في ذكرى شهادة الإمام الكاظم (ع) إمام معصوم وسجين سياسي

0
87

بقلم : د. صلاح عبد الرزاق

يعد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام الإمام الوحيد الذي تعرض للسجن الطويل، رغم أن عدداً من الأئمة عليهم السلام تعرضوا للإقامة الجبرية في منازلهم، وكانوا تحت أعين جواسيس السلطة الحاكمة وعناصر الأمن والشرطة، تراقب تحركاتهم، مراسلاتهم، من يزورهم، من يلتقي بهم، بل وماذا يدور داخل بيوتهم.

عصر الإمام الكاظم:

إن المرحلة التاريخية التي عاصرها الإمام الكاظم (ع) تمثل أهم المراحل في تاريخ الدولة العباسية، كما وأنها من الفترات العسيرة في مسيرة أهل البيت (ع). إذ مارست السلطات العباسية ذروة الملاحقات السياسية والأمنية للبيت العلوي الشريف، وجندت ما تستطيع لمطاردة أتباعهم وأنصارهم في كل بلد ومدينة وريف، فتقتلهم وتسجنهم وتصادر أموالهم. ويعود ذلك إلى الهاجس الشديد لدى البلاط العباسي من ثورات العلويين، ومدى احترام الناس لأهل بيت النبي (ص).

لقد كانت تلك الفترة مظلمة وصعبة من الناحية السياسية، حيث انتشر الظلم والقتل والارهاب على أبسط تهمة أو ريبة. واستأثر بنو العباس بالحكم والقضاء والإدارة والاستهانة بكرامات الناس. وصاحب كل ذلك انتشار اللهو والطرب والمجون وحفلات الخمر التي كانت تقام في قصور الخلفاء والأمراء والولاة والوزراء ، وتقدم فيها الجوار والمغنيات والمغنين والمطربين، ومسرحاً للشعراء المتملقين المداحين طمعاً بالدرهم والدينار. وانشغل الخلفاء والبلاط العباسي باقتناء الجواري والمجوهرات والعطور والملابس الفاخرة، وجمعوا كل وسائل اللذة واللهو والترف وبناء القصور، فأسرفوا وضيعوا خزانة الدولة على ملذاتهم وشهواتهم وأتباعهم وشعرائهم، وحرموا الشعب من الحياة وحقهم في أموال الدولة. وكلن الخلفاء يجاهرون بفسقهم وانحرافهم أمام الناس ، وعرف الناس أنهم غاصبون للسلطة وغير جديرين بها.

جهاد الإمام الكاظم :

كانت الحياة السياسية للإمام الكاظم (ع) تمر بفترات عصيبة. ففي حياة أبيه الإمام جعفر الصادق (ع) عانى من الحصار والتضييق عليه ، لكن ما عاناه في فترة إمامته (ع) كان أشد لأنه تعرض للإعتقال والسجن. ورغم ظروف الحصار لكن الإمام (ع) لم يترك دوره وممارسة مسؤوليته تجاه أمته ودينه. فقد ربى جيلاً من العلماء والرواة والمحدثين. وساهم بشكل مؤثر في مواجهة الانحراف الذي حملته بعض التيارات الفلسفية والعقائد الضالة وعلم الكلام المتأثر بالغزو الفكري والشطط العقائدي. واستمر بمواصلة مهامه العلمية حتى في سجنه. فقد روى المؤرخون أن بعض العلماء وبعض أصحابه وتلامذته كان يتصل به سراً في السجن، وسأله عن بعض المسائل والقضايا والأحكام الشرعية، فكان يراسلهم ويجيبهم.

برز دور الإمام الكاظم (ع) واضحاً في الكفاح والجهاد السياسي غير المسلح. فقدم هذا الجانب من منهج أهل البيت (ع) ودورهم الرسالي خدمة جليلة للعقيدة والشريعة الإسلامية.

الكاظم وظلم البلاط العباسي :

عاصر الإمام الكاظم (ع) حكم أربعة خلفاء هم المنصور والمهدي والهادي والرشيد، إذ امتدت فترة إمامته من عام 148 هـ إلى 183 هـ. ففي عهد المنصور عانى العلويون كثيراَ من قتل وسجن وتعذيب وملاحقة ومصادرة أموالهم، وقاموا بثورات فاشلة. ولوضوح الموقف لدى الإمام ولعلمه بعدم جدوى مثل تلك المقاومة في تلك الفترة، اجتنب الاعلان عن موقفه ، وأخفى معارضته للمنصور. مرت عشر سنوات عجاف حتى مات المنصور عام 158هـ، فتولى ولده محمد المهدي من بعده. شعر المهدي بظلم سياسة أبيه، فحاول أن يخفف عن كاهل الرعية في بداية حكمه، فأطلق سراح السجناء، ورد الأموال المصادرة إلى أصحابها. وشمل هذا القرار العلويين وخاصة الطالبيين ، فأخرجهم من السجون ورد إليهم أموالهم. ولعل هذه الفترة التي دامت أحد عشر عاماَ من أيسر فترات الحكم العباسي بالنسبة للإمام الكاظم (ع) وللعلويين عموماً. ولكن المهدي بقي متوجساً من تأثير الإمام الكاظم (ع) على الجماهير، وأدرك مبلغ حبهم واحترامهم له، فملأ قلبه الحقد والكراهية. أرسل المهدي من يبلغ والي المدينة المنورة، حيث كان يعيش الإمام الكاظم (ع) يبلغه بأن يرسل الإمام الكاظم (ع) مخفوراً إلى بغداد. حالما وصل الكاظم (ع) بغداد حتى أمر المهدي بزجه في السجن، لكن المهدي رأى مناماً أفزعه ، فقرر إطلاق سراح الإمام (ع)، فعاد إلى مدينة النبي (ص) ليواصل مهام الإمامة ومسؤوليتها.بعد الخليفة المهدي تولى الخلافة موسى الهادي ، وهي من الفترات القاسية الرهيبة في تاريخ الطالبيين. فقد واصل الهادي سياسة آبائه في كراهية العلويين ومحاربتهم والتضييق عليهم. ما اضطر العلويين وأتباعهم إلى إعلان الثورة بقيادة الحسين بن علي صاحب واقعة فُخ عام 169 هـ. وقد انتقم العباسيون من الثوار، فقتلوا الأسرى ، وعمدوا إلى التمثيل بالقتلى، وهدم الدور وحرق المزارع. ولعل هذه الثورة من أبرز ثورات البيت العلوي، وأكثرها لوعة وفجيعة بعد ثورة كربلاء التي قادها واستشهد فيها الإمام الحسين (ع). وقرر الهادي اعتقال الإمام الكاظم (ع) وسجنه ، ونصحه أصحابه بالتواري عن السلطة، لكنه رفع يديه إلى السماء ودعا على الهادي. فما هي إلا أيام حتى جاء الخبر بهلاك الهادي، وتولي هارون الرشيد. مضى الرشيد على سياسة أسلافه، فاستمر بالظلم والقتل والسجن والتشريد لذرية أهل البيت وأتباعهم. وروى المؤرخون قصصاً وحشية عن ممارسات الرشيد في الانتقام وقتل أبناء أهل البيت (ع). إذ ورد عن حميد بن قحطبة، أحد أمراء الرشيد، أن الرشيد ارتكب مذابح جماعية شملت ستين علوياً في ليلة واحدة.

الإمام السجين :

في تلك الظروف السياسية الخانقة عاش الإمام الكاظم (ع). وكان طبيعياً أن يناله ظلم الرشيد وانتقامه، باعتباره يمثل قمة البيت النبوي الشريف، وزعيم آل أبي طالب. كما أن خوف الرشيد على ملكه وسلطانه وعرشه جعله لا يتوانى في اعتقال الإمام (ع) وسجنه ثم اغتياله.في عام 178 هـ حج هارون الرشيد، وبدأ بالمدينة المنورة، فأمر باعتقال الإمام الكاظم (ع)، فجرى اعتقاله وإرساله مخفوراً إلى البصرة أولاً.

كان والي البصرة عيسى بن جعفر بن المنصور، وهو ابن عم الخليفة الرشيد، وكان رجلاً لاهياً، مترفاً، شارباً للخمر، مغرما بالرقص والغناء. جاء الجنود بالإمام الكاظم (ع) إلى سجن البصرة في 7 ذي الحجة عام 178 هـ ، وكان عيد الأضحى على الأبواب، فكانت هناك احتفالات وسرور. بقي الإمام الكاظم (ع) سنة واحدة في سجن البصرة، انشغل فيها بالعبادة وقراءة القرآن. أخذ الوالي يراقب الإمام ، وبدأ يتأثر به تدريجياً، وتيقن بأن هذا العابد الزاهد بعيد عن حب الزعامة والرئاسة كما يزعم البلاط العباسي، وحتى الخلافة لم تكن مطمعاً دنيوياً في نفس الإمام بل لأجل وضع الحق في نصابه، ودفع الظلم عن الناس. هذا النظرة الجديدة جعلت الوالي يأمر بنقل الإمام الكاظم (ع) من السجن إلى غرفة الضيوف. بلغ ذلك هارون الرشيد، فأرسل إلى الوالي أن اقتل موسى بن جعفر، فرفض وأرسل إليه: لن أفعل. بعد ذلك كتب الوالي إلى هارون بأن ينقل الإمام من مسؤوليته، وإلا سيطلق سراحه بنفسه، وأنه لا يستطيع الاستمرار في سجنه. أمر الرشيد بنقل الإمام (ع) إلى بغداد، حيث وضع في سجن الفضل بن ربيع أولاً. ولما تغير وضع الإمام داخل السجن، حيث كتب الجواسيس إلى هارون أن الكاظم (ع) يحيا حياة هنيئة في سجن الفضل. أمر الرشيد بنقله إلى سجن الفضل بن يحيى البرمكي، فحدث نفس الشيء، وعامل الإمام بالحسنى، الأمر الذي أزعج هارون كثيراً للتأكد من هذه الأخبار، فأمر بنقل الإمام (ع) إلى سجن السندي بن شاهك رئيس الشرطة في العاصمة بغداد. دخل الإمام سجن السندي وهو عبارة عن طامورة تحت الأرض، لا يدخلها الضوء، ولا يعرف الليل من النهار. قضى الإمام أربع سنوات في سجون بغداد، منشغلاً بالعبادة والدعاء حيث ورد عنه أنه جاء في دعائه: (اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك وقد فعلت ذلك فلك الحمد). وكان يجد في الصلاة من الفجر حتى طلوع الشمس، ثم يسجد سجدة حتى الظهر. وقد كلف بعض الحراس بإخباره بأوقات الصلاة، فاذا أخبره قام للصلاة، وهكذا بعد أن يصلي العشاء، يسجد سجدة طويلة ثم يقوم فيصلي صلاة الليل حتى يطلع الفجر. رفض الإمام كل وسائل السلطة من إغراءات وضغوط، كما رفض التوسط لدى الحكام لإطلاق سراحه، أو اللجوء إلى أي موقف من شأنه أن يضعف روح الأمة. وقال لبعض من طلب منه التوسط وإطلاق حريته فقال: (حدثني أبي عن آبائه، أن الله عز وجل أوحى إلى داود: يا داود إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني، وعرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسخت الأرض من تحته).

الاغتيال السياسي :

لما شعر الرشيد أن روح المقاومة الصامتة التي أبداها الإمام (ع) في السجن قد عززت موقفه، وصارت تأخذ طريقها إلى نفوس الجماهير التي صارت تتفاعل معه وتزداد وعياً ورفضاً. خشي الرشيد أن يتحول الغضب والشعور بالمقاومة إلى ثورة تطيح بعرشه، قرر التخلص من الإمام (ع). وهكذا اتفق مع السندي بن شاهك على دس السم في طعام يقدم إلى الإمام. بقي الإمام يعاني ثلاثة أيام من آثار السم، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وفاضت روحه الطاهرة يوم 25 رجب عام 183 هـ.

ولكي يكمل هارون سيناريو الاغتيال السياسي بشكل متقن، ادعى أن الإمام قد وافاه أجله في السجن. فأرسل على العلماء والقضاة ووجهاء بغداد ليشهدوا بأنه مات موتاً طبيعياً، ولا يوجد في جسمه جرح أو كسر أو أثر حبل في عنقه أو آثار خنق أو طعنة أدت إلى وفاته. وضع الجثمان الشريف ثلاثة أيام على جسر بغداد، داعين الناس إلى مشاهدته والتأكد بأنه لم يمت مقتولاً كما يزعم المعارضون. لكن بعض الأطباء أخبروهم بـانه مات مسموما.

_________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا