ويلفريد ثيسغر: مؤلف كتاب (عرب الأهوار)رحالة بريطاني يختن أطفال الأهوار

0
297

بقلم: د. صلاح عبد الرزاق

في عام 1997 قمت بترجمة اجمالية (أي ليست حرفية) لكتاب (عرب الأهوار) للرحالة ويلفريد ثيسغر(1). ونشرت الترجمة في مجلة الموسم (العدد 29) الصادر عام 1997. كما ضمت الترجمة نشر مجموعة الصور التي التقطها ثيسغر والتي تصور الحياة الاجتماعية في الأهوار في تلك الفترة 1951-1958.

كتاب عرب الاهوار

كتبت مقدمة للترجمة جاء فيها: كتاب (عرب الأهوار) أحد كتب الرحلات الممتعة التي كتبها المؤلف الذي كانت له رحلات متعددة إلى المنطقة العربية ولسنوات طويلة. فقد مكث مع البدو في الصحراء العربية خمس سنوات، تعلم خلالها لغتهم وأكل عامهم ولبس ملابسهم، وتنقل معهم مطلعاً على أحوالهم وثقافتهم وحياتهم الاجتماعية. ولما أراد المؤلف أن يبعد عنه الشكوك ويكسب ثقة السكان فقد عرض عليهم خدماته الطبية، فكان يصف ويعطي الأدوية، ويعالج المرضى ويداوي الجرحى ويقوم بعملية الختان.

وليفريد ثيسغر

يتضمن الكتاب معلومات جيدة عن الحياة الاجتماعية لسكان الأهوار، وإن كان بعضها قد تناولته بعض الدراسات المختصة والتي كتبت في نفس الفترة الزمنية مثل كتاب الدكتور شاكر مصطفى سليم (الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق) وهي أطروحة دكتوراه قدمها المؤلف إلى جامعة لندن عام 1955. ومع أن مؤلف (عرب الأهوار) ينفي عن كتابه صفة (الرحلات) إلا أنه جاء غنياً بتفاصيل الحياة الاجتماعية لسكان الأهوار. فقد تجول فيها قرية قرية، ودوّن ملاحظاته الدقيقة وأسماء العشائر والقرى والأنهار والبحيرات، العادات والتقاليد، السلوك الاجتماعي، أسلوب التفكير والمخاطبة، العلاقات الاجتماعية، موقع المرأة ودورها في المجتمع القروي، والمشاكل والصعوبات التي يواجهونها.

صور تاريخية من كتاب عرب الاهوار

الكتاب مزود بعدة خرائط مفصلة لمواقع وأسماء العشائر الساكنة في الأهوار، إضافة إلى أكثر من مائة صورة تعطي فكرة واضحة عن نمط الحياة هناك، وتوثّق كتابه ومشاهداته. وهذه الصور محفوظة في متحف التاريخ الطبيعي في لندن. كما أن الكتاب تضمن فهرست لأهم الألفاظ الشعبية المتداولة وشرح معانيها.

وللكاتب آراؤه الخاصة التي قد لا تنسجم مع الواقع أو تتضمن شيء من التضخيم أو المغالطة، لكنها بالتالي تمثل وجهة نظره إزاء ما سمعه وشاهده. ولعل أغرب نبوءة تنبأ بها الكاتب هو توقعه تعرض الأهوار للتجفيف (وليس الجفاف) في وقت قصير! فمن المعلوم أن التجفيف يعتمد العامل البشري أي الحكومي، فهو مرتبط بقرار سياسي. أما الجفاف فهو ظاهرة طبيعية تتعرض لها بعض المناطق والبلدان بفعل ظروف مناخية قاسية ليس للانسان دخل مباشر فيها. فهل كانت هناك خطط قديمة لتجفيف الأهوار؟ ولماذا؟ وهل فلتت هذه الكلمات من قلم الكاتب صدفة لتعبر عن ما يدور من همس وتخطيط سينفذ يوماً ما وبأيدي وقرار محليين؟

مضيف لرئيس عشيرة في الاهوار

صدر الكتاب عام 1964 بالانجليزية. وترجم إلى الهولندية في أمستردام عام 1989. ويقع في 250 صفحة.

في ضيافة شيوخ الأهوار :

يذكر ثيسغر أن “سكان الأهوار بنوا بيوتهم قبل أن يشيّد أي قصر في أور. وضعوا القوارب وخرجوا للصيد في وقت مبكر من التاريخ. وقد قام الباحث (وولي) بدراسة هذه المساكن، وقارن بينها وبين أنماط المساكن التي وجدها في الآثار السومرية فوجدها متطابقة، أي أن هذا الطراز ما زال باقياً دون تغيير رغم مرور خمسة آلاف عام من التاريخ على حافة الأهوار”.

مضيف لاحد شيوخ العشائر الجنوبية

بدأ ثيسغر رحلته من مدينة العمارة في اوائل شباط 1951. استأجر قارباً أوصله إلى بيت الشيخ فالح بن الشيخ مجيد الخليفة ، وهو أحد مشايخ عشيرة آلبو محمد الكبيرة التي يتجاوز تعدداها 15 ألف نسمة. يصف ثيسغر مضيف الشيخ فالح بأنه كان”مبنياً من قوائم متكونة من حزمة من القصب محيطها 2.5 متر، وقد ربطت الدعائم المتقابلة مع بعضها لتصبح دعامة واحدة على شكل حدوة الحصان. كان المضيف مفروشاَ بالحصران وعليها الأبسطة والسجاد الملون. وفي جانب منه كان ينتصب أناء فخاري كبير مملوء بالماء، يستند على قاعدة خشبية”.

الكلك وسيلة نقل نهرية من العهد البابلي

ثم يصف حفاوة الاستقبال فيقول: “ألقيت التحية وجلست معهم. وفي الحال وضعت القهوة الطازجة في وعاء صغير دليلاً على حضور زائر هام. كان يقوم بصنع القهوة رجل طاعن في السن، يرتدي قميصاً أبيض [دشداشة]. وهو الوحيد الذي لم يكن يرتدي بدلة رجالية كغيره من الرجال. بعد أن نضجت القهوة وضعها في اناء نحاسي [هاون] ثم أخذ يدقها على نغمات خاصة، وهو صوت له دلالة عند أهالي المنطقة بأن هناك قهوة تعد في مضيف الشيخ، والجميع مدعو لتناولها. وسرعان ما نهض الرجل حاملاً القهوة الساخنة بيده اليسرى بينما امسك بيده اليمنى فنجانين صغيرين من الصيني لا يتجاوز حجم الواحد منها حجم البيضة. سكب عدة قطرات في الفنجان العلوي وقدمها للشيخ الذي قال له بأنه يفضل أن يقدمها لي أولاً. كانت حادة المذاق ومرّة. لقد عرفت العادات العربية فاحتسيت ثلاثة فناجين قبل أن أشير بيدي وأن أهز الفنجان دليلاً على أنني اكتفيت من شرب القهوة. بعد برهة دخل ابن الشيخ فالح وهو فتى عمره ستة عشر عاماً قدمه الشيخ قائلاً: خادمك. وأضاف بأنه يهيئ طعام العشاء. ثم التفت الشيخ موجهاً كلامه لي: أنا خجلان لعدم تمكننا من اعداد وجبة حقيقية لأنك دخلت علينا دون سابق خبر، فأرجو المعذرة،ولكنني أعتقد بأنك ستتناول ما نأكله ريثما يتم ذبح الخروف واعداده.

هناك عدة وظائف للمضيف تتعدى كونه بيتاً للضيافة، فهو مقر اجتماعات الشيخ حيث تدار فيه جلسات في الصباح والمساء لتداول شؤون القبيلة وسماع شكاوى أعضائها وإدارة ممتلكاتها وعلاقاتها”.

أسماء وعادات :

يشير ثيسغر إلى البعد الثقافي والاجتماعي والديني في استخدام الأسماء بين سكان الأهوار فعندما شاهد مضيف السيد سروت الذي يعتبر أشهر (سيد) في تلك المنطقة ، بل وكل جنوب العراق ، وأن مضيفه له قداسة المسجد، يعلق : تطلق حالياً كلمة سيد على كل حضري متعلم في العراق، كما تطلق كلمة أفندي في تركيا. وهي في هذه الحال لا تتضمن معاني دينية، بينما السيد المقصود هو الذي ينحدر من سلالة النبي محمد (ص). هناك أعداد كبيرة من السادة في جنوب العراق إن لم يكن في جميع أنحاء العالم العربي. ولا توجد قرية في الأهوار تخلو من عائلة تنحدر من سلالة النبي (ص). وهناك بعض القرى الصغيرة كل سكانها من السادة. شاهدت أحد سائقي القوارب اسمه جحش، وهو ليس كنية بل اسمه الحقيقي. فكثيرون يحملون مثل هذه الأسماء مثل جحيش (جحش صغير)، جليب (كلب صغير) ، خنزير، جريدي، واوي ، ضبع، كوسج، عفريت، بل وبعرور. وهذه الأسماء تطلق على المواليد الذي مات اخوانهم وطرداً للحسد.

الحياة في الاهوار

يتناول ثيسغر بعض العادات الاجتماعية فيذكر أن “النساء لا يمكنهن حلب الجاموس وهو أمر يشابه تلك العادة التي رأيتها عند البدو في الصحراء العربية حيث تمنع النساء من حلب النوق. بينما الرجال في القبائل الرعوية خارج الأهوار وكذلك الأكراد يرفضون حلب الغنم والماعز ويعتبرون ذلك عمل خاص بالنساء. ولا يوجد رجل من سكان الأهوار يقوم بطحن الحنطة أو يصنع من بقايا الحيوانات [سرجين] حطباً. نعم قد يحمل الماء أو يطبخ إذا لم تكن هناك امرأة تقوم بذلك”. وذكر ثيسغر عادة دفع دية القتل من خلال تسليم بضع نساء من عشيرة القاتل إلى عشيرة المقتول ، وتسمى الواحدة منهن بـ(الفصلية).

بريطاني يختن أطفال الأهوار :

يذكر ثيسغر كيف اضطر للعمل كطبيب يختن الأطفال ويداوي المرضى رغم أنه ليس طبيباً كي يتفادي نظرات الشك والريبة، فيقول: “ذهبت من الجبايش إلى الخميسية ،وهي قرية على حافة الصحراء، كان سكانها من الفقراء المعوزين. ومع ذلك كنت أشعر بالكرم والضيافة التي قابلوني بها. مكثت شهراً حتى بدأت العيون تلاحقني، وكثرت الأسئلة التي تطرح عليّ، ما يريد؟ لماذا جاء إلى هنا؟ لا أحد يأتي من المدينة ويتعرض للبعوض، ويأكل طعامنا إلا إذا كان لديه سبب معقول. لعل الحكومة أرسلته لتجسس علينا، ليحصي شبابنا أو جواميسنا. لقد كان مضيفيّ لطفاء المعشر، ولم يعاملونني على أنني انسان سيء الخلق أو نجس. فالشيعة يعتبرون الطهارة واجباً دينياً. والمتشددون لا يشربون في اناء شرب منه كافر. وبالرغم من أن أولئك الناس يبدون متهاونين في بعض القضايا الدينية، لكن تبدو هذه الشكليات وكأنها اهانة مقصودة. كنت أتسائل في نفسي: هل يمكنني باعتباري مسيحي وأوروبي أن أنسجم معهم؟ ذلك ما منت أتمناه. وبقيت الهواجس تملأ تفكيري إلى أن حدث ذات يوم وأنا في طريقي شمالاً باتجاه عشيرة الفرطوس. كان توقفي المفاجئ في مضيف (الربعة) في احدى القرى الكبيرة في منطقة العميرة. غادر الرجال المرافقون لي المضيف بعد تناول الشاي. وعند الغروب سألني مضيفي واسمه عبد بعد تناول الطعام: ماذا في الصناديق؟ -أدوية. -هل أنت طبيب؟-لي معرفة بالأدوية.-هل تستطيع أن تختن الأطفال؟-(لم أجر في حياتي عملية ختان، ولكنني شاهدتها عن قرب في المستشفيات وعند العشائر) فأجبت : نعم. -هل يمكنك أن تختن ولدي خريبط؟ لقد مضى وقت طويل لم يصل إلى هذه الناحية من يعرف الختان. وأريد أن تجري له عملية الختان كي يستطيع الزواج،وأشار إلى الشاب الذي استقبلني أولاً عندما كان صاحب المضيف غائباً. قررت أن أجري له الختان في الغد. صحيح أن القرآن لم يذكر الختان ولكن المسلم يعتبره واجباً اسلامياً، اقتداءً بالرسول (ص) الذي ارتضى هذه العادة العربية. وشرعاً لا يمكن للمرء أن يذهب إلى مكة لأداء الحج وهو غير مختون.

مساكن اهالي الاهوار

في جنوب العراق، بين المعدان كما هو بين الرعاة، تؤجل عملية الختان إلى سن البلوغ. وتجرى العملية عادة في سن المراهقة،وتجرى من قبل مختصين يزورون القرى في أشهر الصيف، وأجرهم المتعارف عليه هو ديك، ولكن قد يطلبون النقود أحياناً. في الصباح خرجنا من المنزل، كي لا يتلوث بالدم، إلى صريفة، ليست بالطبع غرفة عمليات مثالية . حضر أصدقاء خريبط لتشجيعه ودعمه معنوياً. اخترت واحداً منهم وكان ذكياً ليكون مساعده. جلب خريبط هاون خشبي [جاون] وقلبه وجلس عليه. أخرجت عدتي ومن بينها أبرة تخدير موضعي، فسألني خريبط: لأي شيء هذه؟ فشرحت له تأثيرها وأنه لن يشعر بالألم، فقال: لا، لا أريد أن أزرق ابرة، اقطعه كما هو. فحاولت معه كثيراً لاقناعه فرفض. وكنت أراقبه لأرى فيما إذا كان متوتر الأعصاب، دون أن يلاحظني وأنا مشغول بالعملية التي استغرقت مدة من الوقت، لكنه كان جالساً دون حركة. وعندما انتهيت قال لي: شكراً ونهض. وجاءني أحد الصبية قائلاً: جاء دوري،وجلس على الهاون. وقد علمت فيما بعد أن تسعة من رفاق خريبط جاءوا لاجراء عملية الختان. وكان أقلهم سناً عمره خمسة عشر عاماً،وأكبرهم 24 عاماً. أجريت لهم عملية الختان وشفوا شفاء تاماً بعد بضعة أيام، والتي كانت تستغرق أحياناً شهرين وفق الطريقة التقليدية. لقد اكتشفت أن البنسلين وبودرة السلفا أفضل من مسحوق الحشفة (جلدة الذكر) التي كانوا يخلطونها بروث الجاموس لاستعماله ورشه على موضع الختان. وكانوا يعتقدون بأن شم رائحة الخبز الطازج أو الدخان أو العطر يؤثر على الجرح، لذلك تراهم يضعون في أنوف المختونين خرقة ويعلقون البصل حول رقبتهم. وكذلك لا يأكلون السمك والرقي واللبن أو يشربون أكثر من عدة جرعات من الماء.وعلمت فيما بعد بأنهم صاروا لا يسمحون باجراء الختان من قبل المختصين المحليين، بل ينتظرون قدومي لزيارة قراهم أو يأتون لزيارتي في احدى القرى. وفي احصاء تقريبي تبين أنني أجريت 150 عملية ختان. وفي بعض المرات كانت العمليات تبدأ صباحاً وتستمر حتى منتصف الليل”. الهوامش : 1- ويلفريد ثيسيجر(بالإنكليزية: Welfred Patrick Thesiger) هو رحالة بريطاني. ولد في أديس أبابا عام1910 وتوفي في لندن في 24 آب عام2003 . سافر إلى كل من الجزيرة العربية( مناطق المهرة وحضرموت في اليمن والسعودية والإمارات و عمان) والعراق وإيران وباكستان وغرب أفريقيا وكتب عنها عدة كتب اشهرها كتاب “الرمال العربية” (بالإنكليزية: Arabian Sands)وعرب الأهوار The Marsh Arabs. تلقى تعليمه في كلية إيتون ، جامعة أوكسفورد، حيث حصل على المركز الثالث في تاريخها. بين عامي 1930 – 1933 . عاد إلى إنجلترا في 1990م، وحصل على لقب فارس في عام 1995.وكتب (عرب الأهوار( عام (1964) هو سرد للمدن والسكان الأصليين في الأهوار في جنوب العراق. ساعده باقر الدجيلي في اكتشاف اهوار العراق اهتم الدجيلي وهو يتنقل من مدينة إلى أخرى بالموروث العراقي المتجذر من واقع التاريخ القديم وما فرضته طبيعة الأرض وقد مكنته معرفته بالإنكليزية من ترجمة محاضرة الانثروبولوجي ولفرد ثيسكر عن (المعدان) حيث طبعت المحاضرة في مطبعة الرابطة ببغداد سنة 1956 متضمنة مقدمة مهمة وتعليقات وهوامش للمترجم استكمل فيها معلومات ثيسكر عن منطقة الاهوار العراقية وصوب غير الدقيق فيها وشرح ما غمض من المصطلحات المحلية وندرج أدناه تعليقاته عن المحاضرة التي جعل منها ثيسيجر النواة الأساسية لكتابه عن الاهوار ان الكتاب المذكور قد صدر وضمن بحث من قبل الباحث ضياء كاظم زبالة أهم مؤرخين الاجانب (المصوربن) .

رغيف الطابك الاشهر في الاهوار

في ايضاحه لمعنى كلمة (معدان) قال الدجيلي “إن كلمة معدان جمع ومفرده (معد) وهو جمع عرفي كقولنا في جمع عرب، عربان، وقس على ذلك ومعد حي أي قبيلة يذكر ويؤنث، يقال فلان معدي أي منسوب إلى حي، ومن ذلك المثل السائر “تسمع بالمعيدي خير من ان تراه” وكان هذا المعيدي يغير على مال النعمان بن المنذر ملك الحيرة فكان يطلبه فلا يقدر عليه، وكان يعجبه ما يسمع عنه من شجاعة واقدام إلى ان أمنه، فلما رآه استزرى منظره لانه كان دميم الخلقة، وتمعدد (فعل) أي تزيا بزيهم.

___________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا