عندما تتراجع الوطنية

0
21

بقلم:حسين العادلي

• منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، والوطنية العراقية تعيش أزمة تماسك وحضور واستحقاق، والذي يتحمّل مسؤولية تراجع الوطنية هي مدارس وأحزاب ونخب الدولة قبل مواطنيها، فالأعم الأغلب منها فشلت بخلق أمّة وطنية لدولة وطنية فتراجعت الوطنية.
• الوطنية كولاء والتزام بالوطن من أساسيات القيم السياسية القانونية الأخلاقية، فجميع رعايا الدولة ممن ينتمون للدولة عضوياً فإنهم يتوحدون بانتمائهم وولائهم والتزامهم بوطن يميزهم عن مواطني الدول الأخرى، ومقولات: حب الوطن، الولاء للوطن، الدفاع عن الوطن..الخ ما هي إلاّ شواهد لوطنية مواطني الدولة تجاه وطنهم الذي يعتبر حاضنتهم القانونية والسياسية والمصالحية وكينونتهم السيادية التي تميّزهم كأمّة وطنية.
• أكبر الخطايا التي مارستها المدارس السياسية تتمثل بثلاثي: التعويم، التماهي، الإستلاب.. التعويم لفكرة الوطن، والتماهي مع الآخر المفترض، ومن ثَمَ الإستلاب للخصوصية والهوية والمصالح الوطنية، فأوجدت مسمى دولة وشبح أمة، فالعراق ليس وطناً سيادياً لدولة ذات خصوصية وهوية ومصلحة تامّة، بل هو جزء تابع لكل مُفترض، هو قطر أو ولاية أو مشاعية. لقد تم تعويم الوطن لصالح أوطان مفترضة وروابط مؤمّلة قومية أو دينية أو آيديولوجية لتتم التضحية بفكرة الدولة/الأمّة ذات الخصوصية والهوية والسيادة والمصالح العليا!! فأنتج هذا التعويم التماهي مع الآخر فالإستلاب للوطن، ليضعف الولاء وتتراجع الوطنية للدولة بالتبع.
• تتراجع الوطنية وتتقدم وفق معايير الدولة وطبيعة الحكم فيها، وبدون معيار المواطنة التامّة ونظام الحكم الوطني التشاركي لن تزدهر الوطنية، فلن تحيا الوطنية في ظل الأنظمة الطاغية المميزة بين مواطنيها والقامعة لحقوقهم والفاشلة في تحقيق مصالحهم والمغامرة بمصائرهم، ولا ارتفاع بمناسيب الوطنية في ظل المواطنة المنقوصة، مواطنة الواجب دونما حق، مواطنة الإستبداد والتمييز والإقصاء، مواطنة الظلم والحروب والحرمان. مثل هكذا مواطنة (كما في زمن المواطنة البعثية الصّدامية) هي قيد وذل ولائحة ضرائب. الوطنية تزدهر في ظل المواطنة التامّة المتكافئة العادلة، وتحيا بأوطان الحرية والكرامة والرفاه.
• تتراجع الوطنية أيضاً في ظل المواطنة المؤدجلة التي تريد للمواطنين لوناً وقالباً آيديولوجياً شمولياً واحداً، وكل مَن هو خارجها فهو خائن أو عميل أو كافر. وتتراجع الوطنية أيضاً في ظل المواطنة المنشطرة على ذاتها بفعل تصدر الإنتماءات والولاءات للهويات العرقية الطائفية الإثنية التي تقيم الهوية والإعتراف والمصلحة على أساس من أفكار المكوّنات وليس مبادئ المواطنين كما هو اليوم، عندها لا يكون للوطنية من معنى، فالوطنية غير المشفوعة بالولاءات والمصالح والتخندقات العرقطائفية الحزبية لا وزن لها في عرف دولة المكوّنات.
• وكما تتراجع الوطنية في ظل الدولة الفاشلة الفاسدة التي لا محرمات فيها بما فيه التخابر مع الأجنبي وتنفيذ أجنداته، تتراجع الوطنية أيضاُ في ظل أمّة الأفراد التي لا ترتقي لمرتبة أمّة المواطنية الواعية الفعّالة، فالمواطن الذي لا يرقى لمرتبة المواطنية (حق وواجب) ليس إلاّ فرداً لا يستحق الدولة، فالذي يستحق الدولة وتستحقه الدولة هو المواطن المفعّل لوطنيته بالإهتمام بالدولة والإمتثال لها والدفاع عنها، عن قوانينها ومؤسساتها، مدنها وبيئتها، أمنها وسيادتها، صلاحها وفسادها، فالدولة لن تتقدم إلاّ بالمواطن المدافع عن السلام والنظام والتضامن بدل التمرد والفوضى والكراهية، وبمثل هكذا وطنية مسؤولة تبقى الدولة وتنتصر.


ملاحظة : المقال يمثل رأي كاتبه وحق الرد مكفول.

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا