عيوب التوافقية السياسية

0
334

بقلم : د. صلاح عبد الرزاق

في الوقت الذي يجد المدافعون عن الأغلبية السياسية أنها تمثل أساس النظام البرلماني مثل سائر الديمقراطيات في العالم ، وأنها تنتج برلماناً فعالاً وحكومة قوية ، يلاحظ أن المدافعين عن التوافقية السياسية لا يكادون يجدون مزية واحدة سوى أنها الحل الأفضل لنظام تعدد المكونات وكأنها الصيغة الأمثل.

كما يعترف الجميع أن التوافقية السياسية السائدة في النظام السياسي العراقي منذ عام 2003 ما تزال عاجزة عن النهوض بالنظام البرلماني. إن التوافقية السياسية تعني مشاركة جميع الكتل السياسية النيابية في تشكيل الحكومة، ويجب تمثيل المكونات ، وأن كل واحد منها يحصل على حصته حسب عدد مقاعده.

أما عيوبها فهي: أولاً: المحاصصة الطائفية والقومية ، وتشمل:

1- توزيع الرئاسات الثلاث على المكونات الشيعية (رئاسة الوزراء) والكردية (رئاسة الجمهورية) والسنية (رئاسة مجلس النواب). مع أن الدستور لم يتحدث عن هذه التوافقية السياسية ، ولا عن هذا التوزيع الطائفي والقومي.

2- منح المكون السني وزارة الدفاع والمكون الشيعي وزارة الداخلية .

3- توزيع الوزارات السيادية (الدفاع والداخلية والخارجية والنفط والمالية) بحيث تكون ثلاثة للشيعة وواحدة للسنة وأخرى للكرد.

4- وصلت المحاصصة إلى الجهاز القضائي اذ تم تشكيل مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية بحيث تضم المكونات والطوائف. ناهيك عن قادة الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية.

5- يجري توزيع مجالس الهيئات المستقلة بين المكونات والكتل السياسية مثل مفوضية الانتخابات، مؤسسة الشهداء ، مؤسسة السجناء، هيئة حقوق الانسان، هيئة الاتصالات، هيئة الإعلام وغيرها. فلابد من منح رئاسة الهيئة لمكون من كتلة معينة، وتمنح سائر المقاعد للمكونات (الشيعة ، السنة، الكرد، التركمان، المسيحيين ). وصارت المطالبة بتمثيل مكون معين أمراً سياسياً مقبولاً في ظل تمثيل بقية المكونات. وعندما يفرغ منصب تعلن الكتلة صاحبة المنصب بأنه من حصتها ، ولا يحق لكتلة أو مكون آخر التقدم إليه. مثلاً في عام 2008 عندما استقال رئيس مجلس النواب الدكتور محمود المشهداني (المولد 1948- ) بقيت جبهة التوافق تصرح علناً بأنه من حصتها وليس لجهة أخرى مطلقاً. وتم اختيار الدكتور إياد السامرائي (المولد 1946- ) من الحزب الإسلامي العراقي للمنصب من بعده. وفي عام 2016 عندما استقال وزير الداخلية محمد سالم الغبان (المولد 1961 – ) وهو من منظمة بدر ، بقي المنصب شاغراً حتى اختيار آخر من نفس الكتلة وهو قاسم محمد جلال الأعرجي ( المولد 1964- ) . كما تم اختيار وزير الدفاع عرفان الحيالي (المولد 1956- ) خلفاً للوزير المقال خالد العبيدي (المولد 1959- ) الذي ينتمي لاتحاد القوى العراقية.

6- في كل وزارة أو هيئة يجب أن يكون فيها ثلاثة وكلاء على الأقل : واحد شيعي ، والثاني سني ، والثالث كردي. ولو فرغ منصب ما فيجب تعيين آخر من نفس المكوٍّن.

7- هذه المحاصصة الطائفية والحزبية أوجدت حالة شاذة تتمثل في جعل الشخص غير المناسب في المناصب والمواقع الحكومية. وتسنم وزراء ووكلاء ومدراء عامون مناصبهم وهم بعيدون عن اختصاصاتها أو يفتقدون لخبرة أولية أو شهادة جامعية حتى أصبح كثيرون من الوزراء ورؤساء الهيئات وغيرهم يشغلون مناصب يجهلون أولياتها ومفرداتها، ناهيك أن يُطلب منهم تطوير الوزارة أو معالجة مشكلاتها.

8- وصلت المحاصصة إلى الدرجات الدنيا ( الدرجات العشر في السلم الوظيفي). وصار كل مكون وحزب وكتلة وتيار يستقتل لتعيين أقاربه ومحازيبه لتغرق بهم الدوائر الحكومية حيث يتوزعون في مختلف المديريات والأقسام والشعب. وكل ذلك على حساب الكفاءة والنزاهة ، بل صارت المحسوبية هي الأساس في التوظيف والترفيع ومنح المناصب.

ثانياً: الابتزاز السياسي :

أتاحت التوافقية السياسية الفرصة لممارسة الابتزاز السياسي والحكومي والبرلماني، مثل:

1- عند عرض مشروع قانون في البرلمان تنقسم الكتل السياسية تجاهه . فمنها من يؤيده لأنه يصب في مصلحتها أو مصلحة جمهورها، وقسم يعارضه لأنه يخالف توجهاته ومواقفه ، وقد يحرجه أمام جمهوره. وقد تجتمع عدة قوانين جاهزة للتصويت لكن لا يوجد توافق لتمريرها كل على حدة كما هو السياق النيابي. ولذلك تلجأ بعض الكتل على ابتزاز بعضها الآخر ، وتعرض صفقة سياسية تتضمن الموافقة على حزمة قوانين لإرضاء كل الكتل. ولذلك شهدنا مصطلح (باقة قوانين) تعرض للتصويت سوية لأن الكتل لا يثق بعضها ببعض. ففي عام 2008 تم تمرير (قانون الموازنة) مع (قانون الانتخابات) مع (قانون العفو العام) لأن كل مكون كان يريد تمشية القانون الذي يريده، فيقبل بتمشية القوانين الأخرى.

2- الأمر نفسه يتكرر في التصويت على الوزراء والسفراء في مجلس النواب. كما تكرر عام 2014 عندما تم التصويت على نواب رئيس الجمهورية وهم ينتمون لثلاث كتل كبيرة.

3- عند توجه البرلمان نحو تشريع قانون معين ، وتكون بعض الكتل معارضة له، ولا تستطيع إفشال التصويت عليه، عندها تقوم بالانسحاب من جلسة مجلس النواب بهدف الإخلال بنصاب الجلسة ، وبالتالي فشل التصويت.

4- أغلب القوانين والقرارات تخضع لاتفاقات وصفقات ، تسبقها مفاوضات ومناقشات طويلة بين رؤساء الكتل. إذ يجري توزيع المكاسب بينها بحيث يتم التصويت عليها بدون مشاكل تذكر. وبذلك تم إلغاء دور نواب الشعب ليصبحوا مجرد يد ترفع عند التصويت. 5- يبقى رؤساء الكتل يتحكمون في كل قرارات البرلمان والحكومة ، ويمارسون كل الضغوط على الحكومة بهدف منع أو تنفيذ قرار أو إجراء.

ثالثاً: الفساد:

تشجع التوافقية السياسية على الفساد السياسي والمالي من خلال:

1- طالما أن توزيع الوزارات يجري وفق المحاصصة ، فقد صارت بعض الكتل السياسية لا تتوان عن بيع الوزارات بأسعار خيالية. إذ تشهد عاصمة عربية بورصة سياسية ومزاد علني عند كل تشكيلة حكومية في العراق. ويتراوح سعر الوزارة بين مليوني إلى عشر ملايين دولار ، وحسب ما تدره الوزارة ، وحجم موازنتها السنوية. إذ يصل سعر بعض الوزارات الخدمية إلى خمسة ملايين دولار ، ووقد يصل ثمن الوزارة السيادية إلى عشرة ملايين دولار. ومعلوم كيف يجري تسديد هذه المبالغ.

2- نشأت هيئات اقتصادية تعود لبعض الأحزاب السياسية، تتولى إدارة المشاريع والعقود التي توقعها الوزارة مع الشركات. إذ تستقطع نسبة من العقود تدفع إلى الحزب صاحب الوزارة . وهكذا يجري تمويل هذه الأحزاب ، والانفاق على أعضائها ونشاطاتها وتظاهراتها ومهرجاناتها ومطبوعاتها وقنواتها الفضائية ، وسفرات قادة وكوادر الأحزاب ، وشراء العقارات والسيارات والاستثمارات.

3- أدت التوافقية السياسية إلى سكوت كل كتلة سياسية عن فساد الكتلة الأخرى، وتمنع محاسبة الوزير الفاسد التابع لكتلة أخرى، لأن بقية الكتل قد تقوم باستجواب وزيرها. وهكذا صار يجري (طمطمة) وسياسة (أسكت لي أسكت لك) تحمي فساد الوزراء لأن التوافقية تحميهم.

4- لقد جرت بعض الاستجوابات للوزراء خلال الدورات السابقة لكنها لم تصل إلى نتائج إيجابية . ولولا نشوء جبهة الإصلاح في نيسان/ابريل 2016 ، واتفاق أعضائها على أهداف سياسية لما تمت إقالة وزيري الدفاع والمالية. لقد تخلصت جبهة الإصلاح من الدوافع الطائفية والقومية ، واتفقت على الإصلاح السياسي انطلاقاً من البرلمان ونحو محاربة الفساد والفاسدين. ومهما قيل حولها لكن المبادرة بقيت بيدها، وأرست عرفاً برلمانياً جديداً في إقالة الوزراء الفاسدين.

هذه بعض عيوب التوافقية السياسية التي سادت العملية الديمقراطية في العراق. ولذلك يدافعون عنها لأنها تجعلهم يتحكمون بالبرلمان والحكومة وكل المشهد السياسي. كما يبقون يبتزون النواب والوزراء والمسؤولين.

رابعاً: مخالفة الدستور:

في الثالث من أيلول/سبتمبر 2018 عقد مجلس النواب أول جلسة له برئاسة النائب الأكبر سناً محمد علي زيني. وتم الاعلان عن تشكيل كتلتين كل منهما تدعي أنها الأكبر . ولم يتحدد لحد الآن من هي الأكبر. ولم تفاتح المحكمة الاتحادية حول الموضوع. وفي 15 أيلول/سبتمبر 2018 تم انتخاب المهندس محمد الحلبوسي (المولد 1981- ) رئيساً لمجلس النواب العراقي. في تشكيل حكومة عادل عبد المهدي (المولد 1942- ) بلغت التوافقية السياسية أوجها عندما تجاوزت الدستور وجاءت ببدعة عدم الحاجة للكتلة الأكبر طالما هناك توافق سياسي على ترشيح عبد المهدي.

في جلسة مجلس النواب في 2 تشرين الأول/اكتوبر 2018 تم انتخاب رئيس الجمهورية برهم صالح (المولد 1960- ) وفي نفس الجلسة أعلن عن تكليف السيد عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة. وقد استلم عبد المهدي كتاب التكليف من رئيس الجمهورية د. برهم صالح. من الغريب أن كتاب التكليف ذكر الكتلة النيابية الأكثر عددا، لكن لم يعلن عن اسمها. وكشف النقاب أن تحالف الاصلاح والاعمار وتحالف البناء قد رشحا عبد المهدي لمنصب رئيس الوزراء. إذ تم التوافق على تسميته دون وجود كتلة أكثر عدداً لأنهما تنازعا الأمر ، وادعا كل تحالف أنه الكتلة الأكبر. وهذه مخالفة صريحة للدستور الذي تنص المادة 76 منه على أن (يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء). وقد انعكست هذه المخالفة الصريحة على مسار تشكيل الحكومة ، حيث بقي الاختلاف وفرض الرأي ورفض هذا المرشح أو ذاك هو السمة البارزة في تمرير كابينة عبد المهدي. ففي 14 تشرين الأول/اكتوبر 2018 أعد عبد المهدي أسماء مرشحي كابينته التي تضم 22 وزيراً . وبدأ بالتصويت عليهم ، لكن تم إيقاف التصويت من قبل تحالف الاصلاح ، وخرجوا من قاعة البرلمان . وبذلك تم التصويت على 14 وزيراً فقط وهو العدد الكافي لانعقاد مجلس الوزراء ، حيث أن (النصف + واحد) يبلغ 12 وزيرا. أما الوزارات الثمانية المتبقية فقد تم التصويت على أربع منها ، فيما بقيت وزارات الدفاع والداخلية والعدل والتربية شاغرة. ولعل أبرز عقدة في كابينة عبد المهدي هي وزارة الداخلية حيث أن تحالف الاصلاح يرفض ترشيح (فالح الفياض) أصلاً أي يطلب حذف اسمه وايجاد بديل آخر. أما تحالف البناء فيرى أنه من حق أي كتلة رفض أي مرشح ولكن يتم ذلك من خلال التصويت عليه في جلسة مجلس النواب. فهذا هو السياق الديمقراطي في كل الأنظمة النيابية حيث يبقى التصويت على الترشيح هو الفيصل وليس الرغبات والمناكفات.

____________

وكالة نخلة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا