حالة التعايش في الدولة العراقية الحديثة 1921-2003 / 2-3

0
124

بقلم : د. صلاح عبد الرزاق

النظام السياسي في المملكة العراقية 1921 :

بعد احتلال الانكليز لبغداد، بدأ حكم العراق بشكل مباشر من قبل المندوب السامي والمستشارين البريطانيين في بغداد، والحكام السياسيين في المناطق العراقية الأخرى. وبعد إعلان الانتداب البريطاني على العراق من قبل عصبة الأمم في مايس 1920 والذي أدى إلى نشوب ثورة العشرين 1920 ، وتتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وتكليف عبد الرحمن النقيب بتشكيل أول حكومة عراقية للمملكة الوليدة، بدى واضحاً أن النهج العثماني بقي مترسخاً في التشكيلة الجديدة التي وضعت أساس النظام السياسي الجديد.

القوات البريطانية في العراق

بعد أن واجه الإنكليز مقاومة عنيدة من قبل الشيعة وخاصة القبائل والمرجعية الدينية عندما دخلوا في معارك مثل معركة الروطة في 20 كانون الثاني/يناير 1915 والشعيبة في 12 نيسان/ابريل 1915 ، ولكنهم في النهاية تمكنوا من القضاء على المقاومة الشعبية. بعد ذلك بدأ السعي لاستبعاد الشيعة عن السلطة والاعتماد على الأقلية السنية بهدف تأسيس دولة شديدة المركزية تستطيع ضبط الأوضاع.

لقد تمت التسوية السياسية بين الإدارة البريطانية والعناصر السنية المرشحة لتولي السلطة بمعزل عن الشيعة الذين كانوا يرفضون التسوية ويطالبون بالانسحاب البريطاني عن العراق (21) .رغم أن التوجه البريطاني كان يهدف إلى تأسيس نظام ديمقراطي بمقاييس ذلك الوقت، ورغم أن مثل ذلك النظام كان بإمكانه استيعاب المجموعات الأساسية من العراقيين ، الشيعة والسنة والكرد، من خلال إيجاد قواسم مشتركة تقضي على حالة القطيعة السياسية والاجتماعية التي سادت في العهد العثماني.

إن السعي لبناء دولة شديدة المركزية يتعارض مع التركيبة السكانية المتنوعة للمجتمع العراقي. وكان بالإمكان مراعاة التركيبة الخاصة للمجموعات العرقية وإعطائها الفرصة المناسبة للمشاركة السياسية والتي تؤدي إلى تماسك وترابط هذه المجموعات فيما بينها.

السير برسي كوكس

يرى أحد الباحثين العرب أنه قد اتفقت مصالح الدولة المركزية مع مصالح النخبة السنية . وحاول السنة أن يحققوا الاندماج في المجتمع بالقوة ، وساعدهم في ذلك قوة النظام الذي استلزمت بالتالي تركز الدولة في أيديهم (22). طلب السير برسي كوكس من الشيخ عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد أن يؤلف وزارة ، ويعرض أسماء المرشحين عليه للمصادقة عليها. قام الكيلاني بإعداد قائمة بالوزراء المرشحين مستبعداً زعماء الثورة عن المشاركة بالحكم. في 27 تشرين الأول 1920 وافق المندوب السامي على وزارة النقيب الأولى وهي حكومة غير منتخبة والتي ضمت تسعة وزراء (ثمانية من السنة وواحد يهودي) ، بالإضافة إلى إثني عشر وزير دولة (بلا وزارة) .

الملك فيصل الاول

يلاحظ في تركيبة أول وزارة إقصاء متعمد للشيعة . فالوزير الشيعي الوحيد هو السيد محمد مهدي بحر العلوم الذي لم يكن مرشحاً في أصل تشكيل الوزارة من قبل الكيلاني ، لكن المرشح لهذه الوزارة كان عزت الكركوكلي، وقد رفضها واستلم بدلها وزارة الأشغال ، فقام السير برسي كوكس بترشيح السيد بحر العلوم للوزارة لأن النقيب وبعض الوزراء المتنفذين لم يكونوا يوافقون على إسناد وزارة إلى واحد من الشيعة (23)، في حين لم يجدوا ضيراً في تعيين يهودي مع أن اليهود كانوا يشكلون أقلية صغيرة لا يمكن أن تقاس بنسبة الشيعة . مع العلم أن وزير المالية ساسون حسقيل اليهودي كان مناوئاً لتأسيس الحكم الوطني وتنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق. وكان رأيه أن يبقى العراق تحت الوصاية البريطانية. وعندما ذهب إلى مؤتمر القاهرة تحدث مع ونستون تشرشل قائلاً له (لقد جرت العادة في البلاد المنسلخة من الإمبراطورية العثمانية أن يأتيها أمراؤها من الشمال لا من الجنوب، فكيف حدث ضد هذه العادة في العراق؟) فأجابه تشرشل (إن ذلك صحيح، ولكن المستر كورنواليس ذاهب مع الأمير فيصل وهو من الشمال) (24).

الوزير ساسون حسقيل

لقد استقبل الشيعة وعلى رأسهم العلماء في النجف التركيبة الدينية المذهبية للحكومة وتعيين سياسيين سنة كحكام للمحافظات الشيعية بنوع من الارتياب وعدم الارتياح. ويشير عبدالله النفيسي إلى أنه لا يمكن تحليل قلة تمثيل الشيعة في مجلس الوزراء بعدم وجود متخصصين مناسبين، حيث أنه لم يكن من أعضاء المجلس متخصصاً في مهام منصبه باستثناء الخبير المالي ساسون حسقيل. كما أن المستشارين البريطانيين في الوزارات كانوا هم الذين يقومون بمهام المنصب الفعلية. كان السير برسي كوكس يعلم جيداً أن الطريق الوحيد للهروب من مطالب الشيعة بالاستقلال التام هو جعل السنة أغلبية في مجلس الدولة.

بالتأكيد لم يكن استبعاد الشيعة سببه فشل الانكليز في تحريك الصفوة الشيعية للتعاون معهم، حيث كان هناك من أبدى استعداده لذلك، ولكن سببه في الغالب أن المقاومة الشديدة للشيعة حتمت على الانكليز تسليم السلطة السياسية للأقلية السنية العربية والتي لا تشكل سوى 19% فقط من إجمالي السكان (25).

الشيخ عبد الرحمن الكيلاني

إن رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب نفسه لم يكن يمتلك كفاءات أكبر وأفضل من كثير من العلماء الشيعة. فهو ذو ثقافة محدودة، وتعليم ديني تقليدي، ولم يعرف عنه أنه كان سياسياً أو مفكراً ، ولم يترك كتاباً فقهياً أو سياسياً . إن تلك المعادلة التي يسميها أحد رجال العهد الملكي، عبد الكريم الأزري، بـ(صيغة 1921 السياسية) ويعتبرها العلة الأساسية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة (26) ، قد بقيت نافذة ومهيمنة على المشهد السياسي والحكومي والإداري والعسكري والقضائي والدبلوماسي في العراق. ولم تتغير المعادلة كثيراً رغم تعاقب الحكومات وتغير الأنظمة والأيديولوجيات الحاكمة، ورغم تبدل الولاءات والموازنات الإقليمية والدولية في العالم والمنطقة.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة والنظام السياسي العراقي في خلق روح وطنية ينتمي إليها كل أبناء العراق ويفتخرون بها ويدافعون عنها، مثل الروح الوطنية المصرية والسورية والتركية والإيرانية. وبقيت الأنانية والإثرة مهيمنة على سلوك ومواقف النخبة السياسية والدينية التي رفضت التنازل عن امتيازاتها الموروثة من العهد العثماني. كما فشلت الأحزاب السياسية والشخصيات الحكومية، التي يصفها البعض بالوطنية، في بناء شعور وطني مترسخ لدى جميع مكونات المجتمع العراقي. وقد كشفت الوثائق الرسمية العراقية والأجنبية ومذكرات الساسة العراقيين عن حجم التعصب الطائفي لدى العديد من الشخصيات السياسية والدينية والمسؤولين في الدولة العراقية من السنة. كما كشفت عن حجم الإقصاء والتهميش المتعمد للشيعة والكرد.

لقد فوت الساسة العراقيون عدة فرص كان يمكن أن تشكل منعطفاً جديداً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، وأن الحصول على المناصب والسلطة يكون وفق الكفاءات والفرص المتساوية دون تمييز.

ثورة العشرين

التعايش السياسي-الاجتماعي في العهد الملكي :

ساهم الغزو البريطاني للعراق 1914-1917 في تعزيز الشعور الوطني للعراقيين من خلال المساهمة الفعالة في أعمال المقاومة للغزو الإنكليزي، عندما التحمت عشائر الفرات مع القيادات الدينية الشيعية في محاربة الجيوش الزاحفة نحو بغداد. وقد التحمت معها في عدة معارك ، وساهمت قوات المجاهدين في تأخير سقوط بغداد ثلاث سنوات. وفي ثورة العشرين 1920 بلغ الشعور الوطني أوجه عندما اتحدت القيادات السنية والشيعية (وللمرة الأولى منذ قرون عديدة انضم الشيعة سياسياً إلى السنة وضمت عشائر من الفرات جهودها إلى جهود سكان مدينة بغداد. وأقيمت احتفالات شيعية سنية مشتركة لا سابق لها)(27). وكانت فكرة المجالس المشتركة قد جاءت من السيد صالح الحلي وهو شاعر وخطيب حسيني شيعي مشهور. وكانت تقام هذه المجالس في مساجد السنة والشيعة على التعاقب، ويشارك فيها أتباع المذهبين. فقد أقيم أول مجلس يوم الجمعة 14 مايس 1920 في جامع القبلانية الذي يقع في سوق البزازين. وقام أحد وعاظ السنة بإلقاء خطبة الجمعة، ثم أعقبه الشيخ مهدي البصير فتلا المولد النبوي والمجلس الحسيني معاً.

مهدي البصير

وقد اشتهر البصير بخطابه السياسي حتى سمي بـ(ميرابو العراق) (28) لشدة تأثيره على الناس.ولما حل شهر رمضان انتشرت المجالس المشتركة، وكانت توزع بطاقات الدعوة على الناس. وكان أحد هذه المجالس قد نجح إلى حد كبير عندما أقيم المجلس في ساحة الميدان وحضره عشرة آلاف من الجمهور. وتناوب الخطباء والشعراء على المنبر فذكروا جهاد النبي (ص) واستشهاد الإمام الحسين (ع) في كربلاء. وألقيت قصائد تحث على الوحدة بين المسلمين، حيث قوطعت بالهتاف والتصفيق والحماسة. وقد أدى اعتقال أحد الشعراء إلى تظاهرات وأحداث مواجهة مع الجنود ( 29). أدت الأحداث إلى مقتل أحد العراقيين، فزاد هياج الناس وخاصة أثناء تشييعه، وأغلقت الأسواق ورفعت الأعلام السوداء، وخرجت مواكب اللطم ترثي الشهيد. إثر ذلك تصاعدت المواجهة بين الزعامات الوطنية وموظفي الإدارة البريطانية،

جعفر ابو التمن

كتب الزعيم الوطني جعفر أبو التمن رسالة إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي يستغيث به للتدخل والمساعدة. وصلت الرسالة إلى الشيرازي الذي أكد على أهمية الوحدة الإسلامية واجتماع كلمة أهالي بغداد من السنة والشيعة في المطالبة بحقوقهم، وكذلك أهمية حفظ حقوق غير المسلمين من عراقيين وأجانب، إذ جاء فيها:(…فسرنا اتحاد كلمة الأمة البغدادية واندفاع علمائها ووجوهها وأعيانها إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة ومقاصدها المقدسة. فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقق المولى آمالنا وآمال علماء حاضرتكم الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية). كما أصدر الشيرازي رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي جميعاً يحثهم فيها على التماسك والتعاون بين السنة والشيعة والوحدة الوطنية، والمطالبة بحقوقهم المشروعة باستقلال العراق من خلال إرسال وفودهم إلى بغداد للتنسيق معاً في الضغط على الاحتلال البريطاني، جاء فيها:(إلى إخواني العراقيين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية قد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلمية. وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات مع المحافظة على الأمن طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية، وذلك بأن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق بغداد وفداً للمطالبة بحقه متفقاً مع الذين يتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد. فالواجب عليكم، بل على المسلمين، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف. وإياكم والإخلال بالأمن والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم. وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً. وفقكم الله جميعاً لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 10 رمضان 1338 هج – الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي) (30).

الشيخ محمد تقي الشيرازي

لقد خاطب الشيرازي أبناءه من السنة والشيعة، ولما كان مقلدوه من الشيعة عادة فقد أكد عليهم بـ(الاتفاق مع إخوانكم) السنة وتفادي أي صراع أو شجار فيما بينهم. كما اعتبر المطالبة باستقلال العراق (مبدأ شريفاً) يستوجب على جميع المسلمين التعاون من أجل بلوغه، إضافة إلى إرهاصاته بأن الوقت قد حان لنيل العراقيين حقوقهم لأنهم متحدون في مطالبهم ومتعاونون في تحركهم. اشتد التقارب الطائفي بشكل لم يشهد له مثيلاً في العراق، فعندما يصل وفد الكاظمية لحضور مجالس بغداد ، وكان يأتي بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، وعند وصوله إلى بداية محلات بغداد يخرج لاستقباله أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة (من السنة) حاملين الشموع ، يهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات إلى محطة بغداد كان في استقبالها جمهور غفير من أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانقان عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين. وعند ذلك يرتفع صوت الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد. ويحدث مثل ذلك أيضاً عندما يذهب وفد الأعظمية إلى الكاظمية أو العكس. وقام الملا عثمان الموصلي المنشد المعروف بدور كبير عندما كان ينشد القصائد في مدح النبي (ص) وأهل بيته (ع). وكان ينشد في صحن الكاظمية بقصائد بقي الناس يتذكرونها ويرددونها مدة طويلة من الزمن ( 32). وحين حلت ذكرى شهادة الإمام علي (ع) في 21 رمضان ، جاء موكب من أهالي الأعظمية إلى الكاظمية لمشاركة أهلها في العزاء. وأخذ الموكب الأعظمي يسير في صحن الكاظمية وهو يهزج قائلاً:أبو بكر وعمر حزنانين عالوصي حيدر وملائكة السما وجبرائيل لأجله تكــدّر وقام أهالي محلتي السوامرة والتكارتة بتأليف مواكب لطم قاصدين محلة الشيخ بشار لمشاركة أهاليها في العزاء. ولما حل شهر محرم استمرت المشاركة السنية في الشعائر الحسينية بشكل واضح. وفي اليوم العاشر من محرم ذهب الجميع إلى الكاظمية للمشاركة في ذكرى الإمام الحسين (ع).

يصف المؤرخ عبد الرزاق الحسني الدور الذي لعبه الشيرازي في التقارب الطائفي حيث يقول بأنه كان (يؤيد الصلات الأخوية بين المسلمين بكل قواه، ويحث على التآلف والتآزر بين السنة والشيعة ، ليقف الجميع صفاً واحداً بوجه الأجنبي. فوسّع مفكرو الطائفتين طرق وأساليب الاستعانة بنفوذه الديني الواسع لتحقيق مقاصدهم السياسية. ولما كانت رابطة رؤساء القبائل الدينية بمقام الإمام الشيرازي قوية جداً، فقد اتخذت صبغة سياسية واضحة، وأخذ الإمام يبث الدعوة بينهم إلى المطالبة باستقلال العراق بكل وسيلة ممكنة)(32).

خلال أحداث الثورة استجابت بعض عشائر السنة لدعوة علماء الشيعة في مقاومة الإنكليز، وإن كانت غالبيتهم قد ظلت بعيدة عن الثورة بسبب ارتباطات وتأثير زعماء عشائرهم. فقد كان السيد محمد الصدر يقوم بحملة تبليغية في لواء الدليم وسامراء لدعوة العشائر هناك إلى الانضمام إلى الثورة. وقد نجحت جهوده في إقناع بعض زعماء العشائر مثل حبيب الخيزران شيخ قبيلة عزّة وقبائل ألبو علقة وألبو حيازة. كما استجاب الشيخ ضاري رئيس عشيرة زوبع في الرمادي لحركة الثورة (33).

يحلل حنا بطاطو ذلك التطور الاجتماعي فيقول (في الواقع ، فإن المرء لن يذهب أبعد من اللازم في القول أن أحداث 1919-1920 ، وبشكل أخص الترابط الذي نشأ بين السنة والشيعة – مهما كان رقيقاً- قد أطلقت عملية جديدة، ألا وهي النمو الصعب الذي كان تدريجياً ولاهثاً أحياناً أخرى، لمجتمع وطني عراقي) ( 34).

رشيد عالي الكيلاني

لقد فشلت النخبة الحاكمة في دمج بقية مكونات المجتمع العراقي، وخاصة دمج الشيعة في الجسم السياسي للدولة. الأمر الذي أدى إلى تراكم المشكلات وتفاقمها، وازدياد حالة الشعور بالسخط والاستياء والغربة عن الحكومة. وقد انعكس هذا الشعور على شكل انتفاضات وثورات في كثير من الأحيان. ومرت عشرون عاماً لتتاح فرصة أخرى مشابهة عندما حدثت الحرب العراقية-البريطانية عام 1941 اثر الانقلاب الذي قادته مجموعة العقداء الأربعة بقيادة صلاح الدين الصباغ، وتزعم رشيد عالي الكيلاني الحكومة وفرّ الوصي عبد الإله إلى الخارج. لقد شجعت مواجهة عدو أجنبي حالة التماسك الوطني وضرورة الدفاع عن الوطن الذي يتمسك به الجميع باعتباره أرض آبائهم وأجدادهم. (لقد شكلت حرب الـ 1941 حافزاً كبيراً لمشاعرهم القومية. ولم يكن العراقيون موحدي الرأي حول تدخل الجيش في شؤون الدولة أو حول الاتجاهات السياسية لكبار الضباط. ولكنهم ما إن اندلعت الحرب حتى نسوا خلافاتهم ، واختلطت واندمجت مشاعر الشيعة والسنة والعرب والأكراد في بغداد والمدن الأخرى في تلك اللحظة وعلى امتداد أيام القتال. وسادت بين ذوي الحياة المتواضعة خصوصاً روحية لم يكونوا عرفوها منذ انتفاضة 1920 ) (35). ورغم الحيف الذي لحق بالشيعة ونسيان تضحياتهم ودمائهم في ثورة العشرين التي قطف ثمارها العسكريون الشريفيون من ضباط الجيش العثماني ومن النخبة السياسية السنية، لكنهم تفاعلوا مع انقلاب قومي يقوده مجموعة من الضباط السنة.

الشيخ عبد الكريم الجزائري

وتكرر مشهد حركة الجهاد عام 1914 ، حيث صدرت فتاوى علماء الشيعة بمقاتلة الإنكليز حيث أصدر الشيخ عبد الكريم الجزائري فتوى تساند الجيش وقادته ووصف الحركة بالحكومة الإسلامية. كما أصدر السيد أبو الحسن الأصفهاني فتوى توجب الدفاع عن الإسلام ومحاربة الكافرين (الإنكليز). وأصدر الشيخ محسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم حركة الاحتجاج ضد التمييز الطائفي ولاسيما في الفترة التي كان فيها رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، فقد أصدر فتوى اعتبر فيها الانقلاب بأنه (قاعدة للدين) من أجل حث العراقيين المسلمين على تأييد الحركة. ورفض آل كاشف الغطاء رشوة أرسلها الأمير عبد الإله من أجل إثارة القبائل ضد حكومة الانقلاب (36). وخرجت القبائل العربية في الفرات الأوسط إلى القتال، ونسيت ما فعلته الحكومة وقواتها العسكرية في ضرب ثورة العشائر عام 1935 بوحشية وهمجية عندما قتلت الأطفال والنساء وأحرقت البيوت والمزارع. وفي نفس العام عندما قررت الحكومة العراقية تشييد مبنى للبريد على مقبرة في الكاظمية، الأمر الذي استفز مشاعر أهالي الموتى، فقرروا الاعتصام في المقبرة. أرسل وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني مفرزة مسلحة من الشرطة بقيادة وجيه يونس الموصلي، وبسيارات مصفحة، ففتحت النيران فوراً على المعتصمين، مما أدى إلى مصرع ثلاثين شخصاً، دفنوا بصورة سرية ليلاً. أما المحتجين الباقين فقد حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة. لقد نسي الشيعة كل تلك الجرائم ووقفوا يقاتلون إلى جانب الجيش ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني شعوراً بالروح الوطنية وواجبات الدفاع عن الوطن. ومن المفارقات أن العشائر الشيعية وقفت مع حركة اعتبرتها تحررية ضد الاستعمار البريطاني، لكن هناك قبائل سنية عربية مثل الدليم وعنزة وقفت إلى جانب الجيش البريطاني الذي كان محاصراً في معسكر الحبانية. ورغم كل هذه المواقف الإيجابية لصالح الكيلاني لكنه لم يخرج عن المعادلة الثابتة عندما أعطى وزارات ثانوية كالمعارف للشيعة بينما استحوذ السنة على رئاسة الوزراء ووزارات الداخلية والدفاع والخارجية والاقتصاد. ولم يكن في القيادة العسكرية ضابط شيعي واحد.

الهوامش:

21- عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 1 22- فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 1323- عبد الرزاق الحسني ( تاريخ العراق السياسي الحديث) / ج 1 / ص 193 ، وعلي الوردي (لمحات اجتماعية) / ج 6 / ص 3024- فريق المزهر الفرعون (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها) / ص 50425- فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 94-9526- عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 127- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4128- الكونت دو ميرابو (1749-1791) Conte de Mirabeau سياسي وثائر فرنسي يُعرف بخطيب الثورة الفرنسية.29- علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 5/ ص 186 وما بعدها30- علي الوردي / مصدر سابق / ص 197 31- المصدر السابق/ ص 206 32- جعفر عبد الرزاق (الدستور والبرلمان) / ص 13933- حسن شبر / مصدر سابق / ص 222-22334- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4235- حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 4836- حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص189-191.

____________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا