مظلومية العراقيين من (التبعية الايرانية)

2
2445

بقلم: عاصم الجابري

عندما يتأنسن الأنسان، بغض النظر عن ثقافته ودينه، أو عرقه، ترى قلبه ينبذ الحقد، والضغينة، وكل أشكال العنف، وتكون روحه متسامحة وصبورة، وخير مثال على ذلك، المهاتما غاندي رحمه الله، الذي حرر الهند من الانجليز المحتلين بالصمت! وكان يعالج مشاكل امته بالصبر، والصوم (الاضراب عن الاكل)! هذا الرجل العملاق كان هندوسياً، وحتما إستمد هذه السماحة من دينه وثقافته الهندوسية، في حين أن ديننا أيضاً سمح، بل هو ينبوع من ينابيع الرحمة، وإن نبينا محمد (ص) عرف بنبي الرحمة، اقرأ قرآننا ماذا يقول عنه في سورة الانبياء:

وما أرسلناك الا رحمة للعالمين (107).

أليس حرياً بنا نحن الشعوب الاسلامية أن نتميز عن سائر الشعوب بالرحمة؟

ما لاحظته في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، أن الغالبية قلوبهم خالية من الرحمة! بدءاً من قمة الهرم “رجال الدولة” الى قاعدة الهرم ” أسر ومواطنون”! قرارات “دولنا” معظمها تعسفية وخالية من الرحمة مع ابناء الوطن وشعوب دول الجوار، محاكمنا مرعبة في أحكامها التعسفية، لم اسمع في العالم أن يعدم الانسان بالمتفجرات، أو إذابته بأحواض الحوامض، مثل حامض النتريك أو الكبريتيك، أو يفرم بمكائن خاصة أُعدت لهذا الغرض، تفرم البشر ثم ترمي لحمه المفروم للاسماك في النهر، أو رمي الانسان من شاهق بعد ان تعصب عيناه وتكبل يداه، او فصل رأسه عن جسده بعد ان يقلع لسانه!

رفاة ضحايا الاعدامات الجماعية في عهد صدام حسين

نعم هذا حصل في العراق، وفي دول عربية واسلامية كثيرة! في حين أن هنالك بعض الدول العلمانية الحديثة، الغت عقوبة الاعدام، كي لا يقتلوا انساناً ظلماً، وان كان احتمال الظلم قليل، كما ان بعض الدول تبقي المحكوم بالاعدام عقوداً من الزمن في السجن، يبحثون جريمته بدقة متناهية، كي لا يعدموه ظلماً، واذا كان لا بد من إعدامه، تراهم يبتكرون طرقاً رحيمة بأعدامه، كأن يخدروه كي لا يتألم، أو بصعقة كهربائية، أو بجرعة سم.

هذا مابقي له من اخيه

أما مدارسنا فهي مرعبة بعنفها، أتذكر عندما كنت صغيراً في الابتدائية، يومياً أدعو الله أن يخسف الارض بمدرستي! وعندما تمطر السماء في الشتاء مطراً غزيراً، كنت أفرح، وأعتقد ان الله إستجاب دعائي، وسوف يهدم المطر مدرستي! اتعرفون لماذا؟
لانهم كانوا يمارسون الارهاب معنا، ويعاقبوننا “بالفلقة” لاتفه الاسباب، ونحن أطفال لا حول ولا قوة لنا! (الفلقة هي ضرب القدمين بعصى الخيزران، بعد ان توثق بالحبل).

العقاب بضرب الفلقة

وأما في البيت، فالابوين والعم والخال في كثير من الاسر، ارهابيون، لاتفه الاسباب يعاقبون الابناء بالصفع على الوجه، والرأس، وخلف الرقبة، واحياناً تصل الى الرفس، واللكمات في الوجه! والبعض يضرب بالنعال، وهذا يعني الماً جسدياً ونفسياً، لما يلحقه من التحقير! هذه هي عقليتنا في التربية، لذلك اصبح العنف هو جزأ لا يتجزأ من ثقافتنا!

الموضوع ممكن يتسع، بأختصار: نحن أقوام قلما تحوي قلوبنا الرحمة والشفقة، وسوف اسلط الضوء في مقالي هذا على الظلم الذي لحق بشريحة مهمة من المجتمع العراقي، وهم العراقيون ذوي الاصول الفارسية (التبعية الايرانية).

متخلفة عقليا لم تسلم من التهجير

أنا متأكد من أن فينا ومنا اناس يفرحون لظلم هذه الشريحة، لا لسبب، إلا لكونهم من اصول فارسية! وإن هذه الظاهرة موجودة في كل المجتمعات العربية والاسلامية، او ما يشابهها، مثلا يُكرَهْ الانسان على اساس مذهبه، او عرقه، أو لونه، أو إتجاهه، ومثال على ذلك، يُكره لان اصله فارسي، او كردي، او امازيغي، او عربي، أو شيعي، أو سلفي، أو زيدي، أو سني، أو لا ديني، أو سحنته داكنة…الخ، وقبل أن أخوض في عمق الموضوع لا بد من أن اوضح كيف أوجدت هذه الشريحة في المجتمع العراقي (التبعية الايرانية)؟

مخيم للمهجرين العراقيين في ايران

عزيزي القارىء، المدائن كانت عاصمة “كسرى” ملك الفرس، وهي تقع في بغدادَ، و”بغداد” اسم اعجمي وليس عربي، حتى في علم الصرف لا يُصرّف، لانه اسم عجمة، والعراق يمتلك حدود مع ايران من شماله حتى آخر نقطة من جنوبه، اي حوالي الف وأربعمائة وخمسون كيلومتر، وعقلية الايرانيين، ليس أعرابية بدوية، فهم لا مانع عندهم من تزويج بناتهم للاجنبي، على العكس من بعض الشعب العراقي، الذي يتمتع بعقلية بدوية تمنعه من تزويج بناته للاجنبي، استنكافاً وإستكباراً (أنا أزوج بنتي لشخص فيه رِسْ العِجمَة؟؟ مستحيل!!!) لذلك تزوج كثير من العراقين بالايرانيات، خاصة وهن يتمتعن بالجمال، وفنانات في تدبير الشؤون المنزلية، هذا حصل على مدى التاريخ، واختلطت دماؤهم بدمائنا، فمن الطبيعي تجد عندنا في العراق عوائل لها اصول فارسية، وعدد هذه العوائل ليس قليلاً، ومنهم ظهر علماء أجلاء، وأساتذة في الجامعات والمدارس، وكتاب، وشعراء، ومغنون، وموظفون كبار، وتجار كبار، وحرفيون مهرة خاصة في البناء، والميكانيك (تصليح السيارات) والخياطة، وصناعة الخبز والمعجنات، والحلويات، وغيرها من الحرف المهمة، هم عراقيون اباً عن جد بالولادة، ولا يمكن لاحد ان يشك بوطنيتهم، وأحدهم شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري الذي يذوب وجدا وحبا بوطنه العراق، وشعره يؤكد ذلك:

يا دجلة الخير يا نبعا افارقه على الكراهةِ بين الحين والحين
إني وردتُ عيون الماء صافيةً نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني

جيش الدولة العثمانية

أيضاً، كانت الدولة العثمانية تجند العراقيين إلزامياً في جيشها (الجندرمة)ً على اعتبارهم رعاياها، والامبراطورية العثمانية كانت كبيرة ومترامية الاطراف، وكان العراقيون لا يرجعون الى الوطن عندما يجندون في الجيش التركي العثماني، يستخدمونهم في حروبهم التوسعية في البلدان البعيدة، ويضيع خبرهم فيما بعد، لذلك التجأ العراقيون الى السفارة الايرانية لتجنيسهم بالجنسية الايرانية مقابل ثمن مالي دفعوه لهذا الغرض، كي يتخلصوا من التجنيد الإلزامي، ومن هنا برزت في النسيج العراقي مجموعة جديدة تحمل الجنسية الايرانية، في حين هم عراقيون أباً عن جد! نفس الشيء عمل العراقيون من الكرد الفيلية بالتجنس بالجنسية الايرانية، تخلصا من التجنيد الإلزامي، وكذلك التخلص من ظلم الدولة العثمانية لهم، على أعتبارهم “شيعة” هؤلاء الكرد الفيليين والعرب كتبت على وثائقهم التي تحدد هويتهم، عبارة تبعية ايرانية! في حين هم عراقيون أبا عن جد، لكن النظام الصدامي استغل سجلاتهم العثمانية القديمة، على اعتبارهم تبعية ايرانية، وقام بمصادرة هوياتهم العراقية، ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة، ورماهم على الحدود الايرانية!

صادر النظام منازلهم فباتوا تحت رحمة خيم مهترئة

اذن صار واضح امامك عزيزي القاريء كيف أوجِدتْ هذه الشريحة من العراقيين (التبعية الايرانية).

يا سيدي، مهما كنتُ لبِقاً، أو كانت عندي بلاغة وفصاحة شاعراً فحلاً، كالمتنبي أو شكسبير إفتراضاً، لا يمكنني من وصف الاجحاف والظلم الذي طال هذه الشريحة من العراقيين! ولايمكنني وصف ثانية من ثواني الرعب التي عاشتها الامهات خوفا على بناتهن من الاغتصاب، أو على ابنائهن الشباب الذين تنتظر تخرجهم من الجامعات ان يعدموا! لايمكن وصف معاناة اعداد هائلة من البشر، بشكل مفاجيء، تصادر أوراقهم الثبوتية “وثيقتي الجنسية وشهادة الجنسية” وابنائهم، وبيوتهم، وسياراتهم، وذهبهم، وأموالهم، ثم يُرمَوْنْ على الحدود الايرانية العراقية في منطقة المنذرية، أو غيرها من المعابر الحدودية، فقط بملابسهم، ويقال لهم اذهبوا الى وطنكم ايران، وان العراق لم يعد موطنكم، لايمكن على الاطلاق، أن تصف هذه الآلام، الا أن تعش فصولها لحظة بلحظة بنفسك!

تهجير الاطفال والشيوخ واحتجاز الشباب

بعد انقلاب البعثيين على “عبد الرحمن عارف، رئيس الجمهورية العراقية” في تموز من عام 1968، بدأت فصول مظالم هذا المكون من الشعب العراقي (التبعية الايرانية) حيث أخذ النظام البعثي العفلقي، يعد العدة لتهجير هؤلاء الى ايران، وبدأوا بتنفيذ مخططهم في العام 1971 في عهد”الرئيس” أحمد حسن البكر، هذا الرجل كان أكثر تعقلا من دكتاتور العراق صدام بحكم كبر سنه، فكان في البداية يهجر فقط أبناء الجالية الايرانية التي تحمل وثائق الاقامة من وزارة الداخلية، وكان يسمح لهم بأخذ ممتلكاتهم معهم، وقسم منهم كانوا يمتلكون دوراً مسجلة بأسم عراقي من معارفهم، لم يتسن الوقت لهم ببيعها، رجعوا بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 التي وقعت من قبل الدكتاتور صدام وشاه ايران، وقاموا ببيع ممتلكاتهم ثم عادوا بثمنها الى ايران، ما عدا أعداد بسيطة منهم غدر بهم الذين أئتمنوهم.

تهجير قسري للاضراء(فاقدي البصر) من دور الرعاية الاجتماعية

لكن الطامة الكبرى حدثت عندما ازاح صدام البكر في عام ١٩٧٩، واصبح هو الرئيس الرسمي والفعلي، في حينها كان يتهيأ للحرب مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، فأخذ يلقي القبض على العراقيين الذين عندهم اصول ايرانية قديمة جدا، مثلاً سكنوا العراق قبل قرون من الزمن، وكذلك شريحة (التبعية الايرانية) التي وصفتها فيما سبق، ويصادر وثائقهم العراقية، من البطاقة الشخصية، وشهادة الجنسية، ودفتر الخدمة العسكرية، والهوية العسكرية او الجامعية، وجواز السفر، أو أي وثيقة أخرى، كذلك يصادر بيوتهم، ويكتب على جدرانها عبارة “أملاك الدولة” وكل أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحتى مقتنياتهم من الذهب والفضة، وسياراتهم، ويفصل عنهم الشباب ذات الفئة العمرية من 17-40 سنة ويضعهم في السجون، ثم يرمي اسرهم على الحدود الايرانية وينذر بحكم الاعدام لكل من يرجع!

رمي النساء والاطفال على المناطق الحدودية الوعرة والخطيرة

ممكن يعتقد القاريء بأن رميهم على الحدود خالي من المخاطر! بل العكس كانت المخاطر تلاحقهم لكثرة حقول الالغام التي زرعها الجيش العراقي في ذلك الحين بسبب إعداده للحرب الظالمة التي شنها الدكتاتور صدام التكريتي على الجمهورية الاسلامية الايرانية فيما بعد، أيضاً برودة الطقس خاصة في ايام الشتاء، وبين هؤلاء الناس شيوخ وعجائز، واطفال، ومرضى غير قادرين على عبور الحدود في هكذا طقس، وهكذا تضاريس جغرافية صعبة، فمات الكثير منهم، ودفنوا في نفس المكان! تخيل نفسك عزيزي القاريء انت واحد من هؤلاء الناس، ويموت امامك أبيك الهرم، أو ابنك الصغير، او تلد زوجتك في ذلك الحين، كي تعرف مدى الالم الذي لحق بهم!

ابناء المهجرين في السجن قبل الاعدام الجماعي

في البداية سجنوا الشباب الذين سفّروا أهليهم، في سجن رقم واحد ببغداد، والعجيب كان يسمح لمعارفهم بزيارتهم! على ما اعتقد كي يلقوا القبض عليهم فيما بعد! بعدها سجنوهم في سجن ابي غريب، وهناك ثاروا، بسبب الظلم الذي لحق بهم وبعوائلهم، وقتل حوالي الف شخص منهم من قبل حراس السجن، ثم نقلوا البقية الى سجن نكرة السلمان، وبعدها أغلبهم أُعدم، ودفنوا في مقابر جماعية، إلا اعداد نادرة جدا اطلق سراحهم، لا اعرف سبب ذلك، يقال انهم عملوا كجواسيس للجيش العراقي بعد ان ساوموهم! أنا بنفسي قابلت عدداً منهم بعد اطلاق سراحهم، وسألتهم عن بقية السجناء وأحوالهم، لان لي اصدقاء وزملاء دراسة بينهم، لكنني لم أحصل على اجابة واضحة

حتى الطفولة البريئة لم تسلم من جريمة التهجير

وكان واضح عليهم الخوف في التكلم عن هذا الموضوع، حيث قال لي أحدهم، ما المفروض أن تسأل هكذا سؤال! ما انقله هنا هو من ذاكرتي لفصول عشتها عن قرب، ولمستها بنفسي، وهذا غيض من فيض! كان الله وحده يعلم بأحاسيس وآلام هؤلاء الناس: أطفالاً وشباباً، واناثاً وذكوراً، ونساءً ورجالاً، وشيوخاً وعجائزاً، ولا يمكن لأي مخلوق تقدير الاذى الذي لحق بهم.

تسفير نزلاء مستشفى للامراض العقلية خلال حملات التهجير

بقى علينا نحن العراقيون، أن نتعظ من هذه الآلام، ونكون شجعان ومنصفين بالاعتراف بها، وتحمل مسؤوليتها بكل أمانة، وعلى مجلس النواب العراقي أن يجعل مظلومية هذه الشريحة من أولوياته، وأني على يقين لو عوضناهم بمال الدنيا كلها، سوف لا تساوي ثانية من ثواني الآلام التي عانوها، في تلك الأيام القاسية من تاريخ العراق.

__________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

2 تعليقات

  1. أستاذ عاصم

    كم أنت شريف عزيزي
    لأنك كتبت و نشرت هذا الموضوع بكل دقه و صدق.
    حياك الله ولك كل التقدير و الإجلال والإحترام.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا