الكراهية بالوراثة… والتسامح بالفطرة

0
64

الكاتب : عبد العزيز الكندري

من جمال الطفولة… أنهم يولدون وهم يحبون كل شيء تقريباً ولا يخافون من شيء، يعيشون حياة جميلة متسامحين مع بعض، ولكن مع مرور الأيام نزرع في عقولهم وأحشائهم الكراهية، ونغذيهم على كره الآخرين المختلفين عنا بينما هم في الحقيقة متشابهون معنا إلى حد التطابق.
لماذا نفشل في تربية الأطفال تربية متسامحة محبة للعالم ورسل سلم وسلام، العالم يتغير ويطور بشكل غير مسبوق على الإطلاق وفي كل الجوانب، ونحن مازلنا نغذي ونتغذى على كره الآخرة، على جنسيته، أو شكله، أو وضعه.
والذي يدعو للأسى هو استخدام بعض رجال الدين الذرائع والمسوغات لكره الآخرين، بدل أن ينشر التسامح يحرث في نوايا الآخرين، بحجة الدفاع عن الهوية والثوابت، أي نوع من البشر يشعر بالسعادة والفرح عندما يرى مصائب الآخرين، بدل أن نشاركهم الشعور نفرح لذلك!
كيف يعقل أن نحفر في كتب التاريخ ونبحث عن المناجم التي قد نجد بعض الكتب التي ألفت قبل عشرات السنين، وقد تجيز لنا كراهية الآخر، وفرح بذلك وننشر هذا الأمر على أنه حقائق ومسلمات، من الذي أعطانا الحق في ذلك وسمح لنا أن نفعل هذا الأمر المشين.
لماذا فشلنا في العالم العربي في بناء دولة طبيعية تساهم في أن يعيش الناس بمحبة وسلام تجاه دول العالم، لماذا لم نستطع أن نبني مؤسسات تنموية تساهم بتحقيق التقدم والرفاهية وتوفر فرص عمل حقيقية لكل أبنائها، لماذا لاستعمال الجار مع جاره بكل محبة وتسامح.
ويقول الكاتب غسان شربل:«أخذتنا الغفلة لعقود وقرون. خفنا وانغلقنا. عاقبنا المعترض، وشطبنا المشكك، واعتبرنا حامل السؤال خائناً. اعتقلنا الحناجر والأصابع والأحلام. وهكذا تعفنت مؤسساتنا، هذا إذا وجدت. تعفنت مدارسنا وجامعاتنا ومناهجنا. تخرج الأطفال من مدارسنا بمخيلات مريضة ومشاعر مسنونة. عمقت جامعاتنا الكئيبة إقامتنا في قبور أجدادنا. تحول الطالب رقماً وتحول صدى وتحول لغماً. وقفنا على رصيف العالم وكان يتقدم. ازداد تقدماً فازددنا حسرة وغضباً. ولازمنا شعور بأن العالم يُصنع من دوننا وفي غيابنا. ويصنع ضدنا. وهكذا أعددنا أجسادنا والعبوات وانفجرنا».
ومن نافلة القول ان أغلب المحتوى العربي في وسائل التواصل الاجتماعي ضعيف وتافه، ويدعو إلى التفرقة وبث واذكاء الطائفية والكراهية. وكل هذه الأمراض الاجتماعية كانت موجودة خلف الأبواب المغلقة، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلتها في المقدمة والصدارة.
وغالبية تصرفات أصحاب خطاب الكراهية تكون عاطفية، وأصبحوا خبراء بالكراهية، وهذه نتيجة طبيعية، وعندما تمارس الغضب بكثرة تصبح خبيراً فيه، وكذلك كثرة القلق تجعلك متفوقاً به بل وستقلق من كل شيء من حولك، من الشوارع والسفر والعمل والقائمة تطول.
وعلى عكس ذلك إذا كانت نظرتك للحياة ايجابية وعلى الآخرين، وكنت متسامحاً وناشراً للمحبة والسلام، فسينعكس ذلك على نفسك وحياتك وتعاملاتك أينما كنت، وسيتأثر الآخرون بك، وابدأ من هذه اللحظة بتغيير عاداتك السيئة إلى عادات ايجابية… لا تنشر خبرا مهما كانت أهميته من دون أن تتأكد وتتثبت.
إننا بأمس الحاجة للحديث عن التسامح وإشاعة مبادئه بين الناس. إنها ثقافة مهمة للتعايش داخل المجتمع الواحد، ولو تأمل المرء لوجد أن القواسم المشتركة أكثر بكثير من التقاطعات والاختلافات. والتسامح هو التغيير والتأثير بالقناعات للوصول إلى أرضية مشتركة، وإننا بأمس الحاجة لتأصيل لغة الحوار حتى بين المتخاصمين لأن ما يجمعنا أكبر بكثير من الذي يفرقنا من القيم الإنسانية… وهو يعتبر التمهيد وبوابة التسامح لأن من خلال الحوار الفعال نستطيع أن نتفهم وجهة نظر الآخر خصوصا من الذين يحملون معتقدات مغايرة.
أعتقد بأن مرض الكراهية من الآخر، يجب التصدي له بكل حزم عن طريق نشر ثقافة التسامح، بداية من البيت. والوالدان عليهما المسؤولية الكبيرة في ذلك، والمدرسة والكتاب وقادة الرأي وأعضاء مجلس الأمة وخطباء المساجد، كل هؤلاء عليهم مسؤولية كبيرة. ما أجمل أن نعيش بتسامح في ما بيننا وأن نعلّم التسامح لأبنائنا ومن حولنا، بدلاً من أن نشحنهم صباح مساء بما لا يعود عليهم وعلى أوطانهم بالخير.

المصدر : صحيفة الراي الكويتية 

اترك رد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا