صورة تذكّر بالهول الذي تنتجه الفاشية

0
100

بقلم : احمد سعداوي

احتفظ بهذه الصورة منذ 15 عاماً، منذ صدمة العالم باكتشاف المقابر الجماعية التي خلفتها عمليات الإبادة للأهالي المتهمين بمناوءة نظام صدام (حسين)، عقب الانتفاضة الشعبية في آذار 1991.
أقول “صدمة العالم”، مفترضاً أن العالم صُدم فعلاً في ذلك الوقت، ولست متأكداً تماماً، لأن هناك الكثير مما يشغل العالم في كل وقت وحين، ولأنه من النادر أن تكون القضايا الانسانية بعيدة عن الاستثمار السياسي والتسويق الاعلامي الذي يسعى لتوظيف كل شيء في “الحرب مع الخصوم”.
سحبت الصورة على البرنتر ووضعتها على الحائط في غرفة مكتبي، وكأنها لوحة ما بعد الحداثة “جرياً على رأي بودريار بما يخص تفجيرات 11 سبتمبر”.
إنها مؤثرة وتحوي طاقة تعبيرية هائلة، ولو أن من اكتشف المقبرة الجماعية، وجمع هذه الاحذية والنعل والمداسات المختلفة، وضعها كما هي على حالها في متحف، لبقيت محتفظة بطاقتها التعبيرية حتى يومنا هذا.
احتفظت بالصورة كي أذكّر نفسي دائماً بالهول الذي تنتجه الفاشية والديكتاتورية، وكي أحافظ على انفعالي وغضبي تجاه كل من يحاول تجميل نظام صدام، أو يسعى لإيجاد المبررات، ومحاولات تلطيف الصورة.
ورغم أن الحاكمين ما بعد صدام أسقطوا كل حججنا في الدفاع عنهم، أو عن النظام الذي شيّدوه، وذهبوا وداسوا آثار صدام على الأرض واحداً تلو الآخر، وقلّدوه في كل شيء، حتى “بزّوه” ونافسوه في بعض التفاصيل والقضايا، وكانوا “في بعض هذه التفاصيل” أكثر سوء واجراماً منه ، إلا أن الصورة هذه بقيت بمحمولها الانفعالي والتعبيري نفسه. إنها ليست صورة نافعة لدعاية انتخابية لأي حزب من الاحزاب الحالية، ولن تكون كذلك يوماً ما.
إنها صورة من الماضي ولكنها في الوقت نفسه صورة مرسلة الى المستقبل، كي نتذكر العاقبة الرهيبة لتركّز السلطة في يد فردٍ واحد أو فئة وجماعة واحدة دون الآخرين، مع موارد ريعية غير مكلفة.
إنها صورة تذكّرنا أن الرومانسية السياسية والبطولات والمغامرات تكون خسائرها الفادحة من المواطنين الأبرياء والبسطاء، الذين قد لا يعرفون لماذا غدوا ضحايا، ولماذا تحوّلوا الى متَهمين.


ملاحظة : المقال يعبر عن رأي كاتبه وحق الرد مكفول للجميع

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا