الذوق في الآداب

0
201

اعداد : الدكتور رعد العكيلي

أن كلمة “ذوق” كثيرآ ما تجري على ألسنتنا ولا نشعر بها فنقول: هذا ليس من ذوقي، وفلان صاحب ذوق؛ واذا سألت بائع (فواكه) حاجة أشار إلى خزانات العرض وقال لك: أستذوق.

عندما خطر لي أن أبحث في هذا الموضوع هرعت الى كتب الآدب ولكني لم أظفر بما أريد.! ولأنني أعتبر أن الذوق هو كل شيء في هذا الكون البديع ومن حسن ذوق الله سبحانه وتعالى أنه خلق الأنسان في أحسن تقويم والكائنات في أدق تنظيم، ووزع الفواكه على الفصول الأربعة ولم يكرسها في واحد؛ لاتستغرب ذكر الفواكه .. ألسنا نتحدث عن الذوق.. !!؟؟

والذوق لا بّد منه في جميع الفنون حتى أن الطبيعة تنبثق منه والناس لا بّد لهم منه في كل شيء، فهو المدرب الحاذق في الأدب والنحت والتصوير وصياغة الحلي وتنجيد الأثاث، وفي البنيان وتنظيم الحدائق وأختيار الزهور.

وفي الآداب قد حددوا الذوق تحديدآ في منتهى الحسن : وهو الحاسة المعوّل عليها في الأشياء الذهنية. والعقل هو الحارس الأمين للذوق في العمل كله على أختلاف ضروبه، أما في الكتابة فهو الذي يحول دون قفز الكاتب وسقوطه، فتحت أشراف العقل يقود الذوق العمل فتلتئم أجزاؤه وتسقط التفاصيل التي لا نفع منها والحركة التي تشوش وتزعج.

أن هناك عقولآ ما زالت بخواتم ربها، وهي مع ذلك تحس الجمال عفوآ بدون موازين ومقاييس لأن ذوقها سليم.. والذوق في الكلام كالذوق في الطعام، ومنشأ كل منهما الألفة والعادة؛ فمن قلة الذوق المعنوي أنه لم يوضع له في لغة من اللغات لفظة خاصة به وبضده، وأنما يذكر أهل المعاني والبيان شيئآ من آثارهما “أي آثار الذوق المجازي والحقيقي” فيقولون مثلآ : هذه أستعارة حسنة، وهذا تشبيه بديع، أو هذه أستعارة مستهجنة…ولا يقولون أن ذلك من الذوق وعدمة مع أنه مدار ذلك وليس لغيره مدخل فيه؟!

والذوق قابل للتنوع والتغير في كل شيء، وهو مبدع العادات والأزياء، ولاننسى أن الأدب عادات وأزياء، ففي العصور الأولى كانوا يؤثرون العبارة السريعة المتينة، والألفاظ الضخمة، بعكس اليوم. هذا في العرض، أما في الجوهر فالذوق لايتغير، فهو نفسه في العصور الأولى وعصرنا الحاضر.. فالذوق لا يقوّم بثمن الجمال وحده، بل يُعني بالملائمة أيضآ، فقد يكون الشيء جميلاً بحد ذاته ولكن وجوده في غير موضعه لا يدلك عليه الذوق، فهو ليس خاصة قائمة بذاتها، ولكنه تمازج الحساسية والعقل وأنسجامهما، قال فوفينارك :يجب أن تكون لك نفس لكي يكون لك ذوق.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا