرف على الإسلام وما يفكر به المسلمون. ويشكل المستشرقون وأساتذة الجامعات والصحفيون والمعلمون والعاملين في الشؤون الاجتماعية.
ومن بين المحررين والكتاب في المجلة يوجد عدد من المفكرين المسلمين الهولنديين المعروفين أمثال عبد الواحد فان بومل و ساجدة عبد الستار وسيف الله كورز ورفيق أحمد فريس. وكانت مجلة (قبلة) تصدر في الفترة 1976-1990، وتقدم معلومات ومناقشات على مستوى واسع لمختلف القضايا الإسلامية. إذ تتناول مواضيع عقائدية وثقافية وسياسية واجتماعية، يجري عرضها من منظور الإسلام السنّي. وكان هناك اهتمام معين بالحضارات العربية والإسلامية والعلماء المسلمين الذين قدموا للبشرية نظريات وابتكارات في العصور الغابرة. ونشرت المجلة أحاديث وروايات من السنة النبوية الشريفة، وكذلك تعريف بسيرة وأقوال الخلفاء الأربعة. كما كان هناك اهتمام ملحوظ بقضايا المرأة والتصوف، إضافة إلى مراجعات وقراءات في بعض الكتب والإصدارات. بصورة عامة تعتبر مجلة القبلة ذات رؤية تقليدية مثلها مثل بقية المطبوعات الصادرة في العالم الإسلامي. فقد فشلت “القبلة” في طرح وجهة نظر جديدة أو تفسير عصري للإسلام بشكل يتناسب والبيئة الأوربية التي تصدر فيها.
وتعتبر مجلة “السلام” Salaam مطبوعة أخرى أصدرها مركز المعلومات الإسلامي. وكانت مجلة “السلام” مجلة فصلية، أي مرة كل ثلاثة أشهر، وصدر العدد الأول منها عام 1990. وهي مجلة مخصصة لمخاطبة الشباب المسلم ومناقشة المشاكل التي يواجهونها ، كما تتناول اهتمامات الجيل الشاب. فهناك مقالات عن الزواج وعن التعليم وعن الجنس وعن الموضة وعن المشاكل الإجتماعية كالإدمان على الكحول والمخدرات و التمييز العنصري. كما كانت تركز على وضعية الجالية المسلمة في الغرب وعلى العلاقات مع المجتمع والحكومة الغربية. وكان غالبية الكتاب من الشباب من أبناء هولنديين اعتنقوا الإسلام أي الجيل الثاني من المسلمين الغربيين أمثال مديحة فان بومل وهاجر فريس ورقية فريس.
وتصدر منظمة النساء المسلمات الهولنديات مطبوعة شهرية تدعى (النساء al-Nisa) تنشر فيها أخبار ومواضيع مخصصة لتربية الأطفال ومشاكل المرأة وشرح التعاليم الإسلامية. كما تناقش بعض المشاكل التي تهم المجتمع الهولندي والتي تجد لها اهتمام واضح في وسائل الإعلام الهولندية كالتعصب والتمييز العنصري والأحكام المسبقة ضد الأجانب وضد المسلمين وتضخيم السلبيات التي تنسب إلى المسلمين. وتقوم المنظمة بنشر كتب إسلامية هي في الغالب ترجمات لكتب منشورة بالعربية أو الإنكليزية.


إن مجلات (قبلة) و(السلام) و(النساء) (القافلة Karavaan ) تصدر من قبل الهولنديين المسلمين، وتصدر باللغة الهولندية. ولكن هناك مطبوعات أخرى يصدرها أبناء الجاليات المسلمة المقيمين في هولندا. إذ تصدر مجلات مثل (الحي Al-Hayy) الصوفية الصادرة في مدينة أوتريخت، نشرة (أخبار اتحاد الطلبة المسلمين في هولندا SUN) ، مجلة (الفقه Fiqh) التي تصدرها الجامعة الإسلامية في روتردام، مجلة (التوحيد Al-Tawheed) التي يصدرها مسجد التوحيد في أمستردام، مجلة (القلم Al-Qalam) التي تصدرها جمعية السلام في روتردام، ومجلة (الوحدة Al-Wahda) التي يصدرها اتحاد المنظمات الإسلامية في مدينة ريموند.
ونظراً لتنوع أصول الجاليات المسلمة قومياً ومذهبياً، فقد اصطبغت مطبوعاتها بهاتين الصفتين. إذ تصدر الجالية السورينامية (سنية المذهب) مجلة (صوت الإسلام Voice of Islam) بأربع لغات هي العربية الهولندية والانكليزية والأوردية. وتصدر مجلة (الحقاني Al-Haqqani) التي تشرف عليها الطريقة النقشبندية الصوفية. وتصدر مجلة (القبة الخضراء De Groene Koepel) . وتصدر مجلة (الرسالة العالمية The Message International) التي تصدرها جماعة سورينامية ذات توجهات صوفية باكستانية. وتصدر مجلة (المنهاج Al-Minhaj) التي تشرف عليها جماعة صوفية على الطريقة القادرية. وتصدر مجلة (صراط المستقيم Siratal Moestaqiem) التي تشرف عليها جمعية نور الإسلام الثقافية الاجتماعية في لاهاي.

مدرسة للمسلمين

وتصدر مطبوعات من قبل المنظمات والجمعيات الشيعية وأشهرها (النخيل An-Nakheel) باللغة العربية. وأصدرها الجمعية الثقافية العراقية في مدينة دوردريخت للفترة 1996 لغاية 2003، وترأس تحريرها د. صلاح عبد الرزاق. وهي مطبوعة شهرية تهتم بقضايا الإسلام في الغرب وتطور الفكر الإسلامي وقضايا اللاجئين في هولندا وأخبار الساحة العراقية سواء في المهجر أو في الوطن. كما ترصد المجتمع الهولندي وتتابع التغييرات والأحداث السياسية والثقافية الهولندية، إضافة إلى التعريف بثقافة وعادات المجتمع الهولندي. وكانت (النخيل) توزع في هولندا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا والسويد وأسبانيا وأمريكا وكندا، إضافة إلى دول الشرق الأوسط مثل لبنان وسوريا وإيران. وأصدرت الجمعية أيضاً مطبوعة (المنارة Minaret) باللغة الهولندية، وهي موجهة أساساً للهولنديين الذين اعتنقوا الإسلام.
وهناك مطبوعات إسلامية باللغة العربية مثل (الميزان) المغربية ، و(الجسر) التي صدرت عام 1997 ، وترأس تحريرها الصحفي التونسي خالد شوكات. وتوقفت بعد صدور ثلاثة أعداد، فأصدر نشرة (المصير).
وهناك مطبوعات تصدر باللغة العربية، لكنها ذات توجهات قومية وعلمانية مثل مجلة(المؤنس) المغربية التي صدرت بين عامي 1984 و1987 ، ومجلة (البستان) الموجهة للأطفال في نفس الفترة. وصدرت صحيفة (الأفق الأخضر) عام 1992 ثم توقفت بعد أربعة أعداد. وتصدر صحيفة (روتردام بوست) بالعربية ، وهي الطبعة العربية لصحيفة بلدية روتردام. وصدرت صحيفة (أخبار هولندا) عام 1987، وصحيفة (رؤية عربية) عن مقر الجامعة العربية في لاهاي. وصدرت صحيفة (العماد) عام 1990 ثم توقفت بعد صدور بضعة أعداد.
وتصدر الجالية التركية عدة مطبوعات باللغتين التركية والهولندية مثل (Iike) و (Cocuk) و (Turkije Krant) و(Habar) و (Sozhkki) و (Ekin) و (Ikibinbir) و ((Tasa وهي نشريات ذات توجهات علمانية.
أما المطبوعات التركية الإسلامية فهي (Mesaj) لسان حال شباب حركة ملي غورش الإسلامية، ونشرة (المسلم) التي يصدرها شباب الحركة في مدينة آرنم. وتصدر مجلة بلاتفورم Platform ، وهي أوسع مجلة إسلامية في هولندا حيث يطبع منها عشرون ألف نسخة. وصدرت مجلة (Arayis ve Islam) بين عامي 1987 و1993 ، وصدرت مجلة أكاديمي Akademi عام 1999 .
وتنفرد هولندا عن بقية الدول الأوربية بوجود خدمات إذاعية وتلفزيونية إسلامية . إن السياسة الليبرالية الهولندية توفر تسهيلات إذاعية لمختلف الجماعات الدينية والعرقية كالكاثوليك والبروتستانت والإنسانيين والهندوس واليهود.
ويستفيد المسلمون من الدعم الحكومي لتمويل لبث برامج إسلامية في الإذاعة والتلفزيون الهولنديين. تعود فكرة تأسيس محطة إسلامية إلى عام 1979 ولكنها احتاجت سبع سنوات حتى تتحقق في الواقع. في عام 1983 صدر تقرير مجموعة واردنبرغ Waardenburg الذي أشار بوضوح إلى حاجة المسلمين في هولندا إلى قنوات للتواصل مع المجتمع. وتم اقتراح نفس الفكرة في مذكرة الأقليات Minderhedennota لعام 1983. وفي عام 1986 وافقت وزارة الثقافة على إنشاء مؤسسة الإذاعة الإسلامية Nederlandse Moslim Stichting والتي أوكلت إدارتها إلى الفيدرالية الإسلامية الثقافية التركية. وفي عام 1993 تغّر اسمها إلى الإذاعة الهولندية الإسلامية Nederlandse Moslim Omroep (NMO) والتي أشرف عليها المجلس الإسلامي الهولندي. في عام 1995 كان للمحطة 26 ساعة بث تلفزيوني في السنة وساعتين بث إذاعي أسبوعياً. وقد تم مضاعفة البث عام 2000 عندما وافقت الحكومة الهولندية على تمويل بث 52 ساعة تلفزيونية سنوياً، وبث ثلاثة ساعات إذاعية أسبوعياً.
ويلعب المسلمون الهولنديون دوراً هاماً في إدارة محطة الإذاعة الإسلامية NMO، وكذلك في تهيئة وتقديم البرامج. فقد شارك كل من عبد الواحد فان بومل وساجدة عبد الستار، باعتبارهما مسؤول عن برامج التلفزيون، في مناقشة مختلف القضايا الإسلامية، وخاصة تلك التي المتعلقة بالمسلمين والإسلام في الغرب. ولا تخاطب محطة NMO الجالية المسلمة فحسب، بل توجه برامجها إلى الجمهور الهولندي بشكل أوسع. إن الجماعة المستهدفة في برامجها هي الجيل الثاني من المسلمين المهاجرين. “فهم يتحدثون الهولندية بطلاقة، وقد نشأوا في هذا المجتمع. ولديهم وعي أكبر بالمجتمع الهولندي وثقافتهم ، بينما بقي الجيل الأول يولي اهتمامه بنفسه وتقاليده”.
تقدم محطة NMO تقارير ومقابلات ومناقشات حول المشاكل التي تواجه الجالية المسلمة مثل الاندماج في المجتمع الغربي، التعليم الإسلامي، مشاكل الأطفال والمراهقين المسلمين ، الأصولية، الاتهامات الموجهة ضد الإسلام، والمسلمين، وضعية المرأة في الإسلام، الزواج المختلط بين ثقافتين، وخبرات المسلمين الهولنديين وما اجتذبهم في الإسلام ورؤيتهم تجاه الأحداث والقضايا الإسلامية والثقافية والسياسية. وتقوم محطة NMO بدور الدعوة إلى الإسلام ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام . إن المحطة تشكل مثالاً جيداً على مؤسسة إسلامية يديرها المسلمون الجدد ويلعبون دوراً هاماً فيها. ويساعدهم فيها مسلمون سوريناميون ومغاربة وأتراك.
وتمارس المحطة بتقديم رؤية تعتمد أساساً على المذهب السني، في حين أن نظامها الداخلي يذكر أنها يجب أن تنفتح على جميع المذاهب الإسلامية. ويعود ذلك إلى أن المشرفين عليها والعاملين فيها ينتمون إلى المذاهب السنية. ولا تكاد تقدم برامج أو مقابلات مع شخصيات شيعية إلى نادراً.

ملك هولندا يفطر مع المسلمين

الأعياد والعطل الاسلامية :


بقي الاعتراف بالأعياد الإسلامية أمراً مطروحاً للنقاش ، وأدى بنجاح إلى تكييفه مع بعض القوانين والتشريعات. إن أول قرار بهذا الصدد صدر في عام 1981 لصالح العسكريين المسلمين في الجيش الهولندي. ورد ذلك في (ترتيب التسهيلات Faciliteitingregeling) التي منحت رخصة الاحتفال بالعيد للعسكريين اليهود، ثم تم توسعتها لتشمل الأعياد الإسلامية. إذ تقر بأنه من حق العسكريين المسلمين التمتع بعطلة يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد كعطلة أسبوعية. ولا توجد ترتيبات خاصة فيما يتعلق بصيام شهر رمضان.

احد السجون الهولندية


توجد هناك ترتيبات أخرى وضعت لتلائم المسلمين في بعض الجوانب. ففي السجون، ومنذ عام 1976 جرى الإقرار بترتيبات مفتوحة لإحتفالات غير المسيحيين. إن قانون إغلاق المحلات لعام 1976 يسمح للعاملين بأخذ يوم عطلة Off Day بدلاً عن يوم الأحد. أما قانون موظفي الحكومة Ambtenarenwet لعام 1988 فيتضمن قاعدة عامة تنص على أنه (لا يمكن إجبار الموظف على العمل في يوم يعتبر عيداً أو عطلة حسب عقيدته الدينية أو معتقده، ما لم تتعارض مصلحة العمل مع غيابه).
في قطاع التجارة والصناعة، حدثت في عام 1984 قضية موظفة مسلمة ، وأدت إلى صدور قرار هام من قبل المحكمة العليا. إذ رفض رب العمل طلب الموظفة بأخذ يوم عطلة كي تحتفل بعيد الفطر. لكنها، مع ذلك غابت عن العمل، وفقدت وظيفتها. تقدمت بشكوى إلى المحكمة الإقليمية في مدينة دنبوش Den Bosch والتي أعلنت بأن (الموظفة كانت على حق لأن الموظفين المسلمين يمكنهم التمتع بيوم عطلة للإحتفال بأعيادهم الدينية . ويمكن رفض طلبهم عندما يمكن لرب العمل الطلب من الموظف (المسيحي) العمل في عطلة مسيحية عامة). لكن المحكمة العليا عارضت القرار وأعلنت بأن (أيام الأعياد التي تم قبولها من قبل المجتمع الهولندي هي الأيام التي لا عمل فيها بغض النظر عن ديانة الموظف. بالرغم من أن العطل المسيحية تجد أصولها في الدين، لكنها أصبحت أيام عطلة بنظر العامة، وينطبق على جميع الذين يشاركون في المجتمع الهولندي، مهما كانت عقائدهم وجنسياتهم. ولهذا السبب فإنه لا يمكن اعتبار أعياد الديانات الأخرى بمستوى الأعياد المسيحية المقبولة من العموم. وهذا هو الجواب على السؤال: بأن أي موظف ينتمي إلى ديانة أخرى فعليه العمل في تلك الأعياد الأخرى).
في عام 1985 قررت الحكومة الهولندية بأنها لن تفكر في أية مساواة قانونية لأعياد المسلمين والهندوس مع الأعياد المسيحية. إن هذا الموقف العنصري يثير بعض الملاحظات:
1- الاعتراف رسمياً بالمعاملة المختلفة بين المسيحيين والمسلمين ، وهذا ما يخالف المادة الأولى من الدستور الهولندي التي تضمن المساواة بين جميع الساكنين في هولندا. يلاحظ أن الدستور لم يقل (بين الهولنديين) بل (بين جميع سكان هولندا)، أي يشمل الأجانب وغير المسيحيين أيضاً.
2- مخالفة المادة (6-هـ) من إعلان محو جميع أشكال التعصب والتمييز المبني على الدين والعقيدة، والذي أقرته الأمم المتحدة في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1981 ، حيث يضمن حرية (التمتع بأيام الراحة وعطل الاحتفالات والمراسم بحسب أحكام دين أو عقيدة الفرد).
3- يؤكد على أن التشريعات الهولندية العلمانية ليست حيادية تجاه الديانات الأخرى كالإسلام. يضاف إلى ذلك أن هذه التشريعات تستلهم العقائد والتراث المسيحي حسب ما جاء في تقرير حكومي بعنوان (الأقليات: حقوق أقل؟ Minderheden: minder Rechten?) الصادر في 22 تشرين الأول/ نوفمبر 1985 والذي يذكر بأن هناك (أكثر من (150) حالة قانونية توضح بأن المجتمع الهولندي ما يزال يعتمد وبشكل كبير على المسيحية). وقد اعترف رئيس اتحاد التجارة الهولندي علناً بأن (الاتحاد يستمد قيمه من الأنماط المسيحية والإنسانية Humanistic ).
4- إن الحكومة الهولندية قد اعترفت في وقت سابق بأن قانون العمل Labor Law وفي المادة (13) ينص على إمكانية تبديل العطلة الأسبوعية من الأحد إلى السبت. من الواضح أن هذه الإمكانية هي ترتيب خاص لليهود الذين يعطلون يوم السبت، لكن المشرع الهولندي يرفض توسيع مثل هذا الإجراء لصالح المسلمين. وهذا نوع آخر من المعاملة غير المتساوية بين أتباع الجماعات الدينية المعترف بها رسمياً.

بقي المسلمون يسعون من أجل الاعتراف بالأعياد الإسلامية كعطل خاصة بهم من قبل التشريع الهولندي. في بداية عام 2000 وبمناسبة الحج إلى مكة المكرمة، التقى وفد يمثل الجالية المسلمة في هولندا برئيس الوزراء آنذاك السيد فيم كوك Wem Kok ، وطالبوا بأن يجري الاعتراف رسمياً بعيد الأضحى كعطلة رسمية. لقد اختاروا هذا العيد لأنه يحظى باحترام كبير لدى المسيحيين واليهود لأنه يرمز إلى قيام النبي إبراهيم بالتضحية بولده إسحاق (على رواية التوراة) و (بولده إسماعيل على رواية القرآن الكريم). وأن هذا اليوم يمثل تآلف بين الديانات.
وهناك أسباب أخرى بأن الاعتراف بعيد للمسلمين سيشجع على اندماجهم في المجتمع الهولندي، ويقوي الشعور لدى الآخرين بالتضامن مع المسلمين. كانت ردود الأفعال تجاه هذا المقترح سلبية، لكن مجلس الكنائس أيد المقترح واعتباره احتفالاً للثقافات المتعددة Multi-Cultural Festival.

توفير اللحم الحلال:


إن واحداً من أشهر المحرمات في الإسلام فيما يتعلق بالطعام هو الامتناع عن تناول لحم الخنزير أو لحوم الحيوانات التي لم يتم ذبحها وفق الشريعة الإسلامية. إذ تشترط الشريعة عدة شروط منها أن يجري ذكر اسم الله أثناء الذبح. والشرط الآخر أين يكون الحيوان حياً قبل ذبحه، أي لا تستخدم الصعقة الكهربائية أو استخدام الطلقات البلاستيكية لتدويخ الحيوان بحيث يمكن أن تؤدي إلى وفاته. كما يجب توجيه الحيوان باتجاه القبلة أثناء ذبحه.


لقد قامت الحكومات الأوربية بوضع تشريعات خاصة للمسلمين واليهود بهدف تسهيل حصولهم على اللحم المذبوح حسب شعائرهم. إذ أن اليهود لهم طريقة خاصة بالذبح كي يصبح لحم الحيوان حلالاً عندهم أو كما يسمونه بالـ( كوشر Kosher). هذه التشريعات الخاصة سمحت للمسلمين بتأسيس العديد من أماكن الذبح الإسلامي ( المجازر) من أجل تلبية احتياجات ملايين المسلمين اليومية من اللحم الحلال.
في حين تمنع دول أوربية مثل السويد والنرويج وسويسرا ، تسمح أخرى بالذبح الاسلامي مثل بريطانيا وفرنسا واسبانيا والدنمارك وهولندا.
إن قرار التفتيش على لحوم القصابين الصادر عام 1977 يسمح للمسلمين بذبح الحيوانات حسب الأحكام الإسلامية. في عام 1986 صدرت قائمة رسمية تضمنت أسماء (106) مجزرة يستطيع المسلمون مراجعتها لذبح الحيوانات حسب الطريقة الإسلامية. الجدير بالذكر أن هناك مجازر خاصة بالمسلمين لتلبية احتياجاتهم اليومية. كما يوفر بعض مربي الدواجن الهولنديين تسهيلات للمسلمين حيث يقوم الزبون بذبح الدواجن بنفسه للتأكد من شرعية الذبح قبل شرائها، ثم يقوم الفلاح الهولندي بتنظيفها وتغليفها. وتحدث مشاكل في المجازر الإسلامية خاصة في أيام الأعياد حيث يذهب آلاف المسلمين وفي وقت واحد لذبح الأضاحي، لكن المجازر لا تستوعب هذا العدد الكبير.
في عام 1977 نشرت وزارة الزراعة كراساً ينظم شروط الذبح الإسلامي حيث تم تحديد مدة الذبح (30 ثانية للغنم و45 ثانية للبقر كحد أقصى)، وعدم حضور أكثر من شخصين أثناء الذبح. كما اشترط توثيق أرجل الأغنام والبقر والماعز جيداً لمنعها من الفرار قبل أو أثناء الذبح. ويجب ترك الحيوانات المذبوحة لمدة نصف دقيقة بعد قطع أوداجها كي يتم خروج الدم بشكل كامل. وفي كل الأحوال يجب أن يكون الذبح تحت إشراف طبيب بيطري.


هذا وتوفر بعض المؤسسات الهولندية الطعام الحلال كالسجون والجيش والمستشفيات. إذ يمكن للعاملين والراقدين المسلمين طلب طعام إسلامي. وتقوم إدارات هذه المؤسسات عادة بالاتفاق مع قصابين مسلمين لتجهيزهم باللحم الحلال.
وتوفر بعض المحلات التجارية (السوبر ماركت) تسهيلات للزبائن المسلمين عندما تقوم بعرض مواد غذائية منتجة من قبل شركات إسلامية سواء من دول العالم الإسلامي أو الشركات التي يديرها مسلمون في أوربا. وتصنف هذه الأغذية بأنها طعام حلال عبر العلامة المختومة بها، وتشمل الدجاج واللحوم المصنعة كالهمبركر والصوصج والمارتدلا وغيرها.
وما تزال هناك مشكلة هي وجود مواد محرمة كالخمر وشحم الخنزير في بعض المواد الغذائية المعجنات والمشروبات والعصائر والمعلبات والمربيات وغيرها. إذ لا يعرف كثير من المسلمين أسماء ورموز المواد المضافة إلى المواد الغذائية كي يتجنب شراءها واستعمالها. ويجتهد كثيرون في قراءة لائحة محتويات العلبة للتعرف على المواد المضافة والمحرمة فيها ويقارنوها بقائمة أعدتها بعض المراكز الإسلامية.
الجدير بالذكر أن الجالية اليهودية في أوربا نظمت أمورها بشكل جيد ، حيث تختم جميع المواد الغذائية والمعلبات بختم خاص يعرفه اليهودي فيشتريها لأنها حلال حسب أحكام شريعته.

احدى مقابر المسلمين في هولندا

المقابر الاسلامية :

يعود أول قبر لمسلم في هولندا إلى دبلوماسي أندونيسي مسلم هو عبد الحميد، الذي توفي ودفن في مدينة ميدلبورغ Middelburg جنوبي هولندا قبل أربعة قرون. إذ يذكر شاهد القبر أنه توفي في التاسع من آب/أغسطس 1602 . وقد تم دفنه بموجب أحكام الشريعة الإسلامية، كما أن القبر متوجه إلى مكة المكرمة.
تتضمن التشريعات القانونية الهولندية تفصيلات تتعلق بتأسيس وصيانة المقابر الخاصة المستندة على العقيدة. إذ يحق لجميع الجماعات الدينية أن تؤسس مقبرتها الخاصة بها. لقد جرت مناقشة تأسيس مقابر إسلامية من قبل الحكومة والبرلمان الهولندي. في تلك المناقشات، تم تناول رغبات المسلمين مثل الدفن بدون تابوت وخلال 24 ساعة بعد الوفاة. في مذكرتها الجوابية المؤرخة في 23/7/1982، قالت الحكومة: من المستحيل تنفيذ ذلك لأسباب تتعلق بالصحة العامة وتحريات الأدلة الجنائية والنظام العام. بين الفينة والفينة يجري استثناء المسلمين من تطبيق الشروط القانونية المتعلقة بساعة الدفن أو استخدام التابوت. ويمنح عمدة المدينة هذه الاستثناءات ، والذي يعمل ضمن نطاق صلاحية الطب العدلي.

قبور مسلمين في هولندا

توجد في هولندا عدة مقابر إسلامية مثلاً في مدن روتردام Rotterdam، أوتريخت Utrecht ، آرنم Arnhem، لاهاي The Hague، خروننكن Groningen، بيرخن أوب زوم Bergen op Zoom ودوردريخت Dordrecht. وهذه المقابر عبارة عن قطعة أرض مخصصة للمسلمين ضمن المقابر العامة في المدن الهولندية. وتوجد مقبرة إسلامية مستقلة في مدينة زوله Zwolle . إن هذه المقابر مزودة بغرف التغسيل وقاعة للصلاة متوجهة إلى مكة المكرمة.
تشير الفقرة ( 7.1 ) من التعليمات البلدية الخاصة بالدفن والصادرة من بلدية مدينة دوردريخت إلى أنه من حق عمدة المدينة أن يسمح بالدفن خلال 36 ساعة. وتشترط المادة (7.2) ضرورة استخدام التابوت. أما المادة (10.2) فتعطي العمدة أو المستشار القانوني صلاحية منح استثناءات من شروط الدفن خارج الأيام المحددة، مثلاً في أيام الآحاد والعطل الرسمية. وتحدد المادة (14.1) مدة القبر بثلاثين عامة، ويمكن تمديدها عشر سنوات أخرى في كل مرة.
في عام 1998 قامت 15 منظمة إسلامية مغربية وتركية ، ومن ضمنها الجمعية الثقافية العراقية في دوردريخت بالتوقيع مع المستشار القانوني للبلدية على اتفاقية تأسيس مقبرة إسلامية ، حيث تم تخصيص مساحة 600 متر مربع داخل المقبرة العامة في أسينهوف Essenhof. ولم تنص الاتفاقية على مدة محددة للمقبرة لكن الفقرة (3) تقول بأن المقبرة تنتهي إذا امتلأت تماماً، وتعتبر مغلقة. وتنص المادة (5) على السماح لجميع المسلمين بدفن موتاهم في هذه المقبرة وحسب الأحكام الإسلامية.

المصادر :

1- مقابلة مع عبد الواحد فان بومل في مدينة هيلفرسوم بتاريخ 25 تشرين الأول 2001

2- Rath (1996), Nederland en Zijn islam, p. 43
3- Rath (1996), Nederland en Zijn islam, p. 43
4 -Rath (1996), Nederland en Zijn islam, p. 43

5- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 44
6- Rath (1996), Nederland en Zijn islam, p. 44
7- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 104
8- المقصود بالإنسانية هنا هو مذهب فلسفي واجتماعي يؤمن بأن الإنسان هو محو الوجود ، ويجب تحقيق مصالحه ورغباته الدنيوية، وعدم الالتزام بأي قيود دينية أو أخلاقية. Trouw Newspaper, on 25 May 2000

9- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 104
10- Trouw Newspaper, on 7 March 2000

11- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 83
12- نشرة(النخيل)، العدد (26) الصادر في كانون الثاني/ يناير 1998

13- Wiegers (1998), De Nederlanden en de Islam in de 17de eeuw, p. 4
14- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 101
15- Shadid (1995), Religious Freedom, p. 101

16- كان مؤلف هذا الكتاب يرأس (الجمعية الثقافية العراقية) وأحد الموقعين في تلك الاتفاقية. وجرى افتتاحها بحفل ضم أبناء الجالية المسلمة في المدينة ومسؤولين من الحكومة والبلدية وأعضاء المجلس البلدي ومنظمات اجتماعية وثقافية.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا